أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - متاهات














المزيد.....

متاهات


عبد الله عنتار

الحوار المتمدن-العدد: 4356 - 2014 / 2 / 5 - 07:12
المحور: الادب والفن
    




يجلس حسن متكورا قرب المنزل المكتري، ينتظر صديقه الأستاذ ؛ الباب مسدل، وضع حقيبته وجريدته، وانزوى قرب الباب، لاشيء يحيل على أنه أستاذ، لقد غادر قريته هذا المساء، ووضع حقيبته على ظهره، وهم بالمغادرة ؛ كانت القرية غارقة في الأوحال، ولم يسلم سرواله وحذاؤه من لطخاتها، إنه ليس أستاذا، ويحصل له الشرف ألا يكون كذلك . عاد إلى القرية، فاستبشر وجهه، وتخلص قليلا من تلكؤ الوزارة والتعليم، والعالم بأسره . فكل من التقاه يقول له : " أستاذ " ؛ إنه أستاذ بالاسم، حتى كره هذه اللفظة من أول حرفها إلى آخره .
سرواله ذاك، اشتراه منذ سنتين، أما حذاؤه الواشك على الانكسار، فاقتناه منذ أربع سنوات، لم ينل شيئا من التعليم غير أزيز التلاميذ، وشطحات المذكرات، وأوامر المدير، ونعيق الجرس...
وها هو الآن وصل إلى تلك المدينة الكئيبة، التي تتقاذفها همسات الكلاب، وأزيز الرياح، وتأوهات الباعة، مدينة يعمها الفقر، ويكتنفها البؤس، وتسكنها الفاقة، يختلط في متاهاتها، ويتوقف من حين لآخر لكي يقضم من الخبز الذي حمله معه من قريته، ولكن يجد صعوبة في قضمه، حتى وإن نخره الجوع، وهده التعب من جراء السفر والتنقل بين الحافلات والطاكسيات .
لقد لوت أمه الخبز بين مجموعة من المناديل، المنزل المكترى بعيد، والطريق طويلة، يفكر أن يستقل سيارة أجرة، حك جيبه، فتذكر أن النقود التي سلمتها له أمه لا تساوي إلا ثمن الكراء، ولن يبق له إلا بضعة قروش ستسد خصاصته مدة أسبوع شريطة أن يتقشف، لقد حثته أمه على الاقتراض، لكنه نظر في عينيها الكابيتين، وقبلها، وقال لها : " أمي إنني بخير، اعتني بوالدي المريض، أما أنا فلست بحاجة للمال "، فودعها، ووضع الحقيبة على ظهره، وغادر نحو المدينة التي يدرس بها التلاميذ، هكذا كانت علاقته بأمه عندما كان تلميذا، كانت تستقبله عند الباب، وتحثه بالكلام، وتمده بالنصائح، وتسلمه أجرا، لكنه كان يمتنع ولا يأخذ إلا القليل، فوالدته لا ترعى سوى ثلاث بقرات عجاف، ولا تبيع عجلا من عجولها إلا في غضون ثلاث سنوات، أو أربع .
كان يقول لوالدته : أنه بخير، أما هو فليس كذلك، لم يكن يفطر، ولم يكن يتغدى إلا بالخبز والشاي، أما في العشاء، فيتناول الحساء عند الجيلالي اللحية الذي يربض بكروسته قرب المسجد المجاور للثانوية . لم يكن يذهب إلى الحمام إلا في غضون أسبوعين، وغالبا لا يحترم هذا الوقت، فهو لا يفكر إلا في بطنه، فما بالك بأوساخه ؟ لقد ندم كثيرا على دراسته، وكان يتمنى في دخيلته أن يبقى جوار أمه يرعى الأبقار خيرا من التعليم في مجتمع يكره العلم، لن ينس في حياته حينما حث أحد التلاميذ بإعداد دروسه، فرد عليه هذا الأخير : " أنا ما بغيش نقرا، وزيدون نتوما مكتقريو والو، كتعرفو غير تريو في الفلوس "، فما كان من الأستاذ حسن إلا أن " خلا دار بوه "، فهو لا يعرف أن هذا الأستاذ قذف بين ألسنة النيران، وأنه ما كان يقوم بعمله هذا لو لم يفكر في مصير الشعب وهموم المنسيين، أليس هو أكبر منسي ؟ إن الأستاذ هو أكبر منسي حينما يزج به بين الأدغال والفيافي والعزلة، أما هؤلاء الذين يضعون المذكرات، فيتناولون فنجان القهوة بين مكاتبهم المكيفة . تلك هي مفارقة المفارقات .
ينتظر، وينتظر، لكن صديقه لم يأت ؛ يأخذ هاتفه، ويمازحه كما تمازح الرياح خصلات شعره، يحس بنوة تخترق أوصاله، ينكمش كالسلحفاة، ينظر نحو المصباح الكهربائي، يداهمه الجوع ثانية، يتذكر أمه، يحن إليها، ويشفق عليها وهي تريد أن تسلمه جميع ما يملك، يتذكر نظرتها الأخيرة كما يستشعر لحظة الوداع، يفتح حقيبته، يقضم الخبز، يمضغه، يقضم...يقترب من كوة نور، يتلاشى الليل البهيم، يأخذ ورقة ويكتب ....
وبينما هو يفعل ذلك، يطل عليه جاره حمودة " الميكانيك " قائلا : " صديقك لن يأت إلا في الصباح "، اقترب من الباب، وافترش الأرض، وفي الغد قرأ التلاميذ على ورقة تعبث بها الرياح :
" إلى كل الأساتذة ....اعتصام مفتوح من أجل استرجاع الحق المهضوم ...يا تلميذ...يا أستاذ...أنت لست بالمغبون، والثورة الثقافية هي التي ترجع لك حقك المهدور "





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,472,268,701
- قبلة من الوادي
- منزلنا الريفي ( 32 )
- منزلنا الريفي (31)
- نحو رؤية هادئة للتملق
- منزلنا الريفي ( 30 )
- عائد إلى القرية
- حمى الاستسلام
- دروب التيه
- نشيج الكلمات
- منزلنا الريفي (29)
- منزلنا الريفي (28)
- منزلنا الريفي (27)
- منزلنا الريفي (26)
- منزلنا الريفي ( 25 )
- منزلنا الريفي (24)
- منزلنا الريفي (23)
- منزلنا الريفي (22)
- منزلنا الريفي ( 21 )
- منزلنا الريفي ( 20 )
- قناني الحياة


المزيد.....




- بعد 20 عاما من أول أفلامه.. ماتريكس يعود بجزء رابع
- -عندما يغني لوبستر المستنقعات الأحمر- تتصدر نيويورك تايمز
- من هو الشاعر والكاتب الإماراتي حبيب الصايغ؟
- كيف يواجه الآباء استخدام الأطفال المفرط للشاشات؟
- مستشرق روسي يحوز جائزة أدبية صينية
- سيرة شعرية مليونية.. ماذا بقي من تغريبة بني هلال؟
- -دخل للمعسكر وسحبه بعيدا-.. دب يقتل فنان فرنسي
- موسيقى في العالم الافتراضي
- شاب لبناني يضيف ابتكارا جديدا لعالم التصوير السينمائي
- تأسيس أكاديميتين للفنون في السعودية


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الله عنتار - متاهات