أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمير بالعربي - أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (الأجزاء السابقة)















المزيد.....



أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (الأجزاء السابقة)


أمير بالعربي

الحوار المتمدن-العدد: 6299 - 2019 / 7 / 23 - 20:32
المحور: الادب والفن
    


(ارتأيت نشرها للتذكير , ولتصحيح بعض الأخطاء . باقي القصة , تقريبا نصفها , سينشر مستقبلا .)
********

اسمي أمين واسم أختي الصغيرة أمينة , سمانا بابا جمال قبل أن نولد , قبل وفاته بسنوات طويلة ... ماما اسمها أميرة , كانت أرستقراطية من عائلة شريفة قبل أن تتنازل عن ارثها ... بابا اسمه منير من الريف لكنه عاش طوال حياته في المدينة ... ماما إيناس شريكة بابا منذ وفاة بابا جمال , كانت خطيبة بابا جمال لكنهما لم يتزوجا ...
كنا نقول أن ماما ليست مرأة حديدية لكن نيكالية , أما بابا فلم يكن حديديا هو الآخر لكن كروميا , ومن وحدتهما نشأ زوج نيكال-كرومي كان يسحق كل من يقف أمامه ... لا أحد يستطيع الخروج رابحا من مواجهة مع أحدهما أو معهما , هكذا كانت العادة وهكذا تربّينا وكبرنا .
كان الجيران يقولون عنا أننا كاليهود ؛ التفوق , العزلة وعدم الثقة بالآخرين . ولم يخطئوا , لكنهم لم يعلموا أننا كنا أكثر من ذلك بكثير ...
في هذا الكثير , توجد ماما إيناس ....
لم نتربّ على أننا أعلى قيمة من غيرنا , لكن تربّينا على أننا نعيش وسط غابة تقطنها الحيوانات البرية , حيوانات تستطيع افتراسنا في أي لحظة إذا لم نحتط منها ... نعم , كذا كانت تقول ماما وكذا كان يقول بابا لي ولأمينة , لا يجب علينا كره تلك الحيوانات المفترسة لكن علينا توخّي الحذر منها وبذلك فقط نستطيع الحياة معها .... وعندما كنا نسأل عن لماذا لا نغادر إلى مكان آخر لا توجد فيه حيوانات متوحشة , كان الجواب أننا لا يجب أن نغادر أرضنا لأن من يغادر أرضه ويتركها للحيوانات المفترسة ضعيف جبان لا يستحق الحياة في أرض أخرى ... كان فهم ذلك سهلا بالنسبة لنا , الأصعب كان كيف يجب علينا أن نحب تلك الحيوانات المفترسة ولا يجب بأيّ حال من الأحوال أن نحب غيرها أكثر منها ... بعد المراهقة فهمتُ كيف يمكن ذلك وأظن أن نفس الشيء حصل مع أمينة .
كنا نلعب مع غيرنا من الصغار , ندرس معهم , نأكل معهم , نتكلم معهم ... لكننا لم نكن نقول كل شيء عنّا ... الصغار لم يكونوا فقط جيراننا ورفاق الدراسة بل أيضا كل أطفال عائلات ماما وبابا , جميعهم كانوا الحيوانات المفترسة التي تعلمنا كيف نحذر منها .
ماما طبيبة نساء وبابا رجل أعمال , زرعا فينا ثقافة التفوق منذ نعومة أظفارنا , تربينا في ثقافة القوة التي بها فقط استطعنا تجاوز الخوف من الوحوش الضارية ...
كانت ماما تقول أن من حقنا الافتخار بأمنا , لأنها متميزة وناجحة , لأنها لم تظلم أحدا وتمارس أرقى وأنبل المهن . كلّمتنا كثيرا عن الأطباء وشرحتْ لنا كيف يتاجرون بحياة الناس من أجل المال , كيف يموت الناس ويعيشون بعاهات بسبب أخطاء طبية ولا يُحاسب أحد , كيف لا يرأفون بالفقير وكيف لا يوجد عند عدد كبير منهم حتى الحد الأدنى من الكفاءة المهنية وبرغم ذلك يكونون مشهورين ويتدافع الناس على عياداتهم ...
قالت ماما أنها وبرغم غنى عائلتها , لم تعوّل على أحد منها , وأن نجاحها صنعته بمعية بابا فقط أي معه بابا جمال بالطبع . شرحت لنا كيف أراد لها أبواها أن تدرس الأدب وأن تمضي حياتها حبيسة قصرٍ تكتب القصص والروايات , وكيف فعلوا المستحيل لينفّروها من دراسة الطب بتسليط بعض الأساتذة عليها في سنتها الأولى .. لم يحترموا اختيارها ولم يتركوها وشأنها حتى , بل أرادوا لها أن ترسب ظنا منهما أنها ستتراجع لكنها نجحت وكانت من المتفوقين .
كانت ماما ترجع كل الفضل لبابا وتحكي لنا كيف تعرّفا يوم أنقذاها من الانتحار , كم كانت تسرّنا تلك القصة وكم كنا نسعد لسماع نسخة ماما للقصة ثم نسخة بابا وكل يُعيد كل الفضل للآخر ويقول أنه أنقذ حياته من هلاك محقق . نسخة ماما إيناس كانت مكمّلة وتفرحنا كثيرا أيضا ...
كان يوم لقائهما قرابة نهاية سنتها الجامعية الأولى , كانت ماما تقود بسرعة جنونية ولم تتفطن لنفاذ الوقود حتى توقفت بها السيارة قريبا من محطة بنزين ... قبل توقفها , كان هدفها من دخول الطريق السيارة الإسراع أكثر ما يمكن ثم الخروج عن الطريق أو الوصول إلى نقطة معينة ثم العودة إلى الوراء ضد اتجاه السير ...
بعد توقفها بقت طويلا في السيارة , تبكي , خائفة , مضطربة أُغلقت أمامها كل السبل . ثم نزلت ومشت حتى محطة البنزين وطلبت من أحد العمال توفير الوقود , لاحظ ذلك العامل اضطرابها فسألها هل كل شيء على ما يرام فصرخت في وجهه أن لا شأن له بحالها وأن عليه أن يؤدي عمله ويخرس , لم يرقه موقفها فرفض أن يوفّر لها البنزين , فصفعته فدفعها حتى سقطت على الأرض ...
حدث كل ذلك بجانب بابا و بابا جمال الذي نزل من سيارته واتجه نحوهما , وقوفه في صف ماما لم يعجبها فصرخت في وجهه هو أيضا وقالت له أن لا دخل له وطالبته بالرحيل ... فعاد لسيارته , وبعد ملء البنزين ذهبا إلى مقهى تلك المحطة ...
قال لنا بابا أنه لام بابا جمال على ما صنع وقال له أنه استحق ما حدث له , ظهرت له ماما ابنة أغنياء سكرانة -وكان قد رأى نوع سيارتها قبل دخولهما المحطة- لا تستحق إلا الدخول في حائط لينقص عدد من هم شبهها في البلاد ! لكنه لم ينتهِ ...
بقيا قرابة الربع ساعة في المقهى , وعند خروجهما لاحظ بابا جمال أن ماما لم تغادر , وكانت تجلس بجانب حمامات النساء جلسة غريبة فعاود الاقتراب منها رغم نهر بابا له .
لم يتغيّر سلوكها معه بل كان أعنف من المرة الأولى , من صراخها في وجهه فهم أنها في حاجة للمساعدة وبرغم وقاحتها قرّر أن يفعل ...
اشترى البنزين وطلب من بابا مرافقته فقبل على مضض , أما ماما فسكتت وتبعتهما حتى وصلوا إلى السيارة ... بعد ذلك طلب منها المفتاح فرفضت , فافتكه من يدها ووضعها بالقوة في المقعد الذي بجانب السائق وسألها عن وجهتها فلم تجب , ففتح حقيبتها ونظر في أوراقها فعرف عنوانها ... ثم أعطى المفتاح لبابا وقال له "نلتقي أمام مركز الشرطة الذي بعد الخروج من الطريق السيارة مباشرة" . لم يستطع بابا الرفض , لكنه لم يُخفِ عن بابا جمال تخوفه من العواقب فربما زعمت لأهلها أنهما اختطفاها أو تحرّشا بها , فطمأنه أنها حتى لو ادّعت ذلك لن يصدقها أحد لأن الأعوان سيرون حالتها بعد قليل وسينفون كل مزاعمها , فقبل بابا وقاد سيارة ماما ...
بابا جمال كان في طريقه لحضور حفلة تخرّج خطيبته -ماما إيناس- , لم يكونا هو وبابا -صديق طفولته وشريكه في العمل- على عجل ... لكن ذلك لم يفسّر تصرفه مع ماما ...
تربّينا على أنه رمز مقدّس لنا بل لطالما رأيناه القداسة ذاتها . كانت ماما تقول لنا أنه كان ملاكا تجسّد في بشر , أما بابا فكان يقول أنه كان أكثر من رفيق عمر وشريك نجاح انطلق من الصفر بل كان بهجةَ حياةٍ بالنسبة له , أما ماما إيناس فكانت تقول أنه أودعها في أياد أمينة قبل رحيله .... أما أنا وأمينة , فوصلنا مرات عديدة حدّ الشعور بوجوده وبزيارته لنا في غرفنا , وكنا نشعر كلما زرنا قبره أنه يسمعنا كلما شكونا له غضب ماما أو بابا علينا أو حدثناه عن كل جديد في حياتنا .
قرابة النصف ساعة استمر بابا في القيادة وماما بجانبه قبل أن يتوقف . قالت ماما أنه كان قاسيا عليها وكان كلامه كله عن الأغنياء الذين يسرقون أموال الفقراء لتصل إلى أبنائهم الذين ليسوا أهلا لفلس منها فيستعملونها لتخريب البلد وقتل الأبرياء . قال لها أنه لولا صديقه ما نظر إليها ولو سحلوها أمامه , بنت تعيش في النعيم ولا يكفيها ذلك لتزيد عليه المخدرات ويوفر لها أبوها سيارة بالملايين لتدعس الناس بها ولا يهم إن حدث ذلك فالسيد الوالد سيدفع وستخرج الأميرة الصغيرة كالشعرة من العجين ! ما ذنب عامل المحطة لتصفعيه سألها ؟ ماذا يعني ذلك ؟ تربية ؟ أخلاق ؟ وما دخلي أنا لأكون معكِ الآن ؟ لست سائقا من سواق السيد الوالد ! ....
أما ماما فلم تسكت , صرخت وسبّت ولعنت ولم تستثن من لعنها أحدا حتى ... "السيد الوالد" ! وعندما قالت أنها ليست تحت تأثير المخدرات , وعند رد بابا عليها أنها كاذبة , سكتت فأعاد عليها نفس الكلام أن هيأتها وسلوكها لا تفسره إلا المخدرات , فقالت له أنها كانت تريد الانتهاء من حياتها وأنها لا تريد منه ومن صديقه أن يعلما الشرطة لأنها لا تريد أن يصل الأمر إلى أهلها .
قال بابا أنه في تلك اللحظة نظر للوشم الذي على كتفها اليسرى وإلى البيرسينغ الذي على أذنها وأنفها بازدراء , وقال أنه لو كان مكانها لكان صعد عمود كهرباء أو ألقى بنفسه في قفص للأسود أسرع وأضمن نتيجة من أن يستعمل سيارة واقترح عليها التوقف , وفعل ...
بجانب الطريق السيارة كان هناك أعمدة الضغط العالي , سحبها من يدها حتى وصل بجانب أحدها وقال لها : "تفضلي ومع السلامة !" ... كان يظن أنها ستخاف لكنها شرعت في الصعود وعند عدم توقفها بدأ يستجديها أن تنزل واعتذر عن كل ما قاله لها لكنها واصلت ولم تتوقف إلا عندما اقتربت من الأسلاك ...
التحق به راعي أبقار رأى كل ما حدث من بعيد , رجل كبير السن قال الكثير وصرخ مع بابا لكن ماما بقت في مكانها ... قالت ماما أنها في تلك اللحظات لم تشعر بالخوف لكنها لم تستطع الاقتراب أكثر من الأسلاك , قالت أيضا أنها كادت أن تسقط عندما أضحكها ذلك الرجل المسن : "انزلي وأعدكِ أني سأتزوجكِ بدلا عن هذا الغبي الذي معك !" , يقال : "تحضر الضحكة عند رأس الميت" , أي في تلك اللحظة التي يكون فيها الميت ممددا بين ذويه وهم يبكونه فيقول أحدهم شيئا يُضحك الباكين غصبا عنهم ....
عندما عادا للسيارة , اتصل به بابا جمال يسأل عن تأخره , فطلب منه ألا يعلم الشرطة وأن ينتظر قدومه ... لم ينطقا طوال المسافة المتبقية حتى غادر الطريق السيارة , وعند وصوله حكى ما حصل وطلب منه تركها في ذلك المكان وأن يغادرا لأن ماما إيناس تنتظرهما , ويكفيهما ما حصل من متاعب .
عندما نزل بابا من سيارة ماما أخذ المفتاح معه وبقت ماما في مكانها ... فأخذه منه بابا جمال ثم صعد مكانه ... قال لماما مشيرا للمركز أمامه أنه لا يستطيع أن يعطيها المفتاح وأن الخيار الوحيد الذي عنده هو إعلام الشرطة , فسألته أين سيذهب بعد ذلك فقال لها لمنزل خطيبته مع أصدقائهم ليحتفلوا بتخرجها , فطلبت منه دعوتها فضحك وفعل ... قالت ماما أنه نظر لها ثم للمركز ثم لها مرة أخرى وابتسم وقال : "أوافق بشرط أن لا تفعلي أي مصيبة جديدة !" , ودون أن ينزل , نادى بابا وأعلمه بالبرنامج الجديد .... قال بابا أنه رفض جنونه ذاك , واتصل مباشرة بماما إيناس وأعلمها بكل شيء , وطلب منها أن تمنعه من أن يحمل إليهم قنبلة لا أحد يعلم متى وفي وجه مَن يمكن أن تنفجر , ومرر الموبايل لبابا جمال متوقعا أن تمنعه , لكنها لم تفعل .... بل وطلبت منه أن يمرّر لها ماما فكلمتها ودعتها !

(2)

