رواية :سلاسل العقل، أغلال القلب


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8451 - 2025 / 8 / 31 - 00:37
المحور: الادب والفن     

مقدمة: الحب تحت أغلال الرأسمالية

الحب، تلك القوة الإنسانية التي يُفترض أن تكون تعبيرًا عن الحرية والتواصل البشري الأعمق، تحول في ظل النمط الرأسمالي إلى سلعة مشوهة، مقيدة بسلاسل الأيديولوجيات التي تخدم الأقلية المالية الأوليغارشية. في هذا النظام، الذي امتد توسعًا همجيًا إلى المحميات الخليجية وغيرها من الأطراف، أصبح الحب، كغيره من القيم الإنسانية، أداة للنهب والسيطرة. الرأسمالية، بمنطقها التسليعي، لا ترى في العلاقات البشرية سوى فرصة لتحقيق الأرباح، فتحول الحب إلى سلعة تُباع وتُشترى، سواء في إعلانات العطور في مراكز الغرب أو في خطب الشيوخ الممولة بالبترودولار في المحميات. هذا التشييء لا يقتصر على المرأة، التي تُختزل إلى "وعاء جنسي" أو رمز استهلاكي، بل يمتد إلى كل إنسان، يُكبل بالأغلال الفكرية، ويُحبس في سجون أو كانتونات نفسية واجتماعية، تجعله يخاف الآخر أو يكرهه.

في ظل هذا النظام، يتم رسم الحياة بسلاسل تشبه العبودية الفكرية، حيث يُزرع البغض والخوف بين البشر. الرأسمالية، بمساعدة أدواتها الإيديولوجية مثل الخطاب الوهابي-الإخوانجي المدعوم إمبرياليًا، تقيم كانتونات فاشية، سواء في مراكز الغرب أو في المحميات الخليجية، تجعل الشعوب تكره بعضها أو تخاف من بعضها، وتُحول العلاقات البشرية إلى صراعات مصطنعة. الشيوخ الذين يعيشون بين لندن والدوحة وتل أبيب، والإعلانات التي تبيع المرأة كسلعة، يخدمون نفس المنطق: تفتيت الشعوب، تحويل الإنسان إلى أداة، والحب إلى سلعة. هذه الأيديولوجيات تخلق جدرانًا بين الناس، تجعلهم يعيشون في عزلة، خائفين من الحب، من التواصل، من الإنسانية ذاتها، بينما تستمر الأقلية الأوليغارشية في نهب ثروات العالم.

لكن هناك أمل، طريق آخر رأيناه في تجارب الشيوعية، رغم كل أخطائها. في الاتحاد السوفييتي، شهدنا جانبًا مشرقًا من العلاقات الإنسانية، حيث كان الحب والتضامن يتجاوزان قيود التسليع، وكانت المرأة شريكة لا وعاء، والإنسان غاية لا أداة. اليوم، نرى بعضًا من هذا الأمل في الصين، رغم العثرات والأخطاء، لأن هذه التجارب، على نقائصها، كانت محاولات للوصول إلى الأفضل، إلى عالم يحرر الإنسان من أغلال الرأسمالية. الشيوعية، بفكرتها الأساسية عن المساواة والتضامن، تقدم الحل الوحيد لكسر هذه السلاسل، لإعادة الحب إلى معناه الإنساني، ولتوحيد الشعوب ضد النظام الذي يفتتها. هذه الرواية، من خلال رحلة جابر، تستكشف هذا الصراع، وتؤكد أن الحب الإنساني، المتجسد في التضامن والنضال، هو السلاح الأقوى لتحرير العقل والقلب من سجون الرأسمالية.



الفصل الأول: الصحراء في العقل

جابر جالس في مقهى صغير قرب غراند بلاس في بروكسل، الضوء الخافت يتسلل من النوافذ الزجاجية، يرتطم بطاولات الخشب المصقولة، وينعكس على وجهه الذي يحمل أثر سنوات من الصراع الداخلي. رائحة القهوة تملأ المكان، تخترق أنفه، لكنها لا تمنحه الراحة. أمامه ساندي، فتاة أوروبية بشعر أشقر قصير يتمايل مع حركات رأسها الحيوية، عيناها تلمعان كنجمتين في سماء ليل بروكسل الباردة. تتحدث بحماس عن لوحة رأتها في متحف قريب، شيء عن فان غوخ ودواماته الزرقاء، عن الجنون الذي يختبئ في الألوان. صوتها ناعم، لكنه يحمل قوة غريبة، كأنها تنحت الكلمات من الهواء. جابر يستمع، أو يحاول، لكن عقله سجنٌ من رمال الصحراء التي نشأ فيها. قلبي يدق، يفكر، يدق كطبول حرب قديمة، كأنني في معركة لا أعرف طرفيها. هل هي الفتنة؟ أم أنا المفتون؟

الصوت القديم يعود، صوت الشيخ في المسجد الذي كان يرتدي جلبابًا أبيض كالكفن، يصرخ من المنبر: "الطيبون للطيبات، والخبيثون للخبيثات!" كلماته كانت كالسلاسل، تكبل أفكاره، تقيد نبضاته. جابر ينظر إلى ساندي، يحاول أن يراها كإنسانة، ككائن يحمل أحلامًا وأفكارًا، لكن الصورة التي زُرعت في عقله منذ الطفولة تطغى: المرأة الغربية خطر، فتنة، شيطان يرتدي قناع الجمال. يتذكر الخطب التي سمعها في مدينته الخليجية، حيث كانت المآذن ترسل أصواتًا تخترق الجدران، وبرامج التلفزيون الممولة بالبترودولار تحذر من "فساد الغرب". كيف يمكن أن تكون ساندي خطرًا؟ إنها تتحدث عن فان غوخ، عن الحياة، عن الجمال. لكن الصوت لا يتوقف، يتردد في رأسه كصدى لا نهائي: "احذر، احذر، احذر."

يد جابر ترتعش قليلاً وهو يمسك بفنجان القهوة. يحاول أن يركز على كلامها، لكن أفكاره تتدافع كسيارات في شوارع بروكسل المزدحمة. أريد أن أقول شيئًا، أي شيء، أن أكون مثلها، عفويًا، حيًا. لكن الكلمات تتحجر في حلقه، كأن الصحراء التي نشأ فيها قد ابتلعت لسانه. يتذكر يومًا من طفولته، كان في الثانية عشرة، عندما رأى فتاة في السوق ترتدي عباءة سوداء، عيناها فقط مرئيتان، وشعر بشيء غريب يتحرك في صدره. لكنه سمع صوت والده يوبخه لاحقًا: "لا تنظر إلى النساء، إنهن فتنة!" تلك الكلمات، مثل حبات الرمل، تراكمت في عقله حتى شكلت صحراء لا نهائية، صحراء تمنعه من رؤية ساندي كما هي.

ساندي تميل إليه، تضحك، تسأله عن رأيه في اللوحة. "ما رأيك، جابر؟ هل تعتقد أن فان غوخ كان يحاول أن يقول شيئًا عن نفسه أم عن العالم؟" صوتها يحمل دفئًا غريبًا، كأنها تدعوه إلى عالم آخر، عالم لا يعرف فيه القيود. لكنه لا يجيب، يبتسم ابتسامة مترددة، يشعر بالحرارة ترتفع إلى وجهه. أريد أن أقول: "أنتِ إنسانة، لستِ وعاءً، لستِ سلعة." لكن الكلمات لا تأتي. بدلاً من ذلك، يقول شيئًا تافهًا عن الطقس، عن البرد في بروكسل. ساندي تبتسم، لكن عينيها تحملان لمحة من الدهشة، كأنها تشعر بأنه يختبئ خلف جدار.

النادل يمر بجانبهما، يحمل صينية مليئة بأكواب زجاجية. صوت الزجاج يرتطم ببعضه، يذكر جابر بأصوات الأطباق في بيته القديم، حيث كانت والدته تعد الطعام في صمت، كأنها شبح يتحرك في المطبخ. يتذكر كيف كان يسمعها تبكي أحيانًا في الليل، لكنه لم يجرؤ على السؤال. كانت المرأة في بيته دائمًا لغزًا، شيئًا يُحترم من بعيد، لا يُقترب منه. وها هو الآن، في بروكسل، يجلس أمام ساندي، ولا يزال ذلك اللغز يطارده. هل هي حقًا إنسانة مثلي؟ أم أنها شيء آخر، شيء أخطر؟

الضوء في المقهى يخفت أكثر مع اقتراب الغروب. ساندي تتحدث الآن عن الموسيقى، عن حفلة ستحضرها في نهاية الأسبوع. "هل تحب الموسيقى، جابر؟" تسأله، وعيناها تبحثان عن شيء في وجهه. يشعر بنظرتها كأنها سكين تخترق درعه. الموسيقى. كلمة تحمل في طياتها ذكريات أخرى، ذكريات محاضرة في المدرسة حيث قال المعلم إن الموسيقى "حرام"، إنها "تلهي عن ذكر الله". لكنه يتذكر أيضًا كيف كان يستمع سرًا إلى أغانٍ قديمة على هاتفه، مختبئًا تحت الغطاء في الليل، وكيف كانت تلك الألحان تجعله يشعر بشيء لا يستطيع تفسيره. يريد أن يقول لها إنه يحب الموسيقى، إنه يريد أن يذهب معها إلى تلك الحفلة، لكنه يصمت. الصمت هو ملجأه، ملجأه الوحيد.

يتذكر جابر فجأة خطبة أخرى، خطبة سمعها في التلفزيون، رجل يرتدي عمامة يتحدث عن المرأة كـ"وعاء"، كشيء يجب التحكم به، كأنها ليست إنسانًا بل وظيفة. تلك الكلمات، مثل السم، تسربت إلى عقله، جعلته يرى النساء كألغاز خطيرة، كأشياء يجب تجنبها. لكن ساندي ليست كذلك. إنها هنا، أمامه، تضحك، تتحدث، تحلم. أفكاره تتدافع مجددًا: هل أنا مخطئ؟ هل الصوت القديم مخطئ؟ أم أنني أفقد عقلي؟ يشعر وكأن عقله شيزوفريني، ممزق بين عالمين، عالم الصحراء الذي يحرم الحب، وعالم بروكسل الذي يغريه به.

ساندي تنهض لتطلب مشروبًا آخر، وفي تلك اللحظة يشعر جابر برغبة عارمة في الاقتراب منها، في قول شيء حقيقي، شيء يعبر عنه. لكنه يتذكر صورة من التلفزيون، إعلان غربي يظهر امرأة شبه عارية تبيع عطرًا، وصوت آخر يقول: "الغرب يشيء المرأة، يجعلها سلعة." يشعر بالارتباك. الوهابية تحرمها، والرأسمالية تشيئها، فأين هي ساندي في هذا كله؟ أين أنا؟ ينهض فجأة، يترك فنجان قهوته نصف فارغ، ويخرج من المقهى. الهواء البارد يضرب وجهه، لكنه لا يشعر به. نظرتها تلاحقه، لكنه لا يجرؤ على الالتفات.

