أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - رواية (السوارية ح8 _2














المزيد.....

رواية (السوارية ح8 _2


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali )


الحوار المتمدن-العدد: 6355 - 2019 / 9 / 19 - 09:45
المحور: الادب والفن
    


لأن كان نعيمة يمثل شكل وحقيقة الإنسان الذي ليس لديه ما يقوله غير كلمة نعم أولا، فإن محمد الأثول هو نموذج أخر للرجل الذي تم غلق فمه عن أي كلمة وحتى المطلوب منه أن يقولها كونه رجل مأمور على الأقل بالإجابة عن أي سؤال يراد له جوا، هو نموذج مختلف تماما، رئيس عرفاء شرطة محمد رسميا في المدينة وفي الوظيفة مكتمل اللياقة هادي مرتب يذهب ويعود بأوقاته دون أن ينبس ببنت شفه، أما محمد الأثول فهو المعروف في منطقتنا وعموم السوارية تدور عنه حكاية أن زوجته العاقر كانت وخوفا من أن يفكر بالزواج من ثانية أسقته سحرا حتى لا يرى ولا يسمع ولا يتكلم إلا من خلالها، نسوان النزيزة يتهمن زوجة محمد أنها أطعمته (مخ حمار) فصار كما هو الآن شبيها بصمت الحميرـ الفرق أن الحمير تنهق لكن محمد الأثول لا يعرف منذ فترة حتى كلمة نعم أو لا.
من الصباح وقبل بداية الدوام يقطع المسافة القريبة من بيته الذي هو تماما في مقابل بيتنا حتى مركز الشرطة، لا يلقي التحية على أحد، لا يسأل أحد... لا ينظر لأحد، كل ما يفعله أنه يذهب إلى (السيراي) ليجلس على كرسي خشبي في باب المركز قريبا من الحرس، حين يدخل مدير الناحية أو يخرج وكذلك المعاون فينهض واقفا ثم يعاود الجلوس حتى أنتهاء الدوام.
عاش محمد الأثول أواخر أيامه هنا في النزيزة حيث لا حياة له مثل ما فيها من صخب ولا شيء يوحي أنه يعيش، فقط كائنا يتحرك بالأوامر من حيث أمتلك صاحب القرار المصير، ضحية أخرى من ضحايا القاع الضحل الذي ترسبت فيه كل أشكال الأنانية والظلم دون أن يفكر أحد لماذا نفعل كل ذلك ونحن نعلم أن شيئا سيكون من فوق إرادتنا مهما أمتلكت من أسباب، الضحايا تزداد كلما كان الواقع غير مستوي والعقل ينصرف للبحث عن مخارج مؤذية.
قد تكون قصة محمد الأثول جزء من تاريخ المدينة ومن تاريخ الطين لكنها منفردة بكونها تحمل مجهولا أو ربما نتصور الأمور عكس حقيقتها، لو كان السحر هو مفتاح الحل كان الأولى لزوجة محمد أن تفتح به مغاليق رحمها ليتسع لما هو سعيد لها ويسعد به الشريك، أظن أن الأمر فيه وجه أخر وجه يلفه الظن توهما، سألت جدي ذات يوم عن جاره القديم رئيس عرفاء محمد فذكر لي أنه كان في السابق مفعما بكل أسباب الحياة، جاء إلى هنا ومعه زوجته وشقيقتها العانس قبل سنين وهو من أول الساكنين في بيت من طابوق هنا حيث لا بيت مثله غير عدد بسيط يحسب على الأصابع، لم يكن أثولا بمعنى أنه لا يسمع ولا يتكلم كما نفعل نحن، بل وصف كذلك لأنه لا يرد ولا يتكلم إلا وفق البرنامج الذي زروعه في ذاته وسامح الله من كان السبب، له مواقف مشهودة كريما شجاعا لا يتردد في تقديم مساعدة لأحد، لا يكره أحد ولا أحد يضمر له السوء، هو والخير كانا على خط واحد حتى بدأ يتراجع عن طبيعيته شيئا فشيئا وها هو الآن جدار يتحرك فقط بين الناس ميت بثوب حي.
