أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - خجي وسيامند: الفصل الخامس 3















المزيد.....

خجي وسيامند: الفصل الخامس 3


دلور ميقري
الحوار المتمدن-العدد: 5964 - 2018 / 8 / 15 - 23:56
المحور: الادب والفن
    


تكرر مشيها مع " سيامند " في خلال أسبوع مهمّتها، الأخير.
كانا يطوفان عبرَ دروب المدينة القديمة، بلا هدى تقريباً. ففيما شمس الربيع المتأخر، الحارقة، تبخّر رأسيهما من كل فكرة مُجدية أو حتى محتملة ( بخصوص الطفلة " خَجي " بالطبع! )، فإنهما كانا يستسلمان أكثر فأكثر للضياع اللذيذ في فلوات تلك الأمكنة. ساحة جامع الفنا، وهيَ مركز المدينة وروحها العفوية الفطرية، كان من الطبيعي أيضاً أن تكون منطلقهما إلى الدروب المفتوحة عليها. خطا الرفيق الشاب، كانت تتباطأ خلف " تينا " وقد وَنَت متعثرة بالحفر والأخاديد، أو تتسعُ أمامها في سيرٍ واثق، غير هيّاب، خِلَل الأزقة المتطرفة والخطرة.
" إنها أماكن حافلة بالمنحرفين والمشبوهين، لا يجوز أن تطأها قدما أجنبيّ إن كان سائحاً أو مقيماً "، كذلك علّقت الابنة الصغرى للأسرة المُحسنة وليسَ بدون نظراتٍ قاسية مسددة إلى الشاب. ملاحظتها هذه، كأنما كانت من علامات المد والجزر في علاقتها معه. ولعلها تجدُ السيّدةَ السويدية ملومة إلى حدّ ما، على الرغم من أنها لم تُبدِ ذلك علانية. إلى أن صادفَ يومئذٍ قدومُ ضيفين إلى الفيللا، مما شافَهَ المسألة على وجهها الصحيح: فتى وفتاة، شقيقان، من أهالي المدينة. وكانا قد عملا فترةً من الزمن لدى السيّدة السورية، المُلتَبَسة السيرة؛ " سوسن خانم ". ولدهشة " تينا "، علمت أنهما بأنفسهما من أصل كرديّ ـ دمشقي، لا يقل التباساً.
الفتاة، واسمها " زين "، لفتت فوراً نظرَ السيّدة بجمالها الفتّان؛ بعينيها السوداوين الآسرتين، على وجه خاص. شقيقها، " آلان "، وكان يصغرها بنحو العام، تطبّع بذات الملامح الحَسَنة مع كونه أقرب للجمال الأوروبيّ الشماليّ، سواءً بشعره الفاتح أو عينيه المنبسطتين خضرةً مثل مرجٍ من العشب المقصوص جيداً في حديقة سويدية.
" بصرف النظر عن أصلهما، يُمكن القول أنهما كلاهما من ناحية الشكل ليسَ حالة نادرة، أو فريدة، في المغرب. ففي الشمال بشكل خاص، تنتشر هكذا ملامح بين السكان من ذوي الجذور الأندلسية "، فاهت ابنة الدار الملولة بهذه الملاحظة عقبَ تعارف السيّدة الأجنبية بالشقيقين. " غزلان "، وكانت في الأثناء تداعب الطفلة، علّقت وهيَ تومئ إليها: " والدتها، كانت أشبه بالفرنسيات مع أنّ أباها عروبي وأمها من الشلوح "