يتمشى في شوارع بروكسل، الأضواء تتراقص على الأرصفة المبللة بالمطر. يشعر بالغربة، ليس فقط لأنه في مدينة أجنبية، بل لأنه غريب عن نفسه. يتذكر يومًا آخر من طفولته، عندما سمع والده يتحدث عن "الغرب" كعدو، كمكان يفسد الأخلاق. لكنه هنا الآن، في قلب الغرب، ولا يرى سوى الناس، أناس يضحكون، يتحدثون، يعيشون. يتذكر أيضًا إعلانًا رآه في بلده، إعلانًا عن سيارة فارهة، امرأة خليجية ترتدي عباءة لامعة، كأنها سلعة أخرى. الجميع يبيع شيئًا، يفكر، الجميع يحول الإنسان إلى شيء.

يعود جابر إلى شقته الصغيرة في ضواحي بروكسل. يجلس على سريره، يفتح هاتفه، يبحث عن اسم ساندي على وسائل التواصل الاجتماعي. يجد صفحتها، صورها وهي تبتسم في حديقة، وهي تقرأ كتابًا، وهي في مظاهرة من أجل قضية ما. يشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء يشبه الحياة. لكنه يغلق الهاتف بسرعة، كأن النظر إليها خطيئة. يستلقي على السرير، يحدق في السقف. أفكاره تتدفق كسيل: أنا لست حرًا، أنا سجين، سجين الصحراء التي في عقلي. لماذا لا أستطيع أن أكون مثلها، أن أضحك، أن أحب؟

في تلك الليلة، يحلم جابر بصحراء شاسعة، رمالها تتحرك كأمواج بحر. في وسط الصحراء، يرى ساندي، تقف وحيدة، تمد يدها إليه. لكنه لا يستطيع الوصول إليها، الرمال تسحبه إلى الأسفل، تغرقه. يستيقظ مفزوعًا، قلبه يدق بقوة. ينظر إلى الساعة، الرابعة فجرًا. بروكسل نائمة، لكنه ليس كذلك. يشعر أن شيئًا بداخله بدأ يتحرك، شيئًا يشبه التمرد، لكنه لا يعرف بعد كيف يسميه.

في اليوم التالي، يقرر جابر أن يذهب إلى المعرض الفني الذي تحدثت عنه ساندي. يقف أمام لوحة فان غوخ، الدوامات الزرقاء تملأ عينيه. يشعر بشيء غريب، كأن اللوحة تتحدث إليه، تخبره أن الحياة أكبر من الصحراء التي في عقله. لكنه يتذكر صوت الشيخ مجددًا، وصوت التلفزيون، وصوت الإعلانات. يشعر بالاختناق. يخرج من المعرض، يتنفس بعمق. يقرر أن يكتب رسالة إلى ساندي، شيئًا بسيطًا، شيئًا يعبر عنه. لكنه، كعادته، يتردد. يكتب كلمة واحدة: "مرحبًا"، ثم يحذفها. يعود إلى شقته، يشعر بالمرارة، لكنه يعرف أن شيئًا بداخله قد بدأ يتغير، وإن كان ببطء.

الأيام تمر، وجابر يجد نفسه يفكر في ساندي أكثر فأكثر. يراها في الحرم الجامعي، في المكتبة، في الشوارع. كل مرة يحاول أن يتحدث، لكن السلاسل في عقله تمنعه. يشعر أن الحب، بالنسبة له، ليس مجرد شعور، بل حرب، حرب ضد كل ما زُرع فيه منذ الطفولة. يتذكر كلمات قرأها في كتاب قديم: "الحب هو الحرية، والحرية هي الحب." لكنه لا يعرف كيف يصل إلى تلك الحرية. الصحراء في عقله لا تزال شاسعة، لكن شيئًا ما، ربما نسمة من بروكسل، بدأت تهب عليها.





الفصل الثاني: أصوات الماضي

جابر يجلس على سريره في شقته الصغيرة في بروكسل، النافذة مفتوحة، والهواء البارد يتسلل إلى الغرفة كأنفاس شبح. المدينة تنام خارجًا، لكن عقله مستيقظ، مضطرب، كأن سيلًا من الذكريات يجرفه إلى الوراء، إلى مدينة خليجية حيث الشمس لا ترحم والرمال تحكم كل شيء. يغلق عينيه، لكن الظلام لا يجلب الراحة. بدلاً من ذلك، يرى وجه ساندي، عينيها اللامعتين، ضحكتها التي تحمل شيئًا من الحرية التي لا يعرفها. لكن الصوت القديم يعود، صوت الشيخ، صوت الأب، صوت التلفزيون الذي كان يملأ بيتهم كل ليلة: "المرأة فتنة، احذر، احذر!" يشعر أن عقله ممزق، كأنه شيزوفريني، نصفه يريد أن يركض نحو ساندي، والنصف الآخر يسحبه إلى صحراء لا نهائية، صحراء شكلتها سنوات من الخطب والتحذيرات.

يتذكر جابر طفولته، تلك السنوات في مدينة خليجية صغيرة، حيث كانت الشوارع تنام مبكرًا والمآذن تحكم الإيقاع. كان في السابعة عندما سمع أول خطبة عن المرأة. الشيخ، رجل ذو لحية بيضاء طويلة، كان يقف على المنبر كأنه قائد جيش، يصرخ بصوت يهز الجدران: "المرأة وعاء، خلقت لتكون أمًا وزوجة، لا تتركوها تغريكم!" جابر لم يفهم الكلمات حينها، لكنه شعر بالخوف، كأن شيئًا خطيرًا يكمن في النساء، شيء يجب تجنبه. كان ينظر إلى والدته، التي كانت تجلس في الصفوف الخلفية للمسجد، مغطاة بالسواد، صامتة كالظل. كيف يمكن أن تكون أمي خطرًا؟ كان يسأل نفسه، لكنه لم يجرؤ على طرح السؤال بصوت عالٍ.

في تلك السنوات، كان التلفزيون هو النافذة الوحيدة على العالم. قنوات ممولة بالبترودولار تبث برامج دينية تحذر من "فساد الغرب"، من النساء اللواتي يرتدين ملابس مكشوفة، من الموسيقى التي تلهي عن ذكر الله. جابر يتذكر برنامجًا كان يشاهده مع أبيه، رجل بعمامة يتحدث عن "الغرب" كعدو، كمكان يحول الإنسان إلى عبد لشهواته. "المرأة الغربية ليست إنسانة، إنها أداة الشيطان!" قال الرجل، وأبوه هز رأسه موافقًا. جابر، الطفل، كان يستمع، يحاول أن يفهم، لكن الكلمات كانت ثقيلة، كحبات الرمل التي تتراكم في عقله، تشكل جدرانًا لا يستطيع اختراقها.

يتذكر يومًا آخر، كان في الثالثة عشرة، عندما رأى فتاة في السوق. كانت تمشي مع أمها، عيناها مرئيتان فقط من خلف النقاب، لكنه شعر بشيء غريب يتحرك في صدره، شيء يشبه الدفء. لكنه عندما أخبر صديقه، ضحك الصديق وسخر منه: "هل أنت مجنون؟ إنها مجرد فتاة!" في تلك الليلة، وبخه أبوه عندما علم بالأمر: "لا تنظر إلى النساء، إنهن فتنة!" تلك الكلمة، "فتنة"، أصبحت كالوشم في عقله. كلما رأى امرأة، كلما شعر بشيء يشبه الحب أو الإعجاب، كان الصوت يعود: "فتنة، فتنة، فتنة."

الآن، في بروكسل، يشعر جابر أن تلك الأصوات لم تتركه. يفتح هاتفه، يرى صورة لساندي على صفحتها في وسائل التواصل الاجتماعي. إنها تقف في حديقة، ترتدي معطفًا أحمر، تبتسم للكاميرا. يشعر بشيء يتحرك في صدره، لكنه يغلق الهاتف بسرعة، كأن النظر إليها جريمة. يتذكر خطبة أخرى، رجل في التلفزيون يتحدث عن المرأة كـ"وعاء جنسي"، كشيء يجب التحكم به. تلك الكلمات، مثل السم، تسربت إلى عقله، جعلته يرى النساء كألغاز خطيرة، كأشياء يجب تجنبها. لكن ساندي ليست كذلك. إنها تتحدث عن فان غوخ، عن الموسيقى، عن الحياة. كيف يمكن أن تكون وعاء؟ كيف يمكن أن تكون خطرًا؟

جابر ينهض من سريره، يمشي ذهابًا وإيابًا في الغرفة الصغيرة. يشعر أن عقله ساحة معركة، بين ما زُرع فيه منذ الطفولة وبين ما يراه الآن في بروكسل. يتذكر يومًا آخر، كان في الخامسة عشرة، عندما استمع سرًا إلى أغنية لأم كلثوم على هاتفه. كان مختبئًا تحت الغطاء، خائفًا من أن يسمعه أبوه. الأغنية تحدثت عن الحب، عن الشوق، عن شيء لا يستطيع تفسيره. شعر حينها أن هناك عالمًا آخر، عالمًا لا يعرف فيه القيود، لكنه لم يجرؤ على استكشافه. الآن، في بروكسل، يشعر أن ساندي هي ذلك العالم، لكنه لا يزال خائفًا.

يتذكر جابر مدرسة دينية كان يذهب إليها كل يوم جمعة. المعلم، رجل عجوز بعينين حادتين، كان يحذرهم من "الغرب"، من "النساء اللواتي يغرين الرجال". "هن أدوات الشيطان!" قال، وجابر، الطفل، صدقه. لكنه الآن يتساءل: هل كان المعلم مخطئًا؟ هل كان يردد كلمات كُتبت له من قبل آخرين؟ يتذكر الإعلانات التي كان يراها في بلده، إعلانات عن سيارات ومجوهرات، حيث تظهر نساء خليجيات كأنهن سلع، مغطاة بالذهب والحرير. ثم يتذكر الإعلانات الغربية التي رآها في بروكسل، نساء شبه عاريات يبيعن عطورًا وساعات. الجميع يبيع شيئًا، يفكر، الجميع يحول الإنسان إلى شيء.

جابر يفتح نافذة الشقة، يتنفس الهواء البارد. يتذكر يومًا آخر، كان في السابعة عشرة، عندما وقع في حب فتاة من مدرسته. لم يكن حبًا حقيقيًا، بل إعجابًا مراهقًا، لكنه كان كافيًا ليجعله يشعر بالذنب. حاول أن يكتب لها رسالة، لكنه مزقها بعد أن سمع خطبة أخرى عن "الطيبين للطيبات". تلك الفتاة، مثل ساندي الآن، كانت لغزًا، شيئًا يريد أن يفهمه لكنه لا يجرؤ. يشعر الآن أن تلك السنوات، تلك الخطب، تلك التحذيرات، شكلت سجنًا في عقله، سجنًا لا يستطيع الهروب منه.

يعود إلى سريره، يفتح دفترًا صغيرًا كان يكتب فيه ملاحظاته. يكتب: "ساندي ليست فتنة، ساندي إنسانة." لكنه يشطب الكلمات بسرعة، كأن الكتابة عنها جريمة. يتذكر كلمات سمعها في برنامج تلفزيوني آخر، رجل يتحدث عن "المرأة الغربية" كأداة للإمبريالية، كشيء يُستخدم لتدمير "الأمة". لكنه يرى ساندي في ذهنه، تبتسم، تتحدث عن الحياة، ويشعر أن تلك الكلمات كذبة. لكن الكذبة قوية، قوية بما يكفي لتجعله يشك في نفسه.

