أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - -المقامر- على أضواء سورية














المزيد.....

-المقامر- على أضواء سورية


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6208 - 2019 / 4 / 22 - 12:21
المحور: الادب والفن
    


بدون تردد امتدت يدي إلى رواية المقامر لدوستويفسكي حين وقفت أمام مكتبتي أريد أن أهرب من حاضر سوري ثقيل مشلول. كنت قد قرأت عن الرواية مراراً، ولكني لم أقرأها من قبل. ربما أراد مزاجي أن يهرب بي إلى زمن بعيد قليل الارتباط بحاضرنا الصعب. أو ربما هو شوق إلى الاحتكاك بكتاب "سوفياتي" له في الذاكرة اعتبار جميل، غلاف مقوى مميز، ونوع مميز من الورق والقطع ومن الخط العربي، تتخلله رسوم رشيقة من وحي الرواية. كتابٌ كان رفيق حلم بحياة أفضل وهبناه أعمارنا، حلم لم نخنه وخاننا. لعل يدي اختارت "المقامر" فيما يشبه النزوع الرومانسي. سعي إلى زمن يبدو لنا اليوم أكثر صفاء. وقد انصرفت إلى قراءتها راغباً في أن أغوص في كبسولتها وأتخفف من تجاذبات وضغوطات الأحداث الساخنة من حولنا. دماء وحزن وجوع وبرد ومذلة وتشرد ونزوح وخوف وكراهية .. الخ. غير أنني أخفقت.
ما أن دخلت قليلاً في عالم الرواية حتى وجدت نفسي عاجزاً عن الاستسلام لها. راح عالمي السوري الحاضر، الذي أردت الهروب منه، يقسر عالم الرواية على الانضواء فيه، وعلى اكتساب التعريف منه. بت في لجة صراع عالمين أفقدني القدرة على الاستسلام للرواية والغوص الذي كنت أرغبه في مجالها. شيء يشبه الفترة الأولى بعد خروجي من سجني المديد. حينها كانت شخصيات رفاقي الذين تركتهم للتو في السجن، هي معايير مقاربتي للشخصيات التي بدأت الاحتكاك بها خارج السجن، سواء في الشكل أو في الطباع. كما لو أنني أردت أن أستأنف سجني في "حريتي". وكذا الحال مع الرواية، وجدتني، بدل أن أدخل فيها تاركاً أوجاعي خارجاً كما أملتُ، أستأنف مأساتنا فيها، وأتعرف على عناصرها بدلالة عناصر واقعنا المأساوي.
عجوز ينتظر الجميع موتها كي يحصلوا على حرية التصرف بميراثهم. الجدة مُقعدةٌ ولكنها ليست على أبوب موت. يستعجل الأقارب موتها ولكنهم يفاجئون بها وقد جاءت من روسيا إلى الفندق الألماني حيث هم يؤجلون مشاريعهم بانتظار خبر وفاتها. جاءت بكل نزواتها الحياتية الخَرِفة. تدخل صالة القمار وتقامر بجنون كما لو أنها تنتقم من رغبة أقاربها المعلنة بموتها.
بدت لي الجدة المُقعدة في الرواية صورة فنية عن سوريا القديمة. هكذا وبكل فظاظة. سوريا القديمة مُقعدة أيضاً وتهرب من الموت بالمزيد من الموت، كما تهرب الجدة من موتها بالمزيد من العربدة ومن خساراتها بالمزيد من الخسائر. وكما حضرت الجدة، يحضر قديم سوريا ويستحضر معه كل بالٍ وقديم في العالم في غاية واحدة هي خنق سوريا الجديدة وإطفاء الأمل بها. وكما قامرت الجدة يقامر قديم سوريا، مستعيناً بقوى تشبهه وتبادله المنافع، بميراث السوريين المعنوي من ثقة متبادلة وروابط مشتركة وتواصل إنساني، كما يقامرون بميراثهم المادي وممتلكاتهم الملموسة.
كل ما يبدر عن شخوص الرواية راح يتسرب إلى وعيي عبر مسارات وأطر وتعريفات حددتها اللوحة السورية المدماة القاتمة. نزق الجدة وتسلطها وخفتها، مكر الفرنسي دي جريو وأنانيته، الصلف الفارغ للجنرال الذي سرعان ما يتحول إلى وضاعة مبتذلة، استقامة المعلم الشاب أليكسي ايفانوفيتش وشرفه وابتلاؤه بشغفه بالقمار .. الخ.
وبدا لي الأشخاص البولونيون الذين راحوا يتزاحمون لنصح الجدة العجوز وتقديم المشورة لها في حمأة انغماسها في الرهانات على الروليت وهم يملئون جيوبهم من مالها نهباً وغشاً، بدوا لي شبيهين بالدول والجهات والشخصيات التي باتت تتغذى على هذا الصراع السوري العبثي وتستجر المكاسب منه ولا غاية لها بعد سوى استمراره.
وهكذا بدلاً من أدخل في كبسولة الرواية وأعيش جوها وأستقل فيها عما نحن فيه، أخذتُ الرواية إلى كبسولتي وفرضت عليها جوّي وظلمتُها، دون إرادة مني أو رغبة، وأصبغت على شخوصها ألواني ورأيتهم على أضواء سورية المحترقة.


10/12/2013





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,364,699,829
- الموت تحت التعذيب
- بيت في المخيم
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة
- النساء في الثورة السورية
- من الذي قلع عين الرئيس؟
- حزب السيارة الزرقاء
- عميد مغلق وباب مفتوح
- الطبيب المسكين وفخامة الجريح
- يا حيوان ليش ما قلت انك -منهم-؟
- تموت وتاكل غيرها
- موت الرواية
- أرض الألغام
- عزلة المنكوبين
- الاغتصاب
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث
- صادق جلال العظم، تراجيديا مفكر
- حسين العودات، النهضة العربية المفترضة والهمّ المزدوج
- الصراع القطبي


المزيد.....




- رغم قرار الإيقاف.. -القاهرة والناس- تذيع حلقة جديدة من -شيخ ...
- جلال الدين الرومي.. ملهم العاشقين وحكيم الصمت
- رئيس أوكرانيا يستعيد دور الممثل الكوميدي للحظات
- نزار بركة من بيت الصحافة: -المغاربة ماعرفينش فين ماشين مع هذ ...
- ولد سلمي : المجتمع الدولي في المراحل النهائية لاذابة البوليس ...
- بسمة وهبة تؤدي العمرة بعد ساعات من طلاقها -شيخ الحارة-
- منظمة تاماينوت تستنكر استمرار العبث التشريعي في حق الامازيغي ...
- شاهد.. نشر مقطع فيديو من جزء ثان لفيلم -الجاذبية- الروسي
- -لعنة- زواج ياسمين الخطيب تقصم ظهر-شيخ الحارة-
- فيلم فلسطيني يحقق فوزا كبيرا في مهرجان كان


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - -المقامر- على أضواء سورية