" أنتِ بنفسك، يا عروستنا، فرنسية الشكل وعلى الرغم من أنّ أياً من والديك، أو حتى من أقاربك، لم يلتقِ فرنسياً قط! "، بادرت الأولى للرد مطلقةً ضحكة مغتصبة. شاركها أهلُ الدار شعورَ المرح، الذي بدد حالاً الجوَ الملبد بسحابة الوجوم، المتأثر بذكر والدة الطفلة، المشنوعة السيرة. سحنة سيّدة الدار، في المقابل، كانت ما تنفكّ متجهمة فيما الخمارُ، القاتم اللون، ألقى عليها ظلاً ضافياً من الحزن. كانت تسترق النظرَ إلى ابنتها، وقد أقلقها على الأرجح ما في كلامها وحركاتها من تكلّف وتوتر.
" خدّوج "، مثلما تناهى قبلاً لعلم السيّدة السويدية، عانت على خلفية علاقة عاطفية، خائبة، من حالة اكتئاب شديدة ومطولة، كادت أن تودي بمداركها العقلية. الطرفُ الآخر من تلك العلاقة العاطفية، كان رجلَ أعمالٍ عراقيّاً يحمل الجنسية الفرنسية، تخلى عن الفتاة السمراء كي يقترن بابنة خالتها الغنية. سَميّة " خدوج "، الصغيرة، كانت شاغلها الوحيد تقريباً في فترة ذلك الخواء المخيف. ثم ما لبث قلبها الرقيق، الذي بدا أنه أوصد أبداً، أن فُتح على مصراعيه مع قدوم عم حبيبتها الصغيرة من دمشق. ولكن حالتها النفسية، المَوصوفة، كانت قد سبقَ وتحسنت كثيراً على أثر حادثة حصلت في نهاية العام المنصرم وهزت مجتمع المدينة الراقي: ابنة الخالة، واسمها " نجيمة "، ضبطت رجلها وكان في " كافيه دو فرانس " مع فتاة حسناء. لتنتهي المشادة إلى سقوط الزوجة من فوق تراس المقهى ومن ثم إلى المستشفى مع كسور خطيرة في العمود الفقريّ، فيما سيارة شرطة ساقت الرجل إلى نقطة التوقيف. المحامي، وهوَ مقيمٌ فرنسيّ، استطاع تبرئة موكله من تهمة محاولة القتل العمد والحصول له لاحقاً على حُكم سنتين سجن.
" عبثاً كان زعمكِ لها، أنك تعيشين مع صديق سويديّ "
نطقها " سيامند " بشيء من الضيق، حالما صارا على رصيف الشارع ذي الاسم الملكيّ. لاحَ أنه انتظرَ بملالة إطلاقَ سراحه من أسر الفيللا كي يُطِلق كلمته، المأسورة بدَورها. انسابَ جوابها مع عطر الليمون الفوّاح، المتهافت في غمرة الضجيج المُصم لعربات الشارع: " ومن العبث أيضاً تذكيركَ، بأنه من الظلم الاستهتار بمشاعر فتاة حساسة "
" لم يمضِ سوى شهر واحد على تعارفي بها، ولم أعدها بشيء على أيّ حال. وضعي في حسابك، فوق ذلك، أنني لستُ طبيباً مختصاً أو عطاراً شعبياً! "
" هه! طريفٌ تعبيرك هذا، عن العطار "
" يُسعدني أن تجدي فيه ما يُضحك "، قال لها وهوَ ينحني نحوها قليلاً بقامته الفارعة وكأنما ليتأكد من ملامح سحنتها. ومع أنّ الوقتَ كان متأخراً، فإنها فاجأته برغبتها في الذهاب معه إلى شقته. بقيا صامتين لحين مرورهما بمتسول عجوز، كان يرعى الظلال تحت عمود نور عند ساحة عبد المؤمن. منحه الشابُ الكريم ورقةً مالية، طفقَ المسكينُ يتمعن فيها دَهِشاً بعينين زائغتين. ما أن اجتازا الساحة، إلا وضيفة الليلة تُفاجئه ثانيةً بالقول: " والأخرى تلك، هل عرفتها أنتَ بنفس الفترة؟ "
" زين؟ بلى، تقريباً؛ لأنها وشقيقها يكثران من التواجد في الفيللا "
" عجباً، فإنني لم أقابلهما من قبل مع زياراتي المتكررة للأسرة؟ "