في تلك الليلة، يحلم جابر بمسجد قديم، جدرانه من الطين، وصوت الشيخ يتردد كالرعد. في الحلم، يرى ساندي تقف خارج المسجد، تمد يدها إليه، لكنه لا يستطيع الخروج. الأبواب مغلقة، والنوافذ موصدة. يستيقظ مفزوعًا، قلبه يدق بقوة. ينظر إلى الساعة، الثالثة فجرًا. يشعر أن شيئًا بداخله يتحرك، شيء يشبه التمرد، لكنه لا يعرف كيف يحرره. يقرر أن يكتب رسالة إلى ساندي، شيئًا بسيطًا، شيئًا يعبر عنه. يكتب: "مرحبًا، أحببت حديثك عن فان غوخ." لكنه يحذف الرسالة قبل أن يرسلها. يشعر بالمرارة، لكنه يعرف أن شيئًا بداخله بدأ يتشقق، كأن الرمال في عقله بدأت تتحرك، تاركة مساحة صغيرة لنور بروكسل ليتسلل.

الأيام تمر، وجابر يجد نفسه يفكر في ساندي أكثر فأكثر. يراها في الحرم الجامعي، في المكتبة، في شوارع بروكسل المبللة بالمطر. كل مرة يحاول أن يتحدث، لكن الأصوات القديمة تمنعه. يشعر أن الحب بالنسبة له ليس مجرد شعور، بل صراع، صراع ضد كل ما زُرع فيه منذ الطفولة. يتذكر كلمات قرأها في كتاب قديم: "الحب هو الحرية." لكنه لا يعرف كيف يصل إلى تلك الحرية. الصحراء في عقله لا تزال قوية، لكن نسمة من بروكسل بدأت تهب، تحمل معها أملًا خافتًا، أملًا لا يعرف بعد كيف يسميه.




الفصل الثالث: بروكسل والاغتراب

جابر يمشي في شوارع بروكسل، الأرصفة المبللة بالمطر تعكس أضواء المصابيح كمرايا محطمة، والرياح الباردة تلفح وجهه دون أن يشعر بها، فالصراع في عقله أشد قسوة من برد نوفمبر. المدينة حية، أصوات الناس تتداخل مع أزيز الترام، لكن كل ما يسمعه هو صدى صوت ساندي، ضحكتها الناعمة التي سمعه في المقهى قبل أيام، كأنها لحن أم كلثوم يتسلل إلى قلبه. يحاول أن يطرد صورتها من ذهنه، لكنها عالقة كلوحة فان غوخ التي تحدثت عنها، دوامات زرقاء تسحبه إلى أعماق مجهولة. أريد أن أراها، يفكر، أريد أن أتحدث إليها، لكن الصحراء في عقلي تبتلعني. الصوت القديم يعود، صوت الشيخ الوهابي الإخوانجي، خادم الإمبريالية ببدلته الدينية الأنيقة، يصرخ من المنبر: "المرأة وعاء جنسي، فتنة، احذر!" لكن جابر يرى ساندي في خياله، عينيها اللامعتين، ويتساءل: كيف تكون وعاء؟ إنها إنسانة، أم أنني أخدع نفسي؟

يتوقف أمام معرض فني صغير في شارع جانبي، زجاج الواجهة يعكس وجهه المتعب، عينين تحملان أثر سنوات من القيود. يدخل المعرض، لا يعرف لماذا، ربما لأن ساندي تحدثت عن الفن، ربما لأنه يبحث عن شيء يحرره من سجنه الداخلي. اللوحات معلقة على الجدران البيضاء، ألوانها نابضة كأنها تتنفس. يقف أمام لوحة تصور امرأة تحمل وردة، عيناها حزينتان لكن مليئتان بالحياة. يشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء يشبه الحنين إلى عالم لم يعشه. ثم يسمع ضحكة خفيفة، كرنين جرس في صباح هادئ. يلتفت، وهناك ساندي، تقف أمام لوحة أخرى، شعرها الأشقر مربوط بعفوية، معطفها الأحمر يبرز وسط الزحام. قلبي يدق، يدق كطبول الصحراء، لكن هذه المرة ليست حربًا، بل دعوة. أم أنني أكذب على نفسي؟

ساندي تلاحظه، تبتسم، تمشي نحوه. "جابر! ما الذي أتى بك إلى هنا؟" صوتها دافئ، كأنه يذيب الجليد في عظامه. يحاول أن يبتسم، لكن شفتيه ترتجفان، كأن عقله يحذره من خطوة محرمة. "أحببت حديثك عن فان غوخ،" يقول، صوته متردد، كأنه يمشي على حبل مشدود فوق هاوية. "فكرت أن أرى شيئًا بنفسي." ساندي تضحك، تلمس ذراعه لثانية، لمسة خفيفة تجعله يشعر بالكهرباء. "حسنًا، تعال، سأريك شيئًا مميزًا!" تقوده نحو لوحة تصور منظرًا طبيعيًا، أشجار تتمايل تحت سماء زرقاء، ألوانها كأنها ترقص. "هذه اللوحة تجعلني أشعر أنني حرة،" تقول، وعيناها تلمعان بالحماس. حرة، يفكر جابر، كلمة لا أعرفها. أم أعرف؟

يبدأن بالحديث، عن الفن، عن الألوان، عن الحياة. ساندي تتحدث بحرية، كلماتها تتدفق كماء نهر، تخبره عن حلمها بأن تصبح فنانة، عن رحلاتها عبر أوروبا، عن الموسيقى التي تسمعها كل صباح. جابر يستمع، يحاول أن يكون حاضرًا، لكن عقله ينجرف. يتذكر خطبة سمعها في طفولته، شيخ ببدلة أنيقة، يعيش بين لندن وتل أبيب والدوحة، يتحدث عن المرأة كـ"وعاء جنسي"، كأداة يجب التحكم بها. لكنه كان يعلم، في قرارة نفسه، أن هذا الشيخ، بخطبه الممولة بالبترودولار، ليس سوى خادم للإمبريالية، يردد نفس المنطق الذي يردده سادته في واشنطن والرياض: المرأة سلعة، وعاء للمتعة أو للربح. جابر يشعر بالغثيان. كيف يمكن أن تكون ساندي وعاء؟ إنها تتحدث عن الحياة، عن الأحلام، عن شيء أكبر من كل هذا.

ساندي تسأله عن بلده، عن الثقافة التي نشأ فيها. يتردد، يشعر أن الكلام عن بلده سيفتح جروحًا لا يريد أن يراها. "إنها... مختلفة،" يقول، صوته خافت. "الصحراء لها قواعدها." ساندي تميل إليه، عينيها مليئتان بالفضول. "أحب أن أعرف عن قواعد الصحراء." يشعر بالحرارة ترتفع إلى وجهه. كيف يشرح لها أن الصحراء ليست مجرد رمال، بل سجن في عقله، شكلته خطب الشيوخ الذين يخدمون الإمبريالية باسم الإسلام الصهيوني البريجينسكي الكيسنجري؟ كيف يشرح أن هؤلاء الشيوخ، ببدلاتهم الأنيقة، يرددون نفس منطق الإعلانات الغربية التي رآها في بروكسل، إعلانات تبيع النساء كسلع للعطور والسيارات؟ بدلاً من ذلك، يبتسم، يغير الموضوع، يسألها عن اللوحة التالية.

يتنقلان بين اللوحات، وساندي تتحدث بحماس، تشير إلى ضربات الفرشاة، إلى القصص التي تخفيها الألوان. جابر يحاول أن يكون معها، لكن عقله ينجرف. يتذكر يومًا من المدرسة الثانوية، عندما حاول كتابة قصيدة عن فتاة رآها في الفصل. لم تكن قصيدة جيدة، لكنها كانت صادقة. لكنه مزقها بعد أن سمع خطبة أخرى عن "الطيبين للطيبات"، عن الحب كخطيئة. الآن، بجانب ساندي، يشعر أن تلك القصيدة لا تزال عالقة في صدره، كلمات لم تُكتب، مشاعر لم تُعبر عنها. يريد أن يقول لها شيئًا، لكن الكلمات تتحجر في حلقه، كأن الصحراء لا تزال تملك لسانه.

المعرض يبدأ بالإغلاق، والناس يتدفقون إلى الخارج. ساندي تقترح تناول القهوة في مقهى قريب. "يصنعون أفضل قهوة في بروكسل!" تقول، وابتسامتها تجعله يشعر بالدفء. لكنه يتردد. الصوت القديم يعود: "احذر! إنها فتنة!" لكنه يعرف الآن أن هذا الصوت، صوت الشيخ الذي يعيش بين لندن والدوحة، ليس سوى صدى لصوت آخر، صوت الإمبريالية التي تشيء المرأة، تجعلها سلعة سواء في الرياض أو واشنطن. يشعر بالتمزق، كأن عقله شيزوفريني، نصفه يريد أن يذهب معها، والنصف الآخر يصرخ أنه سيفقد هويته، إيمانه، نفسه. "أنا... لدي موعد آخر،" يكذب، صوته متشنج. ساندي تنظر إليه، عينيها تحملان خيبة خفيفة، لكنها تبتسم. "حسنًا، ربما مرة أخرى!" تقول، ثم تمشي بعيدًا، معطفها الأحمر يتمايل كعلم في مهب الريح.

جابر يقف وحيدًا أمام المعرض، يشعر بالمرارة. لماذا لا أستطيع أن أكون مثلها؟ يفكر. لماذا لا أستطيع أن أكون حرًا؟ يمشي في شوارع بروكسل، الأضواء تعكس ظله على الأرصفة. يتذكر إعلانًا رآه في بلده، امرأة خليجية مغطاة بالذهب، كأنها سلعة. ثم يتذكر إعلانًا في بروكسل، امرأة شبه عارية تبيع عطرًا. الشيخ يقول إنها وعاء جنسي، والإعلان يقول إنها سلعة. كلاهما يردد نفس المنطق، منطق الإمبريالية التي تخدمها محميات الخليج باسم الإسلام الصهيوني. يشعر بالغثيان. ساندي ليست كذلك، إنها إنسانة، لكنني لا أستطيع رؤيتها كذلك. لماذا؟

يعود إلى شقته، يجلس على سريره، يفتح هاتفه. يجد صورة لساندي في مظاهرة، تحمل لافتة تدعو إلى المساواة. يشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء يشبه الأمل. لكنه يغلق الهاتف بسرعة، كأن النظر إليها خطيئة. يتذكر كلمات الشيخ: "المرأة الغربية أداة الإمبريالية." لكنه يعرف الآن أن الشيخ نفسه أداة، يخدم نفس المنطق الذي يخدمه سادته في لندن وتل أبيب. يرى ساندي في ذهنه، تتحدث عن الحرية، عن الفن، ويشعر أن تلك الكلمات كذبة. لكن الكذبة قوية، قوية بما يكفي لتجعله يشك في نفسه.

