الموسيقى بين الإنساني والطبقي


كامل عباس
الحوار المتمدن - العدد: 7998 - 2024 / 6 / 4 - 22:04
المحور: الادب والفن     


لم يعد خافيا على أحد - بعد الحرب على غزة - أن تاريخ البشرية هو تاريخ سيطرة طبقية ,وهي لم تخّف - كما توهمنا مع تقدم العلم والوعي- بل ازدادت . لقد استطاعت الطبقات المسيطرة منذ أيام شيخ العشيرة وحتى اللحظة الحالية – لحظة رأس المال المالي – تجيير الدين والعلم والحرب بما يخدم مصالحها وامتيازاتها هي ومن يدور في فلكها . وقد عجزنا حتى الآن عن الجمع بين الانساني والطبقي على الأقل .
لكن تبقى الموسيقى من بين كل العلوم والفنون عصية عليهم لنزع الجانب الانساني فيها رغم كل محاولاتهم في عصرنا من الاعتماد على آلة الطبل بالدرجة الأولى في المدارس والجيوش بينما بقيت آلة القانون الموسيقية عصية عليهم لأنها تمثل روح الموسيقى
سأدلل على وجهة نظري من تاريخ الموسيقى وبشكل خاص في علاقتها مع السينما
منذ أن ظهر النوع البشري على وجه الأرض رافقته الموسيقى رغم أنها أقدم منه .من المعروف تماما أن الموسيقى قامت بدور كبير ايام الأمبراطورية اليونانية , أما في عصر النهضة فقد ارتبطت بمشاهد مختلفة مثل الماسكات الانكليزية و الانترلودات في الاعمال المسرحية الايطالية و الاسبانية و قد تطورت هذه العلاقة ( أي الموسيقى بالمسرح) الى ان أخذت شكلا جديدا ومتكاملا وهو الاوبرا و فيها ترتبط الموسيقى بالإحداث و بالنص. و كذلك في الباليه حيث يختفي النص، و ترتبط الموسيقى بالأحداث او القصة و تصبح المنظم لكل حركة و لكل إيماءة.
أما في السينما فقد بدأ استخدام الموسيقى لترافق الافلام الصامتة، والتي كانت بمثابة صور متحركة لا اكثر عام 1889. و كان دور الموسيقى في تلك المرحلة متواضعا جدا وبالتالي مرتجلا. كان على عازف البيانو ان يتتبع بدقة سير الصور كي يعرف شيئا ما من الموسيقى ، وحسب ذوقه، بحيث تناسب الصور الصامتة. و لما كانت العملية مرتجلة كلية فقد وضعت الموسيقى الكلاسيكية الرفيعة جنبا الى جنب مع الموسيقى الراقصة والرخيصة و المبتذلة. لكن دور الموسيقى ظهر بوضوح منذ أن قام الملحن ادموند ميشيل بتلحين الموسيقى المرافقة لعروض فيلم ( المدرعة بوتمكين) لايزنشتاين في برلين. لقد كان التأثير الموسيقي قويا لدرجة انها منعت في بعض البلدان بينما سمح بعرض الفيلم نفسه.
ومع تنامي دور الطبقات المسيطرة مع تطور الزمن بدأنا نواجه موسيقى مبعثرة غير متماسكة تفتقر الى البناء. ولكن حالما ترتبط هذه الموسيقى مع الصور يصبح لها شان آخر فلن تكون مبعثرة غير متماسكة .
الخلاصة :إن لكل فن من هذه الفنون التي ذكرناها (المسرح،الأوبرا،الباليه) جانباً مسيطراً. ففي المسرح يعتبر الجانب المسيطر ما يجري على خشبة المسرح، وفي الأوبرا تظهر الموسيقى هي الأقوى من حيث الأهمية، وفي الباليه يلعب الإيماء والرقص الدور البارز.
في الفيلم (وإن كان فيه شيء كثير من المسرح) يكون الشيء المرئي ، أي الصورة ، هو الأقوى ، ودور الموسيقى هنا أقل أهمية ، ولكنها تكون مع الصورة وحدة أقوى بكثير من الفنون الأخرى سابقة الذكر ، وإن علاقة الصورة بالموسيقى لهي علاقة (عضوية) لكونهما يشكلان وحدة من الدرجة العالية.فعندما تعطي الصورة مضموناً واحداً معيناً ومحدداً، تعطي الموسيقى الأساس العام. الصورة تفصل وتحدد والموسيقى تعمم وتعطي نوعيات تعبيرية عامة أو ميزات عامة ، وبذلك توسع من إمكانات تأثير الصورة : وهنا يكمن جوهر التأثير المشترك للصورة والموسيقى والذي يكمل أحدهما الآخر.