أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (14)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (14)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 6421 - 2019 / 11 / 27 - 18:55
المحور: الادب والفن
    


البعض ظل مرتديا الخاكي يرفض أن يستبدله بملابس أخرى تعيده للحياة المدنية،ظروف الحرب الطويلة أوجبت حتى على بعض الموظفين أن يرتدي هذا الزي العسكري في دائرته أو مدرسته،الكثير منهم كان يتخذ من بيته فندقا للنوم،بينما يقضي النهار وجزء من الليل حيث المقرات الحزبية.
الكثير من هؤلاء الموظفين زج في الحرب عبر قواطع الجيش الشعبي،هذا الجيش الذي يضم غير المشمولين بالخدمة العسكرية وعادة ما تكون أعمارهم خارج سن الاحتياط،وهذا الجيش كان يتم جمع عناصره بشكل مفاجئ عبر أخذ من يصادفهم في الطريق سواء ذاهب لعمله الخاص أو في الطريق لدائرته.
ذات مرة أخذوا أحد الأشخاص من أجل إكمال القاطع المطلوب،ذهب الرجل معهم وعند كبيرهم قال له أنا عسكري وهذا نموذج إجازتي،بهت الجميع وشعروا إنهم محل سخريته.
كان من بين قرارات ما بعد الحرب،حل هذا الجيش وهذا ما يعني إن البعض قد فقد سطوته وأسلحته التي كان يستخدمها ضد الآخرين،بل فقد ذلك الخوف الذي كان يزرعه لدى الناس.
لهذا ظل هؤلاء يرفضون خلع ملابسهم الخاكية بانتظار حرب قادمة،تأتي إليهم صدفة أو يسعون إليها بأيديهم وأرجلهم.
الحروب الطويلة تخلق حالات كهذه،ذات يوم طلبت مني زميلة لي أن أكتب موضوع إنشاء وتعبير لأبنها حول الربيع،قلت لها لماذا لا يكتب له الوالد وهو شاعر تنشر قصائده في الصحف،ضحكت وقالت هو لا يعرف يكتب سوى عن الحرب.
لكن الحرب انتهت يا زميلتي،ضحكت وقال هو وجماعته لازالوا يعيشون أجواء تلك الحرب كأنها لم تنتهي.
ذات مرة في المدرسة قال أحد المعلمين لماذا الرئيس لازال يرتدي بدلته العسكرية وقد انتهت الحرب،لم يجد ثمة إجابة من أحد،ليس لأنهم لا يعرفون السبب،بل من الصعوبة أن تجد أحدا يمكنه الإجابة على هذا السؤال.
ربما كان يقصد إحراجنا،فكرت بهذا ورغم كل شيء قلت له أنا شخصيا في إجازاتي الأخيرة قبيل تسريحي كنت أنزل ببدلة مدنية لأن الحرب انتهت.نظر لي وقال هذا هو الصحيح.
لم يعلق أحدا على الموضوع،قلت مع نفسي ربما لم يفهموا القصد من السؤال،حتى الصحف اليومية ظلت تنشر صور الرئيس على صفحاتها الأولى بالزي العسكري.
آلاف الجنود تم تسريحهم،وفرص العمل أمام العمالة المصرية بدأت تتقلص،الكثير منهم غادر البلاد،لكن بقي أيضا الكثير من هؤلاء الذين وجدوا في العراق عيشة جيدة افتقدوها في بلادهم.
كنت في منتصف عام 1990 قد أكملت إنتدابي وعدت لزاخو بعد أن تأكدت من وجود وحدتي هناك لأنجز التسريح النهائي من الجيش وأفك ارتباطي به نهائيا،من أحدى مقرات الوحدات حاولت الاتصال بوحدتي عبر بدالات عسكرية ونجحت في ذلك وطلبت قلم الوحدة،جاوبني أحدهم قلت له من أنت؟قال نائب ضابط ناصح،قلت له شلونك ناصح،سكت وقال منو؟قلت له حضر لي معاملة تسريحي أنا حسين، قال اين أنت قلت له في المكان الفلاني،بعد ربع ساعة كان قد أرسل لي عجلة عسكرية أقلتني لمقرهم.