في تلك الليلة، يحلم جابر بلوحة فان غوخ، دوامات زرقاء تبتلعه. في وسط الدوامات، يرى ساندي، تمد يدها إليه، لكنه لا يستطيع الوصول إليها. يستيقظ مفزوعًا، قلبه يدق بقوة. ينظر إلى الساعة، الرابعة فجرًا. بروكسل نائمة، لكنه ليس كذلك. يشعر أن شيئًا بداخله يتشقق، كأن نسمة من بروكسل بدأت تهب على الصحراء في عقله، تحمل معها أملًا خافتًا، أملًا لا يعرف بعد كيف يسميه.




الفصل الرابع: المرأة كوعاء جنسي

جابر يجلس في شقته الصغيرة في بروكسل، النافذة موصدة، والهواء في الغرفة راكد كما لو أن الصحراء التي نشأ فيها تسربت إلى هنا. يمسك بهاتفه، يتصفح الإنترنت، يقرأ نصوصًا إخوانية منشورة على موقع إلكتروني، كلمات رجل يرتدي عمامة في الدوحة، يعيش بين لندن وتل أبيب، يصف المرأة بأنها "وعاء جنسي"، أداة يجب التحكم بها، شيء يخدم غرضًا لا إنسانية فيه. الكلمات كالسم، تتسرب إلى عقله، تعيد إحياء الصوت القديم، صوت الشيخ الوهابي الإخوانجي الذي يخدم الإمبريالية ببدلته الأنيقة الممولة بالبترودولار. لكن جابر يعرف الآن، أو يحاول أن يعرف، أن هذا الشيخ ليس سوى صدى لصوت آخر، صوت سادته في واشنطن والرياض، الذين يرون المرأة كسلعة، كوعاء للمتعة أو الربح، سواء في إعلانات العطور أو في خطب المساجد. يشعر بالغثيان، كأن عقله شيزوفريني، ممزق بين رؤيتين: الوهابية التي تحرم الحب، والرأسمالية التي تشيء المرأة. أين ساندي في هذا كله؟ يفكر. أين أنا؟

يتذكر جابر زيارته إلى موسكو قبل عام، عندما كان في مهمة دراسية قصيرة. كانت المدينة مختلفة، لا غرب فيها ولا محميات خليجية. هناك، في شوارع موسكو الثلجية، التقى بمغنية أوبرالية تُدعى ناتاليا. كانت بريئة، جميلة جدًا، لكن جمالها لم يكن كالجمال الذي رآه في الإعلانات أو الخطب. كانت إنسانة، تتحدث بحماس عن الموسيقى، عن الحياة، عن الأحلام. كانت تفهمه، أو هكذا شعر. لأول مرة، شعر جابر بإنسانية لم يعرفها من قبل، كأن العلاقات بين الرجل والمرأة في الاتحاد السوفييتي السابق كانت مثالية، خالية من التنميطات التي شكلت عقله. كانت ناتاليا شريكة، لا وعاء، لا سلعة. تحدثا عن الموسيقى، عن الأدب، عن الثورة التي لا تزال تعيش في قلوب بعض الناس. لكنه، حتى في موسكو، لم يستطع التخلص من عقده تمامًا. الصحراء في عقله كانت لا تزال هناك، رمالها متجذرة، تحتاج إلى عشرين عامًا، أو جيلين، لتزول.

الآن، في بروكسل، يشعر جابر أن تلك الرمال لا تزال تتحكم به. يفتح هاتفه مجددًا، يرى إعلانًا على شاشة التلفزيون في ركن الغرفة، امرأة شبه عارية تبيع عطرًا، عينيها فارغتان كأنها دمية. يتذكر إعلانًا آخر رآه في بلده، امرأة خليجية مغطاة بالذهب، كأنها سلعة أخرى. الشيخ يقول إنها وعاء جنسي، والإعلان يقول إنها سلعة. كلاهما يردد نفس المنطق، منطق الإمبريالية التي تخدمها محميات الخليج باسم الإسلام الصهيوني البريجينسكي الكيسنجري. يشعر بالاختناق. يتذكر ساندي، كيف كانت تتحدث عن فان غوخ، عن الحرية، عن الحياة. إنها ليست وعاء، ليست سلعة، لكنني لا أستطيع رؤيتها كذلك. لماذا؟

جابر ينهض، يمشي ذهابًا وإيابًا في الغرفة. يتذكر لقاءه الأخير مع ساندي في المعرض الفني. كانت تقف أمام لوحة، معطفها الأحمر كعلم في مهب الريح، عينيها مليئتان بالحماس. حاول أن يتحدث إليها، أن يكون مثلها، عفويًا، حرًا، لكن الكلمات توقفت في حلقه. حاول أن يراها كإنسانة، لكن صوت الشيخ عاد: "احذر! إنها فتنة!" لكنه يعرف الآن أن هذا الصوت ليس سوى صدى لصوت آخر، صوت الإمبريالية التي تشيء المرأة، سواء في الرياض أو واشنطن. يتذكر ناتاليا، كيف كانت تتحدث عن الموسيقى كأنها لغة الحياة، كيف جعلته يشعر أن الحب ليس خطيئة، بل تعبير إنساني. لكنه حتى مع ناتاليا، في موسكو، لم يستطع أن يكون حرًا تمامًا. الرمال كانت لا تزال هناك.

يتذكر جابر يومًا في موسكو، عندما دعته ناتاليا لحضور عرض أوبرالي. كانت تغني على المسرح، صوتها يملأ القاعة، كأنه يحمل كل الأحلام التي لم يجرؤ على الحلم بها. بعد العرض، تحدثا في مقهى صغير، الثلج يتساقط خارج النوافذ. أخبرته عن حياتها، عن أمها التي كانت ناشطة في الاتحاد السوفييتي، عن فكرة المساواة التي كانت تحلم بها. "المرأة ليست وعاء،" قالت، "إنها شريكة، تحلم، تناضل، تعيش." تلك الكلمات، مثل نسمة من الهواء النقي، هزت شيئًا في داخله. لكنه حتى في تلك اللحظة، شعر بالصحراء في عقله، رمالها تتحرك ببطء، لكنها لا تزال هناك.

الآن، في بروكسل، يشعر جابر أن تلك الرمال لا تزال تتحكم به. يفتح هاتفه، يرى منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي، خطبة قديمة لشيخ يعيش في لندن، يتحدث عن "المرأة الغربية" كأداة للإغراء، كفتنة يجب تجنبها. يشعر بالغضب. هذا الشيخ، ببدلته الأنيقة، ليس سوى خادم لنفس النظام الذي يبيع المرأة كسلعة في إعلانات العطور. يتذكر إعلانًا رآه في بروكسل، امرأة شبه عارية تبتسم للكاميرا، كأنها دمية. ثم يتذكر إعلانًا في بلده، امرأة خليجية مغطاة بالحرير، كأنها سلعة أخرى. كلاهما نفس المنطق، يفكر، منطق الإمبريالية التي تجعل المرأة وعاء، سواء في المحميات الخليجية أو في مراكز الغرب.

جابر يحاول أن يكتب رسالة إلى ساندي. يفتح هاتفه، يكتب: "مرحبًا، أحببت حديثك عن الفن." لكنه يتوقف. الصوت القديم يعود: "احذر! إنها فتنة!" لكنه يعرف الآن أن هذا الصوت ليس سوى صدى لصوت آخر، صوت الشيخ الذي يخدم الإمبريالية، صوت الإعلانات التي تشيء المرأة. يتذكر ناتاليا، كيف كانت تتحدث عن الحب كتعبير إنساني، كشيء يجمع الناس لا يفرقهم. يحاول أن يرى ساندي كما رأى ناتاليا، كإنسانة، لكنه لا يستطيع. الرمال في عقله لا تزال هناك، متجذرة، تحتاج إلى عشرين عامًا، أو جيلين، لتزول.

يعود إلى ذكرياته في موسكو. كان يمشي مع ناتاليا في شوارع المدينة، الثلج يغطي الأرصفة، والناس يتحدثون بحرية، كأن القيود التي نشأ عليها لم تكن موجودة هناك. تحدثا عن الأدب، عن دوستويفسكي، عن الحب في رواياته. "الحب ليس خطيئة،" قالت ناتاليا، "إنه ما يجعلنا بشرًا." تلك الكلمات، مثل ضربة مطرقة، هزت شيئًا في داخله. لكنه حتى في موسكو، لم يستطع أن يكون حرًا تمامًا. كان يشعر بالصحراء في عقله، رمالها تتحرك ببطء، لكنها لا تزال هناك.

جابر ينهض، يفتح النافذة، يتنفس الهواء البارد. يشعر أن عقله ساحة معركة، بين ما زُرع فيه منذ الطفولة وبين ما رآه في موسكو، وبين ما يراه الآن في بروكسل. يتذكر يومًا آخر في موسكو، عندما دعته ناتاليا لزيارة متحف صغير. كانت هناك لوحة تصور رجلًا وامرأة يقفان جنبًا إلى جنب، يحملان شعلة. "هذه اللوحة تذكرني بالنضال المشترك،" قالت ناتاليا. "الرجل والمرأة، معًا، يبنون المستقبل." تلك الكلمات جعلته يشعر أن هناك عالمًا آخر، عالمًا لا يعرف فيه القيود، لكنه لم يجرؤ على استكشافه.

الآن، في بروكسل, يشعر جابر أن ساندي هي ذلك العالم. يحاول أن يكتب الرسالة مجددًا، لكنه يتوقف. يرى منشورًا آخر على الإنترنت، خطبة لشيخ يتحدث عن "المرأة الغربية" كأداة للإغراء. يشعر بالغضب. هذا الشيخ، ببدلته الأنيقة، ليس سوى خادم لنفس النظام الذي يبيع المرأة كسلعة في إعلانات العطور. يتذكر ساندي، كيف كانت تتحدث عن الحرية، عن الفن، عن الحياة. إنها ليست وعاء، ليست سلعة، لكنني لا أستطيع رؤيتها كذلك. لماذا؟

في تلك الليلة، يحلم جابر بصحراء شاسعة، رمالها تتحرك كأمواج بحر. في وسط الصحراء, يرى ساندي, تقف وحيدة, تمد يدها إليه. لكنه لا يستطيع الوصول إليها, الرمال تسحبه إلى الأسفل. ثم يرى ناتاليا, تقف بجانبها, صوتها يملأ الصحراء كأنه أوبرا. يستيقظ مفزوعًا, قلبه يدق بقوة. ينظر إلى الساعة, الرابعة فجرًا. بروكسل نائمة, لكنه ليس كذلك. يشعر أن شيئًا بداخله بدأ يتشقق, كأن نسمة من موسكو, وأخرى من بروكسل, بدأتا تهبان على الصحراء في عقله, لكن الرمال لا تزال هناك, متجذرة, تنتظر عشرين عامًا, أو جيلين, لتزول.




