أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا















المزيد.....

عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا


عبدالله بولرباح
كاتب وباحث

(Abdellah Boularbah)


الحوار المتمدن-العدد: 8610 - 2026 / 2 / 6 - 02:48
المحور: الادب والفن
    


كاد تمدرسي أن يتوقف في مستهل السنة الثالثة ابتدائي(الابتدائي الثاني بمواصفات ذلك العهد)، لولا جارنا عمي موحند، أحد قدماء المحاربين بالجيش الفرنسي، الذي استطاع تعلم لغة موليير، كتابة وقراءة، دون ولوج مدرسة. في تلك الحقبة كانت مقولة: "العصا لمن عصى" أيسر وسيلة تربوية، شاخت بها أمور السلاطين والمماليك، ثم عممتها الكتاتيب القرآنية، فانتقلت إلى الاسر، ومنها تسربت كالماء الى المدرسة. غير ان حدة استعماله كانت تختلف من معلم لآخر. كل أساتذة مدرستنا كانوا ذكورا. لم تكن من بينهم أنثى تذكرنا بصورة الأم، وتضفي على جو المدرسة لمسة لطف، تخفف عنا قسوتها وتجبر اغترابنا، أو نلتمس عندها عطفا أو شفقة. كنا كأطفال تلاميذ نعرف حق المعرفة، الأساتذة الاكثر عنفا، وكان هاجسنا الاول قبل بداية كل موسم دراسي ان لا نكون ضمن فصولهم. غير أن المدير الذي كان يوزعنا على الفصول، لم يكن لتخطر هواجسنا على باله ولا لتتسلل إلى حساباته.
انقبض فؤادي الصغير، لما نودي علي للالتحاق بصف معلم الفرنسية، الذي كنت أخشى ما أخشاه أن أكون في فصله. تشوش عقلي واستبدت بي المخاوف. كنت أسائل دواخلي كيف سأقضي حصة واحدة معه، فما بالك بموسم كامل؟ لكن أين المفر: المدرسة أمامي، والأسرة ورائي؟
كان عزائي الوحيد أن معلم العربية كان من طينة أخرى تماما. لا توجد عصى بقسمه ولا يلمسها أبدا. يحب تلاميذه، ولا يناديهم بأسمائهم الا مقرونة بصفة "ولدي" أو "بنتي". يبذل جهده كاملا في الشرح وفي مواكبة كل تلميذ على حدة في التمارين. كنا نحبه ونقدره، ونشتاق لحصصه. كنت أتمنى لو تطول حصته يوما كاملا ولا أرى معلم الفرنسية.
لم يكن معلم الفرنسية عديم الكفاءة، لا أبدا، كان في منتهى كفاءة زمانه. غير أن أسلوبه العنيف طغى على الكفاءة، فنفر التلاميذ من شخصه قبل درسه.
مرت الأيام الأولى سلسلة، على غير المتوقع، لكن التوجس لم يبرح مكانه مني. كان محند أعمر أحد اقربائي، يدرس في نفس الفصل، لكننا كنا في فوجين مختلفين. يدرس الفرنسية في الحصة الصباحية فيما أدرس انا العربية. نلتقي دوما بعد الحصة الصباحية، نتبادل أخبار الدروس: يمدني بمعلومات عن حصة الخوف، وأنا أخبره بما جرى بحصة الطمأنينة.
ذات صباح من الأسبوع الثاني بعد انطلاق الموسم، أخبرني قريبي بمعلومة، لم تكن في الحسبان، لكنها كانت كأمنية جميلة، خافتة، تداعب قلبي باستمرار، أو كحلم وردي يراود روحي في اليقظة قبل المنام. أخبرني، وهو فرح أن معلم الفرنسية سألهم عمن يرغب في الانتقال من فصله إلى فصل آخر. فما كان منه إلا أن رفع أصبعه، مع بعض التلاميذ الآخرين، فسجل المعلم أسماءهم على ورقة. كدت أطير فرحا بهذه المعلومة، وكنت أرجو ألا ينسى المعلم أن يطلب منا نحن أيضا في الحصة المسائية نفس الطلب. لم يخب رجائي، وكنت أول من سجل اسمه للانتقال إلى فصل آخر بعيدا عن هذا المعلم المرعب.
في اليوم التالي بعد الحصة الصباحية، وفي الوقت الذي كنت أنتظر فيه البشارة من قريبي بانتقاله إلى فصل آخر، فزعت لما رأيت انتفاخا يعلو وسط رأسه. سألته وأنا أرتجف: ما الأمر؟ أخبرني، وهو في حالة حزن شديد، أن المعلم اقتص ممن رغبوا في الانتقال من فصله فضربهم بعصى طويلة، ضربا مبرحا وعشوائيا.