حضنته بقوة،لم يكن هنالك من أعرفهم سوى خميس الجندي الكاتب في المقر،أحد أبناء الفلوجة،خميس هذا ذات مرة في البصرة كتبت له رسالة بإسم فتاة مع صورة لممثلة هندية،وضعت الرسالة في البريد ووصلت على عنوان وحدتنا، تسلمها خميس وظل يطالعها ويطالع الصورة أياما عديدة،بعدها أشفقنا عليه وقلنا له إنها مزحة ليس إلا.
آمر الوحدة نفسه،رحب الرجل بي كثيرا وضيفني ووجه بإكمال أوراقي،ناصح كان سعيدا بي كما كنت أنا أكثر سعادة،قضيت الليلة هناك وفي الصباح إنطلقت في عودة أخيرة إلى الخالص ليتم تأشير تسريحي في بداية العطلة الصيفية.
كان المعاون الأستاذ نعمان قد قرر إحالة نفسه على التقاعد ورشحني بدلا عنه معاونا ووافق مدير المدرسة وصدر أمر تعييني معاونا لمدرسة السموأل.
في الصباح كانت القوات العراقية قد دخلت الكويت وها هو المذياع يعيد من جديد الأناشيد الحربية،وعاد الجيش الشعبي وتم استدعاء مواليد لخدمة الاحتياط كانت مواليدي من بينهم وفي نهاية بيان الإستدعاء كانت فقرة تم بموجبها إستثناء المعلمين من خدمة الإحتياط هذه.
تبادرت إلى ذهني أشياء كثيرة من بينها،كيف سمع أبو أحمد الخبر وكم مرة سمعه من إذاعة لندن ومونت كارلو وصوت أمريكا،فكرت بالكثير من الجنود الذين انتظروا التسريح فإذا به يتبخر مع إنطلاق أو رتل صوب الكويت.
كانت ألأخبار تتوالى مسرعة،الناس بدأت تشتري وتخزن المواد الغذائية والمتاجر بدأت شبه فارغة من البضائع،سمعنا في ألأخبار إن مجلس الأمن فرض حصارا على العراق،لم نكن نعرف ما معنى الحصار الاقتصادي،بدأت بعض الحاجيات المنهوبة من الكويت تظهر على الأرصفة في ألأسواق العراقية،بدأت أسعار السلع ترتفع.
الناس لا تعرف ماذا تفعل مع وضع كهذا،سمعنا في أخبار صوت أمريكا إن العراق بدأ يمتلك ثلث احتياطي النفط العالمي بعد ضمه للكويت،في الأخبار أيضا أمريكا تقول غزو العراق شأن عربي داخلي لا علاقة لواشنطن به.
الكثير من العراقيين كان يعتقد إن الكويت التي أصبحت المحافظة التاسعة عشر هي مكافأة من أمريكا لصدام وتعويضا له عن حربه مع إيران،البعض الآخر يرى غير ذلك،لم يكن مسموحا التفكير بصوت عال،كل هذه الأحاديث تدور في الخفاء.
عاد الجنود لوحداتهم وتركوا أعمالهم،بدأ المذياع الوسيلة الوحيدة لمعرفة ما يجري،بالتأكيد أبو أحمد المذياع الآن لا يفارقه لحظة،حتى انا المذياع لا يفارقني ولا أحدا يعرف ماذا سيحصل غدا.
القضية خرجت من إطارها العربي لتتجه صوب مجلس الأمن،العراقيون يعرفون مجلس الأمن من خلال قرار وقف إطلاق النار الذي أصدره قبل عام من نهاية الحرب مع إيران،أغلب الشعب العراقي يحفظون رقم هذا القرار خمسمائة وثمان وتسعون،رقم محفور في الذاكرة،لكن هذه المرة أرقاما جديدة لقرارات كثيرة صدرت بحق العراق.
تبدو القيادة العراقية واثقة من إن الكويت عادت للعراق،عبد الكريم قاسم حاول ذات مرة إعادتها،لكن المهمة فشلت قبل أن يكمل التفكير.