الفصل الخامس: الثورة الداخلية

جابر يجلس في مكتب صغير في بروكسل، الضوء الخافت يتسلل من نافذة مشرفة على شارع مزدحم، حيث تتدفق السيارات والناس كأنهم نهر لا يتوقف. هو الآن في أواخر الثلاثينات، صحفي يكتب مقالات لصحيفة محلية، يحاول أن يفهم العالم من حوله، لكنه لا يزال يكافح لفهم نفسه. أمامه كتاب مفتوح، كتابات ماركس وغرامشي، صفحات مليئة بأفكار عن الحرية، عن المساواة، عن الإنسانية التي تتجاوز القيود. الكلمات ترقص أمام عينيه، لكن عقله لا يزال ساحة معركة، رمال الصحراء التي شكلته في طفولته لا تزال هناك، لكنها بدأت تتحرك، تتشقق، كأن نسمة من بروكسل، أو ربما من موسكو، بدأت تهب عليها. يتذكر ساندي، وجهها الذي يطارده في أحلامه، ضحكتها التي كانت كالنور في ظلام عقله. يشعر بالندم، ندما عميقا يعتصر قلبه، لأنه لم يجرؤ على الاقتراب منها، لم يجرؤ على الحب. لكن الصوت القديم، صوت الشيخ الوهابي الإخوانجي، خادم الإمبريالية ببدلته الأنيقة الممولة بالبترودولار، يعود: "المرأة وعاء جنسي، فتنة، احذر!" لكنه يعرف الآن أن هذا الصوت كذبة، كذبة تخدم نفس المنطق الذي يشيء المرأة في إعلانات العطور في واشنطن أو السيارات الفارهة في الرياض.

جابر يغلق الكتاب، يتنهد. يتذكر زيارته إلى موسكو قبل سنوات، عندما التقى ناتاليا، مغنية الأوبرا التي جعلته يرى الحب كتعبير إنساني، لا خطيئة. في موسكو، حيث لم يكن هناك غرب ولا محميات خليجية، شعر بإنسانية لم يعرفها من قبل. كانت ناتاليا شريكة، لا وعاء، لا سلعة. تحدثا عن الموسيقى، عن الأدب، عن الحرية. "الحب هو ما يجعلنا بشرًا،" قالت له ذات ليلة في مقهى صغير، الثلج يتساقط خارج النوافذ. تلك الكلمات كانت كضربة مطرقة، هزت شيئًا في داخله، لكن الرمال في عقله كانت لا تزال هناك، متجذرة، تحتاج إلى عشرين عامًا، أو جيلين، لتزول. الآن، في بروكسل، يشعر أن تلك الرمال بدأت تتحرك، لكنها لم تختفِ بعد.

يشعل جابر جهاز الكمبيوتر، يكتب مقالًا جديدًا. الكلمات تتدفق ببطء، كأنها تنحت من صخر. يكتب عن الإمبريالية، عن محميات الخليج التي تخدمها باسم الإسلام الصهيوني البريجينسكي الكيسنجري. يكتب عن الشيوخ الذين يعيشون بين لندن وتل أبيب والدوحة، يرددون كلمات عن المرأة كـ"وعاء جنسي"، لكنهم في الحقيقة يخدمون نفس النظام الذي يبيع المرأة كسلعة في إعلانات الغرب. يكتب عن التنميطات التي تفتت الشعوب، تجعل العربي يرى الغربي كعدو، والغربي يرى العربي كمتخلف. يكتب عن الحب، عن كيف أنه ليس خطيئة، بل تعبير إنساني يتجاوز القيود. لكنه يتوقف، يشطب جملة. الحب، يفكر، كيف يمكنني أن أكتب عنه وأنا لم أعشه؟ يتذكر ساندي، عينيها اللامعتين، ضحكتها التي كانت كالنور. يشعر بالندم، كأن قلبه يحترق.

جابر ينهض، يمشي إلى النافذة، ينظر إلى شوارع بروكسل. المدينة حية، الناس يتحركون كأنهم نهر، لكنه يشعر بالغربة. يتذكر يومًا في موسكو، عندما دعته ناتاليا لحضور عرض أوبرالي. كانت تغني على المسرح، صوتها يملأ القاعة، كأنه يحمل كل الأحلام التي لم يجرؤ على الحلم بها. بعد العرض، تحدثا في مقهى، الثلج يغطي النوافذ. أخبرته عن أمها، ناشطة في الاتحاد السوفييتي، عن فكرة المساواة التي كانت تحلم بها. "المرأة ليست وعاء،" قالت، "إنها شريكة، تناضل، تحلم، تعيش." تلك الكلمات كانت كالنور في ظلام عقله، لكنه حتى في موسكو، لم يستطع التخلص من عقده تمامًا. الرمال كانت لا تزال هناك.

الآن، في بروكسل، يشعر جابر أن تلك الرمال بدأت تتحرك. يعود إلى الكمبيوتر، يكمل مقاله. يكتب عن كيف أن الإمبريالية، سواء في مراكزها في الغرب أو في محمياتها الخليجية، تستخدم التنميطات لتفتيت الشعوب، لمنع التواصل بين العربي والغربي، بين الرجل والمرأة. يكتب عن الحب كقوة تحررية، كشيء يمكن أن يوحد الناس ضد النظام الذي يشيء الإنسان. لكنه يتوقف مجددًا، يشعر بالمرارة. يتذكر ساندي، كيف كانت تتحدث عن فان غوخ، عن الحرية، عن الحياة. يتذكر كيف تركها في المعرض الفني، كيف كذب عليها عن موعد آخر. يشعر بالندم، كأن قلبه سجن يحتاج إلى مفتاح.

جابر يفتح هاتفه، يبحث عن ساندي على وسائل التواصل الاجتماعي. يجد صفحتها، صورها وهي تبتسم في حديقة، تحمل لافتة في مظاهرة، تقرأ كتابًا في مقهى. يشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء يشبه الأمل. لكنه يغلق الهاتف بسرعة، كأن النظر إليها خطيئة. يتذكر خطبة سمعها في طفولته، شيخ يعيش بين لندن والدوحة، يتحدث عن "المرأة الغربية" كأداة للإغراء. لكنه يعرف الآن أن هذا الشيخ، ببدلته الأنيقة، ليس سوى خادم لنفس النظام الذي يبيع المرأة كسلعة في إعلانات العطور. يتذكر ناتاليا، كيف كانت تتحدث عن الحب كتعبير إنساني، كشيء يجمع الناس لا يفرقهم. يحاول أن يرى ساندي كما رأى ناتاليا, كإنسانة, لكنه لا يزال يشعر بالقيود.

جابر يقرر أن يكتب رسالة إلى ساندي. يفتح هاتفه, يكتب: "مرحبًا, أحببت حديثك عن الفن. هل يمكننا أن نلتقي مجددًا؟" لكنه يتردد, يشطب الرسالة. الصوت القديم يعود: "احذر! إنها فتنة!" لكنه يعرف الآن أن هذا الصوت كذبة, كذبة تخدم الإمبريالية, سواء في المحميات الخليجية أو في مراكز الغرب. يتذكر موسكو, يتذكر ناتاليا, كيف جعلته يشعر أن الحب ليس خطيئة. يحاول أن يكتب الرسالة مجددًا, لكنه يتوقف. يشعر أن الرمال في عقله بدأت تتحرك, لكنها لم تختفِ بعد.

في تلك الليلة, يحلم جابر بصحراء شاسعة, لكن هذه المرة هناك نهر يتدفق عبرها, يغسل الرمال. في وسط النهر, يرى ساندي, تقف وحيدة, تمد يدها إليه. بجانبها, ناتاليا, صوتها يملأ الصحراء كأنه أوبرا. يحاول أن يصل إليهما, لكنه يشعر أن قدميه عالقتان في الرمال. يستيقظ مفزوعًا, قلبه يدق بقوة. ينظر إلى الساعة, الرابعة فجرًا. بروكسل نائمة, لكنه ليس كذلك. يشعر أن ثورة داخلية بدأت في داخله, ثورة ضد الصحراء في عقله, ضد التنميطات التي شكلته. يقرر أن يبحث عن ساندي, أن يكتب لها, أن يواجه خوفه. لكنه يعرف أن هذه الثورة تحتاج إلى وقت, ربما عشرين عامًا, أو جيلين, لتكتمل.




الفصل السادس: غزة والصحوة

جابر يقف في ساحة غراند بلاس في بروكسل، السماء رمادية، والمطر يهطل بخفة، يبلل معطفه الأسود الذي يرتديه فوق قميص بسيط. المدينة مزدحمة، لكن اليوم ليس يومًا عاديًا. حشود من الناس تتجمع، تحمل لافتات مكتوب عليها عبارات بالفرنسية والإنجليزية والعربية: "أوقفوا الإبادة في غزة"، "فلسطين حرة"، "كفى ظلمًا". هو الآن في منتصف الأربعينات، صحفي مخضرم، عيناه تحملان أثر سنوات من الصراع الداخلي، لكن شيئًا بداخله بدأ يتحرر. الصحراء في عقله، تلك الرمال التي شكلها الخطاب الوهابي-الإخوانجي المدعوم إمبرياليًا، بدأت تتلاشى، وإن ببطء. يحمل لافتة صغيرة كتب عليها: "التضامن هو الحياة". يشعر أن الكلمات ليست مجرد حبر على ورق، بل صرخة من قلبه، صرخة ضد كل ما زُرع فيه منذ الطفولة، ضد التنميطات التي جعلت الحب خطيئة، والمرأة وعاء، والغربي عدوًا. يتذكر ساندي، وجهها الذي يطارده في أحلامه، ضحكتها التي كانت كنور في ظلامه. يشعر بالندم، لكنه يعرف الآن أن هذا الندم هو جزء من ثورته الداخلية.

الساحة تمتلئ بالمتظاهرين، أصواتهم ترتفع كموج البحر، تهز جدران المباني القديمة. جابر ينظر حوله، يرى وجوهًا من كل الألوان والثقافات: أوروبيون، عربا، أفارقة، آسيويون، جميعهم متحدون في صرخة واحدة ضد الإبادة في غزة. يشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء يشبه الأمل. يتذكر كلمات قرأها في كتاب لغرامشي: "الإنسانية تتحقق في التضامن". هنا، في هذه الساحة، يرى تلك الإنسانية تتجسد. لكنه يتذكر أيضًا الخطب التي سمعها في طفولته، شيوخ يعيشون بين لندن والدوحة وتل أبيب، يرددون أن المرأة "وعاء جنسي"، أن الغرب عدو، أن الحب فتنة. يعرف الآن أن هؤلاء الشيوخ، بخطبهم الممولة بالبترودولار، ليسوا سوى خدم للإمبريالية، يرددون نفس المنطق الذي يشيء المرأة في إعلانات العطور في واشنطن أو السيارات الفارهة في الرياض. يشعر بالغضب، لكن هذا الغضب ليس موجهًا فقط إلى الشيوخ، بل إلى نفسه، لأنه سمح لهذه الرمال أن تسيطر على عقله لسنوات.

في وسط الحشد، يرى وجهًا مألوفًا. إنها ساندي، تقف على بعد أمتار، معطفها الأحمر لا يزال كعلم في مهب الريح، شعرها الأشقر مربوط بعفوية. تحمل لافتة مكتوب عليها: "الحرية لغزة". قلب جابر يدق بقوة، كأن طبول الصحراء عادت، لكن هذه المرة ليست حربًا، بل دعوة. يشعر بالخوف، لكنه يعرف أن هذا الخوف هو بقايا الصحراء في عقله. يمشي نحوها، خطواته مترددة، كأنه يمشي على جليد رقيق. "ساندي!" ينادي، صوته يرتجف. تلتفت إليه، عينيها تلمعان بالمفاجأة، ثم تبتسم، تلك الابتسامة التي كانت تطارده في أحلامه. "جابر! بعد كل هذه السنوات!" تقول، وصوتها دافئ كما كان قبل عقدين. يشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء يشبه الحياة.