قالت ماما -ابنة الأكابر الشرفاء- أنها توقعت أن تكون حفلة , ليس بكبر ما اعتادت , لكن كبيرة قليلا على الأقل .... لكنها لم تجد إلا عددا قليلا من الناس متراصين كالسردين في استوديو صغير .
كان ذلك انطباعها الأول عندما دخلت بينهما ؛ بعد بابا وقبل بابا جمال الذي كان يضع يديه على كتفيها من خلفها ويدفعها وقدّمها بـ "دكتورتنا أميرة" , كان هو من قاد سيارتها حتى منزل ماما إيناس وفي الطريق علم منها اسمها وأنها تدرس طب ومن عائلة كرهت الانتماء إليها , لكن ماما لم تعرف اسم أيٍّ من ثلاثتهم أي بابا جمال , بابا وماما إيناس .
قالت ماما أن تلك الليلة لم يعدلها شيء في حياتها كلها , كانت يوم ولادتها الحقيقي بعد قرابة العشرين سنة ضاعت هباء في عالم مزيف لم تختره ولم تفتخر به يوما , على عكس الذين رأت ليلتها ... لم تشعر أنها بطلة لتلك الأفلام التي تتنازل فيها الأميرة فتنزل من برجها العالي لتأكل وتشرب مع العوام البسطاء , بل أحست أن أناسا مهمين ترفّقوا بها وسمحوا لها بدخول عالمهم , ورأت أنها لم تستحق كل ما فعلوه معها حيث جعلوا منها الشمس التي دار الجميع حولها وكأنها صاحبة الحفلة ...
بدأ -كل شيء- في اللحظة التي سلّمت فيها ماما إيناس عليها , قالت أنها سلّمت وكأن ماما صديقتها أو أختها التي لم ترها منذ سنين , قالت أنها رأت في عينيها عفوية نادرة ومحبة لا ترفقًا وشفقة بطفلة مدللة مرتبكة نفسيا ... قالت أنها أحست عندما ضمّتها بحنان أمٍّ لم تشعر به يوما , وتفهّمتُها ! لأني عرفت جيدا جدتي ولا أتذكّر أنها حضنتني يوما أو قبّلتني كما تقبّل جدة ابنها أو ابنتها أو أحد أحفادها , أظنها كانت تحبّذ أن أجثو أمامها وأقبّل يدها أو ربما رجلها ! عليها اللعنة وعلى عالمها وبهرجه وشرفه المزعوم ! منذ أن كنا صغارا قالت أمينة لماما عن حب الحيوانات المفترسة : "ماما , أستطيع أن أحبهم كلهم إلا جدتي !" فسكتتْ ماما . أما بابا عندما سألتُه عن قول أمينة , اكتفى بالقول أنها "امرأة كبيرة" .
بعد أن ضمّتها , قالت ماما أنها جعلتْ من وجهها بين يديها وقبّلتها بقوة من خديها وكأنها تقبّل رضيعة , ثم أعادت ضمّها إلى صدرها وقالت لها في أذنها : "حاولي أن تنسي كل شيء , اعتبرينا أهلكِ واستمتعي , لكن لا تأكلي كثيرا من الحلويات ... سنتعشّى بعد" ...
كانت ماما أصغر كل من حضروا , تسع عشرة سنة وعدة أشهر , ماما إيناس كانت في الخامسة والعشرين أما بابا وبابا جمال فكانا في الثامنة والعشرين ... بقية أصدقائهم كانوا من نفس أعمارهم .
استمرت الحفلة قرابة الثلاث ساعات , أكلوا وشربوا وضحكوا ... كلهم كلموا ماما وسلّوها , أغلبهم كانوا مهندسين تختلف اختصاصاتهم لكن الغالب عليها كان البيولوجيا والكيمياء الصناعية , وقد سرّ ماما أنه لم يوجد بينهم أحد من خلفية أدبية !
حبيبتي ماما ! كم كانت تغلظ علينا أنا وأمينة عندما كنا نخطئ في حفظ حِكم أهلها الشرفاء ! وكم كنا نشكوها لبابا جمال ... مكرّ مفرّ مقبل مدبر معا , كجلمود صخر حطّه السيل من عل ! واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ! السيف أصدق إنباءً من الكتب , في حدّه الحد بين الجد واللعب ! قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ! فأيّمتُ نسوانا وأيتمتُ إلدة , وعدتُ كما أبدأتُ والليل أليلُ ! ... بابا وماما إيناس لم يكونا مثلها ؛ كانا أقل قسوة علينا , أنا وأمينة , لأن أهلهما لم يكونوا حكماء وشرفاء كأهل ماما ! لم نفهم كل ذلك عندما كنا صغارا ... كنا مثل ماما في تلك الليلة التي بدأ فيها كل شيء ...
قرابة التاسعة غادر كل الأصدقاء , ولم يبقَ إلا أربعتهم ... ماما إيناس قالت أن بابا كلّمها خلسة عن ماما وطلب منها أن تطلب منها المغادرة فرفضتْ واقترحتْ عليها البقاء إذا أرادت واستطاعت , اعتذرت ماما وشكرت ثلاثتهم على كل شيء واعتذرت من بابا وبابا جمال عن كل ما صدر منها ... لكن ماما إيناس ألحّت عليها فقبلتْ .
قالت ماما -وكان يوم سبت- , كانت تظن أنها ستزيد نصف ساعة أو ساعة على أقصى تقدير ثم تغادر , ولم تكن تتصوّر إطلاقا حدوث الذي حصل بعد ذلك .... لأن الاحتفال الحقيقي كان سيبدأ وقتها .
قال بابا أنه غضب من ماما إيناس , وعبّر عن سخطه لبابا جمال وقال له أن ذلك كثير وأنه لن يقبل بأن تذهب معهم وغادر الأستوديو ...
قالت ماما إيناس أنها عندما علمت بغضبه لحقت به ولامته على تهويله للأمر , قالت له أنها تريد أن تبعد تلك الفتاة الصغيرة أقصى ما يمكن عن أفكارها السوداء لا أكثر ولا أقل وأنهم لن يخسروا أي شيء إذا ما ذهبت معهم ... فأجابها بابا أن الذي فُعل يكفي وأنه لن يقبل بأن تُفسد ليلتهم تلك الطفلة البرجوازية , فأصرّت ماما إيناس وهدّدته أنها ستُلغي كل شيء إن لم يقبل ... فأذعن وقبل .
كنا صغارا عندما رووا لنا ذلك , بابا قال : "لا أحد يجب أن يغضب ماما إيناس أو لا يسمع كلامها !" , ماما قالت : "من يحب بابا جمال , عليه ألا يغضب ماما إيناس !" ... أما ماما إيناس , فقالت : "أريد قُبلة كبيرة من هنا وأخرى أكبر منها من هنا !" فجرينا إليها أنا وأمينة وكل قبّلها من خد ... وكل أراد أن تكون قبلته أكبر .... وكل صاح بعد قبلته : "أنا أكبر ! أنا أكبر !" .
قالت ماما إيناس أنه في ذلك الزمان , كان المنتزه البلدي مفتوحا للجميع , كل وقت , وكامل أيام الأسبوع ... لم يخصخص بعد ... كان يتواصل مع غابة الجبل , فوق , والتي لم يكن بها أفاعي وذئاب وخنازير ... وكان من عادات بعض الشبان التخييم ليلا هناك حتى في الصيف مفضلين الغابة على البحر والمهرجانات ...
قال بابا أن التخييم كان عادة ثلاثتهم .... مهرجانهم عند الاحتفال , وخلوتهم عند الحلم والتفكير في المستقبل ... تلك الليلة كانت ليلة احتفال وليلة وداع لمدينة ماما إيناس , لأنها قرّرت الانتقال إلى العاصمة , لم يكن هدفها العمل لأنها كانت تستطيع الحصول عليه في مسقط رأسها ... هدفها كان بداية حياة جديدة مع بابا جمال .
قالت ماما أنها لم يكن عندها عادات , حاولت جدتي أن تجعل هواياتها الشوبينغ وزيارة المكتبات وحضور الحفلات الشريفة لكنها لم تُفلح ...
عندما عادت ماما إيناس وبابا للأستوديو , قالت ماما أن عليها العودة لمنزلها لكي لا ينشغل أهلها ...
بابا جمال ضحك ولم يتكلّم , أما ماما إيناس فقالت لها مشيرة له : "انظري , أضحكته النكتة ..." وجذبتها من يدها إلى المطبخ ... "تعالي , ساعديني , تأخّرنا" ...

(3)

في المطبخ , وقفت ماما تنظر دون كلام ...
ماما إيناس كانت على عجلة ... "الحوت قبل كل شيء وإلا شوانا منير ! لا أحب الحوت , وأنتِ ؟" ... "هنا قطع اللحم ... قلب , كبد إمممممممم أحب الكبد المشوي وأنتِ ؟" .... "الخبز" ... "السلطة ... غلال البحر إمممم أعشق غلال البحر" .... "الفحم" ... "كانون الغاز" ... "الجبن" ... "الزيتون" ... "زيت الزيتون" ... "اللوز" ... "الفستق" ... "و ... مشروبات الكبار , أحيانا أشرب معهما قليلا وأنتِ ؟ تشربين ؟ تجاوزتِ الثماني عشرة تعلمين ...." ... "انتظري , الخيمة في الحمام ... سأعود ... أخرجي الماء والكوكا من الثلاجة" ....
لكنها لاحظت أن ماما كانت تبكي ....
- ما بكِ ؟ ما الذي حصل ؟
- لا أقبل بشفقتكم عليّ !
- أريدكِ أنتِ أن تشفقي عليّ وأن تساعدينني لأننا تأخّرنا , هيا بسرعة ... ولا تغتاظي منهما الآن لأننا عندما سنصل سيقومان بالواجب ولن نمسّ أي شيء ... سنثأر بعد قليل , سترين ...
- أشعر أني سأكون ثقيلة عليكم ...
- أشعر أنكِ لن تندمي وسنمضي ليلة جميلة , تعرفين أننا لا ننام حتى الفجر ؟
- لكنكم ستُحرجون من تواجدي ...
- جميل ... الوشم جميل ... أظن أني سأصنع مثلكِ ... يجب أن تعطيني عنوان الواشم ....
- لكنـــــــــ ...
وضعت ماما إيناس يدها على فم ماما ... وفي أذنها همستْ : "أرجوكِ , أشعر أني بدأت أغضب !" ثم ... تركتها ... "تعرفين ... والبيرسينغ أيضا ... جميل ... لكني أحب الوشم أكثر ..." ... "هيا , أخرجي الماء والكوكا من الثلاجة" ...
من الحمام نادت ماما إيناس بابا جمال ليساعدها على إخراج الخيمة وأغراضها , كانت في صندوق كبير موضوع فوق , وعندما التحق بها سألته عن ماما واعتذرت منه على فرضها عليهم لكنها رأت أن ذلك سيساعدها على الخروج مما كانت فيه ... فقال لها أنها ليست في حاجة للاعتذار لأنه هو الذي سمح لها بالقدوم منذ البداية , لكنه طلب منها أن تتأكد أنها تستطيع إمضاء الليلة معهم وألا يكون ذلك سببا لمتاعب قد تحدث لها مع عائلتها .
عند رجوعها للمطبخ , وجدت ماما قد قامت بما طلبته منها ... وكانت تجري اتصالا ...
- كل شيء على ما يرام ؟
- نعم , ماما اتصلت بي ...
- وأعلمتِها أنك ستمضين الليلة عند أصدقاء ؟
- لم أفعل ... ماما يهمها أن أكون حاضرة في مناسباتها وأن ألبس وأتصرف حسب ما تريد ... فقط .
- جيد ... هيا سنخرج ... لنحمل الأغراض للسيارة ...
نزلوا أربعتهم كلّ يحمل شيئا , قالت ماما أنها ظنت أنهم سيخيمون لشهر من كثرة تلك الأغراض . وبرغم كل ذلك , نست ماما إيناس القهوة والحليب والكايك ... وضعوا أغلب الأغراض في سيارة بابا جمال والبعض القليل في سيارة ماما , اعتادوا الذهاب في سيارة واحدة أما تلك الليلة فخافوا من أن يتركوا سيارة ماما أمام منزل ماما إيناس وقرروا أن يأخذوها معهم ... عاودت ماما إيناس الصعود لتجلب فطور الصباح للغد , ومرّت على غرفة نومها وأضافت بعض الملابس لها ولماما ونزلت ...
أثناء ذلك , صعد بابا سيارة بابا جمال الذي كان لا يزال عنده مفتاح سيارة ماما , وانتظر أن تلتحق به ماما إيناس , لأن بابا جمال كان سيقود سيارة ماما ... كان ذلك بديهيا بالنسبة له , ولم يخطر بباله أيّ فرضية أخرى , لكنه بعد قليل فوجئ بصعود بابا جمال بجانبه , فانتفض من مكانه ...
- "ماذا تفعل هنا ؟ أين إيناس ؟"
- "أرادت أن تقود سيارة أميرة ... قالت الرجال وحدهم والنساء وحدهم ..." ... وابتسم ...
- "وتضحك فوق ذلك ! هل تريد قتلها أم ماذا ؟؟ تقود وفي الليل .... ! انزل وأرسلها إلى هنا !"
- "تُفكّر في ...."
- "انزل قبل أن يجنّ جنوني وأن أقول أنك تعمدّت ذلك !"
نزل بابا جمال بسرعة , سيارة ماما كانت وراء سيارته مباشرة وماما إيناس كانت تجلس مكان السائق وماما بجانبها ...
قالت ماما أنها بعد أن أخذت المفتاح من يد بابا جمال وصعدت , تغيّرت ملامحها ومن شدة رعشة يدها لم تستطع تشغيل المحرك , سألتها فلم تجب وظلت تنظر أمامها , وبدأت تبكي ...
حصل ذلك في غضون دقائق معدودات , وكأن فتاة أخرى حلّت في جسد تلك الضاحكة المشرقة التي فعلت الكثير من أجل ماما بعد أن كانت قد رأتها لأول مرة منذ ساعات قليلة ...
فتح بابا جمال الباب وساعدها على النزول : "آسف حبيبتي ... سامحيني ... كل شيء على ما يرام , لا تقلقي عزيزتي ... كل شيء على ما يرام ... تعالي" ...
نزلت ماما بسرعة وتبعتهما حتى أجلسها بابا جمال في سيارته بجانب بابا الذي ما إن رآها حتى نزل ... ابتعد قليلا عن السيارة إلى الأمام , ثم عاد باتجاه بابا جمال , وقف أمامه حتى التصق به وقال له : "أحسنتَ يا فالح ! ... اتبعني الآن !" , ثم ركب , شغّل المحرك وانطلق ...
قالت ماما أنها لم تشعر بحرج , وبأنها متطفلة وثقيلة على غرباء ... زال كل ذلك عنها ... وشعرت بالاهتمام , وبوجوب أن تعرف حقيقة ما حدث ... شعرت وكأنها تعرف ثلاثتهم منذ زمن طويل ... رأت أن عند ماما إيناس مشكل ما وأرادت أن تساعد ... وفهمت -منذ البدء- أن بابا صديق لحبيبين لكنها لم تكن تتصور أهمية وسطوة ذلك الصديق عندهما ....
في سيارتها , لم تسأل ماما لأن بابا جمال تكلم وحده ... قالت ماما أنه بكلامه من تلقاء نفسه وقبل أن تسأله , قرّبها أكثر منه ومنهم وأشعرها أنها ليست غريبة بل ... كما قالت لها ماما إيناس عندما سلّمت عليها : "اعتبرينا أهلكِ" ...
قال : "فقدت إيناس أختها الصغيرة منذ ثلاث سنوات في حادث سيارة ... كانت تقود وأختها بجانبها .... لا أعلم كيف غاب عن ذهني ذلك !!"
في سيارة بابا جمال , لم تتكلم ماما إيناس , أمسك بابا بيدها اليسرى لدقائق ولم يكلّمها ...
ثم قال لها : "عندنا هدية لكِ , الحقيقة ... ليست فكرتي لكني وافقتُه عليها ... ستعجبكِ ... لكني قد أُغيّر رأيي إن لم أر ابتسامتك الجميلة الآن ..." ردّت ماما إيناس أنها لا تريد لأي شيء في الوجود أن يفسد عليهم ليلتهم , لكنها اعتذرت وقالت أنها افتقدتها وفقدت السيطرة ...
- تعرف , تكلمنا كثيرا في الموضوع , لكني لا أزال أشعر بالذنب ...
- لا ذنب لكِ في الحادث ... وتعرفين ذلك جيدا ...
- لكني منعتُها من ...
- لم تمنعيها من أي شيء , أنا من فعل , ولا أشعر بأي ذنب ...
- لكنها كانت صغيرة , وكنا نستطيع أن نتصرف بطريقة أحسن ...
- لا لوم عليكِ في شيء , وإذا أردتِ لوم أحد فعليكِ إلقاء كل اللوم عليّ أنا وحدي ... ولم تكن صغيرة ! عشرون سنة ... ليست صغيرة ... لكن لا ذنب لها هي أيضا ...
- هل أحببتها ؟
- تعرفين جيدا أني لم أفعل ...
- أعرف ...
- وتعرفين جيدا من ... أحبّ و ... كيف ...
- أعرف ...
هذا الجزء من القصة لم يكن صعب الفهم علينا أنا وأمينة , وقد تكلمنا فيه وحدنا بعد أن سمعناه ... كنا نلعب في غرفتي فاقترحت أمينة أن نرسم صورة مشتركة نهديها لماما إيناس في عيد ميلادها ...
بدأت أمينة , فرسمتْ في أعلى الورقة بابا جمال وكتبتْ عن يمينه : "أحبكَ" ... بعدها كتبتُ عن يساره : "أحبكَ" , ورسمتُ ماما إيناس تحته وكتبتُ عن يسارها : "أحبكِ" ... ثم كتبتْ أمينة عن يمينها : "أحبكِ" ورسمتْ تحتها بابا وكتبتْ عن يمينه : "أحبكَ" ... فكتبتُ عن يمينه : "أحبكَ" تحت كتابتها ورسمتُ عن يساره ماما وكتبتُ عن يسارها : "أحبكِ" ... فكتبتْ أمينة تحت كتابتي : "أحبكِ" ورسمتني تحت ماما وكتبتْ عن يساري : "أحبكَ" ... فرسمتُ أمينة عن يميني وكتبت عن يمينها "أحبكِ" ... وفي أسفل الورقة كتبنا "عيد ميلاد سعيد ماما إيناس ... نحبكِ كثيرا..." ... وجعلنا كل ما صوّرنا وكتبنا على الورقة وسط قلب كبير ...
تقريبا , لا نزال نحمل نفس الفهم , أنا وأمينة ....
بابا يحب ماما وهي زوجته , وبابا يحب ماما إيناس وهي ليست زوجته لأنها زوجة بابا جمال ...
ماما تحب بابا جمال كثيرا لكنه ليس زوجها بل صديق بابا وأخوه ...
نحن نحب ماما لأنها أمنا , لكننا نحب ماما إيناس أيضا ونراها أمنا برغم أنها ليست أمنا الحقيقية ... نفس الشيء عند بابا وعندنا ...
أما ماما وماما إيناس فهما صديقتان وأختان برغم أنهما ليستا أختين حقيقيتين , أخت ماما إيناس تُوفيت فأخذت ماما مكانها وماما لا تحب أمها -جدتي- فأصبحت ماما إيناس أمها ...
في بعض الأحيان , وعندما تحصل عندنا لخبطة , نقول أننا كلنا نحب بعضنا : أنا , أمينة , بابا , ماما , ماما إيناس وبابا جمال , نحن أسرة وحتى الموت لن يستطيع تفريقنا ولن يجعلنا ننسى بعضنا .... كلنا نحب بابا جمال ولا نقول أنه غادرنا وانتهى وصار مجرد ذكرى بل دائما نذكره ونكلمه ونشعر بوجوده معنا ...
منذ صغرنا تعلمنا , ولا نزال نقول أن الوحوش البرية لا يجب أن نكلمها عن هذا الموضوع , لأنها إذا علمت ستعمل على تدمير أسرتنا التي تعبنا كثيرا من أجل تأسيسها ...
ويكفينا رحيل بابا جمال !
لا أحد سيستطيع أن يفهم , ولا يجب لنا أن نهتم لأن تفهم الحيوانات المتوحشة أو لأن لا تفهم ... لذلك , لم نتربّ على أننا أعلى قيمة من غيرنا من البشر , لكن تربينا على أننا نعيش وسط غابة تقطنها الحيوانات البرية , حيوانات تستطيع افتراسنا في أي لحظة إذا لم نحتط منها ... وقد عرفنا كيف نحتاط وكيف نحمي أنفسنا ... لم نغادر أرضنا مثلما يفعل الضعفاء والجبناء , لكن عشنا فيها وسط الوحوش التي أحببناها بطريقتنا , ووعينا جيدا لماذا وكيف لا يجب بأي حال أن نحبّ غيرها أكثر منها , برغم أنها كانت تستطيع الفتك بنا دون شفقة لو لم نعرف كيف نتصرّف ...

