هولوكوست الصحفيين الفلسطينيين في زمن التيك توك (إسرائيل تتفوق على النازية)


احمد صالح سلوم
الحوار المتمدن - العدد: 8431 - 2025 / 8 / 11 - 21:49
المحور: القضية الفلسطينية     

ما الذي دفع الكيان النازي المارق لاقتراف جرم ابادة خمس صحفيين فلسطينيين ،ظفعة واحدة ، وتحويلهم لأشلاء كما يفعل مع الحقيقة، ومعه امبراطوريات اعلامية غربية وعربية خليجية ، هل يخفي المزيد من الابادات في هجوم يعد له، وهو في جيش بحالة انهيار، وكأنه يندفع من أجل طلقة الرحمة في راس عصابات النازية الصهيونية ، التي يديرها نتنياهو وترامب
و حيث تتسابق الكاميرات مع القنابل، وفي عالم امريكي يحتضر تتصارع فيه الحقائق مع الأكاذيب ، يبرز تقرير من مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية، ذلك المنبر المحايد الذي يزين أقواله بالحيادية كما يزين الطاهي طبقًا فاسدًا بالبهارات. التقرير يعترف بما لا يحتاج إلى اعتراف: إسرائيل تفوقت على النازية بخمسة إلى عشرة أضعاف في قتل الأطفال والمدنيين. أما بالنسبة للصحفيين، فالرقم يتضاعف عشرات المرات، لأن النازيين، بكل بشاعتهم، لم يملكوا التكنولوجيا الكافية لملاحقة كل من يحمل كاميرا أو هاتفًا ذكيًا.

2. في غزة، حيث يُعاد تعريف الهولوكوست يوميًا، استُشهد خمسة صحفيين فلسطينيين، ليسوا مجرد أسماء، بل أصوات حاولت اختراق جدار الصمت العالمي: أنس الشريف، محمد قريقع، وثلاثة مصورين شجعان هم إبراهيم ظاهر، مؤمن عليوة، ومحمد نوفل. هؤلاء لم يكونوا يحملون أسلحة، بل كاميرات، ولم يكونوا يقاتلون، بل ينقلون. لكنهم، في عيون الكيان الصهيوني، كانوا خطرًا أكبر من جيش مدجج، لأن عدساتهم كانت تبث مباشرةً إلى العالم ما يريد العدو إخفاءه: إبادات جماعية يديرها طاقم نازي جديد بقيادة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، بدعم صريح من ترامب وقبله بايدن، الذي يبدو أن حلمه إعادة إنتاج الهولوكوست بأدوات القرن الحادي والعشرين.

3. تتحدث الجزيرة عن نفسها كمنارة للحقيقة، لكن دعونا نكون صريحين: القناة، رغم شجاعة بعض مراسليها مثل أنس الشريف، لا تخلو من التوابل الاستعمارية. خطها التحريري، الذي يداعب أحيانًا أذواق المخابرات البريطانية، يذكرنا بأن الإعلام قد يكون أداة في يد من يديرون العالم من خلف الكواليس. لكن، حتى مع هذا الهامش من البهارات، لا يمكن للجزيرة أن تتجاهل دماء مراسليها الذين يستشهدون على يد قناصة الكيان. أنس الشريف، الذي واجه تهديدات مباشرة قبل استشهاده، ومحمد قريقع، إلى جانب إبراهيم ظاهر، مؤمن عليوة، ومحمد نوفل، كانوا من هؤلاء الذين اختاروا أن يكونوا استشهاديين بالحقيقة، كما شيرين ابو عاقلة ، ينقلون صورة الإبادة مباشرةً، في زمن بات فيه التيك توك والهواتف الذكية أخطر من الصواريخ في عيون المحتل.

4. النازيون، في أربع أو خمس سنوات من الحرب العالمية الثانية، قتلوا واحدًا بالمئة من المدنيين في المناطق التي سيطروا عليها. إسرائيل، في غزة، أبادت قيادة الكيان المارق واسياده من الاحتكارات المالية الأمريكية ما بين خمسة إلى عشرة بالمئة من السكان الأصليين، أصحاب الأرض في عسقلان ويافا وسديروت، الذين حُرموا من أرضهم وصاروا لاجئين في قفص يسمى غزة. النازيون حاولوا إخفاء جرائمهم، لكن إسرائيل، بكل وقاحة التكنولوجيا الحديثة، تبث جرائمها مباشرةً، ومع ذلك يبقى العالم صامتًا. لماذا؟ لأن من يملك الإعلام يملك الرواية، ومن يملك الرواية يملك الضمير العالمي. لكن أنس ومحمد وإبراهيم ومؤمن ومحمد نوفل كانوا يهددون هذه الرواية، ينقلون الحقيقة التي يريد الكيان وداعموه، بما فيهم ترامب، إخفاءها: إبادة جماعية ترتكب بلا هوادة.

