ديمومة الروح: الذاكرة والحواس بين تنظير برغسون وتجسيد بروست


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 14:09
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     



"ولكن عندما لا يبقى شيء من الماضي القديم، بعد موت الكائنات، بعد تدمير الأشياء، وحده، أكثر هشاشة، ولكن أكثر حيوية، وأكثر تجردًا، وأكثر ثباتًا، وأكثر إخلاصًا، تظل الرائحة والطعم باقيين لفترة طويلة، مثل الأرواح، تتذكر، تنتظر، على أنقاض كل شيء آخر، تدعم دون انحناء، في سقوطه غير الملموس تقريبًا، المبنى الهائل للذاكرة."
مارسيل بروست- البحث عن الزمن المفقود - ترجمة الياس بديوي - القاهرة


في هذا المقتطف من كتاب ("البحث عن الزمن المفقود". 1913) ، يتأمل مارسيل بروست (1871 - 1922) قدرة الحساسية البشرية وخاصة الشم والذوق، في استحضار الذكريات وتجاوز قيود الزمن. يرى بروست أن هذه الحواس، رغم هشاشتها الظاهرية، تحمل قوة استثنائية في الحفاظ على جوهر الماضي وتجسيده في الحاضر.


في ملحمته الأدبية "البحث عن الزمن المفقود"، لم يكن مارسيل بروست مجرد روائي، بل كان "عالم آثار" للنفس البشرية، مستنداً إلى أرضية فلسفية صلبة أرساها هنري برغسون. يتجلى هذا التعاون بين الأدب والفلسفة في قلب مفاهيم الزمن، الذاكرة، والهوية، ليحولها من مجرد نظريات إلى تجربة وجودية حية.

الذاكرة الوجودية: ما وراء العقل الآلي

بنى بروست رؤيته على ثنائية برغسون الشهيرة في كتابه "المادة والذاكرة". فبينما تُعنى "ذاكرة العادة" بالمهارات الآلية والبيانات السطحية التي تخدم متطلبات الحياة اليومية، تظل "الذاكرة الحيوية" (أو المحضة) هي المستودع الأمين لكل تفاصيل وجودنا الكامن في اللاوعي. هذه الذاكرة لا تنصاع لإرادة العقل أو المنطق، بل تنتظر "صدمة حسية" مفاجئة—كطعم المادلين أو أريج الزعرور—لتفتح بوابات الماضي، فتتدفق الذكريات لا كمعلومات باردة، بل كحياة نابضة تمزج "أنا" الماضي بـ "أنا" الحاضر.

الديمومة في مواجهة الزمن الميكانيكي

بتحدٍ واضح وموقف رافض لما يسمى بزمن الساعة الميكانيكي، الذي يقوم بتقسيم الحياة إلى وحدات زمنية متساوية ومجردة من المشاعر، تبنى مارسيل بروست الفكرة البرغسونية للديمومة بوصفها مفهومًا يتخطى السرد التقليدي للزمن. إذ أن الزمن في رؤيته ليس مجرد خط مستقيم يتلاشى خلفنا ويُدفن في الماضي، بل هو "زمن النفس" ذو الطبيعة الدائرية والانسيابية، حيث يتخلل الماضي الحاضر بانسياب ودون وجود عوائق تحول بينهما. في هذا السياق، يصبح الزمن تجربة ذاتية تختلف عن التوصيف المادي التقليدي؛ فلا يمكن قياس اللحظة بمقاييس ثابتة مثل الساعات أو الدقائق، بل تُقاس بعمق الشعور والتجربة التي تحتويها. ولعل أحد أبرز أشكال هذا التجسيد يظهر في سرد بروست الغني بالأوصاف والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، حيث يمدد ثواني قليلة ليبسطها على صفحات مطولة، ليحيل اللحظة العابرة إلى تجربة شعورية تتسم بالخلود الروحي الذي يكاد يُبعدها عن المادة وزوالها.

الحواس كأدوات للحدس العميق

استنادًا إلى رؤية هنري برغسون الفلسفية، يُعتبر العقل أداة تحليلية ذات حدود قاصرة عندما يتعلق الأمر بفهم الحياة وجوهرها العميق. في المقابل، يأتي الحدس ليصبح الوسيلة الوحيدة القادرة على النفاذ إلى بواطن الأشياء وكشف حقيقتها. عند إسقاط هذا المفهوم على عالم بروست الأدبي، نجد أن الحواس البشرية - مثل حاسة الشم والتذوق واللمس - تتحول إلى أدوات حدسية قوية تتجاوز وظائفها الفيزيائية الطبيعية. فهي تُمكّن الراوي ليس فقط من استدعاء ذكرياته الماضية، بل تجعله أيضًا يعيش تجربة وجدانية فريدة تُعيد تشكيل تلك الذكريات في حيوية حاضرة. وعبر الحواس، ينفذ بروست إلى عمق الوجود الحقيقي للأشياء، بعيدًا عن حدود المنطق والتاريخ المصطنع. بعبارة أخرى، الحواس ليست وسيلة لفهم ما هو سطحي فقط، وإنما قناة عبور نحو جوهر يتخطى كل تصور عقلي تقليدي ويضفي على التجربة الإنسانية بعدًا أعمق وأكثر حميمية.

الصيرورة: حيث يلتقي بروست بماركس
تلتقي رؤية بروست مع فكرة كارل ماركس حول الإنسان بوصفه كائناً "يعيد تشكيل نفسه باستمرار". فبينما يؤكد ماركس أن الإنسان يبني ماهيته من خلال تغيير الظروف المادية والعمل، يرى بروست أن الإنسان يخلق ذاته من جديد عبر "الفعل الجمالي" واسترجاع الذكريات.

يتجسد الإنسان باعتباره كائناً متغيراً في منظور بروست وبرغسون؛ إذ لا يُنظر إلينا على أننا كائنات ثابتة، بل كحالة ديناميكية دائمة التطور والصيرورة.

فيما يتعلق بالعلاقة الجدلية بين الداخل والخارج، نلاحظ أن كما يُحول العمل المادي في فكر ماركس وعي العامل، فإن "المحفزات الحسية" مثل الطعم أو الرائحة لدى بروست تعمل على تحرير الوعي العميق. نحن نحمل في أعماقنا طبقات متراكمة من ذكريات لحظاتنا السابقة؛ بحيث يصبح التذكر آلية تمكن الإنسان من تحقيق اكتمال ذاته واستعادتها من التأثير السلبي لـ"اغتراب الزمن الضائع".

الفن: المختبر الأخير للزمن المستعاد

تعتبر الحساسية المفرطة لدى بروست بمثابة "هدية متناقضة". فمن جهة، تفتح هذه الحساسية أبواب الألم والمعاناة المرتبطة بماضي التجارب، ومن جهة أخرى، تشكل القوة الإبداعية التي تمنح الحياة عمقها واتساعها. إن انشغال بروست بـ "التفاصيل الصغيرة" يمثل انتصاره الرمزي على الفناء والزوال. ففي حين قدّم برغسون الأساس النظري لفهم الزمن والذاكرة، أثبت بروست أن الفن هو الفضاء الوحيد الذي تتجسد فيه هذه الفلسفة بصورة ملموسة، حيث يمكن للوعي أن يستعيد "الزمن المفقود" بكليته، ليشكل نسيجاً مترابطاً يوحد الأزمنة في كينونة خالدة لا تنفصل.

2025-02-09
مالمو