الياس مرقص والفكر الشيوعي
كامل عباس
الحوار المتمدن
-
العدد: 8468 - 2025 / 9 / 17 - 16:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
علمّني الأستاذ الياس مرقص في الصف الثامن عام 1962 مادة الاجتماعيات في ثانوية جبلة . له صورة ناصعة في قلبي فقد كان مميزا بأسلوبه ولغته وقدرته على تبسيط الفكرة كي تصل الى أذهان طلابه, وعُدنا والتقينا كزملاء في دار المعلمين في اللاذقية ,هو يدرس مادة الفلسفة وأنا مادة العلوم .كنا نجتمع في قاعة المدرسين وفيها جرت لي معه هذه الحادثة أوائل آذار عام 1977. قبل دخول المدرسين الى قاعات التدريس بدقائق دخل الأستاذ الياس الى الغرفة مكفهرا وغاضبا, استفسرنا عن السبب فأجاب: أنا آت هذه اللحظة من صلنفة . لي فيها عقار ورثته عن أجدادي, فوجئت بأن الدولة وضعت يدها عليه واعتبرته ملكية عامة وتابع قائلا :
- سأقيم دعوى قضائية لاسترجاع حقي
- وهل تظن يا أستاذ انك ستربح الدعوى ؟
- سأربحها بالتأكيد في قادم الأيام
تدخّل المدرسون لإسكاتي وكأنني أفعل شيئا معيبا بمعارضتي للأستاذ الكبير . حُلت المشكلة بقرع الجرس لدخول الأساتذة الى قاعات التدريس .
تشاء الظروف ان تتم ملاحقتي في اليوم الأخير من آذار بتهمة الانتماء الى رابطة العمل الشيوعي وقد بقيت طيلة فترة الملاحقة أتابع أستاذي على صفحات جريدة السفير وكانت مقالاته تعجبني في الأسلوب ولا أحبذها في المضمون .
تذكرت البارحة أستاذي عندما لمحت كتابا سميكا في واجهة إحدى المكتبات الرئيسية في اللاذقية . ترجمة الياس مرقص . سارعت حالا لاستعارة الكتاب .
قرأت الكتاب مرتين لأنني استمتعت بالتأليف والترجمة فالمؤلف لا يقل عمقا لا في الأسلوب ولا في المضمون عن الأستاذ الياس
الكتاب : المؤلفات السياسية الكبرى من مكيافل الى أيامنا .
المؤلف : جان جاك شفًاليه .
المترجم : الياس مرقص.
الناشر : دار الحصاد- دمشق .
طبعة أولى:عام 2019 عدد صفحات الكتاب 480صفحة .
أظن أن اختيار الأستاذ الياس لترجمة هذا الكتاب قبل وفاته بقليل هو محاولته الظهور بشكل غير مباشر بأنه مازال وفيّا للمنظومة الشيوعية - رغم كل ما بينت الحياة من تناقضات في هذا الفكر- لقد اختار لذلك دارا شيوعية لتنشر له وكاتبا فرنسيا لامعا متعاطفا مع الفكر الشيوعي رغم كل انتقاداته له مثل تكرار قوله : ان هوى المساواة أقوى في قلب الانسان من هوى الحرية
اليكم هذا التعليق الذي ورد في الكتاب.
في محاولة المؤلف عرض فلسفة مونتسكيو خلال الفصل الثاني المعنون – روح القوانين لمونتسكيو( 1748) – تناول ما سمّاها نظرية المناخات عند مونتسكيو. جاء في الصفحة 165 مايلي : لماذا يوجد في آسيا روح عبودية وفي اوروبا عبقرية حرية ؟
يحاول مؤلف الكتاب ايصال فكرة مونتسكيو الطويلة بالقول :
جاء الاتساع الهائل لسهول آسيا الملائم للنظام الاستبدادي عكس أوروبا ....وان كانت شعوب آسيا تُفتح بوصفهم عبيدا ومن أجل سيّد ,فإن شعوب شمالي أوروبا تفتح بوصفها
رجالا أحرارا . حتى لا نظلم مونتسكيو أقول : ان حديثه عن المناخ كان غرضه الرئيسي هو تأثير الطبيعة ومناخها المتقلب على تفكير النوع البشري : لكن الأستاذ جورج يسارع لدعمها من الفكر الشيوعي عند ماركس وانجلز فيقول معلقا على ذلك في نهاية البحث
(ملاحظة على الهامش :عند ماركس وأنجلز والنمط الآسيوي للإنتاج - الاستبداد الشرقي, الركود الشرقي , الركود الشرقي, الخ:
1- فكرة أثر الاتساع الهائل في النظام الاستبدادي واردة .
2- المناخ له موقع مهم ويلعب دورا عبر الإنتاج ونمط الإنتاج
3- مونتسكيو في غياب الانتاج كمقولة مركزية وعلم الاقتصاد السياسي والمادية التاريخية والجدلية يقبض على المناخ ثم يقفز من الجغرافيا الى الروح العام
4- الشيء الذي نأسف له غياب هيغل بذاته , وغياب هيغل كمصدر وأرض لماركس (لا سيما فكرة ومسألة المجتمع المدني أو البورجوازي) .
