أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - بيت في المخيم














المزيد.....

بيت في المخيم


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6204 - 2019 / 4 / 18 - 14:09
المحور: الادب والفن
    


إلى الصديق علي الشهابي
كثيراً ما ترددت على مخيم اليرموك الذي كان أحد أكثر الأماكن التي تطمئن إليها نفسي في دمشق قادماً من اللاذقية. في مدخله بعد أن نلتف حول الكرة الأرضة التي تفور بالمياه ونتجه إلى اليمين، كان يبدو لي شارعا فلسطين واليرموك وهما ينطلقان من نقطة واحدة ثم يتباعدان، أشبه بإصبعي اليد الواحدة وهما ترسمان شارة النصر التي كثيراً ما رفعها الفلسطينيون وكثيراً ما جافاهم النصر ولا يزال.
دائماً كان بيت الصديق علي الشهابي هو مقصدي الأول. كانت تبدو لي كل معالم شارع فلسطين المفضي إلى بيته أليفة ومحببة من مدخل الشارع إلى معهد الخيام مروراً بأشجار الكينا الضخمة أمام مبنى البلدية وبعربات بيع الخضار والألبسة وألعاب الأطفال ووجوه أهل المخيم المتعبة. حتى الزحمة كانت محببة وأليفة في الطريق إلى ذلك البيت العريق الذي يختصر المخيم في رحابة الصدر واحتضان من ضاقت بهم البلاد جراء الملاحقات الأمنية ومحاربة من شقوا عصا الطاعة من أصحاب الرأي والموقف المستقل. حتى الأم كانت أماً لكل أصدقاء علي، كانت تحفظ في قلبها معاناة كل منهم، ذلك أنهم جميعاً أصحاب معاناة. من الشاعر فرج بيرقدار الذي خانته اللغة كما خانه الصمت في التعبير عن معاناته جراء نشاطه السياسي المعارض في حزب العمل الشيوعي وما لحق بزوجته وابنته جراء ذلك، إلى الناشط الشيوعي نعمان عبدو السوري الذي زج بنفسه في الصراع الفلسطيني المسلح ودفع ضريبة ذلك عاهة دائمة في طرفه السفلي، إلى الزوجة التي كانت تأتي من محافظة بعيدة كي تزور زوجها المعتقل فلا تجد سوى هذا البيت مكاناً يتسع لها ولطفليها ولأغراضها وهمومها، إلى الناشط الكردي ابراهيم عيسى الذي لا يجد سوى هذا البيت مكاناً يقصده كي يؤمن ثمن تذكرة السفر من دمشق إلى الحسكة، إلى القيادي في حزب العمل الشيوعي الدكتور عبد العزيز الخير (المعتقل اليوم) الذي كان يمكنه هنا أن يجد أماً وأخوة عيونهم "إن تقلّ الأرض أوطان"، ويلتقط أنفاسه في حمأة التضييق الأمني الحثيث لاعتقاله، إلى سواهم وسواهم الكثير. لم تكن تجد في هذا البيت من يتأفف أو يدير ظهره لهموم الآخرين. بيت لاجئين فلسطينيين يفتح صدره رحباً للاجئين السوريين من عسف الأجهزة الأمنية وبطش الاستبداد.
حين حوصر المخيم وبات على شفا حرب، توقف قلب أم علي. ولم يتمكن الكثيرون ممن يحملون الكثير من العرفان بالجميل لها أن يشاركوا في تشييعها. ولعل قلبها توقف كي لا يشهد خراب بيتها العريق، والأهم من ذلك كي لا يشهد الاعتقال الخامس لعلي، الاعتقال الذي طالما حذرته أمه منه قائلة إنها لم تعد تقوى على السعي وراءه من فرع إلى آخر ومن سجن إلى آخر، وإنه سيكون سبباً في موتها ألماً، راجيةً إياه أن يريحها في أيامها الأخيرة ويقعد (مثل كل خلق الله)، كما كانت تكرر، عن العمل في السياسة. والحق أنني كنت أشعر وأنا أسمعها تقول ذلك أن في صوتها شيء من الخجل، لأنها تعرف أكثر من غيرها، وهي الكريمة النفس، أنه ليست من الشيم الكريمة أن تقعد عن مناصرة الحق. لذلك كانت تبحث عن مستراح لضميرها فتضيف: ألا يكفيك ما قدمتَه؟ وألا يكفيني ما تعذبتُ؟ غير أن مثل هذا الرجاء لا يثمر شيئاً مع شخص مثل علي، مجبول على الاهتمام بالشأن العام وعلى الخوض في غمار السياسة الشاق.
حين صار المخيم بين فكي كماشة وبات أهله قاب قوسين أو أدنى من مأساة جديدة، خرج علي بكل ما أوتي من شهامة ونقاء قلب كي يحاول حقن الدماء بمخرج سلمي، لكنه لم يعد. كان أنقى من أن يعتقد أن السلاح مصنوع لكي يقتل، وأن رغبة فكي الكماشة في السحق أقوى من إرادته الطيبة وأمثاله. وأن آخر ما يخطر في بال من يضعون يدهم على السلاح هو حقن الدماء، لأن حقن الدماء يحيل هؤلاء إلى فائض قليل القيمة. راح علي ضحية شهامته ونقاء قلبه، دون أن يدرك، رغم سنواته الطويلة في العمل السياسي، أنه لا محل في السياسة للشهامة أو للنقاء.
بعد ذلك تعرض البيت (بيت ام علي) كما غيره من بيوت المخيم إلى آثار النيران وهجره أهله ليبقى مجرد ذكرى حية.
نقصت سماء المخيم نجمة حين توفيت أم علي، واعتقل علي، وصار البيت العريق مهجوراً. وتشتت من احتضنهم هذا البيت: منهم من ابتلعته الأقبية مع علي، ومنهم من ابتلعته الأرض، ومنهم من ابتلعته الغربة في أصقاع الأرض. غير أن سماء المخيم لا تخسر نجمة حتى تلد أخرى وأخريات، نجوم لا تضن بنورها على طالبي النور.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,421,313
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة
- النساء في الثورة السورية
- من الذي قلع عين الرئيس؟
- حزب السيارة الزرقاء
- عميد مغلق وباب مفتوح
- الطبيب المسكين وفخامة الجريح
- يا حيوان ليش ما قلت انك -منهم-؟
- تموت وتاكل غيرها
- موت الرواية
- أرض الألغام
- عزلة المنكوبين
- الاغتصاب
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث
- صادق جلال العظم، تراجيديا مفكر
- حسين العودات، النهضة العربية المفترضة والهمّ المزدوج
- الصراع القطبي
- النظام السوري: افتراق السياسة عن القيم
- في علمانية اللاعلمانية


المزيد.....




- #كلن_يعني_كلن: لبنان ينتفض على وقع الموسيقى والرقص
- ضحايا وثوار ومضطربون.. لماذا نحب أشرار السينما؟
- -القراءة الحرام-.. غضب الكتّاب بسبب تجارة الكتب المزورة
- السينما المصرية والعدو الأول
- وفاة الفنان السعودي طلال الحربي بعد تعرضه لحادث أليم
- برلماني يجمد عضويته في حزب الميزان.. لهذا السبب
- اختفاء ممثل فائز بجائزة سينمائية فرنسية
- حياة صاخبة ومركز للقضاء.. غزة قبل الاحتلال في سجل وثائق نادر ...
- قيادات من الشبيبة الاستقلالية غاضبة بسبب -الاقصاء-
- بنشعبون يقدم مشروع قانون المالية أمام غرفتي البرلمان


المزيد.....

- عالم محمد علي طه / رياض كامل
- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - راتب شعبو - بيت في المخيم