صدام رفض كل المبادرات التي طرحت،رغم إن أمريكا غيرت موقفها واعتبرت ما جرى عدوانا على دولة وطالبت بانسحاب العراق،كانت في العراق مظاهرات منظمة تخرج ترفع يافطات الولاء،والتلفاز العراقي ينقل يوميا صورا عنها،عاد الخاكي يملأ شوارع المدن،الكثير من الموظفين في الدوائر من المنتسبين للحزب لبسوا الخاكي ووضعوا المسدسات،بدأت عملية جمع قواطع الجيش الشعبي من جديد.وانقطع البريد بين العراق والعالم وفقدت أنا الكثير من ألأصدقاء ومعهم فقدت الكثير من المجلات والكتب التي كانت تصلني أسبوعيا.
بقيت أقتني الصحف العراقية التي عادت لتمارس مهمة تعبئة الشعب للحرب من جديد،حتى الصحف باتت متشابهة في صفحاتها،لم أعد بحاجة لشراء جميع الصحف يكفي واحدة فقط،تقلصت صفحاتها بسبب الحصار.
إننا أمام حرب جديدة،في المدرسة قلت لذلك المعلم الذي سأل ذات يوم،لو خلع الرئيس الخاكي لما فكر بالكويت،ضحكنا وقال لي أسكت.
ما تم تخزينه من مواد غذائية في البيوت يوشك أن ينتهي،حتى السجائر اختفت،عاد البعض منا يدخن سجائر ملفوفة بيده،بعد فترة تغير لون وشكل النقود باتت تطبع محليا،قيمتها تتدهور،تم استبدال الأحصنة على العملة الورقية بصورة الرئيس الذي باتت قوته كالحصان كما يتضح ذلك من رفضه لكل الحلول بما فيها الحلول التي تحفظ العراق.
كل المؤشرات تقول الحرب قادمة،كنا نستعد لامتحانات نصف السنة،منتصف يناير 1991 الكثير منا كان يتوقع إن هذه الامتحانات لن تحصل،قبل أن تبدأ الامتحانات بيوم واحد انتهت المهلة التي منحها العالم للعراق كي يخرج قواته من الكويت.
لقد بدأت الحرب الجديدة التي تمناها البعض،والبعض سعى إليها من أجل أن يظل بملابسه الخاكية،تحولت مدينتي لمكان آمن لسكان بغداد التي تحملت صواريخ وقنابل من أنواع مختلفة،لا تجد بيتا في الخالص لا يضم عائلة أو أكثر من بغداد سواء يعرفهم أو لا يعرفهم،رغم قساوة الحياة ظلت تقاليدنا كما هي.
القصف لم يطل مدينتي لكنه ألقى بظلاله عليها،حولها إلى مدينة مكتظة بالسكان،لا يمكن لك الحصول على الصمون بسهولة،حتى مياه الشرب كانت مقننة،شفعت لنا أنهر المدينة في أن نستنجد بها في مهام كثيرة.
كانت الأخبار تركز على الغارات الجوية والضربات الصاروخية للمدن العراقية،تم تدمير الجسور،ربما الحرب البرية ستبدأ،وإن بدأت ستكون الكارثة التي لا أحد يتمنى وقوعها.
قبيل الحرب في أغلب محطات الإذاعة العربية والغربية كانوا يستعرضون ميزان القوى بين العراق وقوات التحالف كانت النسبة واحد إلى أربعمائة،قلت لصديقي هل سمع صدام هذا؟قال نعم سمعه أو أسمعوه إياه،تراه حينها ضحك وقال إن التاريخ معنا!وأظنه ردد كم فئة صغيرة غلبت فئة كبيرة.
ضحكت وقلت له أظنه كذلك خاصة وإنه وضع كلمة(الله أكبر)على علم العراق،رغم هذا لم يكن أحدا يتوقع أن تبقى الكويت المحافظة التاسعة عشر في العراق.
عندما بدأت الحرب البرية أدرك الجميع إن فيها نهاية للجيش العراقي،هذا الجيش الذي ربما قوته وتعداده أغرى صدام بأن يحتل به ما يشاء من الدول،لم تكن هنالك ضرورة للبقاء في الكويت،ترك الجيش كل شيء في طريق خلاصه من جحيم المعارك،عاد أبن جيراننا مشيا على ألأقدام ربما وصل من الكويت للبصرة مشيا،هو يؤكد مشى حتى الناصرية.