يتحدثان، في البداية بحذر، كأنهما يختبران المياه قبل الغوص. تسأله عن حياته، عن عمله كصحفي. يخبرها عن مقالاته، عن كيف حاول أن يكتب عن الحقيقة، عن الإمبريالية التي تفتت الشعوب، عن التنميطات التي جعلت الحب مستحيلًا بالنسبة له. ساندي تستمع، عينيها مليئتان بالتفهم. تخبره أنها أصبحت ناشطة في قضايا حقوق الإنسان، أنها تزوجت ولديها طفلان، لكنها لا تزال تحلم بعالم أكثر عدالة. "غزة علمتني الكثير،" تقول، وصوتها يحمل ألمًا وحزمًا في آن واحد. "عندما ترى شعبًا يقاوم الإبادة، تدرك أن الحب والتضامن هما السلاح الأقوى." جابر يستمع، يشعر أن كلماتها تنحت شيئًا في داخله، كأنها تزيل الرمال من عقله.

يتذكر جابر زيارته إلى موسكو قبل سنوات، عندما التقى ناتاليا، مغنية الأوبرا التي جعلته يرى الحب كتعبير إنساني. في موسكو، حيث لم يكن هناك غرب ولا محميات خليجية، شعر بإنسانية لم يعرفها من قبل. كانت ناتاليا شريكة، لا وعاء، لا سلعة. تحدثا عن الموسيقى، عن الأدب، عن الحرية. "الحب هو ما يجعلنا بشرًا،" قالت له ذات ليلة. تلك الكلمات كانت كنور في ظلامه، لكنه حتى في موسكو لم يستطع التخلص من عقده تمامًا. الآن، في بروكسل، وهو يقف بجانب ساندي في هذه المظاهرة، يشعر أن تلك الكلمات تعود إليه، لكنها أقوى، أعمق، كأن غزة، بصمودها، جعلتها أكثر وضوحًا.

الحشد يبدأ بالتحرك، الناس يهتفون، أصواتهم ترتفع كالرعد. جابر وساندي يمشيان معًا، لافتاتهما مرفوعة، أصواتهما تختلط مع أصوات الآخرين. يتحدثان عن فلسطين، عن الصمود، عن النضال. ساندي تخبره عن زيارتها إلى مخيمات اللاجئين، عن الأطفال الذين يرسمون أحلامهم على جدران مدمرة. "إنهم يعلموننا ما هو الحب،" تقول. "الحب ليس فقط بين رجل وامرأة، بل بين إنسان وإنسان." جابر يستمع، يشعر أن كلماتها تنفض الغبار عن قلبه. يتذكر كيف كان يراها قبل عقدين، كفتنة، كخطر، بسبب الخطب التي زرعت فيه الخوف. لكنه يعرف الآن أن تلك الخطب كانت كذبة، كذبة تخدم الإمبريالية التي تفتت الشعوب، تجعل العربي يخاف الغربي، والغربي يخاف العربي.

جابر يشعر برغبة عارمة في الاعتراف. "ساندي،" يقول، صوته يرتجف، "قبل سنوات، كنت خائفًا. كنت أراكِ كشيء ليس لي الحق في الاقتراب منه. كنت أحبكِ، لكنني لم أجرؤ على قول ذلك." ساندي تنظر إليه، عينيها مليئتان بالتفهم. "أعرف،" تقول بهدوء. "كنت أرى الصراع في عينيك. لكن الحياة علمتني أن الحب ليس دائمًا ما نعتقده. أنا سعيدة الآن، جابر. لدي عائلتي، لكنني سعيدة أن أراك هنا، تقاوم معنا." يشعر جابر بألم في صدره، لكنه ليس ألم الخسارة، بل ألم النمو. يعرف أن حبه لها كان حقيقيًا، لكنه كان مشوهًا بالتنميطات. الآن، في هذه الساحة, يرى الحب بمعناه الأوسع, كتضامن, كنضال, كإنسانية.

المظاهرة تستمر، والأصوات ترتفع. جابر يشعر أن شيئًا بداخله يتحرر. يتذكر كلمات غرامشي: "الثورة تبدأ في العقل." يعرف الآن أن التنميطات التي شكلته، سواء من الشيوخ أو الإعلانات، كانت أدوات لتفتيت التواصل البشري، لمنع الشعوب من الاتحاد. غزة, بصمودها, علمته أن التضامن هو الحل, أن الحب هو السلاح. ينظر إلى ساندي, يرى فيها إنسانة, لا وعاء, لا سلعة. يشعر بالأمل, لكنه يعرف أن هذا الأمل لا يكتمل إلا بالنضال.

في تلك الليلة, يحلم جابر بنهر يتدفق عبر صحراء, يغسل الرمال. في وسط النهر, يرى ساندي وناتاليا, يقفان جنبًا إلى جنب, يمدان أيديهما إليه. هذه المرة, يصل إليهما, يشعر بالحرية. يستيقظ, قلبه يدق بقوة, لكنه ليس مفزوعًا. ينظر إلى الساعة, الرابعة فجرًا. بروكسل نائمة, لكنه مستيقظ, يشعر أن صحوة حقيقية بدأت في داخله, صحوة ستأخذه إلى غزة, إلى النضال, إلى الحب الإنساني.




الفصل السابع: سلاسل مكسورة

جابر يجلس في غرفة صغيرة في شقته في بروكسل، الضوء الخافت يتسلل من نافذة ضيقة، ينعكس على مكتب خشبي مليء بالكتب والأوراق. هو الآن في الأربعينات، وجهه يحمل خطوطًا عميقة، عيناه تحملان أثر سنوات من الصراع الداخلي، لكن هناك هدوء جديد فيه، هدوء هش، كأنه بناء هش على أنقاض صحراء. أمامه جهاز كمبيوتر مفتوح، صفحة بيضاء تنتظر كلماته. يكتب رواية، رواية عن حياته، عن الحب الذي لم يجرؤ على عيشه، عن العقد التي كبلته، عن الثورة التي بدأت في عقله. الكلمات تتدفق ببطء، كأنها تنحت من صخر، لكن كل كلمة تحمل وزن سنوات من الألم والندم والأمل. يتذكر ساندي، وجهها الذي لا يزال يطارده، ضحكتها التي كانت كنور في ظلامه. يتذكر ناتاليا، مغنية الأوبرا في موسكو، التي جعلته يرى الحب كتعبير إنساني. يتذكر غزة، تلك الساحة في بروكسل حيث وقف مع ساندي، يهتفان من أجل الحرية. يشعر أن هذه الرواية ليست مجرد كلمات، بل محاولة لكسر السلاسل التي قيدته، سلاسل الصحراء التي شكلها الخطاب الوهابي-الإخوانجي، خادم الإمبريالية ببدلته الأنيقة الممولة بالبترودولار.

جابر يتوقف عن الكتابة، ينظر إلى النافذة. شوارع بروكسل تملؤها الحياة، الناس يتحركون كأنهم نهر، لكنه لا يزال يشعر بغربة خفيفة، كأن جزءًا منه لا يزال عالقًا في تلك الصحراء القديمة. يتذكر الخطب التي سمعها في طفولته، شيوخ يعيشون بين لندن والدوحة وتل أبيب، يرددون أن المرأة "وعاء جنسي"، أن الحب فتنة، أن الغرب عدو. يعرف الآن أن هؤلاء الشيوخ ليسوا سوى خدم لنفس النظام الذي يشيء المرأة في إعلانات العطور في واشنطن أو السيارات الفارهة في الرياض. يشعر بالغضب، لكنه غضب هادئ الآن، غضب يتحول إلى كلمات على الصفحة. يكتب عن كيف أن الإمبريالية، سواء في مراكزها الغربية أو في محمياتها الخليجية، استخدمت التنميطات لتفتيت الشعوب، لمنع التواصل بين العربي والغربي، بين الرجل والمرأة. يكتب عن الحب كقوة تحررية، كشيء يمكن أن يوحد الناس ضد هذا النظام.

يتذكر جابر لقاءه الأخير مع ساندي في المظاهرة في بروكسل. كانت تقف هناك، معطفها الأحمر كعلم في مهب الريح، تحمل لافتة تدعو إلى الحرية لغزة. عندما اعترف لها بحبه القديم، نظرت إليه بعينين مليئتين بالتفهم، وقالت إنها سعيدة بحياتها، بعائلتها، لكنها سعيدة أيضًا برؤيته يناضل. تلك الكلمات كانت كضربة مطرقة، لكنها لم تكن مؤلمة. كانت كالنور، كأنها أكدت له أن الحب ليس دائمًا امتلاكًا، بل أحيانًا هو التضامن، النضال المشترك. يكتب عن تلك اللحظة في روايته، يكتب عن كيف أن غزة، بصمودها، علمته أن الحب هو السلاح الأقوى ضد الإمبريالية، ضد التنميطات التي جعلت المرأة وعاء، والعربي متخلفًا، والغربي عدوًا.

جابر ينهض، يمشي ذهابًا وإيابًا في الغرفة. يتذكر زيارته إلى موسكو قبل سنوات، عندما التقى ناتاليا، مغنية الأوبرا التي جعلته يرى الحب كتعبير إنساني. في موسكو، حيث لم يكن هناك غرب ولا محميات خليجية، شعر بإنسانية لم يعرفها من قبل. كانت ناتاليا شريكة، لا وعاء، لا سلعة. تحدثا عن الموسيقى، عن الأدب، عن الحرية. "الحب هو ما يجعلنا بشرًا،" قالت له ذات ليلة في مقهى صغير، الثلج يتساقط خارج النوافذ. تلك الكلمات كانت كنور في ظلامه، لكنه حتى في موسكو لم يستطع التخلص من عقده تمامًا. الرمال كانت لا تزال هناك، متجذرة، تحتاج إلى عشرين عامًا، أو جيلين، لتزول. الآن، في بروكسل، يشعر أن تلك الرمال قد بدأت تتلاشى، لكنها لم تختفِ بعد.

يعود إلى الكمبيوتر، يكمل كتابة روايته. يكتب عن طفولته في المدينة الخليجية، عن الخطب التي زرعت الخوف في قلبه، عن الإعلانات التي شيأت المرأة، سواء في المحميات الخليجية أو في مراكز الغرب. يكتب عن ساندي، عن كيف كانت تمثل له عالمًا آخر، عالمًا لم يجرؤ على استكشافه. يكتب عن ناتاليا، عن كيف جعلته يرى الحب كتعبير إنساني. يكتب عن غزة، عن المظاهرة في بروكسل، عن كيف أن التضامن هو الحب بمعناه الأعمق. الكلمات تتدفق الآن بسهولة أكبر، كأن السلاسل التي كانت تقيد قلمه بدأت تنكسر.