(4)

لم يمنع الذي جرى ماما من التساؤل عن كيف سيكون التخييم ليلا في غابة , هي التي لم تجرّب تلك المغامرة حتى تلك اللحظة من حياتها , وحتى مع وجود قمر في السماء لم تر كيف سيكون ذلك ... كيف سيكون شواء والساعة تجاوزت العاشرة ؟ وكيف سيكون نوم في الخلاء ؟ لم تَخف وحاولت أن تنسى ريش النعام الذي عاشت فيه , وقالت في نفسها ستكون فرصة جيدة أن تجرّب النوم في الطبيعة , على التراب , مع .... أصدقائها الجدد ...
قالت ماما أن بابا جمال بدا مضطربا بعد كلامه عن فقدان ماما إيناس لأختها ...
- أنا دائم الامتنان لمنير , لا أعلم ماذا كنت سأفعل دون وجوده ... إنه الأقرب لي من كل البشر , هو وإيناس يعنيان لي كل شيء ... لكنه منشد للكمال نوعا ما , ولا يقبل بأشياء قد تُرى بسيطة لكنها عنده عظيمة .
- الصديق الحقيقي نادر الوجود ...
- تعلمين .. هو أكثر من صديق ومن أخ ... نعرف بعضنا من الصغر .
- أنت إنسان طيب ... الدنيا أعطتك ما تريد .
- الصدفة جلبتهما لي , لا أرى أن الدنيا أو غيرها تعطي .... وأنتِ ؟
- كلامك صحيح , كل وحظه في هذه الدنيا ...
- وحظكِ اليوم أن كنتِ في طريقنا .... إذا أردتِ مواصلة كلامكِ الذي شرعتِ فيه , كلي آذان صاغية ...
- لتشفق عليّ ؟
- لا أحد سيشفق على أحد ... كلنا نضعف ونخطئ وكلنا قد نحتاج للمساعدة في يوم ما , وكما يقال صاحب التاج يحتاج ...
- أنت طيب ...
- يقول منير دائما أني طيب زيادة عن اللزوم ...
- وإيناس ؟
- تقول أننا نكمّل بعضنا .... آه فهمت ... لا تريدين الكلام ... على راحتكِ ...
- بالعكس ... الحقيقة أنه لا يوجد كلام كثير ... أَهمّه أني كما قلتَ كنت في طريقكما اليوم ... أريد أن أعتذر مرة أخرى عن كل الذي صدر مني .
- أراكِ ذكية وقوية , تستطيعين تحقيق كل ما تريدين ... ولو أردتِ الحقيقة , سلوككِ إذا ما قورن بعقلية نساء كثيرات عندنا يجب أن تُكرَّمي عليه لا أن تعتذري عنه ...
- أظن أن منير لم يخطئ عندما قال أنك طيب زيادة عن اللزوم ...
- أحبذ أن تصرخ غريبة في وجهي على ألا تنظر لي أصلا معتقدة أن ذلك أخلاق وشرف , هذا البلد في حاجة لنساء مثلكِ ...
- ومثل إيناس ؟
- لا يوجد امرأة مثل إيناس ...
- ومن يشكر العروسة !
- أنتِ شقية ... لكن احذري , لا أحد يستطيع انتقاد إيناس ...
- ولماذا ؟
- لأنها ... "كامل الأوصاف فتنّي , والعيون السود خدوني ..."
- صوتك جميل ... يا بختها حبيبة القلب ...
- تحبين الأغنية ؟
- لا أعرفها ...
- عبد الحليم !
- لا أسمعه , لكن صوتكَ جميل ...
- غريب , هل يوجد من لا يسمع عبد الحليم !
- نعم , أنا ...
- وأم كلثوم وفريد وعبد الوهاب ووردة وميادة و ...
- وبقية شلة الأنس ! لا أسمعهم ...
- أسمع موسيقى غربية أيضا , لكن أولئك قاماتنا الفنية وتراثنا ...
- أولئك قامات المصريين وليسوا قاماتنا , أما إذا كنت تريد التراث فتراثنا شيء آخر ... وبالمناسبة هو أيضا لا يعجبني ولا أسمعه ... لغتنا لا تصلح للغناء ... لا تصلح لأي شيء ... باستثناء السب واللعن والكلام البذيء والتهكم على الناس ...
- واو ! أسحب كلامي إذن قبل أن تعيدي لي واقعة محطة البنزين ...
- أرجو أن تكون إيناس بخير ...
- لا تقلقي , كلنا نضعف كما قلت لكِ ... لكنها امرأة قوية ...
- ومحاطة بمن يحبونها ...
- أكيد ... أنت أيضا ستحبينها , لا شك عندي في ذلك ...
- سأشكركم مرة أخرى , لكني لا أزال لا أفهم كيف حصل كل الذي حصل , وكيف أكون أنا معكم الآن في الطريق لإمضاء ليلة في جبل ؟ عادتي ألا أثق في أحد حتى أقرب الناس لي ...
- عائلتكِ ؟
- أفضّل عدم الكلام عن ذلك ...
- أتفهمكِ ...
- كم كان عمرها أخت إيناس ؟
- عشرون سنة ...
- ماذا كانت تفعل ؟ تعمل ؟ تدرس ؟
- طب أسنان ... كانت في بداية سنتها الثانية ...
- وهل عندها أخوة آخرون ؟
- أختها الوحيدة ...
- أرجو ألا أكون قد أحرجتكَ أو تجاوزت الحدود ...
- لا هذا ولا ذاك , لكن الموضوع صعب ولا نزال نفعل المستحيل لتنسى ...
- كانا قريبتين كثيرا من بعض على ما فهمت ...
- أكثر مما تتصورين ...
كانت ماما شديدة التأثر .... قالت أنه كان يتصرف وكأنه يعرفها منذ زمن , أو كأنها فرد من جماعتهم ... لم يكن كلامه ثرثرة كما فِعل الكثيرين , بل كان قلبا مفتوحا وكأنه كان يتكلم مع أحدهما أي بابا وماما إيناس ... قالت ماما أنه لم يفتح لها الباب فقط بل زاد , وفرش الزربية الحمراء ... وكنا أنا وأمينة ولا نزال , نقول أن بابا جمال هو من وهبنا الحياة , لولاه ما كانت ماما وما كان بابا وما كانت ماما إيناس وما كنا نحن ... نحن لم نكن يوما هبة السماء لماما وبابا بل كنا هبة بابا جمال الذي لم يمت , ولن يموت ... هو من وهبنا الحياة , هو من سمّانا ... هو من خلقنا ... هو خالقنا .

(5)

بقية الكلام الذي قيل بين ماما إيناس وبابا صعب .... صعب جدا !!
لم يصلنا إلا عندما كبرنا , لأنه لا يمكن للصغار فهمه . وقد أخذ منا الوقت الكثير لنفهمه وبعد ذلك لنقبله ... أنا وأمينة ... والحقيقة أننا لا نزال نتساءل : هل كنا سنفهم لو لم تكن ماما بنفسها هي التي قامت بشرحه لنا ؟
- هل أحببتها ؟
- تعرفين جيدا أني لم أفعل ...
- أعرف ...
- وتعرفين جيدا من ... أحبّ و ... كيف ...
- أعرف ................................................................................... أعرف !
- لن نعود للماضي ...
- أراه في عينيكَ , وتراه في عينيّ ... أميرة لم تمت ولن تموت ... نحن قتلناها , أنت قاتل وأنا قاتلة , نحن السبب ... ولن تستطيع أن تخدعني وأن تتظاهر بعدم الضعف ... أعرفك جيدا ويكفيني النظر في عينيك لأعرف كل شيء !
- لنقل نعم ! ثم ماذا ؟ الحياة يجب أن تستمرّ ...
- قُلها ...
- ندمتُ لأني غضبتُ على جمال , سأعتذر منه عندما نصل ... دائما يصبر عليّ , ولم يوجعني يوما بكلمة ... عكسي أنا ...
- قُلها !
- يا ترى عن ماذا يتكلم هو و .... الدكتورة الآن ؟
- قُلها !!!
- اللعنة ! لن أفعل !
- بل ستفعل من أجلي ! قُلها !
- لماذا الآن ؟ اتفقنا أن أي كلام يجب أن يكون بحضور ثلاثتنا !
- لا داعي لتذكيرك أن جمال لا يغيب أبدا ...
- ولا داعي لأن أقول أن أميرة لن تغيب .... أبدا ! اللعنة إيناس ! لماذا الآن ؟ لماذا الليلة بالذات ؟ هذه ليلتنا ... هذه ليلتكِ , المستقبل لا الماضي ... نريد أن نفرح , أن نسعد , لا أن نعيش آلام الماضي من جديد ! اللعنة ! وكأنكِ وجمال تعمّدتما كل شيء !
- لا أحد منا يؤمن بالقدر ...
- ولم أقل أنكما قد تعمّدتما ! لكن الصدف كانت أعجب من العجب هذا اليوم ... الآن عندما أفكّر في كل ما حدث أشعر وكأنها عادت من جديد ... وتصرَّفنا كلنا دون أن نعي شيئا وقبل أن نعرف عنها أي شيء ... تعرفين , أنا من جذبتُها بالقوة حتى عمود الكهرباء وأنا من استجديتها لتنزل ... وأنتِ من فرضتِها علينا الليلة وقد كسرتِ بذلك كل عهودنا ... وجمال من سلّمكِ المفاتيح ومن قبل بأن تقودي وهي بجانبكِ ... ولا أعلم ما الذي سيحدث في الساعات القادمة !
- ليتني كنت أصدق بقصص عودة الأرواح ...
- ليت جمال كان معنا الآن ! أعرفه جيدا وتعرفينه .... سترين أنها عندما ستنزل ستكون كما لو أنها تعرفنا منذ سنين !
- أرجوكَ , حتى وإن كان وهما , دعنا نعشه ...
- يستحيل أن أسمح بذلك , وجمال أيضا لن يقبل !
- لن تستطيعا الوقوف أمام رغبتي ...
- ربما هو سيذعن , أما أنا فأعدكِ أني لن أفعل ولن أسمح لكِ بأنـــــــــــ ... تشوّهي ذكراها !
- قُلها إذن !! ماذا تنتظر ؟
- لن أقول أي شيء بل سأفعل ما يجب عليّ فعله , وعدتكِ ويجب أن أفي بوعدي ... لذلك سألغي كل شيء الليلة !
قالت ماما , أن سيارتها كانت تسير وراء سيارة بابا جمال , وفجأة شغّل بابا أضواء الاستغاثة وتوقّف ... فتوقّف بابا جمال ونزل ... أرادت النزول معه لترى ما الأمر لكنه طلب منها البقاء في مكانها , وقبل الالتحاق بسيارته ... بهما ... دار من جهة ماما مبتسما ...
- أميرة ...
- نعم ...
- قصدتُ أختَ إيناس , كان اسمها أميرة ... انتظريني , سأعود , لا تقلقي ...
رأته يركب في المقعد الخلفي , ولاحظتْ توترا ما من حركات ماما إيناس وبابا , تحيّرت قليلا لكنها لم تفكّر في الالتحاق بهم وفضّلت الانتظار ...
كنا في سنتنا الثماني عشرة .. كان يوم عيد ميلادنا عندما رووا لنا ذلك وأكملوا القصة التي سمعنا جزءا منها في صغرنا . كان جوابنا أننا لم نفهم , وطلبنا أن نعرف أكثر عن أميرة ... أخت ماما إيناس . وكان من المفروض أن يجيب المعنيون أكثر بالأمر أي ماما إيناس وبابا , لكننا فوجئنا -أنا وأمينة- بماما تجيب وتتكلم عن بابا جمال ...
رأينا حرجا على وجوههم , ثلاثتهم , ولأول مرة شككنا ... في كل شيء ... وفي بابا جمال !! الذي كانت تلك المرة أول مرة تجرّأنا على الشك فيه , هو الذي رأيناه دوما أصل كل شيء ومؤسس أسرتنا التي علينا حمايتها من الوحوش البرية بكل وسيلة ... لكننا لم نتجرأ على الكلام ! وماذا عسانا كنا نقول !؟؟ هناك وحوش برية داخل أسرتنا ! ومن تكون ؟! أميرة ؟! أنا وأمينة !؟ أَمْ ماما وبابا وماما إيناس !؟ أم ...... بابا جمال !!
قالت ماما أنه لم يتعمّد أي شيء , وأن كل شيء كان محض صدفة ... فسألتْها أمينة عن سبب عودته وذكره لاسم أخت ماما إيناس قبل أن يلتحق بهما ... فقالت أنها لا تعرف , لكن ذلك لا يعني إطلاقا أنه تعمّد شيئا ما ! فبكت أمينة وقالت : "ماما , لا أستطيع تصديقكِ !" , وغادرتْ المنزل , فالتحقتُ بها ...
كان ذلك يوم أكلتْ أمينة التفاحة , وناولتني منها فأكلت ... كانت تفاحة كبيرة , حمراء جميلة تفوح منها رائحة خلابة ... وعندما قطعتُ منها بعد أمينة ... لم أتعمّد ذلك , لكني قطعتُ من نفس المكان الذي قطعتْ منه أمينة ... امتزج طعم التفاح بطعم شفتيها ولسانها وريقها , وشعرتُ وكأني قبّلتها !
- إنهم يكذبون علينا ويخفون عنا شيئا ما ...
- أمينة , ربما لم يحن الوقت ليعلمونا بكل شيء ... لا يعني ذلك أن ماما تكذب ...
- كبرنا الآن ونستطيع فهم كل شيء ! إنهم يكذبون علينا !
- لا أعلم ...
- بل تعلم مثلي أنهم يكذبون ! كان ذلك واضحا على وجوههم !
- وجوههم كان حرجة ...
- والحرج علامة الكذب !
- أمينة , لا تقولي هكذا ... علينا أن نعود ونسمع منهم ...
- لا ! عليكَ أن تثق بي !
- أنا أثق بكِ و .... بهم ...
- هل أنا وحش بري ؟
- ماذا تقولين !
- "علينا أن نحمي أنفسنا من الوحوش" , "لا يجب أن نثق بها مهما بدت لنا طيبة ووديعة لأنها تستطيع الفتك بنا دون رحمة في أي لحظة" ... هكذا تربّينا ! هل نسيت ؟
- لا ! لم أنس !
- إذن علينا أن نحمي أنفسنا منها , هل ستحميني ؟
- أفديكِ بنفسي !
- كلهم كذبة ... أربعتهم كذبة ... أربعتهم وحوش !
- سامحني بابا جمال ... أمينة أظن أنكِ قد جننت !
- اتصلْ بماما إيناس وقل لها أن نلتقي ...
- أين ؟ ولماذا ؟
- تعرف أين ... ماما إيناس لن تستطيع مواصلة تضليلنا ... سأجعلها تتكلم ... لكن لا تضعف ولا تخذلني !
- لا أستطيع وعدكِ بذلك ... لكني سأحاول ...
من عاداتنا التي تربّينا عليها أن يتكلم أحدنا عند رأس بابا جمال , وأن يسمع له الآخرون الواقفون عند ساقيه . وعندما كان المتكلم أنا أو أمينة , كان ذلك دوما مكان اعتراف ووعد لبابا جمال أننا لن نعود ثانية للخطأ الذي قمنا به واعترفنا له به ... أحسن من كان يتكلم كانت ماما إيناس , وكثيرا ما كانت تبكي وتبكينا معها , أنا وأمينة . ماما وبابا كان كلامهما جميلا , لكنه لم يكن مثل كلام ماما إيناس ولا أتذكّر أني بكيت عند سماعهما وكذلك كانت أمينة .
عند اتصالي بماما إيناس , وجدتها قلقة ... سألتني لماذا لم نجب عن اتصالاتهم الكثيرة فاعتذرتُ منها , وطلبت منها أن نلتقي وذكرتُ لها أن ذلك رغبة أمينة وليس فكرتي ...
عندما حضرت , كانت أمينة قد دخلت إلى المقبرة أما أنا فبقيت أنتظر عند الباب ... ضمّتني وقبّلتني مرات عديدة واعتذرتْ ...
- سامحني عزيزي , لم أرد لحظة واحدة أن يحدث الذي حدث ...
- ماما ... أمينة غاضبة جدا .
- سأعرف كيف أرضيها , لا تهتم ...
- ماما ... أمينة قالت أنكم تكذبون علينا , وأننا كبرنا اليوم ويجب أن نعرف كل شيء ...
- نعم كبرتما بعد أن رأيتكما تكبران كل يوم أكثر , لو تعلم كم أنا سعيدة بكما ...
- ماما ... وقالت أنكم إن لم تفعلوا فإننا سنعتبركم وحوشا !
- لا ! لا ! لا ! لا! حبيبي , صغيري , فلذة كبدي ... لا ! كله إلا هذا ! لا يوجد وحوش في أسرتنا تعرف ذلك جيدا !
- ماما ... لم أعد أعرف أي شيء ... لندخل ... أمينة تنتظر .
كانت أمينة واقفة عند ساقي بابا جمال , لم تلتفت لنا وظلت واقفة تنظر جهة رأسه ... احتضنتها ماما إيناس من الخلف وأرادت تقبيل خدها الأيمن فأبعدت أمينة خدها إلى شمالها وإلى أسفل ولم تسمح لها : "ماما ... أنتِ من ستتكلمين , خذي مكانكِ وقولي ."
وقفتُ بجانب أمينة , عن شمالها , وقفة كأننا عسكر ... ننظر لماما إيناس دون كلام أو حركة ... انتظرنا لحظات ... جثت وقبّلت القبر , ثم وقفتْ وشرعتْ في الكلام ....
- انظر لهما كم كبرا , اليوم كما تعلم بلغا ثماني عشرة سنة , انظر كم كبرت أمينة وكم أصبحت جميلة ... لا نزال نريد لها أن تصبح طبيبة كأمها لكنها تريد الهندسة كأبيها ... لا تقلق لعدم حضورهما , هما بخير , لكن ابنتكَ أرادت أن نأتيكَ وحدنا ... شقية وعنيدة كأمها ولا أحد يستطيع أن يرفض لها طلبا , يوم عيد ميلادها ولا أستطيع أن أرفض طلبها ... أشعر بالتعب عزيزي , وأتمنى لو كنتَ معي ... لا أعلم ماذا سأفعل الآن وابنتنا ترانا وحوشا ! هي تشك أننا نكذب وابننا يساندها ! لا تغضب منهما , يظنان أنهما كبرا وأول علامات كبرهم هدم أسرتنا ... اليوم أمينة ترانا وحوشا وغدا سترى أخاها كذلك وبعد غد سترى نفسها ... وسينتهي كل شيء , فتكسر قلوبنا جميعنا وتحكم علينا بالألم مدى الحياة ... ساعدها عزيزي , وساعدنا كلنا ... أعلم أنك لن تتركها ولن تتركنا ... أحبكَ ... آمين .
قلتُ بعد ماما إيناس : "آمين" وسكت , وقالت أمينة بعدي : "أمين" لكنها لم تسكت ... أخذت مكان ماما إيناس التي وقفت عن يميني ... نزلت على ركبتيها , ولم تقبّل القبر ... دقائق مرّت كأنها قرون , بكت فيها طويلا وهي تضع يديها على القبر ورأسها بين كتفيها تنظر الأرض , ثم وقفتْ دون تقبيل بابا جمال ...
- بابا ... اليوم تغيّر كل شيء , اليوم كبرت ولم أعد صغيرة ... ربّيتني على أن أكون قوية وقد نجحتَ في ذلك , أنا ممنونة لكَ ... كبرت ولم أعد أخشى الوحوش مثلما كنت صغيرة , وأمين كذلك ... لكن ... سامحني , لا أعلم ما الموجب لأن تُخفى عنّا أشياء , ولا أفهم معنى ذلك , وكيف تَفعل ذلك وأنتَ تعلم أني سأصل إلى ما وصلتُ إليه الآن ؟ عقلي لا يستطيع أن يقبل أنك فعلتَ ذلك ! لا أريد أن أقول أنك تعمّدتَ .. وأنكَ تركتنا ! لا أستطيع التفكير وأخاف أن أضلّ , أرى كل شيء من حولي يهوي كقصور رمل .. كأوراق خريف ميتة لتُدعس تحت أقدام الحيوانات المتوحشة ! ساعدني , أرجوك ولا تتركني ... آمين !

