أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محسن حبيب فجر - المجتمع من العقيدة الى الهوية















المزيد.....

المجتمع من العقيدة الى الهوية


محسن حبيب فجر
(Mohsen H. Fagr)


الحوار المتمدن-العدد: 4344 - 2014 / 1 / 24 - 01:58
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تبدأ الأيديولوجيات عموما، الدينية وغيرها، كأفكار براقة تخطف انظار والباب النخبة الرافضة لركود واقعها ونومه على اخطاء من غير الصحيح السكوت عنها، لتتحول في قناعاتهم ،كخطوة لاحقة، الى عقيدة تتحكم بمسير حياتهم وتعيد ترتيب اوراقهم واولوياتهم، آخذة بايديهم الى حد استعدادهم للتضحية بحياتهم من اجلها، هادفة، كغاية قصوى، من وراء ذلك، حسب منظِّريها الأوائل، الى إقامة نظام اجتماعي مهذب من الأخطاء ويكفل السعادة لافراده.
وعلى غرار تبلور جزيئات السائل، كالماء مثلا، عند تحولها الى الحالة الصلبة حيث يبدأ من المركز ثم ينتشر ويتكاثر باتجاه الخارج مستوعبا جزيئات جديدة، تأخذ العقيدة باستيعاب اتباع لها في توسع عددي مطّرّد منطلقة من شخصها الأول كمركز ونواة لتجمع بشري يتسارع نموه العددي كلما نجح المحور في إيصال العقيدة الى الآخرين واقناعهم باحقيتها وجدواها. وهكذا يبدأ المجتمع المتسمّي بتلك العقيدة بالظهور والتمايز عن مجتمعه الأكبر الذي لايزال ينتمي له ولكن بدرجة ادنى من انتمائه الجديد.
لعل مجتمعات الديانات في بداية ظهورها من اجلى الأمثلة على هذا الكلام، فالمجتمعات الثلاث، اليهودي والمسيحي والإسلامي، بدأت بشخص واحد هو النبي والذي باشر بطرح أفكاره، دينه، على مجتمعه، ذلك المجتمع الذي لم يكن النبي لقبيل تبلور وجاهزية الفكر الجديد يمتلك انتماءا اجتماعيا اقوى من انتمائه اليه وإن كان، أي النبي، رافضا لجوانب مهمة في عقيدة مجتمعه. ومع اقتناع عدد اكبر من الافراد بدين النبي تبدأ ظاهرة التبلور الاجتماعي وتشكل مجتمع يتخذ من اسم الدين اسما له. فباكورة اليهود والمسيح والمسلمين كانت اعدادا بسيطة تبلورت حول انبياء الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية بنجاح كل نبي من هؤلاء الأنبياء في استقطاب عدد اكثر فاكثر من افراد مجتمعه الام مضعفا فيهم، كما ضعف فيه، انتماءهم الاجتماعي القديم ومقويا فيهم، كما قوي فيه، انتماءهم للدين الجديد (العقيدة الجديدة) من خلال تمكنه من اقناعهم بجدوى واحقية دينه.
وهكذا فإن باكورة المجتمعات التي تبنى على أساس أيديولوجي هي مجتمعات عقائدية يباشر كل فرد فيها ما باشره المحور من الدعوة والتبشير لعقيدته، مستقطبا لها، ولمجتمعه بالتبع، عددا اكثر من الاتباع. ولان كل أيديولوجيا، عموما، تطرح نفسها كمخلص للناس جميعا فان اتباعها العقائديين لن يتوقفوا عن التبشير بها والدعوة الى اعتناقها، متخذين من الأخطاء الكبيرة التي ينطوي عليها نظام مجتمعهم الام وما تقدمه عقيدتهم من معالجات لها وسيلة مثلى في كسب معتنقين جدد.