ذهلت واستبد بي الخوف ورفضت العودة إلى ذلك المعلم عدة أيام، رغم كل ترغيب وترهيب من الوالدين. كان والدي مشغولا بأعمال فلاحية، لا تحتمل التأجيل. اضطر بعد إلحاح شديد من والدتي، للتوقف عن العمل زوال أحد الأيام لمرافقتي إلى المدير وطلب منه أن ينقلني إلى فصل آخر، لكن المدير، رفض رفضا باتا: " تم يقرا ولا يمشي بحالو." حاول والدي إدخالي إلى الفصل، لكني انفلت من يده كسمكة وهربت. بلغ أمري إلى جارنا عمي موحند، الذي كان محبوبا لدينا بسبب تعامله اللطيف معنا كأطفال. جاء مساء ذلك اليوم إلى بيتنا، فجلس بقربي، أخذ يدي بلطف وسألني بعض الأسئلة، أجبته بصراحة، ففهم المشكلة، ووعدني بالذهاب في اليوم الموالي إلى المدير لإيجاد حل. ذلك ما تم. رافقني عمي موحند زوال اليوم الموالي إلى المدير. كان مكتب المدير يقع بمرآب صغير، له باب خشبي بدفتين، تآكلت صباغته، على مقربة من المطعم المدرسي ومسكن الحارس. كان المدير رجلا ذا وجهه عريض، متناسق الملامح، بارز التقاسيم، يتدلى لغلوغ كبير من تحت فكه الاسفل، يوحي بدرجة سمنة جسمه وقد بدأ الصلع يغزو رأسه. كان جالسا بأبهة خلف مكتب كبير مكتظ بالملفات والاوراق. دخل عمي موحند المكتب، ماسكا يدي، مرتديا بدلة عصرية، رافعا رأسه، دون استئذان أو انتظار إذن. فوجئ المدير وأصيب بالحيرة. وبعد لحظة من التردد، رحب بعمي موحند، ثم قال:
أظن أنني رأيت هذا التلميذ عندي يوم أمس.
نعم، رد عمي موحند بحزم، ثم أضاف بالفرنسية:
Mais vous n avez pas trouvé de solutions, monsieur le ---dir---ecteur !
ثم واصل: واش بغيتي نحرمو هاد الولد من القراية بسبب معلم كيخوف التلامذ؟
استرسل عمي موحند في شرح المشكلة بأدب وبحركات موحية من يديه، مستعملا بعض الكلمات الفرنسية، كان المدير يحرك رأسه فيما يشبه الإيجاب، لعله عرف القصة من إحدى بناته، التي كانت تدرس معي بنفس الفصل.
أعجب المدير بأسلوب حديث عمي موحند وعمق تحليله، طأطأ رأسه هنيهة، ثم شرع في تحرير ورقة باللغة الفرنسية طواها ثم مدها لعمي موحند، وقال له خذها مع التلميذ واعطها للمعلم. خرجنا، قرأ عمي موحند الورقة بسرعة، فابتسم، وقبل ان أستفسره، قال: هه، هذه ضربة قاضية لهذا المعلم. ستكون أميرا في قسمه.
وصلنا الى الحجرة الدراسية، دق عمي موحند الباب، خرج المعلم، لاحظ هيئة عمي موحند الأنيقة ووقفته الجبارة. ألقى عمي موحند نظرة متفحصة الى المعلم، ماسحا إياه من رأسه إلى أخمص قدميه. ركز نظره في عينيه ثم سلم له، بحركة متعالية، ورقة المدير. قرأها المعلم، ويده تحاول إخفاء ارتعاشة خفيفة، ثم خاطبني فجأة: "انا وانتا غادي نوليو صحاب." وأنا ألج الفصل بعد أن اطمان قلبي، سمعت عمي موحند يستفسر المعلم عن مستواي الدراسي، لم يتردد المعلم في الثناء علي، ووعده بتحسين تعامله مع كافة التلاميذ. همس عمي موحند بما يشبه الارتياح، شكر المعلم وانصرف. كانت حجرة الدرس تطل على الطريق من جهة الشمال، رمقت عمي موحند يسير هناك ذهابا وإيابا عدة مرات، وعينه على قسمنا، قبل أن يغادر. في المساء أخبرنا عمي موحند، أن المدير كتب في رسالته ما يشبه تنبيها للمعلم لسوء تعامله مع تلاميذه، آمرا إياه بعدم إثارة ما لا علاقة له بحصص الدروس بالقسم أو معاقبة التلاميذ عليه.
منذ ذلك اليوم تغير أسلوب المعلم تماما، في التعامل معي ومع باقي التلاميذ. فارقني الخوف وتابعت دراستي بنجاح.
بعد سنين طويلة من ذلك، التقيت صدفة بذلك الأستاذ، بمكتب جريدة كنت محررا بها. جاء يستفسر عن إمكانية نشر مذكراته على حلقات بالجريدة. أخبرته أن ذلك ممكن، شريطة موافاتي بها والاطلاع عليها، وتقديم تقرير بشأنها لهيئة التحرير لاستطلاع رأيها، ثم التشاور معه بخصوص إمكانية تعديل صياغة الحلقات بأسلوب موافق لشروط النشر الصحفي. فكر قليلا، ثم قبل الشروط. بعد ذلك أخبرته بأنني كنت تلميذه، ذكرته بلباقة بأسلوبه العنيف، وبقصتي معه. لم يتذكر القصة، لكنه قال لي بان الناس كانوا ينظرون في تلك الحقبة الى المعلمين كأنبياء، معصومين من الخطأ، لكنهم كانوا بشرا، وكان من بينهم من كان يعاني من مشاكل صحية واجتماعية، تؤثر بالضرورة على سلوكه. لم أناقشه في رأيه هذا، احتراما له. دعوته لتناول وجبة الغداء معي بالمطعم المجاور، لكنه اعتذر. ودعني وانصرف. انتظرت كثيرا عودته بالمذكرات، لكنه لم يعد أبدا.