(6)

عادة المتكلم أن يعود من اليسار ليلتحق بالواقفين عند ساقيّ بابا جمال , لكن أمينة عادت من اليمين ... أرادت أن تتجنب المرور بجانب ماما إيناس الواقفة عن يميني ... عندما وصلت بجانبي , قالت لي أنها ستمضي الليلة عند صديقتها آية , لم تهمس لكن تكلمت بصوت عال لتسمعها ماما إيناس ... وكأنها طلبت منها الإذن , لكن ماما إيناس رفضت وطلبت منا أن نمضي الليلة عندها .
منزل ماما إيناس يبعد قرابة المئة متر عن منزلنا , وهو لا يختلف عنه كثيرا ... أربع غرف نوم , واحدة لي , واحدة لأمينة , واحدة لماما إيناس والأخيرة لماما وبابا ... نفس الشيء في منزلنا , ولا يوجد غرف لضيوف لأننا لا ينام عندنا ضيوف , وحتى من كانوا يأتون من عائلات ماما وبابا وماما إيناس -على قلتهم- لم يحصل أن نام أحد منهم عندنا .
مباشرة عندما ندخل , توجد صورة كبيرة فيها أربعتهم قبل ولادتنا , وتحتها توجد صورة بنفس الكبر فيها خمستنا عندما كنا أنا وأمينة رضيعين ... لطالما تأملت تلك الصورة ووجدتها رائعة الجمال ؛ ماما إيناس في الوسط , عن يمينها يجلس بابا وأمينة في حجره , وعن يسارها تجلس ماما وأنا في حجرها , يد بابا اليمنى على صدر أمينة وبيده اليسرى يمسك يد ماما إيناس اليمنى , ويد ماما اليسرى على صدري ويدها اليمنى في يد ماما إيناس اليسرى ... وفي الخلفية , وراءنا , تظهر صورة كبيرة لبابا جمال .
تلك الصورة كانت عالمنا , فيها أسرتنا التي لم نتربّ على أن الأعمام والأخوال وأبناءهم والأجداد والجدات يمكن أن يكونوا أفرادا منها , لا أحد ينتمي لأسرتنا ولا أحد يمكن أن يدخلها باستثناء شخصين عندما نكبر : زوجتي وزوج أمينة ... "زوجتي" أكيد , أما "زوج" أمينة فالجزم في أمره صعب , خصوصا وآية معروفة عند الجميع أنها مثلية وأمينة لا صديقات عندها غيرها , وبرغم أن أمينة كانت تقول دائما أنها ليست مثلية إلا أني لم أعلم ما سرّ إصرارها على تلك الصديقة الوحيدة ولماذا كانت تغضب مني كلما قلت لها أنها يجب أن تراها كرجل بما أنها تحب النساء ... قولي ذاك كان غير مقبول بالإجماع عند أربعتهم , وعادة ما كانوا يلمّحون لأني أحمل نسبة من الهوموفوبيا , وكان يربكني بعض الشيء ذلك الموقف العنيف لأننا تربّينا أن العالم برمته وحوش برية فلماذا كانوا يستميتون في الدفاع عن أقلية فيه لا تعنينا في شيء بما أن أمينة لم تكن منها ! لم أعلم ... قبل تلك الليلة .
لا تزال السيارتان متوقفتان ... سيارة ماما وسيارة بابا جمال , لا تزال ماما في سيارتها تنتظر ولا يزال ثلاثتهم في سيارة بابا جمال . ولا أزال أنا وأمينة وماما إيناس لم ندخل منزلها بعد ... اتصل بابا وماما بماما إيناس فلم أسمع منها إلا : "سأتصرّف ... نعم ... أكيد ... كل شيء سيكون على ما يرام ... لا تقلقا ... انتظرا اتصالي" .
بعد أن دخلنا وجلسنا , أمينة بجانبي وماما إيناس أمامنا ... المشهد كان كالمحاكمة , فهي المتهمة ونحن القضاة , لكنها وككل محامي بارع زرعتْ الشك بين القضاة والمحلفين ...
- أمينة , هل قلتِ كل شيء لأبيكِ ؟
- هو يعلم كل شيء , وليس عندي ما أخفي ...
- وأمين ؟
- ما به أمين ؟!! هو يعرف كل شيء أيضا ... السؤال يجب أن يُوجّه لغيري وليس لي !
- هل أنتِ متأكدة ؟
تذكرتُ سؤال أمينة لي عن نفسها : "هل أنا وحش بري ؟" , وتذكرت تعجبي من سؤالها ... بعد أسئلة ماما إيناس , وجه أمينة بدا عليه الحرج , ولم يختلف في شيء عن وجوه ثلاثتهم قبل أن تغادر منزلنا ... قلت في نفسي أنها أيضا مثلهم , كلهم يخفون أشياء , لكني لم أستطع تصديق ذلك !
مع ثلاثتهم , ربما لم يحن الوقت لأن نعلم كل شيء , لكن مع أمينة يستحيل أن أقبل أعذارا ... وتمنيت أن أكون مخطئا , لكن الأمر كان جليا ولا يحتاج تفكيرا : أمينة تُخفي شيئا عني , وأيضا عن ماما وبابا , شيء لا تعلمه إلا ماما إيناس ... هربتُ من كل أسئلتي وقصدتُ أمينة لأعرف , وصوت يصرخ في داخلي : "يستحيل أن تكذب أمينة , أمينة ليست وحشا , أمينة أختي الصغيرة , أمينة توأمي لا تكذب !" ..
- أمينة , لا أعرف ماذا تخفين ... أريد أن أعلم لماذا لم أعلم به ؟ وأنت تعرفين جيدا أني كنت سأدعمكِ مهما كان ؟
- أختكَ لا تخفي عنكَ أي شيء , وسؤالي لا يعني أنها تخفي ...
- ماما , دعيها تتكلم .

- كانت مجرد قُبلة لا تعني أي شيء ...
- قُبلة ؟
- آية ... ماما رأتني فظنت أني ...
- أنكِ ماذا ؟
- مثلية ... تعرف أني لست كذلك ...
- ولماذا تقبّلين آية إذا لم تكوني كذلك ؟
- قلت لكَ أنها مجرد قبلة لا قيمة لها ...
- وماما وبابا يعلمان ؟
- لا , إلا إذا قالت لهما ماما ولم أسمع ...

- لم أقل لهما , وعدتكِ بذلك ولم أخلف .
- لكنكِ أعلمتِ أمين ...
- هناك فرق .
- ماما لن تستطيعي أن تبعدي عني أمين إن كنتِ تتصورين ذلك !
- هدفي العكس صغيرتي , أريدكما متحدين إلى الأبد ... ولم أقل أنكِ مثلية ... أصدقكِ وأثق بكِ .
- ماما ... لا أصدق أي حرف من كلامكِ ... لماذا الآن بالذات أردتِ أن يعلم أمين أمرا تافها كهذا ووضعتِه في إطار يظهر منه وكأني أخفيتُ أمرا عظيما ؟
- سمعت جيدا كلامكِ لأبيكِ منذ قليل , كبرتما ومن حقكما أن تعرفا ... لكن قبل ذلك يجب أن تفعلا نفس الشيء كل مع الآخر .

- ماما ... انتظري ... أمينة إذا كان الأمر تافها , لماذا أخفيته عني وعن بابا وماما ؟
- لأنه تافه لم أخفه , بل لم يخطر ببالي أن أقوله لأنه لا يستحق ... ثم ... ألم يحدث معكَ أي مرة أن قبّلتَ ولدا ؟
- لا يا عزيزتي , لم يحدث ولن يحدث ... ولماذا سأفعل ذلك ؟ مجرد مرور الفكرة ولو لعشر ثانية ببالي يشعرني بالرغبة في تقيؤ أمعائي ... لكن ليس هذا المشكل , بل ما يهمني هو لماذا لم تقولي ؟ هل كنتِ تظنين أني سأرفض ذلك وأنتِ تعلمين أنكِ حتى لو قتلتِ أحدا فلن أكون إلا معكِ ؟!
- لا تهوّل القصة , قلت لكَ أنها لا تستحق ... ولم أقل !! لأتجنب هذا الكلام السمج أنكم ستقبلون بي كيفما كنت , لأني بكل بساطة لست مثلية !
- ماما ... أصبحت أنا الملام ! هل تسمعين ابنتكِ !؟

- لا لوم عليكَ كأبيكَ ... لا لوم عليكَ ولا لوم عليها في شيء ...

- أمين ... صدقني لم يكن قصدي أن أخفي عليك , لكن القصة لا تستحق ..
- عندكِ لا تستحق , لكنها عندي تستحق وأكثر ! لماذا أقول لكِ كل شيء أنا ولا أخفي عنكِ حتى توافه الأمور ؟ ثم لم أركِ يوما مع أحدهم بل كل وقتكِ تمضينه معها ...
- لم ترني مع أحدهم لأني لا أمضي وقتي إلا مع من أحب , وليس كل وقتي أمضيه معها بل هي مجرد صديقة لا أمضي معها إلا عدة ساعات في الأسبوع ... ماما سأذهب إلى غرفتي ... أو ... سأعود إلى منزلنا ... سأخرج .
غادرت أمينة , وبقيت أنا وماما إيناس ... شعرت بمشاعر عديدة متضاربة غلب عليها الخوف من أقوال أمينة لي قبل لقاء ماما إيناس , وعند بابا جمال , الخيانة لأنها أخفت عني , وقلة الفهم والغباء لأني اكتشفت أني آخر من يعلم ما يحدث في أسرتنا ...
- أمين ... أمينة غادرت لأنها لم تستطع أن تقول لك كل شيء ...
- جيد , هي مثلية إذن ؟
- مهما حصل , هي أختك وليس لك أحد غيرها ...
- وأنتِ ؟ وماما وبابا ؟ وبابا جمال ؟ ... ثم ماما , لست هوموفوبك ولا مشكلة عندي أن تكون أمينة مثلية , لكني أتعجب كيف أخفت عني ذلك !
- أمين ... أختك ليست مثلية ولا تحب النساء ...
- لا أفهم ... لم أرها يوما مع ولد بل فقط مع آيتها , ولا تحب النساء إذن ... بسيطة , لا تحب النساء لكنها تحب امرأة واحدة : آية ...
- تعال بقربي , أريدك أن تسمعني ولا تقاطعني ...
- ماما ... لست الملام , هي من أخفت وكذبت عليّ لا أنا لتكلميني وكأني المخطئ ثم صدقيني لا مشكلة عندي أن تكون مثلية ...
- قلت لك أن أختك ليست مثلية وليتها كانت !!
- ماذا تقصدين ؟
- كبرت وأصبحت رجلا اليوم , ويجب أن تكون دائما وراء أختك ... عدني ألا تتركها مهما حدث ؟
- ماما ... ما الذي يحدث ؟ ولست في حاجة لأن أعدك لأني أفديها بنفسي إن استوجب الأمر ...
- لست مطالبا بأن تعطيها حياتك بل بأن تتفهّمها فقط ...
- أتفهّم ماذا ؟
- أن أختكَ تحبكَ ...
- ماما ما هذا الكلام ؟ ما بكم هذا اليوم كلكم ؟ هل كون أختي تحبني يتطلب مني التفهم ! طيب ... طالبيها هي أيضا أن تتفهم أني أحبها ... وأنتِ ماما , هل تعلمين أني أحبك ؟ أرجوك تفهمي ! وبالمرة , بابا أيضا وماما وبابا جمال , عليهم أن يتفهموا !
- أمين ! أختك تحبك !
- تحبـ بببــني ... ككككـ يف ؟!!
- الذي فهمته ! وإياك ثم إياك أن تعلم منير وأميرة !

(7)