5. في وصيته، التي كتبها وهو يعلم أن الموت يتربص به، تحدث أنس الشريف عن حلمه بالعودة إلى مدينه الأصلية عسقلان المحتلة. تحدث عن ابنته شام، التي لم يرها تكبر، وابنه صلاح، الذي حلم أن يكون سندًا له، وزوجته بيان، جذع الزيتونة الثابت. تحدث عن والدته، التي كانت دعواتها درعه، وعن فلسطين، التي وصى بها العالم: لا تتركوا أهل غزة... ولا تنسوا فلسطين. كلماته ليست مجرد وصية، بل صرخة في وجه جيش جبان يقوده نتنياهو وبن غفير وسموتريتش، بدعم من ترامب، الذي يكمل ما بدأه بايدن في تمكين هذا الهولوكوست الحديث. أنس، الذي استهدف منزله في ديسمبر 2023، واجه تهديدات مباشرة، لكنه واصل نقل الحقيقة حتى لحظة استشهاده.

6. ما يقلق الكيان الصهيوني ليس الصواريخ، بل الهواتف الذكية. كل مواطن يحمل هاتفًا في غزة هو مراسل محتمل، ينقل الحقيقة مباشرةً إلى العالم. التيك توك، وتطبيقات التواصل الاجتماعي التي يصعب مراقبتها، صارت كابوسًا لمن اعتادوا إخفاء جرائمهم خلف الدعاية. أنس الشريف، محمد قريقع، إبراهيم ظاهر، مؤمن عليوة، ومحمد نوفل كانوا جزءًا من هذا الجيش الإعلامي الذي لا يحمل سوى الحقيقة كسلاح. لكنهم دفعوا الثمن غاليًا، لأن الكيان، بدعم من طاقم ترامب النازي، لا يتحمل أن يرى وجهه الحقيقي في المرآة. إبراهيم، مؤمن، ومحمد نوفل، كمصورين، كانوا عيون غزة، يوثقون المجازر التي يريد العدو إخفاءها، من تدمير المستشفيات إلى قتل الأطفال والمدنيين.

7. اغتيال هؤلاء الصحفيين لم يكن عشوائيًا. إنه جزء من استراتيجية ممنهجة لإسكات أي صوت يكشف الحقيقة. الكيان الصهيوني، بدعم من ترامب وإدارته، يعلم أن الصور والفيديوهات التي ينقلها هؤلاء الصحفيون تحرجه أمام العالم. من قصف المستشفيات إلى التجويع المتعمد، كل لقطة يلتقطها أنس أو محمد أو المصورون الثلاثة كانت بمثابة إدانة مباشرة للإبادة الجماعية. هذا الاستهداف الانتقائي يهدف إلى تغييب الرواية الفلسطينية وطمس الحقيقة. لكن، كما قال أنس قبل استشهاده، سنمضي في التغطية رغم الحصار.

8. في عالم يدعي الحضارة، يُقتل الصحفيون لأنهم ينقلون الحقيقة، ويُشوه الضحايا ليصبحوا أرقامًا في تقارير الأمم المتحدة. إسرائيل، التي تفوقت على النازية في كفاءة الإبادة، تستمر في حربها، مدعومة بخبث استعماري بريطاني قديم وأمريكي جديد يتجسد في طاقم ترامب. أما نحن، المتفرجون، فنكتفي بتغيير القناة أو التمرير على التيك توك، لأن مواجهة الحقيقة قد تكون أثقل من أن تتحملها ضمائرنا المتعبة. لكن صوت أنس الشريف، محمد قريقع، إبراهيم ظاهر، مؤمن عليوة، ومحمد نوفل سيظل يتردد: لا تنسوا فلسطين. فهل سنسمع؟

9. هذا المقال مستوحى من ملخص عن كتيب نشرته في موقع ( رأي اليوم )، بلندن. و الكتيب نشر في موقع (الحوار المتمدن ) بالدانمارك بتاريخ 11 أغسطس 2025، مع إضافة لمسة ساخرة تحاول تخفيف مرارة الحقيقة، لكنها لا تنجح دائمًا.