جابر يتوقف، يفتح هاتفه، يبحث عن ساندي على وسائل التواصل الاجتماعي. يجد صورة حديثة لها، تقف في مؤتمر عن حقوق الإنسان، تبتسم بثقة. يشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء يشبه الأمل. يتذكر كلماتها في المظاهرة: "الحب هو التضامن." يعرف الآن أن حبه لها لم يكن خطيئة، بل كان تعبيرًا عن إنسانيته، حتى لو لم يجرؤ على عيشه. يقرر أن يكتب رسالة إليها، ليس ليعترف بحب قديم، بل ليشكرها على ما علمته إياه. يكتب: "ساندي، قرأت مقالك الأخير عن فلسطين. ألهمتني كلماتك، كما ألهمتني دائمًا. شكرًا لأنكِ جعلتيني أرى العالم بطريقة مختلفة." يرسل الرسالة هذه المرة، دون تردد. يشعر بثقل يرتفع عن صدره، كأن سلسلة قد انكسرت.

بعد أيام، يتلقى ردًا من ساندي. رسالة قصيرة، لكنها مليئة بالدفء: "جابر، شكرًا على كلماتك. قرأت مقالك الأخير، وأنا فخورة بك. استمر في النضال." يبتسم، يشعر بالسلام الداخلي لأول مرة منذ سنوات. يعود إلى روايته، يكتب بطاقة جديدة. يكتب عن كيف أن الحب، بكل أشكاله، هو السلاح الأقوى ضد الإمبريالية، ضد التنميطات التي تفتت الشعوب. يكتب عن غزة، عن صمودها، عن كيف أنها علمته أن الإنسانية تتحقق في التضامن. يكتب عن ناتاليا، عن كيف جعلته يرى الحب كتعبير إنساني. يكتب عن ساندي, عن كيف كانت نورًا في ظلامه, حتى لو لم يستطع الوصول إليه.

جابر ينهي الفصل الأخير من روايته, يشعر أن شيئًا بداخله قد تحرر. ينظر إلى النافذة, يرى أضواء بروكسل ترقص في الظلام. يتذكر كلمات غرامشي: "الثورة تبدأ في العقل." يعرف الآن أن ثورته الداخلية قد بدأت, وإن لم تكتمل بعد. الصحراء في عقله لم تختفِ تمامًا, لكن الرمال بدأت تتلاشى, تاركة مساحة لنهر من الأمل. يشعر بالسلام, رغم المرارة التي لا تزال تعتصر قلبه. يعرف أن الحب الذي لم يعشه مع ساندي لم يكن خسارة, بل كان درسًا, درسًا عن الإنسانية, عن النضال, عن الحرية.

في تلك الليلة, يحلم جابر بنهر يتدفق عبر صحراء, يغسل الرمال. في وسط النهر, يرى ساندي وناتاليا, يقفان جنبًا إلى جنب, يبتسمان له. هذه المرة, يصل إليهما, يشعر بالحرية. يستيقظ, قلبه يدق بقوة, لكنه ليس مفزوعًا. ينظر إلى الساعة, الرابعة فجرًا. بروكسل نائمة, لكنه مستيقظ, يشعر أن السلاسل التي كانت تقيده قد بدأت تنكسر, وإن لم تتحطم بعد. يعرف أن هذا التحرر سيأخذ وقتًا, ربما عشرين عامًا, أو جيلين, لكنه بدأ, وهذا يكفي.




الفصل الثامن: الحب الإنساني

جابر يقف وسط أنقاض غزة، الشمس تحرق ظهره، والغبار يعلق في حلقه، لكن عينيه تلمعان بنور جديد. هو الآن في الأربعينات، صحفي وكاتب، وقد جاء إلى هنا كمتطوع في مشروع إعادة إعمار مدرسة دمرتها الحرب. المدينة جريحة، الجدران مشوهة بالقذائف، لكن الأطفال يركضون بين الأنقاض، يضحكون، يرسمون أحلامهم بالطباشير على الأحجار المكسورة. جابر يحمل دلوًا من الإسمنت، يعمل جنبًا إلى جنب مع متطوعين آخرين، عربا وأجانب، شبابًا وشيوخًا، رجالًا ونساء. هناك شيء في هذا المكان، في هذه الأرض الممزقة، يجعله يشعر أنه أقرب إلى نفسه من أي وقت مضى. الصحراء التي كانت تسكن عقله، تلك الرمال التي شكلها الخطاب الوهابي-الإخوانجي المدعوم إمبرياليًا، قد تلاشت تقريبًا. لم تختفِ تمامًا، لكنها لم تعد سجنًا. يشعر أن غزة، بصمودها، هي التي حررته.

يتذكر جابر سنواته في بروكسل، عندما كان شابًا في العشرينات، عالقًا بين خوفه من الحب ورغبته فيه. يتذكر ساندي، وجهها الذي كان كنور في ظلامه، ضحكتها التي جعلته يشعر بالحياة. يتذكر اعترافه لها في المظاهرة، كيف قال إنه أحبها لكنه لم يجرؤ على عيش ذلك الحب. ردت عليه بابتسامة مليئة بالتفهم، وقالت إنها سعيدة بحياتها، لكنها فخورة به لأنه يناضل. تلك الكلمات كانت كمفتاح، فتحت بابًا في عقله، جعلته يرى الحب بمعناه الأوسع، كتضامن، كنضال، كإنسانية. يتذكر أيضًا ناتاليا، مغنية الأوبرا في موسكو، التي جعلته يرى الحب كتعبير إنساني، لا خطيئة. في موسكو، حيث لم يكن هناك غرب ولا محميات خليجية، شعر بإنسانية لم يعرفها من قبل. لكن حتى هناك، لم يستطع التخلص من عقده تمامًا. الآن، في غزة، يشعر أن تلك العقد قد بدأت تذوب، كأن الرمال في عقله تحولت إلى نهر.

جابر يعمل تحت الشمس، يساعد في بناء جدار للمدرسة. بجانبه امرأة فلسطينية تُدعى ليلى، في الثلاثينات من عمرها، عيناها تحملان أثر الحرب لكنهما مليئتان بالأمل. إنها مهندسة، تنظم العمل في الموقع، تتحرك بثقة بين الأنقاض، تصدر تعليماتها بهدوء وحزم. جابر ينظر إليها، يرى فيها شيئًا مألوفًا، شيئًا يذكره بساندي وناتاليا، لكنه مختلف. ليلى ليست مجرد امرأة، إنها شريكة في النضال، إنسانة تحمل أحلام شعب، تقاوم بكل نفس تأخذه. يتحدثان أثناء العمل، تبادل كلمات بسيطة في البداية، عن الإسمنت، عن الجدران، عن الأطفال الذين سيعودون إلى هذه المدرسة. لكن الكلمات تتحول تدريجيًا إلى شيء أعمق، إلى حوار عن الحياة، عن الصمود، عن الحب.

ليلى تخبره عن عائلتها، عن أخيها الذي استشهد في الحرب، عن أمها التي لا تزال تزرع الزعتر في فناء بيتهم المدمر. "الحياة هنا ليست سهلة،" تقول، وهي تمسح العرق عن جبينها. "لكننا نعيش لأننا نؤمن. الحب هو ما يبقينا أحياء." جابر يستمع، يشعر أن كلماتها تنحت شيئًا في داخله. يتذكر الخطب التي سمعها في طفولته، شيوخ يعيشون بين لندن والدوحة وتل أبيب، يرددون أن المرأة "وعاء جنسي"، أن الحب فتنة. يعرف الآن أن هؤلاء الشيوخ كانوا خدمًا للإمبريالية، يرددون نفس المنطق الذي يشيء المرأة في إعلانات العطور في واشنطن أو السيارات الفارهة في الرياض. لكن ليلى ليست وعاء، ليست سلعة. إنها إنسانة، شريكة في النضال، تحمل نفس الأمل الذي يحمله هو.

الأيام تمر في غزة، وجابر يجد نفسه يقترب من ليلى أكثر. يتحدثان في المساء، بعد انتهاء العمل، يجلسان على أنقاض المدرسة، ينظران إلى السماء المليئة بالنجوم. تخبره عن أحلامها، عن رغبتها في بناء مستقبل للأطفال هنا، عن إيمانها بأن الحب والتضامن يمكنهما تغيير العالم. جابر يشعر أن كلماتها تعيد تشكيله، كأنها تزيل آخر حبات الرمل من عقله. يخبرها عن حياته، عن بروكسل، عن ساندي، عن ناتاليا، عن كيف أن الحب كان بالنسبة له لغزًا محرمًا لسنوات. "كنت أظن أن الحب خطيئة،" يقول، صوته خافت. "لكنني أدركت الآن أنه الحرية." ليلى تبتسم، عينيها تلمعان تحت ضوء القمر. "الحب هو النضال،" تقول. "عندما نحب، نحن نتحدى كل من يحاول أن يجعلنا أقل من بشر."

جابر يشعر بشيء يتحرك في صدره، شيء يشبه الحب، لكنه ليس الحب الذي عرفه في شبابه. إنه حب إنساني، حب يتجاوز الرغبة، يتجاوز الامتلاك. إنه حب يجمع بين اثنين يناضلان من أجل شيء أكبر منهما. يتذكر كلمات قرأها في كتاب لغرامشي: "الإنسانية تتحقق في التضامن." يشعر أن هذا الحب مع ليلى هو تجسيد لهذه الإنسانية. لكنه لا يزال يشعر ببقايا الخوف، بقايا الصحراء في عقله. يعرف أن تحرره لم يكتمل بعد، أنه يحتاج إلى وقت، ربما عشرين عامًا، أو جيلين. لكنه يشعر أن غزة، بأنقاضها وصمودها، هي التي تقربه من الحرية.

في أحد الأيام، يزور جابر مع ليلى مخيمًا للاجئين في غزة. يرى الأطفال يلعبون بين الخيام، يرسمون أحلامهم على جدران مؤقتة. يرى أمهات يطبخن على نار مفتوحة، وآباء يحكون قصص الصمود لأبنائهم. يشعر أن هذا المكان، رغم الألم، مليء بالحياة. ليلى تمشي بجانبه، تخبره عن قصص الناس هنا، عن كيف أن كل واحد منهم يحمل حلمًا، رغم الحرب. "هذا هو الحب،" تقول. "أن تحلم رغم كل شيء." جابر يستمع، يشعر أن كلماتها تنفض الغبار عن قلبه. يتذكر ساندي، كيف كانت تتحدث عن الحرية في بروكسل. يتذكر ناتاليا، كيف كانت تتحدث عن الحب كتعبير إنساني في موسكو. لكنه يشعر الآن أن ليلى تجمع بينهما، أنها تجسد الحب والنضال معًا.

في إحدى الليالي، يجلس جابر وليلى على شاطئ غزة، الأمواج تصطدم بالصخور، والقمر ينعكس على الماء. يتحدثان عن المستقبل، عن كيف يمكن أن يكون العالم مختلفًا إذا توحد الناس. "الحب هو السلاح الأقوى،" تقول ليلى. "لأنه يجعلنا نرى بعضنا البعض كبشر، لا كأعداء." جابر ينظر إليها، يرى في عينيها غزة، يرى فيها الصمود، يرى فيها نفسه. يشعر أن شيئًا بداخله قد تحرر، أن السلاسل التي كانت تقيده قد تحطمت أخيرًا. يمد يده، يلمس يدها لثانية، لمسة خفيفة لكنها مليئة بالمعنى. ليلى تبتسم، لا تقول شيئًا، لكن عينيها تقولان كل شيء.