نعم , كانت صدمة كبيرة ووقعها كان عظيما عليّ , لكني لم أتنازل عن حقي في الغضب ... ليس الغضب من مشاعر أمينة , بل الغضب من أنها لم تُعلمني بها ... والخوف , الخوف عليها لأني فهمت جيدا أنها ستتعذب ولن أقبل أن يكون ذلك بسببي . أمينة تعني لي الكثير , هي وماما وبابا وماما إيناس وبابا جمال كل شيء بالنسبة لي وأبدا لن أسمح بأن يتألم أحدهم لأي سبب كان ... وكيف أقبل إن كان ذلك سيكون يوما ما وغصبا عني , بسببي ؟!!
- منذ متى تعلمين ؟
- منذ مدة ...
- متى ؟
- شهر تقريبا ...
- لماذا أخفيتِ عني ذلك , قد أتفهم موقف أمينة لكني لا أفهم موقفكِ ؟
- صغيري , الأمر كان صعبا بالنسبة لي أيضا , أرجو أن تعذرني ...
- ماما ... لم نتربّ هكذا ! كل شيء تربينا عليه أراكم كلكم تفعلون ضده ! لماذا لا أخفي عنكم أي شيء أنا ؟ لماذا كلكم تخفون ؟ تعرفين مدى حبي لكم , لكني أتألم , وأرانا نبتعد عن بعض كل يوم أكثر ... كيف سنحمي أنفسنا من الوحوش ونحن لا نثق ببعضنا وكل يخفي عن الآخرين ؟ لا أحب هذا ولا أقبل أن يتواصل ... تمنيت لو أنه لم يوجد أصلا !
- دعني أشرح لك ..
- ماما ... لو كنت أنا مكان أمينة , صدقيني كنت قلت لها كل شيء منذ بدايته , وكنت جمعتكم كلكم وأعلمتكم وطلبت مساعدتكم ... فلماذا أخفت عني هي ذلك ؟ ولماذا أنتِ أيضا فعلتِ نفس الشيء ؟ أين كلامكِ وكلام ماما وبابا الذي ربيتمونا عليه ؟ أين وعودنا جميعنا لبابا جمال ؟
- عزيزي ... دعني أتكلم ..
- ماما ... أنا غاضب وسأخرج ... نعم , أنا غاضب جدا وحزين ... إذا تنازلت وقبلت بموقف أمينة ووجدت لها أعذارا , لا أعرف كيف سأجد لكِ المخرج ؟ ... ماما , ولا تزالين تواصلين نفس الخطأ وتطلبين مني أن أخفي ذلك عن ماما وبابا !! هل أنتِ واعية بما قلتِ !؟؟
- انتظر ... لا ! لن تغادر هكذا !
- ماما ... أنا لا أخفي شيئا عن خمستكم ... أنتم عالمي الذي أعتقد به وأبدا لن أغيّر مبادئي ! لكن .. أرى أن عليكم كلكم مراجعة أنفسكم !
- لم أخفِ عنك أي شيء , لكني انتظرت الوقت المناسب ... ولا نزال ننتظر !
- لا تزالون ؟ إذن لا تزال أشياء لا أعرفها ! وهل يوجد أعظم من مشاعر أمينة ؟؟!
- يوجد ... لكن قبل ذلك , يجب أن نتفق عن كيف ستتصرف مع أختكَ ...
- ماما ... سأخرج .
- أمين , الليلة يجب أن نتكلم في كل شيء ...
- لا تقلقي بشأن أمينة , لكن عليكِ أن تقلقي كثيرا بشأني , لأني لن أقبل أن يُخفى عني أي شيء من الآن فصاعدا ...
- أمينة لا ترى أي حرج في مشاعرها ...
- ماما عالمنا يختلف عن الناس , لذلك لا ترى غضاضة , ولذلك يلزمها توضيح حدودنا ...
- لا ترى أي حدود وعندها منطقها ...
- إذن تكلمتِ معها ؟
- وحاولت , لكني لم أستطع رد حججها .
- ماما ... ما بكِ !! أشعر كأني لا أعرفكِ ... وكأنكِ تدافعين عنها بل وتباركين ما تشعر به ؟!!
- ليس كما فهمتَ , لكن قبل أن تُوضَّح الحدود لأمينة , يجب أن تعرفها أنتَ ... لا تغادر , سنمضي الليلة معا فقط أنا وأنت ... سأتصل بأميرة وسأعلمها أننا سنتعشّى وننام هنا ... اتفقنا ؟
- لا أعلم ...
- تعلم أني أحبكما أكثر من كل شيء في الوجود ...
لا شك في حب ماما إيناس لنا ... ثلاثتهم , ماما وبابا وماما إيناس , وبمباركة بابا جمال , ربّونا في عالم لا يمكن أن يوجد خارجه حب حقيقي , ولا أي شيء آخر ... لا يوجد إلا الحيوانات المفترسة ... لذلك فهمت بسهولة خطأ أمينة , ولو لم أكن قد فهمت جيدا حقيقة عالمنا لكانت مشاعري قد اتجهت صوب أمينة أو ماما أو ماما إيناس ... ولذلك أيضا , فهمت خطر قول ماما إيناس أنها لم تستطع رد حجج أمينة ... واستغربت كيف تكون ماما إيناس تفكر مثل أمينة , وظننت أن ما لا يزال يُخفى عني عنده علاقة بذلك ...
عدلتُ عن الخروج وقرّرت البقاء مع ماما إيناس , تلك الليلة بلغنا سن الرشد أنا وأمينة , ذلك العمر الذي انتظرته ماما إيناس طويلا لتُعلمني بكل شيء ...
جلسنا في الصالة بجانب بعض , كان الأكل أمامنا وكنا من حين لآخر نتناول منه ... بقينا كذلك وقتا خلته طويلا لكنه كان قصيرا , ثم شرعت ماما إيناس في الكلام ...
- انتظرت هذا اليوم منذ سنين طويلة , كنت أتوقع أن نكون فيه معا خمستنا وأن نقول أخيرا كل شيء وألا نخفي عن بعضنا بعده شيئا , لكن الذي حدث مع أمينة اليوم لم يتوقعه أحد منا وقد غيّر كل شيء : لم تترك لنا الفرصة لنكمل لكما كل القصة لأول يوم التقينا فيه أربعتنا , ثم بعد ذلك ... معرفتكَ بحقيقة نظرتها لكَ ... تمنيتُ لو كانت معنا الآن لتعلم معك , لكنها لن تستطيع قبول ما سأقول وسترانا وحوشا ونحن لسنا كذلك ... كل شيء قمت به كان من أجلكما , وأي لحظة لم أحضر فيها بجانبكما كانت سكينا غُرس في قلبي غصبا عني ... أعي جيدا الألم الذي تشعر به ابنتي في هذه اللحظة , أعرف أنها وحدها في غرفتها الآن , وأتمنى لو كنت أستطيع أن أكون معها وأن أنزع عنها كل ذرة شك وحيرة وألم لكني لا أستطيع ... ليس لأني لا أحب ابنتي أو أكذب عليها أو أخفي عنها متعمدة , بل فقط لأن الوقت لأن تعرف لم يحن . ظروفها ليست كظروفك , لأن الوقت قد حان بالنسبة لك ... ولن أزيد أي كلمة قبل أن تعدني أنك لن تُعلم أختك إلا بعد أن نجد حلا لما تشعر به نحوك .
لا أدعوك لأن تكون وحشا صغيري , بل لأن تحافظ على أختك لأنها لن تستطيع الفهم الآن , لا يوجد وحوش في أسرتنا الوحوش توجد فقط خارجها ! هكذا كنا قبل ولادتكما , وهكذا عشنا حتى كبرتما , وهكذا سنبقى أبدا ! لا أحد يستطيع التشكيك في ذلك , ومن فعل لن تكون النتيجة إلا الفناء والضياع وسط الوحوش التي لن ترحمكما وهذا ما لن أسمح به ما بقيت حية ... أي حياة ستكون لي إذا ما رأيت يوما فلذتي كبدي فريسة للحيوانات البرية ؟ لا خير فيها تلك الحيوانات , ولا يجب أن ننتظر منها أي خير , وأي ضعف منا ستكون نتيجته هلاكنا , هكذا ربيتكما , هكذا كانت إرادتنا أربعتنا وهكذا كانت وصية أبيك التي لا يجب لأي كان تحت أي سبب كان ألا يحترمها .... عِدني !
- أعدك ماما ... لكني لا أعرف هل حان الوقت لأن أعرف ... موضوع أمينة صعب عليّ ماما , ألا نؤجل ؟
- كبرت وآن الأوان لتعرف كل شيء , ولأرتاح لأني لن أتركك للشكوك ... أهون عليّ الموت على أن تشك في أسرتك ! ولن تستطيع التصرف مع أمينة ما لم تعرف ...
- وماما وبابا ؟
- ومنذ متى كنا نختلف ثلاثتنا حتى تسأل عنهما ؟ تستطيع أن تعتبرهما موجودين معنا الآن ... لكن ... أريدك أن تعلم أن الكلمة الأخيرة في كل شيء يتعلق بك وبأختك كانت وستبقى دائما لي .
- لا أزال أشعر بالخجل من ذلك اليوم الذي منعتِنا فيه من اللعب بالماء قبل دخولنا المدرسة , وكيف سمعتُ كلام أمينة وقلتُ لكِ أنكِ لا دخل لكِ فينا لأنكِ لست أمنا الحقيقية ... أتذكّر غضب ماما وبابا علينا وكيف فرضا علينا أن نعتذر منكِ . كنت صغيرا ماما ولا لوم عليّ .. أعرف .. لكني أعتذر عن ذلك الآن مرة أخرى , كنتِ لنا أما حقيقية ولا تزالين , ومنذ زمن نسينا كل فرق بينكِ وبين ماما .
- تلك كانت وصية بابا جمال , أن تنشآ غير كل البشر , بأمين وأبوين ... حقيقيين : ذلك هو الأساس الأول لأسرتنا بُنيّ , والذي لا يجب أن يُمسّ مهما مرّت السنين ... حتى إن غاب أحد الأفراد , فلا يجب أن يُعامل كغائب بل كحاضر أكثر من الحاضرين .
- نحن محظوظان بكم ...
- قلت أن لا فرق عندك بيني وبين ماما أميرة ؟
- حقيقة تربّيت عليها ولا أزال أعيشها حتى الآن ...
- وإلى ؟
- الأبد ... إلى الأبد ماما ! لماذا سؤالكِ ؟
- لأني أمكَ ... أمكما ... الحقققـ قيقيّة !

(8)

لم أشعر بأي شيء , لم أسمع ما قالته بعد ذلك ... فقط , وضعت يديّ على وجهي ولم أتحرّك من مكاني لوقت طويل , قالت ماما إيناس بعد ذلك أنه كان قرابة الربع ساعة ... وبكيت ... طويلا , ربما كما لم أبكِ يوما في حياتي , ثم قمت وسرت حتى الباب لأخرج , وعندما وصلتُ عنده استدرت , فوجدتها ورائي ... كانت تتبعني وتكلمني , دون أن أشعر بها , ودون أن أسمع ما كانت تقول ...
- من بابا ؟
- جمال ... أبوك الحقيقي جمال ...
- جميل ... وأمينة ؟ هل هي أختي ؟
- نعم ... أختك , أخرجتها ماما أميرة من رحمي بعدك بقليل ... انظر بطني , انظر علامة القيصرية ...
- صحيح ... قيصرية ... آه , نسيت ... ماما طبيبة نساء أو ... مهندسة ... لا أعلم ... ماما , يجب أن أخرج ... يجب أن أخرج ... أشعر بالاختناق ... أحبكِ ماما ... أحبكم كلكم , لكن ... سأخرج ... يجب أن أخرج ! لكني لا أعلم أين أذهب ... الوحوش في كل مكان ...
وخرجتُ ......
مشيتُ في اتجاه منزلنا ببطء , شارد الذهن ... في منتصف المسافة , وقبل أن أقطع طريقا , رأيت ماما وبابا على الحافة الأخرى فتوقفت أنظر لهما ... جرت ماما نحوي واحتضتني , كانت تبكي , قبّلتني مرات عديدة وسألتني ...
- هل أنت بخير ؟
- أنا بخير ... كنت عند ماما الحقيقية وأنا في طريقي لماما وبابا المزيفين ...
- تعال معي عزيزي , لنعبر ... منير أسرع ... ساعدني ...
- أهلا بابا ... كنت عند ماما الحقيقية وأنا ذاهب لماما وبابا المزيفين ...
- اللعنة أميرة ! هذا ما كنت أخشاه ! ما به ؟
- لا أعرف , لا أعرف ... لنعد إلى المنزل ... أرجو أن تكون أمينة قد نامت ... اسبقني للمنزل بسرعة وانظر هل نامت أم لا , إذا وجدتها لم تنم تصرّف كيف ترسلها عند إيناس ... بسرعة !
- ماما , هل تعلمين أن أمينة تحبني ؟ ... لا تعلمين ... لأنهم كلهم كذبة ... تحبني يعني تريد أن تتزوجني ... ما رأيكِ ماما ؟ لكن تعرفين ماما ؟ هناك مشكلة ... إذا قبلتُ بأن أتزوجها , من عند من سأخطبها ؟ هل من عند أمها وأبيها المزيفين أم من عند أمها وأبيها الحقيقيين ؟ ... أظن أن أحسن حل أن نخطبها كلنا من عند بابا جمال عندما نزوره المرة القادمة ... لكن لا أعلم ماذا سأقول له ؟ بابا الحقيقي أطلب يد ابنتك وأختي التوأم ؟ ماما ... يجب أن تساعديني لأحل هذه المشكلة وإلا سأغيّر رأيي وسأدرس هندسة مثل بابا وماما الحقيقيين ولن أدرس طب مثل ماما المزيفة ... لا أريد أن أصبح طبيبا ماما ... لا أريد إخراج التوائم من أرحام أمهاتهم الحقيقية مثل ماما المزيفة ... لكني ... لا أعلم كيف جئنا أنا وأمينة وبابا جمال كان قد مات منذ سنين ؟ هل ماما إيناس فيلة ؟ سأسمّيها من اليوم ماما فيلة ... ولكنها أعظم من كل الفيلة ... ماما ماموتة أحسن أو ماما داينصورة , ما رأيك ماما ؟ ... وأنتِ ماما , هل عندكِ أولاد ؟ ربما تكونين حاملا منذ عشر سنوات أو أكثر ... إذا كنتِ كذلك , ستخلقين لي مشكلة ! ماذا سأسمّيك ؟ الفيلة ماما إيناس وأنا وأمينة أولاد الفيلة ... لا أعلم ماذا سأسمّي أولادكِ عندما يولدون ؟ ... تعرفين ماما ؟ سأدرس طب سأدرس طب ... وسأخرج أولادكِ من بطنك بقيصرية , ما رأيكِ ماما ؟ ... ماما , ما لكِ ؟ لماذا تبكين ؟ أحبكِ ماما , لا تبكي .. لن أتزوج أمينة , كنت أمزح معكِ فقط ... ماما إيناس ليست فيلة , لو تعلمين كم أحبها ... لكنها كذبت عليّ ... كلكم كذبتم عليّ ... لا أحب الكذب ماما ... لا أحب أن يُكذب عليّ ... لكني أحبكم ... كلكم ....

Dad save Amin
You know what I mean
They made you a moron
A potential H-bomb

Dad save Amin
He ain t no human being
There is no future
In family s dreamland

Dad save Amin
We mean it man
We love our Amin
Dad saves

There s no future
There s no future
There s no future
For you!! *

ماما , هل أعجبتكِ الأغنية ؟ ... صوتي جميل ؟ .... أكيد أعجبتكِ ... وكيف لا تعجبكِ وابنكِ قد غناها لكِ ؟ أو ابنكِ المزيف ......................... لا أعلم ... لا أعلم ...

********
* https://www.youtube.com/watch?v=yqrAPOZxgzU
[Sex Pistols - God save the queen]

(9)