#عبدالله_بولرباح (هاشتاغ)       Abdellah_Boularbah#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسارج القلوب
- رحلة خوف أطول من الطريق
- اهازيج حقل العدس
- الوطنية في المغرب: جذور أعمق من سردية الحركة الوطنية
- بين المعين والصدأ
- العرائض على المستوى الترابي بالمغرب، آلية للمشاركة في صنع ال ...
- أثر يعود ضوء
- شمس في ليل القلب
- رمح القمر
- جيل Z بالمغرب خوارزميات واحتمالات
- التشبيك الجمعوي بالمغرب: من أجل فعل مدني منسق وفعال
- برنامج جيل Z بالمغرب: بين وعي جديد وانتظارات مؤجلة
- فوق أهرام الأحزان
- بين فجر السماء وليل الأرض
- حين تجالس بعض الأرواح، عن الذين يزرعون النور فينا
- على ضفة القلب
- بين العين والهمس
- الإنسان والأرض والرمز في كتاب: -إثنوغرافيا آيت وراين، الأرض ...
- الليبرالية المتوحشة: من احتلال الدولة إلى السيطرة على شرايين ...
- الديمقراطية التشاركية بإقليم تازة(المغرب).. غياب الإرادة وتش ...


المزيد.....




- بن يونس ماجن: شطحات لكبار السن
- وزير الثقافة السعودي يزور المتحف الوطني السوري
- الشرع في افتتاح معرض دمشق الدولي للكتاب: -سوريا تعود-
- مصطفى محمد غريب: شهادة التأمل في الفصول
- محمد حلاق المثقف الثائر: المبدع عندما لا يترك وراءه أثره
- كيف أعاد التغير المناخي كتابة سرديات الرعب؟
- الممثل جوزيف غوردون ليفيت ينضم إلى حملة لإنهاء حصانة بعض شرك ...
- فضيحة صادمة في معرض القاهرة الدولي للكتاب بطلها -شات جي بي ت ...
- أسعد دوراكوفيتش: ترجمتي الثانية للقرآن تسعى إلى تعليم محبة ا ...
- نص سيريالى بعنوان:( بقايَا وَجْه تتدرَّب)الشاعرمحمد ابوالحسن ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله بولرباح - عمي موحند...حين انتصرت الكلمة على العصا