جابر يعود إلى عمله في إعادة الإعمار، يشعر أن كل لبنة يضعها في المدرسة هي لبنة في بناء نفسه. يعرف أن الحب الذي وجده مع ليلى ليس نهاية الرحلة، بل بداية. إنه حب إنساني، حب يتجاوز التنميطات، يتجاوز الإمبريالية التي حاولت تفتيت الشعوب. يتذكر كلمات غرامشي: "الثورة تبدأ في العقل." يشعر أن ثورته قد اكتملت تقريبًا، لكنها لن تكتمل إلا بالنضال المستمر. ينظر إلى ليلى، يرى فيها شريكة، لا وعاء، لا سلعة. يشعر بالسلام الداخلي، رغم الأنقاض التي تحيط به.

في تلك الليلة، يحلم جابر بنهر يتدفق عبر صحراء، لكنه لم يعد صحراء. إنه حقل أخضر، مليء بالزهور. في وسط الحقل، يرى ساندي وناتاليا وليلى، يقفن جنبًا إلى جنب، يبتسمن له. هذه المرة، لا يحتاج إلى الوصول إليهن، لأنه موجود بالفعل. يستيقظ، قلبه يدق بقوة، لكنه ليس مفزوعًا. ينظر إلى الساعة، الرابعة فجرًا. غزة نائمة، لكنه مستيقظ، يشعر أن الحب الإنساني الذي وجده هنا هو التحرر الحقيقي، تحرر سيستمر مع نضاله، مع ليلى، مع غزة.



……………..




ملخص الرواية: الصحراء في العقل

الرواية تتبع رحلة جابر، رجل خليجي في الأربعينات من عمره، يواجه صراعًا داخليًا عميقًا بين القيود التي شكلته في طفولته في مدينة خليجية والحرية التي يكتشفها تدريجيًا في حياته كصحفي وكاتب في بروكسل وغزة. تنسج الرواية، التي تستلهم من أساليب ديستويفسكي العميقة نفسيًا، وهيمنغواي في الإيجاز، وماركيز في الشاعرية، وتولستوي في المأساوية، ومنيف في الواقعية، قصة عن الحب، التضامن، والتحرر من التنميطات الإمبريالية والوهابية-الإخوانية التي تشيء المرأة وتفتت الشعوب. من خلال ذكرياته وتجاربه في بروكسل، موسكو، وغزة، يتحول جابر من سجين الصحراء في عقله إلى إنسان يعتنق الحب الإنساني كسلاح ضد الظلم.

الفصل الأول: الصحراء في العقل
جابر، شاب في العشرينات، يجلس في مقهى في بروكسل، يواجه صراعًا داخليًا بين رغبته في الاقتراب من ساندي، فتاة أوروبية، والقيود التي زرعتها فيه الخطب الوهابية-الإخوانية في طفولته. يتذكر خطب الشيوخ الذين حذروه من المرأة كـ"فتنة"، وإعلانات الغرب التي تشيء المرأة كسلعة. عقله ممزق بين الصحراء التي نشأ فيها وبروكسل التي تدعوه إلى الحرية. يحاول التحدث إلى ساندي، لكنه يغرق في صمته، خائفًا من أن يفقد هويته. يخرج من المقهى، يتجول في شوارع بروكسل، يشعر بالغربة عن نفسه. في شقته، يفتح صفحة ساندي على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه يغلقها بسرعة، كأن النظر إليها خطيئة. في الليل، يحلم بصحراء تسحبه إلى الأسفل، وساندي تمد يدها إليه، لكنه لا يستطيع الوصول إليها.

الفصل الثاني: أصوات الماضي
جابر يعيش في شقته في بروكسل، يتذكر طفولته في مدينة خليجية، حيث شكلته خطب الشيوخ الذين يعيشون بين لندن والدوحة، يصفون المرأة كـ"وعاء جنسي" ويحذرون من الغرب كعدو. يرى الآن أن هؤلاء الشيوخ، بخطبهم الممولة بالبترودولار، يخدمون نفس الإمبريالية التي تشيء المرأة في إعلانات الغرب. يتذكر لحظات من طفولته، عندما شعر بإعجاب بفتاة في السوق، لكنه عوقب على نظراته. يحاول أن يرى ساندي كإنسانة، لكنه لا يزال مقيدًا بالخوف. يكتب في دفتر ملاحظاته: "ساندي إنسانة"، لكنه يشطب الكلمات. يحلم بمسجد قديم، أبوابه موصدة، وساندي تقف خارجه، لكنه لا يستطيع الخروج. يستيقظ مفزوعًا، يشعر أن شيئًا بداخله بدأ يتشقق، لكنه لا يزال سجين الصحراء في عقله.

الفصل الثالث: بروكسل والاغتراب
جابر يواجه غربته في بروكسل، يزور معرضًا فنيًا ويلتقي ساندي بالصدفة. يتحدثان عن الفن، لكن عقله ينجرف إلى ذكريات الخطب التي حذرته من المرأة كفتنة. يعرف الآن أن هذه الخطب تخدم الإمبريالية، كما تخدمها إعلانات الغرب التي تشيء المرأة. يحاول أن يكون عفويًا مع ساندي، لكنه يتردد، يكذب عن موعد آخر ويتركها. يتجول في شوارع بروكسل، يشعر بالمرارة لعجزه عن كسر قيوده. يرى إعلانات تشيء المرأة، سواء في الغرب أو في المحميات الخليجية، ويشعر بالغثيان من هذا المنطق المشترك. في الليل، يحلم بلوحة فان غوخ، دوامات زرقاء تبتلعه، وساندي تمد يدها إليه، لكنه لا يصل إليها. يستيقظ، يشعر أن نسمة من بروكسل بدأت تهب على الصحراء في عقله.

الفصل الرابع: المرأة كوعاء
جابر يتذكر زيارته إلى موسكو، حيث التقى ناتاليا، مغنية أوبرا جعلته يرى الحب كتعبير إنساني. في موسكو، حيث لم يكن هناك غرب ولا محميات خليجية، شعر بإنسانية لم يعرفها من قبل. ناتاليا كانت شريكة، لا وعاء، لا سلعة. تحدثا عن الموسيقى والحرية، لكنه حتى هناك لم يتخلص من عقده تمامًا. الآن، في بروكسل، يرى أن الخطاب الوهابي-الإخوانجي، المدعوم إمبرياليًا، يردد نفس منطق الإعلانات الغربية التي تشيء المرأة. يحاول كتابة رسالة إلى ساندي، لكنه يتردد. يشعر أن الرمال في عقله بدأت تتحرك، لكنها تحتاج إلى عشرين عامًا، أو جيلين، لتزول. يحلم بصحراء ونهر يتدفق عبرها، لكنه لا يزال عالقًا في الرمال.

الفصل الخامس: الثورة الداخلية
جابر، الآن صحفي في الأربعينات، يكتب مقالات نقدية عن الإمبريالية والتنميطات. يقرأ ماركس وغرامشي، يرى في أفكارهما أملًا لتحرير عقله. يتذكر ساندي وناتاليا، يشعر بالندم لعجزه عن عيش الحب في شبابه. يكتب رواية عن حياته، عن الصحراء في عقله، عن التنميطات التي كبلته. يحاول التواصل مع ساندي، يكتب رسالة لكنه يحذفها. يعرف أن الشيوخ الذين حذروه من المرأة كفتنة كانوا خدمًا للإمبريالية، كما تخدمها إعلانات الغرب. يشعر أن ثورة داخلية بدأت فيه، لكنه يعرف أنها تحتاج إلى وقت. يحلم بنهر يغسل الصحراء، لكنه لا يزال عالقًا جزئيًا.

الفصل السادس: غزة والصحوة
جابر يقف في مظاهرة في بروكسل من أجل غزة، يرى ساندي مجددًا. يعترف لها بحبه القديم، فترد بعطف، تقول إنها سعيدة بحياتها لكنها فخورة بنضاله. يشعر أن غزة، بصمودها، علمته أن الحب هو التضامن، النضال المشترك. يرى في المظاهرة إنسانية تتحقق، تتحدى التنميطات الإمبريالية. يتذكر ناتاليا، كيف جعلته يرى الحب كتعبير إنساني. يشعر أن الصحراء في عقله بدأت تتلاشى، لكنه يعرف أن التحرر لم يكتمل بعد. يحلم بنهر يغسل الرمال، وهذه المرة يصل إلى ساندي وناتاليا، لكنه يستيقظ مدركًا أن الطريق طويل.

الفصل السابع: سلاسل مكسورة
جابر يكتب روايته في بروكسل، يحول صراعه الداخلي إلى كلمات. يكتب عن طفولته، عن ساندي، عن ناتاليا، عن غزة. يتواصل مع ساندي، يرسل رسالة يشكرها فيها على إلهامها. ترد عليه بدفء، تشجعه على مواصلة النضال. يشعر أن السلاسل التي كانت تقيده بدأت تنكسر، لكنها لم تتحطم بعد. يكتب عن الحب كقوة تحررية، عن غزة كدرس في التضامن. يحلم بنهر يغسل الصحراء، وهذه المرة يصل إلى ساندي وناتاليا، يشعر بالحرية. يستيقظ، يعرف أن تحرره لم يكتمل، لكنه بدأ.

الفصل الثامن: الحب الإنساني
جابر في غزة، يعمل كمتطوع في إعادة إعمار مدرسة. يلتقي ليلى، مهندسة فلسطينية تجسد الصمود والأمل. يتحدثان عن الحياة، النضال، الحب. ليلى تجمع بين ساندي وناتاليا، لكنها مختلفة، شريكة في النضال. يرى فيها إنسانية تتحدى التنميطات الإمبريالية التي شيأت المرأة، سواء في خطب الشيوخ أو إعلانات الغرب. يشعر بحب إنساني مع ليلى، حب يتجاوز الرغبة، يتجسد في التضامن. يزوران مخيم لاجئين، يرى الأطفال يحلمون رغم الحرب. على شاطئ غزة، يلمس يدها، يشعر أن السلاسل تحطمت. يحلم بحقل أخضر بدلاً من الصحراء، يرى ساندي وناتاليا وليلى يبتسمن له. يستيقظ، يشعر أن الحب الإنساني هو تحرره الحقيقي.

الخاتمة
الرواية تنتهي بجابر في غزة، قد تحرر من معظم الرمال في عقله، لكنه يعرف أن النضال مستمر. الحب الإنساني، الذي تجسد في ساندي، ناتاليا، وليلى، وفي غزة، هو السلاح الذي يواجه به الإمبريالية والتنميطات. يرى أن الشيوخ الوهابيين-الإخوانجيين، بخطبهم الممولة، والإعلانات الغربية، يخدمون نفس المنطق الذي يشيء المرأة ويفتت الشعوب. لكنه يؤمن الآن أن الحب والتضامن هما الحل. الرواية تنتهي بنبرة أمل، لكنها واقعية، تؤكد أن التحرر يحتاج إلى وقت، ربما عشرين عامًا، أو جيلين، لكنه بدأ.