عندما استيقظت , شعرت بالبرد ... نظرت , فوجدت أمينة نائمة عن يساري عند حافة السرير ... وعندما أردت أن أمسّ شعرها , لاحظت ثقلا كبيرا في يدي اليسرى ... لكني حملتُها بكل قوتي حتى أوصلتها رأسها . اشتقت إليها , شعرت كأني لم أرها منذ سنين ... رأيتها جميلة وتذكرتُ لحظات سعيدة عندما كنا صغارا ... كم أحبكِ أمينة ! لم تتحرّك من مكانها عندما فتحت عينيها , نظرت لي ... أبعدت رأسها عن يدي وبكت ...
- منذ متى تتعاطى المخدرات ؟!
ثم قامت واتجهت نحو الباب , وقفتْ أمامه لحظات ثم عادت نحوي من الجهة اليمنى للسرير ... نظرت لي , وأنزلت شفتيها حتى أذني اليمنى وهمستْ :
- المخدرات للوحوش والجبناء , ولا مكان لهم في عالمنا ... المخدرات ستقتلكَ المرة القادمة وإذا قتلتكَ قتلتني , ولن أسمح بذلك ! أظن ماما إيناس قالت لك لماذا ....
ثم نفختْ على أذني , وظلّت تنفخ بلطف ودون انقطاع حتى بلغت جبهتي , ومن وسطها واصلت نازلة على أنفي حتى مستوى شفتيّ ... فتوقّفت . عيناها كانتا تدمعان , تنظران لي نظرة مرعبة ... نظرة اختلط فيها الحب , بالغضب , بالثأر ... ثم عادت تنفخ من جديد , وقع الهواء أحسسته كريشة رسامة شرعت في رسم شفتيّ كل شفة بمفردها ... الأولى العليا , ببطء رسمت كل حدودها , ثم انتقلت للسفلى وفعلت نفس الشيء ... في تلك اللحظات , لم أفكر في شيء ... فقط , كنت أنظر دموعها ورغبة عارمة تدفعني لمنع تلك الدموع من النزول : لا أقبل أن تبكي أمينة بسببي , يستحيل أن أقبل !
لم أتكلم ولم أتحرّك حتى أكملت لوحتها , وعضّت شفتي السفلى بقوة ثم مصّتها بسرعة , وتركتني ... استوت واقفة , ومرّرت سبابتها اليمنى على شفتيها وأرتنيها ...
- "انظر , هناك بعض الدم على أصبعي ... لا أخشى شيئا لأنه نفس دمي" ... ثم مصّت أصبعها ونادت : "ماما , أمين استيقظ" .
عندما حضرت ماما وماما إيناس , لم ألاحظ فرقا ... في عيونهما رأيت نفس الحب , نفس الشعور بالذنب , نفس الاعتذار , نفس الخوف عليّ ونفس ... الخوف والكذب لأن أمينة كانت واقفة تسمع وتنظر . وضعوني أمام أمر قضوه لا دخل لي فيه ! وغصبا عني كنت شريكهما , فكذبتُ على أمينة مثلهما !! لم يكن بابا معهما وقتها , لكن حضوره لم يكن ليختلف كثيرا عن غيابه فهو مثلهما ومثلي ... كذبة ... وحوش !
لم يعجب أمينة المشهد الذي رأته منهما ...
- غريب ! كأنه عاد لنا بجائزة نوبل , ولم يعد بجرعة مفرطة ككل المدمنين المجرمين !
ماما : اخرسي ! أخوكِ ليس مجرما !
ماما إيناس : أمينة اخرجي من هنا ... حالا !
- حاضر ... حاضر ... اشبعا منه حتى التخمة ! .... جبان , وحش !!
بعد مغادرة أمينة ...
- قلتم لها أني تعاطيتُ المخدرات ؟!! ألم تكفكم ثماني عشرة سنة من الكذب ؟
ماما : عزيزي , كيف تشعر ؟ هل عندك ألم ما ؟ هل أنت جائع ؟ تريد أن أحضر لك شيئا لتأكل ؟
ماما إيناس : بنيّ , لم نكذب عليك ... لو تعلم كم انشغلنا عليك ... لا تشغل نفسك بأي شيء الآن ... المهم أنك بخير ...
- أريد أن تخرجا ... أريد التكلم مع أمينة ...
ماما إيناس : نخرج .. حاضر ... لكن .... أمينة ..... ليس الآن عزيزي .
- أريد أمينة الآن , ولا تخافي لن أقول !
ماما : مثلما تريد , لكن قبل ذلك سأحمل لك شيئا تأكله .
- ماما , لا أريد أن آكل , أريد أن تخرجا ...
كانت أمينة سعيدة عندما عادت , ابتسمت لي فكانت ابتسامتها مختلفة عما عهدت , بحثت عن إحدى الأغاني ... https://www.youtube.com/watch?v=xiWtqVtd1Oo [Paradisio - Bailando] ... رقصت والموبايل في يدها اليمنى , وباليسرى دعتني للالتحاق بها والرقص معها ... بقيت أنظر لها , فلم يكن رقصها مختلفا ... كانت أمينة التي أعرف ... كنت أسميها "أمينة أربعة فصول" ... كالبيتزا , لأني كنت أرى منها الشيء ونقيضه في دقيقة واحدة ... لم أستطع مقاطعتها وسرحت مع رقصها ....وهي تغنّي.... حتى عدت لصغرنا مرة أخرى , كانت تحب الرقص منذ صغرنا ولطالما غضبت مني عندما كنت أراقصها ولا أجيد ذلك , كانت تشتكيني لبابا فيرضيها بالرقص معها وكنت أغضب منه فأشتكيه لماما فترقص معي وتقول : "ابني أميرٌ وراقص بارع أحسن منكما" , فيهمس بابا في أذنها : "قولي لها , سأبحث عن أمير غيره إذا لم تُعلّميه كيف يرقص" فتجيبه أمينة : "لا بابا , لا أريد أميرًا آخر !" فيقول لها : "إذن , ارقصا معا ودعي بابا وماما يرتاحان قليلا أميرتي الصغيرة ..." ... فنتصالح ونعود للرقص , فتغضب مني أمينة من جديد .
أكملت رقصها ثم استلقت بجانبي ...
- هل مازال عند بعض المخدرات ؟ أريد أن أجرّب ...
- أمينة ... أنا أخوكِ ...
- تشرّفنا ومشكور على المعلومة ...
- ألا تشعرين بأيّ حرج مما صنعتِ ؟
- رقصت والرقص غير ممنوع عندنا فأين الحرج ؟
- قبل ذلك أمينة ...
- قبل ذلك ؟ لا أتذكّر نسيت , ذكّرني ؟
- أمينة كفّي عن هذا ...
- صدّقني نسيت , ذكّرني عزيزي "أنا أخوكِ" لو سمحت ...
- الذي قمتِ به ممنوعٌ لا يجب أن يتكرّر ...
- إذا كان ممنوعا , لماذا شاركتَ فيه ولم تمنعه ؟
- أمينة ما لكِ ؟ أصبحت أنا الملام الآن ! وعن أي مشاركة تتكلمين ؟ استيقظي أمينة أرجوكِ !
- الذي عليه أن يستيقظ هو من يتعاطى مخدرات الوحوش لا أنا ...
- أمينة منذ متى وأنتِ هكذا ؟ أكاد لا أعرفكِ ... ثم أنا لا أتعاطى مخدرات !
- ههههه ! وماذا تفعل في الفراش منذ البارحة ؟ وهل ماما تكذب عليك ؟ وكل تلك الأدوية التي حقنتك بها لماذا إذن ؟ والمصل الذي في يدك ؟
- لا تغيّري الموضوع !
- أنت من تغيّر , تلومني على الرقص وترفض الكلام عن تعاطيك مخدرات الوحوش ... "أكاد لا أعرفكَ" عزيزي !
- أمينة ! قبّلتِ أخاكِ !
- ثم ماذا ؟
- ثم ماذا ماذا ؟!! قبّلي بابا إذن ! وبالمرة مكان آية , ضعي ماما أو ماما إيناس !!
- قلت لكَ أن قصة آية لا تعني لي أيّ شيء , آية مجرد صديقة لا غير , ولو أردتَ كل الحقيقة هي مجرد وحش ككل الوحوش ...
- أمينة عندنا استثناءان , هل نسيت ما تربّينا عليه ؟؟ أم تريدين هدم أسرتنا ؟
- لا يوجد عندنا أيّ استثناء !
- أمينة هل تعين ما تقولين ؟ هذا جنون وفوضى !!
- بل هو العقل , والنظام الذي لم تفهمه إلى الآن ... قل لي إذا كان كلامكَ صحيحا , لماذا ماما إيناس لم تتزوّج ؟ هي مَن وضعتْ كل الأسس التي عليها بُنيت أسرتنا , وهي التي التزمتْ بها وطبّقتها بالحرف ولم تحد عنها !
- ماذا تقصدين أمينة ؟ أنتِ تتجاوزين كل الحدود ولن أسمح لكِ !!
- أنا لا أتجاوز أي حدود بل بالعكس أحترمها , أما أنت فتجهلها وتظن أنك بكلامك هذا تدافع عنها ...
- ماذا تقصدين ؟
- أجبني عن سؤالي : لماذا لم تتزوّج ماما إيناس ؟
- لأن لا أحد سيأخذ مكان بابا جمال , وعندها ماما وبابا ونحن ...
- لا أحد يستطيع أن يأخذ مكان بابا جمال وعندها نحن أكيد , لكن عندها ماما وبابا كيف ؟
- تبا لكِ أمينة ! اخرجي من غرفتي !
- سأفعل , لكن قبل أن تُكلمني مرة أخرى عن الأسرة وأنت تتصوّر نفسك حاميها , عليكَ أن تعرف جيدا أسسها وحدودها .... سأتكفّل بذلك بعد أن تتعافى من مخدراتك ... سأخرج الأن ... أحبكَ .
- أنا أيضا ! لكن ليس مثلكِ !
- وقبل أن أخرج ... سؤال آخر فكّر فيه : عند ماما إيناس , قلتَ لي أنك لم ترني مع أي ولد وفقط مع آية وقد اعتذرت لك وشرحت لك قصة آية , لكن عزيزي هل تعلم أني أنا أيضا لم أركَ يوما مع أحد ؟ لا أنثى ولا ذكر ! لماذا يا ترى ؟ ماذا نقص أسماء وكريمة وأحلام وآمال وهالة وسمر ونور لترفضهن كلهن ؟ سمر ونور لا يمكن لأحد رفضهما أمين ! إلا في حالة واحدة : لو كنتَ مثليا ! وهل تظن أني صدقتُ أعذاركَ بشأنهما ؟ هل تريد أن أسمّي لك بنات الابتدائية أيضا ؟ أتظن أنك ستجد يوما "استثناءك" المزعوم ؟!! ... أنا أعرف السبب وأنتَ أيضا تعرفه لكنك لا تزال لا تراه وقريبا ستكتشفه : "أنتَ أيضا , لكنكَ مثلي تماما !" ... إذا احتجتني اتصل بي وسآتيك فورا , سأبقى في غرفتي , سأنتظركَ .
وخرجتْ أمينة ... دون أن أردّ على كلامها ... هل عجزتُ عن ردّ حججها مثل ماما إيناس ؟ لا أعلم ... لكني أعدت ذلك للحالة التي كنت عليها , وقلت أني في المرات القادمة سأعرف كيف أردّ كل ما قالت وما ستقول . أما كون موضوع أمينة حجب موضوع بابا جمال وماما إيناس فلم أجد له تفسيرا , أو ... وجدتُ وهربت ولم أكتف بذلك بل لمت نفسي على ضعفي ... سن الرشد !! ظننتُ أني أصبحت رجلا , لكني كنت لا أزال طفلا صغيرا ! ودقائق بعد خروج أمينة , خجلت من نفسي ومن غبائي ووقاحتي مع ماما وماما إيناس أو ماما وماما أميرة !؟ لا يهم ولا فرق ... تبا لي ! ما الفرق بين أن أكون ابن بابا جمال وماما إيناس أو ماما أميرة وبابا منير ؟ بل ومع أي فرضية أخرى ؟ ما الفرق ؟ أربعتهم كانوا معا قبلنا , كانوا أسرتنا , ولا يزالون بعد ولادتنا , وحتى غياب بابا جمال لم يُغيّر أيّ شيء فهو حاضر دائما في قلوبنا جميعنا ويحرسنا بكل حب ... لم أتساءل كثيرا عن كيف مات بابا جمال قبل ولادتنا بسنين عديدة , لكني تساءلت عن كيف نسيت كل ما تعلّمته عن الوحوش طيلة حياتي القصيرة حتى تلك الأمسية وكيف لم أبحث عن أعذار لماما إيناس , لماما ولبابا ... خجلت من كل الكلام الذي قلته لماما البارحة , خجلت أكثر لأني طردتهما من غرقتي قبل قدوم أمينة , وفكّرت في مغادرة غرفتي والذهاب إليهما للاعتذار منهما لكني لم أقو على ذلك ...
الفضل الكبير في تجاوزي السريع للصدمة الأولى يعود لأمينة ... صدمتها كانت أعنف فأنستني صدمة ماما إيناس , ولا شك أن اتصالي بماما وماما إيناس كان هروبا من البركان الذي فجّرته أمينة في وجهي , وللبحث عندهما عن بعض القوة لأستطيع مواجهتها ... أمينة التي قالت كل كلامها بيقين تجاوز حبّنا لبابا جمال , والتي تجرّأتْ على عدم تقبيله عندما زرناه بالأمس ...
اتصلت بهما وطلبت منهما العودة إلى غرقتي , فدخلتا بعد بابا ... تكلّم بابا الأول , بقي واقفا قرب الباب وهما خلفه ... قال أنه كان في المكتب وعنده شغل كثير , لم يحضر مباشرة للمنزل لأنه زار بابا جمال وأعلمه بكل ما حصل ... قال أن أسرتنا لن يتغيّر فيها أي شيء , وسنبقى كما كنا دئما , متحدين إلى الأبد , نحن الستة ... ظل في مكانه ينتظر مني إشارة لأسمح له بالاقتراب , فمددت له يدي اليسرى دون أن أتكلم , فاقترب وجلس بجانبي -أين كانت أمينة- , فقلت له ... أني أعتذر لأني جعلتهم ينشغلون بسببي , وأعدت كلامه وأنا أنظر لماما إيناس , أن لا شيء سيتغيّر وسنبقى دائما متحدين ...
اتصلوا به من المكتب , فردّ وقال أنه قادم ... ثم مرّر يده اليمنى خلف ظهري , ضغط بها على كتفي اليمنى , وقرّب وجهه من وجهي وقال ... "عليّ العودة يا صديق ... كما تعلم , رئيستي هنا مع ابنها وأمه , وعليّ تعويضها , لكني لن أغيب لأني سأبقى معكم بعقلي وروحي مثلما كنت دائما . نحن دائما معا , حتى إن غاب أحدنا بجسده فإنه يظل حاضرا في قلوب الجميع ... أنا فخور جدا بك صغيري , وبابا جمال أيضا ... لن أتأخر وسأعود بسرعة" ... قبّل رأسي وغادر الفراش , فتبعَتْه عيناي لترى مشهدا رأته آلاف المرات قبل ذلك , لكنه تلك المرة كان مختلفا ... ليس بدرجة اختلاف أمينة لكنه كان ... مختلفا !
المشهد لم يتجاوز الثانيتين ربما , رأيته طوال حياتي ولم أشعر يوما نحوه بأي ريبة أو شك , بل رأيته عاديا طبيعيا , وربما كان الاستغراب سيحصل لو لم أره منذ صغري وحتى تلك اللحظة . الفرق كان أمينة وكلامها , كلّ كلامها حولي وبخصوص ماما إيناس .. كانت ماما واقفة عن يسار ماما إيناس , يدها اليمنى تمسك بيد ماما إيناس اليسرى , بعد مغادرته السرير وقف بابا أمامهما , بيده اليمنى أمسك يد ماما اليسرى وباليسرى أمسك يد ماما إيناس اليمنى ... لم يتكلم أحد منهم , رأيت ماما تبتسم له ونفس الشيء فعلته ماما إيناس , نفس الابتسامة تقريبا , ابتسامة عادية لا شيء فيها كتلك الابتسامة التي يصنعها على شفتيه أي إنسان عندما يسلّم على أي إنسان آخر يعرفه أو لا ... ثم خرج بابا وأغلق الباب . كلام أمينة كان ببالي . وللحظات بعد خروجه , نظرت لهما ... نظرة عادية لم يكن فيها شيء , نظرة محايدة وكأني أنظر لبحر أو حائط أو غابة من بعيد ... قلت لنفسي : "إذن أمينة على حق ... كيف لم أتفطن لذلك كل هذه السنين ؟ كل يوم أتأكد أكثر أني آخر من يعلم في هذه الأسرة وأغبى فرد فيها ..." , ثم ابتسمت لهما ... وبيديّ اليسرى واليمنى أومأت لهما أن تقتربا ...
فعلتا مثل بابا , بقيتا واقفتين تنتظران أن أسمح لهما ... كان موقفهما أكثر حرجا منه لأني قمت بطردهما قبل ذلك , لذلك ولأزيل عنهما كل حرج دعوتهما بكلتا يديّ دون أن أفكر في شيء بعد الذي جال ببالي من كلام أمينة ...
- ماما : هل تريد أن تأكل شيئا ؟ لم تأكل منذ البارحة عزيزي .
- لا أشعر بالجوع ..
ماما إيناس : حتى قليلا بنيّ , قل لي ماذا تريد أن تأكل ؟
- لا أعلم ... بيتزا وبيرا ربما ...
ماما : سأتصل بهم , كيف تريدها ؟ غلال بحر كالعادة ؟
ماما إيناس : سيبطئون , سأحضرها بنفسي ...
ماما : سأذهب أنا ...
ماما إيناس : لا ... أنتِ ستسحبين منه خراطيمكِ , لا أريد رؤيتها عند عودتي ...
ماما : انتظري ... لو كنت مكانكِ , كنت طالبت بالحصول على أتعابي مسبقا ؟
ماما إيناس : معكِ حق ... عزيزي كلام الأطباء أوامر ... عذرا لكن يجب أن تدفع ... والآن ....
ماما كانت عن يساري على السرير , وماما إيناس كانت واقفة عن يميني ... بعد أن خطت خطوات عادت بجانبي وقرّبت خدها الأيمن من وجهي .... فقبّلتها .... وغادرت .
- ماما , لماذا أشعر بضعف ؟
- ستعود قويا بعد البيتزا لا تقلق ... قبل ذلك دعنا نرى الضغط ........ جيد ... والآن لنسحب هذا , لا تخف لن تشعر بأيّ ألم ........ انتظرني قليلا أُخرج كل شيء ثم أعود قبل أن تغضب منا ... لا تحبّ الأطباء كما تعلم ....
- ليس كلهم ...
- باستثنائنا نحن بالطبع ...
- نحن ؟
- أنا وأنت بنيّ , التوجيه بعد أيام وستختار طب ؟
- طب ؟ آه صحيح ... نسيت ...
- لحظات وأعود .. لن أتأخر ... لا تتحرك , ابق مكانك .
بعد خروجها , استرجعت كلام ماما إيناس عن أن الكلمة الأخيرة بخصوصنا أنا وأمينة كانت دائما كلمتها , وتذكّرت التوجيه ... فقد أراد ثلاثتهم في البداية لأمينة أن تدرس طب ثم طب نساء , ولي دراسة الهندسة لأدير الشركة بعدهما , لكننا رفضنا ... لأن أمينة كانت تكره كل الدراسات الطبية والصيدلية وتريد البيولوجيا وكنت أنا عكسها ... أصرّت ماما على أن تدرس أمينة طب وقالت أنها سترغمها على ذلك إن استوجب الأمر , ونفس الشيء فعل بابا معي , لكنهما تراجعا عندما قرّرت ماما إيناس أن تُحترم رغباتنا وذكّرت ماما بأهلها -الشرفاء- الذين أرادوا منعها من دراسة الطب ... فتراجعتْ عن تعنّتها , ثم تراجع بابا بعد تراجعها ... تذكّرت أيضا أنها هي من قامت بإعلامي بماما وبابا الحقيقيين , لم يفعل ذلك بابا ولم تفعله ماما لكن هي فعلت ولم يكن ذلك صدفة بالطبع ... حاولت تذكّر المزيد , فتذكّرت الكثير ... كان ماما وبابا يقنعاننا أنا وأمينة , في كل شيء , حتى أبسط الأمور ... كان كل منا يُطالَب بعرض حججه ثم الدفاع عنها أمام الاعتراضات , وكنا دائما نخسر لذلك كنا نقول عن ماما أنها نيكالية وأن بابا كرومي ... لكن كان هناك فيتو لماما إيناس , إذا رفعته تُرجّح كفّتي أو كفّة أمينة فيتنازل ماما وبابا لنا . لم يتعمّدوا تلك الأدوار لتأخذ ماما إيناس مكانها في أسرتنا ونحن صغار , لأن نفس النظام لا يزال متواصلا وقد أخذتْ مكانها منذ زمن ... وتذكّرت قول أمينة عندما تكلمتْ عن لماذا لم تتزوج ماما إيناس : "هي من وضعت كل الأسس التي عليها بُنيت عليها أسرتنا" , قالت "هي" ولم تقل "هم" ! وتساءلتُ : هل أمينة تعلم كل شيء ؟ وكيف عجزتْ ماما إيناس عن دحض حججها بخصوصي ؟ وهل حقا قبلتْ وباركتْ ما تشعر به أمينة تجاهي ؟ تذكرت قولها : "قبل أن تُوضَّح الحدود لأمينة , يجب أن تعرفها أنتَ" وتطابق كلام أمينة معه : "قبل أن تكلمني مرة أخرى عن الأسرة وأنت تتصور نفسك حاميها , عليك أن تعرف جيدا أسسها وحدودها" !
لم أستطع الإجابة عن تساؤلاتي , لكني على الأقل فهمت أن كل الأجوبة عند ماما إيناس وأن الكثير منها عند أمينة , وقلت في نفسي أني لن أستعجل معرفتها لأنها على كل حال لن تغيّر شيئا في أسرتنا وسنبقى متحدين أبدا !

