من -لوليتا- نابوكوف إلى -لوليتا- إبستين


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 16:06
المحور: حقوق الاطفال والشبيبة     

من "لوليتا" نابوكوف إلى "لوليتا" إبستين: حين تصبح البراءة وقوداً لطائرات النخبة

في منتصف الخمسينيات، أطلق الروائي الروسي-الأمريكي فلاديمير نابوكوف صرخة أدبية بعنوان "لوليتا". لم يكن نابوكوف يكتب دليلاً للمفترسين، بل كان يشرح عقلية "هامبرت هامبرت"؛ ذلك الأكاديمي الذي يختبئ خلف بلاغته وذكائه ليمارس أبشع أنواع الاستلاب لبريئة قاصر. لكن المفارقة التاريخية المؤلمة تكمن في أن "لوليتا" التي أرادها نابوكوف "ضحية" تثير الشفقة والهلع، تحولت في مخيلة "برجوازية العصر الحديث" إلى رمز للغواية المباحة، حتى أطلق المجرم جيفري إبستين اسم "لوليتا إكسبريس" على طائرته الخاصة، معلناً بذلك انتقال الجريمة من صفحات الرواية إلى مدرجات المطارات الدولية.

لوليتا: من مأساة الورق إلى استعراض القوة

إن تسمية طائرة إبستين بهذا الاسم لم تكن محض صدفة أو "شطحة" أدبية، بل كانت رسالة رمزية (Code) موجهة لنخبة من الساسة، المليارديرات، والمشاهير. ففي عالم إبستين، لم تعد "لوليتا" طفلة تُغتصب براءتها، بل أصبحت "عملة" للتبادل، ووسيلة لربط أصحاب النفوذ بجرائم مشتركة تضمن ولاءهم وصمتهم.

بينما كان نابوكوف يصور "لوليتا" كفتاة محطمة تهرب من جلادها لتتزوج شاباً في عمرها باحثة عن طبيعية مفقودة، كان إبستين وزملاؤه يحاولون "مأسسة" هذا الشذوذ، وتحويله إلى طقس يومي فوق السحاب وفي جزر منعزلة، بعيداً عن عيون القوانين الأخلاقية التي وضعها البشر "العاديون".

انحطاط البرجوازية: حين يسقط القناع

يعكس ملف إبستين ذروة الانحطاط الخلقي لطبقة برجوازية ترى في الثروة "حصانة" فوق الأخلاق. إن هؤلاء الذين استقلوا طائرة "لوليتا" لم يكونوا جهلة، بل كانوا "أذكياء للغاية" تماماً مثل بطل الرواية هامبرت هامبرت. وهنا تكمن المصيبة؛ فالعلم والنفوذ والمال، حين تتجرد من الوازع الأخلاقي، تتحول إلى أدوات تدميرية.

لقد انتقلت هذه النخبة من "رومانسية" نزار قباني التي كانت تتغنى بالجمال العفوي، إلى "وحشية" الاستغلال المنظم. لم يعد الأمر يتعلق بقصة حب مستحيلة أو تمرد مراهقة، بل تحول إلى سوق للرقيق الأبيض يُدار بعقلية الشركات الكبرى، حيث تُنتهك الطفولة تحت مسمى "الحرية الشخصية" أو "الطقوس السرية".

العودة إلى "الغابة" بالبدلات الرسمية

ما يثير الرعب في تحليلات النقاد والشعراء، مثل ما طرحه الشاعر هاتف بشبوش، هو الشعور بأن العالم يُدار من قبل "مجرمين يرتدون ربطات عنق". إن الحديث عن طقوس شيطانية أو استغلال وحشي للضحايا ليس مجرد خيال سينمائي، بل هو انعكاس لحالة من "السعار السلطوي" حيث يشعر القوي بأن كل شيء مباح، بما في ذلك أجساد الصغار.

إن "أمريكا" وبقية القوى التي تقود هذا النظام العالمي تقف اليوم أمام مرآة إبستين؛ فإما أن تُحطم هذه المرآة وتُحاسب كل من صعد على متن تلك الطائرة اللعينة، أو أن تعلن رسمياً سقوط الحضارة في فخ "اللوليتية" – حيث البراءة هي الضحية الدائمة على مذبح اللذة والنفوذ.

ا هل ماتت لوليتا حقاً؟

في الرواية، تموت لوليتا وهي تلد طفلاً ميتاً، كأنما أراد نابوكوف أن يقول إن هذا المسار لا يؤدي إلا إلى العدم. واليوم، طائرة إبستين قابعة في المخازن أو محطمة، لكن "الفكر" الذي أطلقها لا يزال حياً في عقول كثر لا يزالون يمارسون ذات الجرائم خلف ستار السرية.

إن كشف الحقيقة ليس مجرد رغبة في الانتقام، بل هو محاولة لاستعادة "تعريف الإنسان" في عصر كادت فيه المادة أن تبتلع الروح.

ما كشفته قضية إبستين، وما يقرأه المثقفون اليوم بعين الناقد، هو أن العالم لا يُدار فقط بالسياسات الاقتصادية والتحالفات العسكرية، بل يُدار أحياناً بـ "ملفات الابتزاز" وعملات "اللحم البشري". لقد تحولت "لوليتا" من رمز للضحية المحطمة في الأدب الكلاسيكي، إلى "ماركة مسجلة" لشبكة دولية من النخبة التي ترى في العالم مجرد إقطاعية خاصة لشهواتها.

"إن الانحطاط الخلقي ليس مجرد سقطة فردية، بل هو هيكلٌ كامل من الصمت والتواطؤ تبنيه النخب حين تشعر أنها فوق المساءلة."


إن الحديث عن طقوس شيطانية أو استغلال وحشي، بعيداً عن كونه مادة للأفلام، يعكس حقيقة فلسفية واحدة: حين يموت الضمير في قمة الهرم، تتفسخ القاعدة. إن النخبة التي كانت من المفترض أن تقود العالم نحو التنوير، سقطت في وحل "اللوليتية"؛ حيث الذكاء يُسخّر للمكر، والثروة للخراب، والقدرة للإفلات من العقاب.

خلاصة القول: إن طائرة "لوليتا" لم تكن تنقل ركاباً فحسب، بل كانت تنقل عالماً بأسره نحو الهاوية الأخلاقية. واليوم، ونحن نطوي صفحات هذه القضية قانونياً، لا يزال السؤال الثقافي قائماً: كيف سمحنا للمجرمين بأن يسرقوا حتى استعاراتنا الأدبية ليغطوا بها قبح أفعالهم؟



2026-02-06