ليس دوما الضعفاء هم ضحايا الظلم وليست النساء في واقع النزيزة والسوارية كن دوما من عداد المظلومين، كثيرا من كان الظلم هو من ذات المظلوم يصنعه بيده ويسعى له ثم يجلس ليتباكى على ما حدث، قد نعذر عقل من عمل لمحمد السحر أو كما يزعمون أو نعطي لمحمد العذر أيضا على ما حدث وكأنه المصير المحتوم، ولكن عقلي يقول كان هناك إمكانية لأن نرفع الظلم نقاوم نجتهد على أن نتجاوز وقعه على واقعنا... هل من الممكن بعدها أن نشتكي منه فكل ظلام الدنيا يزاح بأول خيط نور يسري نحو ما يجب أن يكون.
كنت أظن أن الفقر والعوز وعدم أنتظام سيرورة المجتمع ماديا في القاع المجتمعي هي السبب وراء بسط الظلم أحكامه بين الناس، السوارية تقول ليس هذا دوما قانون الحياة والنزيزة كتجربة تقول الظلم هو جزء من جينات الحياة، بين قول الأولى وإفصاح الثانية تتلخص قصة محمد الأثول بمأساتها كنموذج واقعي، فمن فعل له كل ذلك مدفوعا أولا وقبلا بالجينات الأجتماعية التي يعكسها التمرد على الذات المحبة المستوية، وقد يكون الفقر نبلا وقد يكون لعنة من لعنات الضعف النفسي.
ذهب محمد إلى قلب الأرض وهو لا يعرف جريرته ولا نحن نعرف الحقيقة وبموته شهد نهاية فصل من حكايات السوارية، لكن الذي لم ولن يموت هو ما بقي عالقا في الذاكرة نتذكره ويذكرنا أن الحياة وإن عشنا فيها طولا وعرضا لا تخلو من وجه من أوجه الظلم، لا فرق بين كبير ولا صغير ولا بين قوي ولا ضعيف، الظلم كباقي الأمراض ينتشر حين لا يكون هناك لقاح مسبق ولا حمية من عدواه، إنه ويكفي أسمه المرعب كان الخلل الأكبر في هدم أحلامنا وتخريب الطريق الذي يصلنا حيث كان الله ينتظرنا في أخر المطاف.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,714,961,996
- رواية (السوارية) ح8 _2
- رواية حكيم لباي ج15
- رواية حكيم لباي ج14
- رواية حكيم لباي ج13
- رواية حكيم لباي ج11
- رواية حكيم لباي ج12
- رواية حكيم لباي ج10
- رواية حكيم لباي ج9
- رواية ح 8
- رواية حكيم لباي ج7
- كربلاء بين ذاكرة التاريخ وتأريخ الذاكرة
- رواية حكيم لباي ج6
- رواية حكيم لباي ج5
- رواية حكيم لباي ج4
- رواية حكيم لباي ج3
- رواية حكيم لباي ج2
- رواية حكيم لباي ج1
- قراءة دستورية في تركيب النظام التشريعي في الدستور العراقي.
- رواية (السوارية) ح8 _1
- رواية (السوارية) ح7 _2


المزيد.....




- نزار البركة: سياسات الحكومة غير شعبية
- اداء سريع للورشات الفنية لاعادة طريق حلب دمشق كما كان قبل ال ...
- الفنان الشهير ألفا بلوندي يتزوج على -الطريقة الإسلامية-
- بالضربة الفنية القاضية... فيوري يجرد وايلدر من لقب الوزن الث ...
- محمد رمضان يعلن توقفه عن الغناء في مصر... فيديو
- الجسمي ينقذ أحلام من موقف محرج أمام الآلاف! (فيديو)
- تدريس اللغة الصينية في رام الله
- سفير الكويت يعلق على حادث فرار مواطنه المتهم بالإعتداء جنسيا ...
- -ميقدرش-... أول تعليق من محمد رمضان على منعه من الغناء
- أسطورة السينما الأميركية يتخلى عن ترامب


المزيد.....

- أناشيد القهر والحداد / Aissa HADDAD
- ماتريوشكا / علي مراد
- الدراما التلفزيونية / هشام بن الشاوي
- سوريانا وسهىوأنا - : على وهج الذاكرة / عيسى بن ضيف الله حداد
- أمسيات ضبابية / عبير سلام القيسي
- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عباس علي العلي - رواية (السوارية ح8 _2