" هل رأيتِ مرةً صورة لأختي الراحلة؟ "، سألها على حين بغتة، حتى لقد توقفت وكما لو في سبيل التقاط السؤال مجدداً من الهواء. ولكنه أضافَ للفور: " زين تشبهها لدرجة مثيرة للغرابة، ولا أستبعد قرابة الدم بينهما كونهما من جذور واحدة. فإنّ الجدّ الأول لزين، على ما علمتُ من شقيقها، كان أصلاً من إمارة بوطان الكردية ثم جاء الشام صغيراً مع عائلته "
" أحياناً، نعثر على مصادفات في الواقع لا نراها على صفحات رواية من روايات الخيال "
" ولعل أكبر دليل على ذلك، ترديدك اليومَ صباحاً لأسماء رواد رواق الفنون باستثناء اسم آلان، الذي ستتعرفين عليه مساءً مع شقيقته في الفيللا "
" يظهر أن علاقتها بالأدب شبه معدومة، فتاتكَ هذه. بيْدَ أنها في وسعها، على ما سمعتُ أيضاً، دفع أحدهم إلى إلقاء زوجته من فوق تراس الكافيه دو فرانس! "، قالتها بتدفق ثم ما لبثت أن ضحكت ساخرةً بصوتٍ عال. جمد " سيامند " في مكانه، وراحَ ينظر إلى سيجاره الخامد متردداً في إلقائه أو الاحتفاظ به. في آخر الدرب الضيق كانت تقع عمارة الإقامة الفندقية، أين يقيم هوَ. ومن الأفق الداجي، الظاهر بين صفيّ أبنية الدرب، بزغ قمرٌ صغير ذو فم متضاحك، متهكّم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,057,462,379
- خجي وسيامند: الفصل الخامس 2
- خجي وسيامند: الفصل الخامس 1
- خجي وسيامند: بقية الفصل الرابع
- خجي وسيامند: الفصل الرابع 3
- خجي وسيامند: الفصل الرابع 2
- خجي وسيامند: الفصل الرابع 1
- خجي وسيامند: الفصل الثالث 5
- خجي وسيامند: الفصل الثالث 4
- خجي وسيامند: الفصل الثالث 3
- خجي وسيامند: الفصل الثالث 2
- خجي وسيامند: الفصل الثالث 1
- خجي وسيامند: الفصل الثاني 5
- خجي وسيامند: الفصل الثاني 4
- خجي وسيامند: الفصل الثاني 3
- خجي وسيامند: الفصل الثاني 2
- خجي وسيامند: الفصل الثاني 1
- خجي وسيامند: بقية الفصل الأول
- خجي وسيامند: الفصل الأول 3
- خجي وسيامند: الفصل الأول 2
- خجي وسيامند: الفصل الأول 1


المزيد.....




- صدور سلسلة “سيرة ديوان أحمد الكندي: قصص وحقائق تُنشر لأول مر ...
- يتيم: الحكومة تعمل على بلورة إستراتيجية وطنية للوقاية من حوا ...
- بيدرو سانشيز ينوه بالدور الريادي لجلالة الملك محمد السادس
- مجلس النواب يعد لمساءلة العثماني والاستماع لتقرير جطو
- بمشاركات إقليمية.. مهرجان كتارا الثامن للمحامل التقليدية ينط ...
- بالفيديو... أوباما يفاجئ زوجته على المسرح
- حموشي: الحق في التظلم مضمون وواجب التحفظ والانضباط ضروريان
- جلالة الملك يستقبل بيدرو سانشيز
- تماثيل تطور الجنين للفنان داميين هيرست في قطر
- وزير الثقافة الجزائري يشيد بفوز كاتبين جزائريين بجائزة الهيئ ...


المزيد.....

- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - خجي وسيامند: الفصل الخامس 3