(10)

عادت ماما , وما إن دخلت حتى سألتها ...
- تحبيّن ماما إيناس ؟
- عزيز قلبي ... في سنتك الأولى ستدرس كيمياء , بيو كيمياء , فيزياء , بيو فيزياء , أمبريولوجي , هيستولوجي , فيزيولوجي إلخ , وكلها نسميها علوما أساسية أي حجر الأساس الذي عليه ستُبنى السنوات القادمة التي فيها ستفهم كيف يعمل كل جهاز في الجسم وكيف يحصل الخلل وكيف يكون العلاج ... هل فهمت ؟
- ليس كل قصدك .
- عزيزي , لا تستطيع أن تصبح طبيبا دون الإلمام بالعلوم الأساسية ... ولا تستطيع قيادة سيارة دون معرفة الأساسيات أيضا ... قل لي ما رأيك لو تبدأ في الأيام القادمة ؟ أريد أن تحصل على رخصتك قبل نهاية الصيف ... وأمينة كذلك ... بلغتما الثماني عشرة ...
- سنحصل عليها بسرعة لا تقلقي .
- لا أريد أن تستعملا النقل العمومي السنة القادمة ....
- ماما , لا تقولي أنكم ستشترون لأمينة سيارة ؟
- ولكَ ...
- ماما , أمينة يلزمها سنوات لتستطيع القيادة دون تهور ...
- قالت أنها تقود أحسن منك .
- تستطيع القيادة صحيح , لكنها متهورة ولا تعرف الحذر .
- هل تحبها ؟
- ما هذا السؤال ماما ؟ أكيد أحبها وأخاف عليها من تهورها في القيادة !
- سؤال غريب , عندك حق ... من نوعية الأسئلة التي لا يجب أن تُطرح ... مثل سؤالكَ .
- آه ... نعم ... فهمتُ .
- أنت ذكي عزيزي , وأختك أيضا ... فعلنا كل ما بوسعنا لتكونا الأفضل ولا نزال ... وقد كبرتما اليوم .
- أعلم ماما ...
- لا شيء سيتغيّر في أسرتنا , كل العوالم يمكن أن تتغيّر وتضعف فتسقط إلا عالمنا ... نحن أقوياء بنيّ , أقوياء جدا ولا شيء يمكن أن يقف أمام إرادتنا ... قد تحصل بعض الكبوات , لكنها لن تُؤثّر , وهي للأسف لازمة ولا نستطيع تجنّبها لأنك وأختك لا تزالان تتعلمان وستكبران وتصيران كل يوم أقوى وستفهمان أكثر الحظ العظيم الذي عند كل فرد منا في الانتماء لهذه الأسرة ...
- أعدكِ ألا أخذلكِ ماما ...
- أعرف أنك لن تفعل , وستكون فخرنا أنت وأمينة ...
دخلت أمينة في اللحظة التي احتضتني فيها ماما ... وبسرعة , قفزتْ فوق السرير بجانب ماما , وبقت على ركبتيها ...
- وأنا أيضا !
- ليس قبل أن تعتذري من أخيك ...
- قد فعلت ماما واعتذرت منه ... بعد إذنكِ ... ابتعدي قليلا هنا ... أريد أن آخذ مكاني ... وأنتَ إلى الخلف قليلا ... هكذا ...
كانت ماما على يساري فوق السرير , وكانت أمينة في حجري تحيط رقبتي بيدها اليسرى وباليمنى ظهر ماما عندما عادت ماما إيناس ...
- البيتزا حاضرة ومعها البيرة عزيزي , مثلما طلبت ... آه أمينة ... أنتِ هنا .... عزيزتي , أخوكِ جائع , لندعه يأكل ...
وقفت ماما إيناس عن يميني تحمل الطبق , وأرادت أن تمرره بيني وبين أمينة لتضعه في حجري , فأخذته أمينة من يدها ووضعته عن يمينها على السرير ثم أحاطت ماما إيناس بيدها اليسرى وجذبتها بقوة لها ولي ...
شعرت بحركات أجسادهن , ثلاثتهن :
عن يساري , جسد ماما لم يصدر منه أي تشنج .
في حجري , جسد أمينة التي ضغطت بقوة برقبتها على كتفي اليمنى وبصدرها على صدري لتستطيع إرغام جسد ماما إيناس على الالتصاق بالسرير وبجهة جسدي اليمنى من مستوى فخذي حتى كتفي .
عن يميني , جسد ماما إيناس الذي حاول الافلات من قبضة أمينة لكنه لم يستطع , فاستسلم لرغبتها لحظات ....
ماما إيناس : جميل ... جميل ... أمينة لندع أخاك الآن يأكل ...
أمينة : ينقصنا بابا جمال الآن , بجانبكِ ... وبابا بجانب ماما .
ماما إيناس : لا ينقصنا أحد , هما دائما حاضران معنا ...
أمينة : غير صحيح ... بابا دائما يعمل , وبابا جمال في القبر .
ماما إيناس : ما هذا الكلام صغيرتي ؟ تعالي ... أنتِ أيضا أحضرتُ لكِ بيتزا ... أعلم أنكِ لم تأكلي ... هيا ... ستعجبكِ سترين ...
بعد خروجهما ... وضعت ماما الطبق في حجري ... وفتحت علبة البيرة ...
- رائحتها لذيذة , هيا كل عزيزي ...
- ما بها ؟
- ستكون بخير ... لا تهتم لها ...
- وأنتِ , هل تغديتِ ؟
- أأأأأأكلنا قليلا ... عزيزي أريدك أن تأكل هيا , لم تأكل من البارحة ...
- أكيد ماما إيناس لم تأكل هي أيضا ... نأكل معا إذن ... لكن قبل ذلك أريد الذهاب للحمام ...
- حاضر ... تعال سأرافقك ... لكن البيتزا ستأكلها كلها وحدكَ ...
- لا أشعر بجوع كبير ماما ... سنقتسمها ثلاثتنا ...
اتكأت عليها ومشينا ببطء حتى توقفت قبل وصولنا للحمام ... عبر باب الصالة المفتوح , رأيت أمينة واقفة تنظر إلى أسفل محركة ساقها اليمنى , وماما إيناس تنظر إليها وتكلمها بصوت لم يصل إلى مكاني ... ومع أن ماما دفعتني بذراعها لأستمر في السير , إلا أني طلبت منها أن تنتظر لأواصل النظر إليهما ... مشهد جميل أن أرى أمينة تسمع لأحد دون أن تثور عليه ... تلك المشاهد البسيطة رأيتها آلاف المرات طيلة حياتي لكني لم أفطن يوما لتميزها ولتفردها , كنت كمن عاد من الموت بعد أن وعى حقيقة الحياة التي يجب أن تُفهم أحداثها لتُعاش دون إضاعة أي متعة , وأي متعة أعظم من أن أرى كل هذا الحب الفريد الذي يجمع كل أفراد أسرتنا ؟
ما إن تفطنت ماما إيناس لوقوفنا حتى قبّلت أمينة وأسرعت في اتجاهنا .
- أميرة , ما به ؟ ما الذي حصل ؟
- لا شيء , لا شيء , لم يحصل أي شيء , فقط سنذهب للحمام ...
بقيت أنظر لأمينة التي قدمت والحزن باد على وجهها ولم أعرف السبب ...
- بالمناسبة , هذه لم تأكل أي شيء من البارحة , وهذه مثلها ... تصرّف معهما ...
- وأنتِ ؟
- لا أريد ...
- نأكل أربعتنا معا ...
- سأذهب إلى غرفتي ...
- سنلحق بك .
- أريد أن أبقى وحدي ...
في الحمام , وقفت طويلا ... "اللعنة أين كان كل هذا وكأني شربت برميل بيرة !" , قلت ... وضحكتُ , عندما تذكّرت كيف كنت أسخر من أمينة : "انظري حبلي طويل كحبل بابا" , فتحاول أمينة لكنها لا تستطيع , فأضحك عليها , فتسرع لماما وتطلب منها أن تستحم وأن تغير لها ملابسها , وتسألها : "ماما , لماذا ليس عندي حبل طويل كأمين ؟!" , فتجيبها ماما : "لأنه ولد وأنت بنت والبنات ليس لهن حبال" , لكن أمينة لم تكن تقبل وكانت تصر على أن يكون عندها حبل وتسأل ماما : "وأنت ليس عندك حبل ؟" فتجيبها ماما أن عندها أحسن من الحبل وتشير إلى بطنها وصدرها : "نحن البنات أقوى من الأولاد لأننا نستطيع أن نحمل جنينا في بطوننا حتى يكبر ثم نرضعه ولا يستطيع ذلك الأولاد" فتجيب أمينة أنها تريد أن تحمل جنينا ثم ترضعه لتغيظني وعندما تقول لها ماما أن ذلك عندما تكبر تغضب أمينة وتقول : "سيبقى أحسن مني حتى أكبر ! أريد أن يكون عندي حبل الآن وعندما أكبر جنين ! أريد أن أغلبه دائما !" ... تذكرتُ ذلك وقلت "كم أحببببـ ... " وسكتُّ ... لم أكمل "كِ أمينة" لأني تذكرتُ أيضا كل ما بدر منها , وقلت في نفسي : "ويلي من أمينة مستقبلا ومن كل ما ستفعله !" ... وخرجتُ ... أمام الباب ماما إيناس من جهتي اليمنى وماما من اليسرى , يد ماما إيناس اليمنى تمسك بيد ماما اليسرى ... تقدمتا نحوي ... بذراعها اليسرى أمسكت ماما إيناس ذراعي اليمنى , وبذراعها اليمنى أمسكت ماما بذراعي اليسرى واستدارتا دون أن تترك كل منهما يد الأخرى ... ثم مشينا حتى غرفتي ...
لم أكن أركز مع تلك التفاصيل قبل ذلك اليوم , لم أرها غريبة لأني تربّيت على رؤيتها حتى كبرت , لكن نظرتي لها تغيّرت , وكل الفضل يعود لأمينة ولأقوالها وأفعالها ! لا أعلم هل لم يرقني ذلك أم لا وقتها لكني لم أشعر أني كالريشة في مهب الريح أو مفعولا فيّ ولا حرية عندي لأن الواقع المحيط بي لم يتغير لكن الذي تغير كان نظرتي له وبسبب أمينة ... استثنيت من كل أحكامي وتساؤلاتي الليلة الأولى بعد أن عدت من منزل ماما إيناس , وقسّمت تاريخي إلى مرحلتين كانت اللحظة الفاصلة بينهما ما فعلته وقالته أمينة في ذلك اليوم ... عندما كان عمري وعمر أمينة ثماني عشرة سنة ويوم . فهمت جيدا كيف أن بابا جمال وماما وبابا وماما إيناس لم يكذبوا عليّ , لأنهم كانوا نفس الواقع الموجود قبل ولادتنا أنا وأمينة , ذلك الواقع الذي لم يتغير ولن يتغير , وما عليّ إلا فهمه أنا الحدث الطارئ عليه , وقد صدقتْ ماما عندما قالت أني وأمينة لا نزال نتعلم وسنكبر ونصير كل يوم أقوى ... ولن يكون ذلك إلا بفهم حقيقة أسرتنا التي لم تتغيّر , لذلك اعتذرت منهم ورددت كلام بابا أن لا شيء سيتغير في أسرتنا وسنبقى متحدين دائما ... ولذلك أيضا حيّرني كلام أمينة , كوني أجهل دعائم أسرتنا وحدودها التي يجب أن تُحترم وأن يُدافع عنها , وعجزت عن جوابها ... لا يزال أمامي الكثير لأعرف قلت , وقررت فتح كل الأبواب لأتعلم وإن كان بعضها مخيفا مرعبا ...
وصلنا غرفتي ...
- لنذهب لغرفة أمينة ...
ماما : البيتزا بدأت تبرد .
- ولكني وعدتها ؟
ماما إيناس : وعدتَها ؟ وعدتها بماذا ؟ لم نسمع شيئا ! ثم ... أنسيتَ غرفة أمينة في الصيف ؟
- أريد أن نأكل معا ... هي أيضا لم تأكل ...
ماما إيناس : سنبقى ننتظر ساعة عند الباب ! اجلس وكل هنا عزيزي ...
- لا أريد إذن !
ماما : حاضر ! انتظر هنا , سأذهب لإعلامها ثم أعود ...
عند عودتها , وعند الباب اتصلوا بها , قالت أنها نامت ثم ردّت على الاتصال فتغيرت ملامح وجهها وقالت أنها ستصل في أقل من ربع ساعة ... قالت أن أمل ابنة سليم في طريقها للمصحة , عندها حالة ولادة مبكرة وخطرة ...
تبعتها ماما إيناس حتى غيرت ملابسها بسرعة ورافقتها حتى غادرت ثم عادت لغرفتي ...
كان سليم من الأطباء القلائل الذين كانت ماما تذكرهم بخير , مختص في الجراحة العامة وعنده مصحة صغيرة لا يتعامل فيها إلا مع عدد محدود من الأطباء منهم ماما التي كانت هي وزميل لها المكلفين الوحيدين بطب النساء . أما أمل فكانت ابنته البكر , تزوجت حديثا وكانت في الخامسة والعشرين في تلك الصائفة ... لم ينجب ذكورا , كان عنده فقط أمل وآية ... صديقة أمينة .
حاولت ماما إيناس أن تخفي قلقها لكنه كان واضحا على وجهها , ومنه فهمت أن حياة أمل في خطر , وفكرت في تبعات ذلك على أمينة ...
كانت الساعة تقريبا السادسة والنصف عندما خرجت ماما ... مع الثامنة اتصل بي بابا ليعتذر عن عدم عودته ثم اتصل بماما إيناس التي كانت بجانبي ...
- أبوك في المصحة ... قال أنها في قاعة العمليات منذ أكثر من ساعة وأن نجاتها صعبة حسب ما قال له أحد الأطباء ...
- يجب أن نوقظ أمينة ماما ...
عندما استيقظت أمينة , وجدت أن آية اتصلت بها مرات كثيرة وأرسلت لها عدة رسائل ... راقبت هلع أمينة , حركاتها , صوتها ,علامات وجهها , فوجدت أن قولها أن آية مجرد وحش من الوحوش لا يتفق مع كل ما رأيت .
غضبت أمينة عندما قالت لها ماما إيناس أن تتصل بصديقتها وأن تنتظر في المنزل أحسن , وقالت أن آية تحتاجها ويجب أن تذهب إليها ... فأذعنت ماما إيناس وتوجهنا ثلاثتنا للمصحة .
تبعنا ماما إيناس عندما وصلنا , كانت تمشي بسرعة وبجانبها أمينة ولم أستطع مسايرتهما ... حتى وصلنا قاعة انتظار كبيرة قريبة من قسم العمليات .
لم أر إلا الحيرة على كل الوجوه الموجودة وأولها وجه بابا الذي كان واقفا بجانب آية وأمها وأفراد كثر من عائلتها ... لم أقترب , عكس أمينة التي احتضنت آية ومشت معها إلى أطرف القاعة , وماما إيناس التي وقفت أمام أم آية تواسيها ممسكة بيديها ... مشى بابا نحوي , وقف بجانبي وأحاطني بذراعه اليسرى فاتكأت عليه , وعندما سألته أجابني أن الأمور سيئة ... سيئة جدا والأمل ضعيف .
بقينا قرابة الساعة والنصف ننتظر , كنت جالسا بجانب ماما إيناس عندما خرج أب آية من قسم العمليات ... كان الموقف سيئا جدا , وزادته آية سوءا ... كان أبوها واقفا وهي تضربه على صدره وتصرخ في وجهه "أنت السبب ! أنت السبب !" حتى انهارت أمامه فأسرع إليها أحدهم وحملها بين ذراعيه وغادر فتبعته أمينة , أظنه كان من الطاقم الطبي للمصحة , أما أبوها فبقى في مكانه لم يتحرك ... أظنه انتظر زوجته لترتمي في حضنه وليبكيا معا كما في الأفلام , لكنها لم تفعل .
علمنا بعد ذلك أن ماما وزميلها استطاعا إنقاذ المولودة بأعجوبة , وأن كل الأطباء كانوا يعرفون منذ البداية أن أمل لن تنجُ . توفيت بعد نصف ساعة , أما الساعتان المتبقيتان فكانتا الوقت اللازم لإنقاذ المولودة ... أب آية كان حاضرا لكنه لم يخرج لإعلام زوجته وابنته قبل التأكد من إنقاذ حفيدته , ربما كان يريد أن يحمل خبرا مفرحا مع الخبر السيء ... ربما . لكن آية وأمها لم تهتما للخبر السار -إن كان سارا- , فآية اتهته بأنه هو السبب في وفاة أختها أي هو من قتلها ... هو المجرم , وأمها لم تقترب منه وفضّلت البقاء بجانب أهلها وزوج ابنتها ومن حضر معه من أسرته ... كان ذميما عكس أمل وآية , كنت أنظر إليه وأرجو ألا تكون المولودة قبيحة مثله ... سمعت إحداهن تقول : "ماتت شهيدة" , فابتسمت محتقرا لعالم الوحوش ذاك , الذي وعيت جيدا كيفية التعامل معه منذ صغري . وعندما فكّرت في مواقفنا خمستنا وجدت أن أمينة لم تلتزم بمبادئ أسرتنا . ماما كانت تمارس عملها , بابا حضر لأنه يعرف عائلة آية وماما تتعامل مع تلك المصحة , الموقف المميز كان لماما إيناس التي لم تر أن حضورنا أنا هي وأمينة ضروري , أنا كنت أنظر للناس ! أما أمينة فقد تجاوزت الحدود ... أمينة قالت لي بالحرف أنه لا يوجد استثناءات في أسرتنا أي لا أحد له الحق أن يدخلها , وقالت أن آية مجرد وحش عندها لكن سلوكها قال عكس كل ذلك ... وتذكرت أنه من المؤكد أن آية ستدرس معي في السنة القادمة , فتساءلت وحدي : "هل يا ترى أمينة تقوم بتحضيرها لتتجسس عليّ كل السنين القادمة ؟!" ...
نظري للناس لم يكن نقيا بل شوهته أمينة ! نعم ! لم يعجبني أني شعرت بأشياء ... كلها مرّت عبر أمينة أكيد , لكن كان فيها وحش اسمه آية ! عندما انهارت آية شعرت بأشياء , لم تكن قوية لكنها وُجدت وما كان لها أن توجد ... وكل أولئك الذين كانوا يبكون , شعرت بأشياء عندما نظرت لهم وما كان ينبغي لي ... قطيع أسود يبكي أسدا صغيرا , وبجانبه قطعان نمور وفهود وضباع وذئاب وكلاب برية : المراقبة من بعيد جائزة لكن الاقتراب ستكون نتيجته الحتمية أن يفتك بي أي قطيع من تلك القطعان وأولها قطيع الأسود ! وحتى لو كانت آية استثناء أي حبيبة أمينة -وقد نفت أمينة ذلك- , القليل الذي كان يُفترض أن يخرج مني كان يجب أن يخص آية وحدها لا بقية عائلتها وكل أولئك الحاضرين ! ما شعرت به كان شيئا من الحب , والحب كما تعلمت طيلة حياتي لا يمكن له أن يوجد إلا داخل أسرتنا ! بين ستّتنا فقط ! ومرة أخرى كانت أمينة السبب !
من بين الحاضرين , زوجة زميل ماما , وقفت قليلا بجانب ماما إيناس ولعنت اليوم الذي قبلت فيه الزواج منه ... ذلك اليوم غابت ماما عن عيادتها فطلبت منه تعويضها فقبل , المسكين أمضى طيلة اليوم بين عيادة ماما وعيادته دون انقطاع وكنا في بداية يوليوز , ثم أعلموه بحالة أمل ... قالت أنه اتصل بها وقال أنه يجب أن يبقى أحدهما في المصحة طوال الليل لمراقبة المولودة وأنه سيرى مع ماما إن كانت تستطيع البقاء ليعود للمنزل فيرتاح قليلا ... كانت غاضبة تلك الزوجة المسكينة وقالت لماما إيناس أن ماما دائما ما تستغل طبعه الطيب والخدوم ويجب أن تكفّ عن ذلك , وطلبت من ماما إيناس أن تكلمها ... فردت عليها ماما إيناس أن أمل في الأصل هو طبيبها المباشر وليست ماما وبرغم ذلك فقد حضرت معه ... عندما خرج زوجها من قسم العمليات لم يجدها , فقد غادرت غاضبة . لم تهتم تلك المرأة لمن مات ولمن عاش , بل كان اهتمامها الوحيد راحة زوجها , وربما ذلك الوقت بعد الظهيرة الذي ربما كانت تريد إمضاءه في نزل أو على ضفاف البحر رفقة زوجها ولم تستطع لالتزامه بتعويض ماما .
بعد زميلها بدقائق , دخلت ماما غرفة الانتظار تلك , واتجهت مباشرة نحوي وسألتني هل أنا بخير فأجبتها أني أشعر ببعض الدوار , فسألت عن البيتزا فقلت أننا خرجنا قبل أن نأكل ... أخرجت من أحد جيوبها شكولاتة ووضعتها في فمي : "بنيّ , ماما ستبقى في المصحة الليلة , الآن تخرج وتتعشّى , لا تجعلني أنشغل عليك ! هل تستطيع أن تعدني بذلك ؟" ... ففعلتُ ... آخر مرة أكلت فيها كانت منذ أكثر من يوم وليلة , وأحسست بتحسن كبير بعد وقت قصير من تلك الشكولاتة ... عادت ماما بسرعة للداخل بعد أن تكلمت قليلا مع بابا وماما إيناس وقالت لهما أن أمينة لا يجب أن تنام خارجا ... وددت لو سألتها : "هل يعطونهم شكولاتة في غرفة العمليات ؟ وهل ذلك للأطباء فقط أم للممرضين أيضا ؟" . سررت كثيرا بتذكيرها للجميع أن أمينة يجب أن تعود للمنزل , أكيد قد رأتها في المكان الذي أخذوا له آية قبل أن تحضر لقاعة الانتظار التي كنا فيها , وأكيد قالت في نفسها أن أمينة ربما قد تكون جرفتها الأحداث وقد تفكر في مرافقة صديقتها وربما النوم عندها , وذلك ما لم نعرفه في أسرتنا , فلا أحد ينام عندنا ولا أحد منا ينام بين الوحوش . تلك هي ماما النيكالية التي أعرف والتي أحب ! وقد كانت على حق , لأن أمينة أرادت مرافقة آية بعد أن رأت أختها أمل قبل مغادرة المصحة , لكن سرعان ما عاد لها رشدها بعد أن ذكّرها بابا أن لا سبيل لذلك وأنها تستطيع زيارة صديقتها في الغد لو أرادت ... وعلى كل حال كلنا سنراها يوم مراسم الدفن العجيبة , والذي سيكون إما في الغد أو بعده .