سمعنا في ألأخبار سقوط محافظات الجنوب والفرات ألأوسط بيد الثوار الذين ثارت حفيظتهم ضد النظام وهو يشاهدون ما جرى لأبنائهم،هذا الجنوب الغني بالبترول الفقير بباقي ألأشياء ومدنه كانت ساحات للحرب سواء مع إيران أو هذه مع أمريكا وحلفائها.
ديالى لم تنتفض ليس حبا بالنظام،لكن خوفا من بطشه خاصة وإن لها تجربة في ذلك،في صيف عام 1979 خرجت تظاهرة ضد النظام،وتعاملوا معها بما يليق بالتظاهرات المناهضة،كانت بداية حملة تطهير كبيرة جدا دفعت العوائل ثمنها مضاعفا.
لكن أحد الشباب كتب على حائط المستوصف(يسقط صدام)هذه العبارة التي عالجها الجهاز الحزبي بمسحها فورا كانت كفيلة بإقامة سيطرات متعددة من الجيش الشعبي في أغلب شوارع الخالص ومداخلها الفرعية.
تحولت الحرب مع أمريكا وحلفائها إلى حرب بين النظام والشعب،أمريكا لم تكن صادقة في وعدها بإسقاط النظام،سمحت له بقمع انتفاضة الجنوب بقوة.
كان كل شيء منهارا في العراق،لا ماء للشرب،لا كهرباء،لا غذاء ولا سجائر ولا نقود،كل ما موجود خوف كبير جدا ينتاب الجميع ولا أحد يعلم ما الذي سيحصل.
الصحف كانت تنقل انتصارات الحرس الجمهوري على الشعب في الجنوب،بيانات عسكرية تؤكد تحرير البصرة والعمارة والناصرية،الحرس الجمهوري يحرر كربلاء،تحولت الحرب من الدفاع عن الكويت إلى الدفاع من أجل بقاء النظام.
قال لي صديقي لا يمكن أن نجد من يثق بأمريكا،كان بإمكانها إسقاطه لكن على ما يبدو لم يحن الموعد بعد.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,883,055
- يوميات الحرب والحب والخوف (13)
- يوميات الحرب والحب والخوف (12)
- يوميات الحرب والحب والخوف (11)
- يوميات الحرب والحب والخوف (10)
- يوميات الحرب والحب والخوف (9)
- يوميات الحرب والحب والخوف (8)
- يوميات الحرب والحب والخوف (7)
- يوميات الحرب والحب والخوف (6
- يوميات الحرب والحب والخوف (4)
- يوميات الحرب والحب والخوف (5)
- يوميات الحرب والحب والخوف (3)
- يوميات الحرب والحب والخوف (2)
- يوميات الحرب والحب والخوف (1)
- لماذا الخدمة الالزامية؟
- الصوت الإنتخابي
- المحكمة الإتحادية واستفتاء كردستان
- البرزاني هل أختار النهاية؟
- اتفاق حزب الله
- صحوة سعودية أم ماذا؟
- الهروب من المجلس الأعلى


المزيد.....




- المغرب يعترف بالحكومة البوليفية وينضم للجهود الدولية لتحقيق ...
- المعالم الثقافية الايرانية ستبقى خالدة الى الابد
- منظمة -UFC- للفنون القتالية المختلطة تنشر فيديو مدته 40 ثاني ...
- لأول مرة.. تصاميم إفريقية في أسبوع الموضة بباريس
- جامع علولة بتونس من معلم تحت التراب إلى قائمة التراث الإسلام ...
- السودان: اجتماعات سد النهضة شهدت تقاربا مع تباينات في بعض ال ...
- وزيرة الثقافة: معرض الكتاب استعاد شبابه بعد الخمسين..*رئيس “ ...
- ريشة “حسانين الفنان داخل الميدان” :هكذا أرخ فنان للندي والنو ...
- ارتفاع أسعار الكتب بمعرض الكتاب “2020” بنسبة 40%..و”الثقافة” ...
- ممثل السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: اللجنة الممثلة لل ...


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (14)