يصل الكاتب في سرده التاريخي للفكر وتعليقه عليه الى الجزء الرابع – الاشتراكية والقومية - (1848- 1927) ويخصص الفصل الأول للفكر الشيوعي وبشكل خاص بيان الحزب الشيوعي عام 1848 فيستعرضه بكل فقراته بدقة وينتقل الى المادية الجدلية والتاريخية ومن ثم الى صراع الطبقات وبعدها الى هيمنة البروليتاريا ليصل الى فقرة النقد والتعليق التي جاءت بعنوان – رسالة الى الشيوعيين- لينتقد الفكر الشيوعي بسخرية حادة فيقول حرفيا في الصفحة 340 مايلي: ( يوبّخ الشيوعيون على كونهم يريدون تدمير الملكية, الحرية , الفردية , الثقافة , الحقوق, العائلة, الوطن , الأخلاق , الدين , ليناقش كل فقرة على حدة وبشكل خاص تدمير العائلة وتبلغ السخرية ذروتها في مناقشته لدكتاتورية البروليتاريا وإشاعة النساء .
كنت أتّوقع أن أجد في هذا الفصل تعليقا واضحا على شاكلة تعليقه السابق عن نظرية المناخات وتقريعه للكاتب كونه لم يذكر حرفا عن فلسفة هيغل وهو أرضية ماركس كما يقول:كان يهمني ان اعرف منه رأيه بديكتاتورية البرولتاريا واضمحلال العائلة , ولكنّ المترجم الياس خذلني مع الأسف.
مشكلة الفكر الشيوعي انه فكر شمولي مغلق يُكِلس عقول فلاسفة قديرين- مثل استاذي الياسس - ليجعل منهم جميعا أسرى لرغبات هذا الفكر وليس هذا فحسب بل بتبنيهم جميعا الملكية العامة ’أما من ينطلق من الواقع ,من الملكية الخاصة من توازن القوى على الأرض وتحديد السلسلة الايجابية والسلسلة السلبية ليضع كل جهوده في تقوية السلسلة الايجابية من اجل خدمة الانسان والمجتمع فهو برأيهم عدوا للتقدم الاجتماعي . تقّدم عليهم اللبراليون لأنّ فلسفتهم ذات نهايات مفتوحة. وهكذا تمكّن أديب مثل فؤاد الشايب وفي ذروة تألق الفكر الشيوعي أن يقول هذه الكلمات في محاضرة ألقاها في دار الكتب الوطنية التابعة لمحافظة ادلب تحت عنوان كيف نفهم الحرية ؟ في11/4 / 1953
(ان مجرى أحداث التاريخ حلال قرنين ماضيين يشير أبدا إلى تطور عالمي شبه اجتماعي نحو تقييد الحرية فليس الحديث بعد اليوم عمّا هو نوع الحرية بل عما هو نوع الضابطة التي ستُعيَن حارسا على الحرية الجديدة , من هنا أطّلت الماركسية وديكتاتوريتها البروليتارية وليس عجيبا ان يقال : الهتلرية النازية متحت ماءها من تلك البثر الماركسية ومزجتها بقلسفة ألمانية لتجعل منها شرابا ألمانيا يوافق المزاج الألماني فدعيت الاشتراكية الالمانية الوطنية ).
في عام 1964 كنت طالبا في الصف الأول الثانوي أذكر منه منهاج الفيزياء وفصله المتألق عن الذرة . كانت الذرة تلك الأيام في كل مناهج العالم تُدّرس على الشكل التالي : تحتوي الذرة على نواة بداخلها نوعين من الجسيمات , جسيمات تسمى بروتونات ذات شحنة كهربائية معتدلة ونترونات شحنتها صفر – أي معتدلة - وحول النواة الكترونات ذات شحنة سالبة تدور على مدارات اهليلجية ودائما في كل ذرة يكون عدد الالكترونات مساويا لعدد البروتونات لتبقى الذرة معتدلة.تطور علم الفيزياء بسرعة الصاروخ من تلك الأيام حتى أيامنا هذه ومّر بعدة أطوار آخرها يقول : لا نستطيع أن نقول على وجه التأكيد اين يوجد الإلكترون على مداره حول النواة وإنما نستطيع تكوين احتمالات عن ميله للتواجد في أمكنة مختلفة حول النواة وذلك من خلال صيغة رياضية تدعى تابع الاحتمال .. الخ
ان تطور العلم يقول لنا بوضوح : كل القوانين التي ابتكرتها أذهاننا وتغيرت من عصر الى آخر ما هي الا صورة عن التطور العام ولكن أخطاء تلك القوانين التي كنا نجهلها عند التطبيق آنذاك لم تعيق التقدم الاجتماعي