(11)

اقترح بابا الذهاب إلى مطعم لنتعشى جميعنا ... وفي الطريق سألته ...
- ما دخل ماما في الرضع ؟ أليس ذلك طب أطفال وليس طب نساء ؟
- سؤال صعب يا صديقي , لكن أستطيع النصيحة وأقترح طريقين : إما الحصول على المعلومة بتفاصيلها من أمك عندما تعود أو تنتظر حتى تبدأ سنتك القادمة ... أما بالنسبة لي فأنا مهتم بإجابة أسئلة بطني ... أرجو أن نجد عندهم حوت مشوي ... وأنت ماذا تفضل ؟
- أي شيء ... بيتزا ربما ...
- أكلمك عن الحوت المشوي فتكلمني عن لست أدري ماذا ؟ هل علينا إعادة تأهيل أذواقك أو ماذا ؟
- أسحب كلامي .. أنا معك في الحوت , وبدون شوكة وسكين !
- جيد , هكذا أحسن ..... ولد ذكي وعنده ذوق , وليس كجماعة البيتزا . هكذا نستطيع التعويل عليك في المستقبل ضد الأعداء ...
- ولكن ماما تحب غلال البحر ؟
- غير كاف , إنها لا تحب الحوت ! جريمة شنعاء تقترفها منذ سنين ...
- وماذا عن أمينة التي لا تحب أي شيء يخرج من البحر ؟
- لا تذكّرني ... سنصبر عليها سنتين على أقصى تقدير وسنرى , إذا بلغت العشرين ولم تعد للطريق القويم سنرسلها لمركز تأهيل ...
- مركز تأهيل ؟
- نعم , كمراكز معالجة المثليين عند اليهود والمسيحيين أو كمراكز صناعة حب فلسطين عندنا ... فعل شنيع تقوم به تلك الطفلة , لكن عندي أمل أن تعود لصوابها ... لا تزال صغيرة مثلما تعلم .
- أرجو أن تتحقق رغبتك , بعد مدة ستكون معك في الشركة وإذا لم تنجح في تأهيلها ستكون أمورك صعبة ...
- ما دمت رفضت العمل معي وتركتني تحت رحمتها !
- بابا , لن نعود لنفس الموضوع , ثم لا فرق بيني وبين أمينة .
- نعم أكيد , لكن ... كثير من الأمور في الشركة لن تستطيع أمينة السيطرة عليها بمفردها ... لكن , لا يهم , سنجد الحل ...
- في كلامك شيء من العنصرية الجنسية , سأعلم ثلاثتهن ولا أعدك بالوقوف في صفك ...
- ههههه , صحيح إذا نظرت فقط للقشور دون الخوض في الأعماق ...
- كيف ذلك ؟
- بنيّ , هل تتصور أن أمينة ستستطيع وحدها القيام بكل ما أقوم به أنا وأمك ؟
- نفس السؤال يطرح معي أنا , فما الفرق ؟
- الفرق أنك أنت تستطيع وحدك أما هي فلا , ومهما حاولنا الكلام عن لا فرق بين الرجال والنساء يبقى الاختلاف قائما ولا يمكن إنكاره لأنه حقيقة ملموسة ويومية ... لا يهم كل هذا الآن , وأنا سعيد أنك ستصبح طبيبا , أي اختصاص تريد ؟
- سيتحدد ذلك مع سنوات الدراسة , لكن عندي ميل للاختصاصات الجراحية ..
- مثل ؟
- لا أعلم , الوجه والفكين ربما , أو الأنف والأذن والحنجرة ...
- ممتاز , تحب الرؤوس مثل أبيك ... أحبذها مشوية على الفحم , هل يوجد ألذّ من رأس حوتة مشوية ؟
- لا يوجد !
- وصلنا , إذا لم نجد عندهم حوت طازج , نكسّر لهم مطعمهم ونطرد زبائنهم ؟
- تستطيع التعويل عليّ ..
- قبل أن ننزل ... أردت أن أقول .... أنّك وأختك كل شيء في حياتنا , أنتما مستقبل الأسرة وفخرها ...
- لسنا وحدنا المستقبل بابا , بل كلنا معا ...
- أكيد , أكيد ... لننزل ... الحوت ينتظر .
أعرف "مطعم الضيافة" منذ طفولتي , صغير ومتخصص في كل ما يخرج من البحر , بابا مهووس بالحوت وماما إيناس مهووسة بغلال البحر أما ماما فهي مهووسة بالإثنين ... في تلك الساعة وفي ذلك الشهر , لا يستطيع أن يجد طاولة فيه إلا الحرفاء المبجلون ويصعب جدا أن يتبقى من حوت وغلال بحر ذلك اليوم فيلجؤون عادة إلى المجمّد .
نزل بابا وطلب منا الانتظار حتى يعود ثم أسرع لداخل المطعم , لم يبطئ وعاد بسرعة يكاد يطير من الفرح وقال أننا محظوظون لأن عندهم ما نريد وطازج زيادة على ذلك !
قبل عودته , سألت أمينة هل هي بخير فأجابت أن كل شيء على ما يرام . توقعت أن تكون حزينة فرأيت على وجهها العكس , كانت مشرقة ومبتسمة بل وقالت أنها جائعة جدا وطلبت من بابا أن يطلب منهم أن يسرعوا ... لم أفهم , وبعد نظرتي المستغربة التي لاحظَتها ماما إيناس والتي لم تدعها تستمرّ طويلا , فهمتُ أنها تكلمتْ معها في الطريق من المصحة إلى المطعم ... نظرت ماما إيناس لأمينة ثم لي وابتسمت , كانت ابتسامةَ قوةٍ فريدة قالت لي أنها قامت باللازم فلا يجب لحياتنا أن يُعكّر صفوها عالم الوحوش .
كان عشاء فريدا , أكلت فيه الكثير الذي لم آكله منذ مدة طويلة , كل شيء كان استثنائيا حتى خيّل لي أن كل من كانوا معنا قد انقرضوا وبقينا وحدنا ... كم كان جميلا ذلك الذي شعرت به ! ذكّرني بالأفلام الرومنسية , أين يعمد المخرج إلى إرسال سونامي من البياض لتدمير كل ما يحيط بالحبيبين اللذين لا يرى كل منهما إلا الآخر .. كنت بجانب بابا وأمينة بجانب ماما إيناس ؛ أكلنا , شربنا , ضحكنا وتكلمنا كثيرا . سعادتي كانت لا توصف , ببابا , بماما إيناس , وبأمينة التي عادت أمينة التي أعرف وأحب ؛ نست تماما آية , لم تهتم لمواساتها ولم يخطر ببالها حتى النظر للموبايل علها تكون أرسلت لها رسالة ما تطالبها برد مكتوب أو مسموع بعيدا عنا ... عن أسرتنا .
لكن أحد الوحوش عكّر صفوي وبثّ الحياة في كل من كانوا يحيطون بنا من كل جانب , امرأة في عمر ماما لا أعرفها , بدا عليها أنها كانت مخمورة , وقفت بجانب ماما إيناس وتكلمتْ بسخرية ...
- اللهم لا حسد , الآنسة إيناس أعطاها الله كل شيء ... والآن أمام الجميع ودون حرج ... الآنسة تعيش في أوروبا هههه ... والدكتورة ؟ أين هي الآن ؟ المسكينة , استسلمت أخيرا , لا تُحسد على ما فيه ... الزوج ثم الأبناء , الحقيقة كثير ... الله يكون في عونها ...
- ماما إيناس : آمين ... أكملتِ ؟
- الكلام كثير , لكن .. تستطيعين قول ذلك ...
- أستطيع مرافقتكِ لسيارتكِ , لا أرى معكِ أحدا ...
- شكرا للطفكِ , لست في حاجة لا لكِ ولا لغيركِ ...
- ليتني أستطيع تصديقكِ ... هل تريدين الجلوس ؟ لا أظنكِ ستتحرّجين من الانضمام إلينا ... هذا منير رئيسك السابق , هذه أمينة , وهذا أمين , كبرا كثيرا كما ترين , السنة القادمة أمينة ستدرس بيولوجيا صناعية وأمين طب ... ننتظر بفارغ الصبر انضمام أمينة إلينا وأكيد سنطلعها على الملفات القديمة ... كلها ...
- تعيّرينني بأبناء ليسوا أبناءكِ آنسة ؟
- أنتِ صديقة قديمة ومخلصة في عملها قبل صداقتها , كيف يمكن لأي كان أن يعيركِ بشيء ؟ هيا اجلسي وإذا أردتِ نستطيع دعوتكِ بعد ذلك إلى منزلنا ...
- منزلنا ؟ ههههه ... اللهم لا حسد ...
- مثلما تريدين , كان ذلك سيسعدنا كلنا خصوصا أننا لم نركِ منذ مدة ... كيف حال قطتكِ ؟ قطة وفيّة ... القطط والكلاب خير من البشر في حالات كثيرة وأنتِ أدرى ...
- ولماذا الباش مهندس صامت ؟ هل هو غاضب مني لا سمح الله ؟
بابا : لا , حاشا ... لكني من شدة الفرحة عجزت عن الكلام ...
- بعد إذنكَ , عندي اتصال , سأغادر ... قبلاتي الحارة للدكتورة ... هل عندها قطة أم لا ؟ أم تحبذ الكلاب ؟
- لم تشربي شيئا ؟ حتى القليل من الماء ؟
- هههههه ... سنلتقي قريبا , أعدكما بذلك .
- صادقة صادقة , ولا تحتاجين لوعود ... لم أعرف امرأة أصدق منكِ , هل نسيتِ ؟ ... أحلام سعيدة ... وسلامي للقطة ... لم تقولي اسمها ؟!
لم أكن أعرف تلك المرأة , لكني رأيت الموت في عينيها . لو استطاعت كانت أشعلت فينا النار وشربت نخبنا ورقصت حتى الصباح ...
- من تلك المرأة بابا ؟
- محاسبة الشركة ... كانت ...
- طردتماها ... لماذا ؟
- لأنها ... لأنها لا تحب الحوت ... وغلال البحر أيضا ... تخيّل ! لا حوت ولا غلال بحر !
- قل لي .. لماذا طردتماها ؟
أمينة : أريد آيس كريم , كوكتالي الحبيب أين أنت ؟ وفي كوب كبييييييييييييييييييييييير ... وأنتَ ! طرداها لأنها استحقت الطرد ؛ سرقت أو لم تكن بالكفاءة المطلوبة أو أو , ثم ألم ترها ؟ وحش يجب التخلص منه , انتهت القصة ! ....... بابا , أين الآيس كريم ؟ لا أراه أمامي ..... لا تنس أني أكلت معكم الحوت ... انظر صحني , أجهزت على نصفها تقريبا ...
- من المفروض الاجهاز عليها كلها , لكن تحسن كبير تشكرين عليه ... ثوان ويكون آيس كريم عملاق عند أميرتي الصغيرة , وسأحضره بنفسي ...
- لكن ماما قالت أني كبرت !!
- وكانت محقة ... أميرتي الكبيرة , أميرتي الكبيرة ...
بعد ذهاب بابا ...
- أمينة : درس جيد في كيفية التعامل مع الوحوش ماما ...
- امرأة بائسة حاولتْ ردّ بعض الاعتبار لكبريائها .
- وعادت بخفي حنين ...
- لو سمعتكِ أميرة تقولين هذه العبارات لكان الدرس من نصيبكِ , صغيرتي حاولي تجنّب استعمالها ...
- أعرف أعرف ! لو تعلمين كم كنت سعيدة يوم أقنعتِها أن تنتهي معنا من تراث أجدادها الكرام ...
- هي معذورة , تذكّري جدتكِ وحاولي تخيل المعاناة التي عاشتها أميرة معها , ولا تقولي أجدادها لأنهم ليسوا أجدادها وليسوا أجداد أي أحد منا ... قد علمتما جيدا أن كل تلك المزاعم أكاذيب وأوهام ..
- أعلم ماما ... أردت المزاح فقط ...
- معي يمكن , لكن إياكِ أن تخطئي وتفعلي ذلك مع أمكِ ... وأنتَ أيضا أمين !
أنا : أنتِ أمّنا ...
- أكيد , لكن بعد أميرة ...
- ولم لا قبل ؟
- لأنها حقيقة أسرتنا ...
أمينة : منذ متى نسأل عن من قبل من ومن بعد من ؟ البيضة أم الدجاجة سؤال وحوش وليس لنا ... كان يا مكان , رجلان وامرأتان منذ قديم الزمان , ملوا من الرقم أربعة فقالوا هلموا نصبح ستة , هلموا نصنع لنا توأما , فصنعوه وربوه و..........
مع عودة بابا , والآيس كريم لأربعتنا ...
بابا : هل فاتني شيء ؟
أمينة : أمين قال أقوالا غبية , فأجبته أن ينساها ويستمتع بالآيس كريم أحسن من مواصلة التفكير فيها ...
بابا لي : أقوال غبية ؟ أكيد تهجمتَ على البحر وحوته وغلاله ! كله إلا ذاك بنيّ ! عليك بالصحاري ... تستطيع أن تقول فيها كل ما شئت أما البحار والأنهار لا ... على كل حال , أميرتي الصغيرة ستذكّرك بذلك كلما نسيتَ ...
أمينة : ولكن ماما قالت أني كبرت !!
بابا لها : آسف آسف , ذِكر الصحاري جعلني ألخبط في الكلام ... اللعنة على الصحاري وعلى كل ما خرج ويخرج منها أميرتي الكبيرة ..
أمينة : آمين بابا آمين , اللعنة على الصحاري أين وُجدت واللعنة على كل ما جاء منها ...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,681,099,159
- ديمقراطيةُ البطيخْ والفأسْ
- النارُ ولا العارْ
- وطنٌ في كَابوسٍ في خندقْ
- أحبكِ يا أرضُ وأحبكَ يا شعبْ !
- حبيبتي أَمَةُ أهلِ الوبرْ (2)
- حبيبتي أَمَةُ أهلِ الوبرْ (1)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (11)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (10)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (9)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (8)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (7)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (6)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (5)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (4)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (3)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (2)
- أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (1)
- -أخي ومن بعده !-
- طبيبُ عيونٍ حسيرُ بصر
- -ابن حرام- ؟ إله ؟ أم نبي أرسلته السماء ؟


المزيد.....




- دراسة الدين في المدارس.. جدل أميركي يتجدد في حقبة ترامب
- بالفيديو.. الرئيس الطوغولي يشيد برؤية الملك محمد السادس لمحا ...
- الرميد يرد على جدل عبد الصمد بلكبير بخصوص معاش ابن كيران
- أفيخاي أدرعي ينعي الفنانة المصرية ماجدة
- عادل إمام يعلق على تحويل مصطفى شعبان أحد أفلامه إلى مسلسل تل ...
- بعد ماجدة.. الساحة الفنية المصرية تفقد -الشيخ عبد القادر- ون ...
- الأصالة والمعاصرة يعد لانتداب المشاركين في مؤتمره الرابع
- طفل ذو موهبة خارقة بفنون البلياردو
- فلاتر ملونة وعاملات تلوين.. كيف طوّر صناع السينما طرق التلوي ...
- ملفوفة بعلم مصر... تشييع جنازة الفنانة ماجدة... صور وفيديو


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمير بالعربي - أمان وأبوان حتى انتهاء الزمان (الأجزاء السابقة)