لكن زيادة عدد المعتنقين الى حد ما، مع توفر ظروف مناسبة، سيمثل نقطة انعطاف مهمة في مسيرة العقيدة واتباعها تؤدي بالضرورة الى انتقال الاتباع من باكورة مجتمع العقائديين المؤمنين بعمق بعقيدتهم الى مجتمع ممكن الإشارة اليه على انه مجتمع آخر يتميز عن المجتمع الام من جهة كما يتميز عن باكورته من جهة أخرى. ويأتي تميزه عن باكورته مما تستتبعه الزيادة العددية كنتيجة طبيعية لاختلاف الافراد في مستويات ثقافاتهم وادراكهم حيث يتحدد على أساسها مستوى فهمهم للافكار الجديدة وغايتهم من اتباعها وطبيعة تعاطيهم معها، وهي أمور نتيجتها محسومة ومتمثلة باصطباغ المجتمع بصبغة العموميات والعناوين الكبرى لعقيدته مع الابتعاد عن تفاصيلها، مما يعني انتقال مجتمع العقيدة من حالة الانتماء العقائدي كما كان عليه حال مجتمع البواكبر الى حالة أخرى يمكن تسميتها بالانتماء للهوية التي تحمل من العقيدة اسمها مع احتفاظها بالعناوين العامة او بالخطوط العريضة للعقيدة، والتي تبقى، بالدرجة الاساس، محل اهتمام ومعاهدة نفر قليل من المجتمع والذين ينتمون أصلا الى البواكير العقائدية يعملون على اذكائها قدر المستطاع ويحرصون على خلق أمثالهم العقائديين عبر الأجيال. ويحظى هؤلاء النفر بالاحترام والتقدير الكبيرين من قبل عامة المجتمع الذي ينظر اليهم على انهم قد نذروا انفسهم في سبيلهم لرعاية وحفظ عقيدتهم المؤسسة لهويتهم.
وحتى لو تمكنت العقيدة من استلام مقاليد الأمور وحكمت مجتمعها، منفردا او منضما له مجتمعات أخرى، فانها لن تكون بمأمن من حالة ابتعاد مجتمعها عن تفاصيلها وتحول انتمائهم من العقيدة الى الهوية.
وإن كان انتقال اتباع عقيدة ما من مرحلة البواكير الى مرحلة المجتمع المتميز عن المجتمعات الأخرى عموما، وعن مجتمعه الام خصوصا ينتج ابتعاده عن الاستغراق في تفاصيل عقيدته المؤسِسة له، فان نتيجة أخرى مهمة تنتج عن ذلك الانتقال تتمثل في نشوب الصراع او التنافس بينه وبين المجتمع الام خصوصا، وبينه وبين المجتمعات الأخرى عموما.
ان العقيدة الإسلامية لم تكن بمعزل عن هذه القاعدة الاجتماعية، فقد مثل ازدياد عدد المسلمين وانتقال النبي محمد والمسلمين من مكة الى يثرب نقطة التحول الطبيعي من مرحلة الباكورة الإسلامية الى مرحلة المجتمع الإسلامي المتميز عن باقي المجتمعات القريبة منه وعن مجتمعه الام الذي انفرز عنه وهو مجتمع القبائل العربية. وعندما شهد هذا المجتمع انفجارا سكانيا متأتيا بالدرجة الأولى من دخول اتباع جدد بالجملة (ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجا)، كنتيجة طبيعية لانتصاراته العسكرية وتعاظم شأنه وقوته في محيطه الجغرافي، اصبح من العسير تماما وصفه بالعقائدي لان ذلك يلزم هيمنة عددية للمسلمين العقائديين في مجتمعهم، وهو امر لم يكن ممكنا لما يتطلبه البناء العقائدي من جهد يبذله المعلم والمتعلم كلاهما بالإضافة الى رغبة المتعلم في تلقي المعارف والاستغراق في التفاصيل، وهي أمور وعلى الرغم من سعي النبي والعقائديين من بواكير المسلمين الى الاهتمام بها والعمل على نشرها وحث المجتمع عليها الا ان الواقع وانسياقا مع طبيعة الافراد يؤشر بوضوح الى خضوع الاسلام لقاعدة التحول من عقيدة الى هوية تميز مجتمع اتباعها عن غيرهم بملامح عامة ابرزها العبادات الإسلامية، والتي لم تكن افضل حالا من عموم العقيدة لامكان افراغها من محتواها وتحولها الى مجرد مظهر. يذكر السيد محمد باقر الصدر في كتابه اهل البيت تنوع أدوار ووحدة هدف: " وإنما الشيء الذي أنجز في هذا الخط، خط عمل النبي (ص) على مستوى الأمة ككل، هو إعطاء هذه الامة طاقة حرارية في الايمان بدرجة كبيرة جداً، مثل هذه الطاقة الحرارية التي تملكها الأمة يوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وفي كل لحظة من لحظات انتصارها أو إنكسارها، كانت هي المصدر وهي السبب في كل الانفتاحات العظيمة، روح القائد هي التي تجذب وهي التي تحصد، وهي التي تقود هؤلاء الى المثل العليا والقيم الضخمة الكبيرة التي حددها الرائد الأعظم (ص) بين أيديهم، إذن فهي طاقة حرارية وليست وعياً". ان ما اقصده من الانتماء العقائدي لعامة العقائد هو بالضبط ما يسميه السيد الصدر بالوعي والذي يعرفه كانتماء للعقيدة الإسلامية في محل آخر من نفس كتابه بقوله: "الوعي: عبارة عن الفهم الفعّال الإيجابي المحقق للاسلام في نفس الامة، الذي يتأصل ويستأصل جذور المفاهيم الجاهلية السابقة استئصالاً كاملاً. ويحوّل تمام مرافق الانسان من مرافق الفكر الجاهلي الى مرافق الفكر الاسلامي والذوق الاسلامي.
اما الطاقة الحرارية: فهي عبارة عن توهج عاطفي حار، بشعور قد يبلغ في مظاهره نفس ما يبلغه الوعي في ظواهره بحيث يختلف الأمر، فلا يميز بين الأمة التي تحمل مثل هذه الطاقة الحرارية وبين أمة تتمتع بذلك الوعي الا بعد التبصر.
إلا أن الفرق بين الأمة الواعية والأمة التي تحمل الطاقة الحرارية كبير، فإن الطاقة الحرارية بطبيعتها تتناقص بالتدريج بالإبتعاد عن مركز هذه الطاقة الحرارية."
كما ان تعبير السيد الصدر عن حال المسلمين وطريقة تعاطيهم مع الدين الجديد ونبيهم بأسلوب عاطفي او بطاقة حرارية (مع تحفظي على استخدام السيد لهذا المصطلح لوجوده نصا في علم الثرموداينمك) هو ما اعنيه هنا بتحول الإسلام عندهم الى مجرد هوية وغياب عقيدته عن ممارسة دور المحرك والموجه لاعمالهم.
كما ان التحول في الانتماء من العقيدة الى الهوية لايقتصر على الداخلين الجدد في المجتمع وانما يطال حتى افراد مرحلة الباكورة العقائدية. فهذا ستالين وهو ضمن الدائرة الأصغر للعقيدة الشيوعية بنسختها اللينينية نراه قد ترك مبادئها وراء ظهره متحولة بذلك الى مجرد هوية له بدليل تناسيه للاهداف ووسائل تحقيقها التي تطرحها غقيدته وسعيه لتحقيق رغباته واطماعه بدكتاتورية فردية مغرقة في الوحشية والعدائية. واما المجتمع الإسلامي فان الصراعات الداخلية على خلافة النبي في زعامته بين رجالات مرحلة بواكيره والمزايدات والمساومات التي رافقتها تشير الى انتقال عدد من هؤلاء من مرحلة حمل الإسلام كعقيدة الى حمله كهوية ليس لها سوى العناوين العامة من عقيدة يفترض انها تحتوي على تفاصيل تكفل الانسجام والانسيابية في مجريات الأمور، وخصوصا في رئاسة المجتمع وإدارة شؤونه.





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,409,971
- سنينَ العُمر
- حُبٌّ وخوف
- عندمائيات 2
- نصائح في طريق الفكر
- كوني الحبيبة
- الى أبي علي
- موت
- صرخة في صمت
- بردٌ وإباء
- شكوى
- الى أخي عبد الحسن
- الانقسام المجتمعي
- لتذهب آثارنا الى السائح ولا تنتظر مجيئه اليها
- رسالة من العالم الآخر
- الشعر الرافديني المعاصر ما بين الفصحى والعامية
- الانسجام المجتمعي
- تشكل الوطن
- المواطن ام الوطن ايهما يتقدم على الآخر
- هيبة المواطن


المزيد.....




- كنيسة? ?في? ?سوريا? ?شكّلت? ?مصدر? ?إلهام? ?لكاتدرائية? ?نوت ...
- بعد 50 عاما.. الملك محمد السادس يوعز بإجراء انتخابات للهيئا ...
- الصدر يصف السيسي بـ-المتسلط-.. ويهاجم الوهابيين والسلفيين ال ...
- بالصور... قداس -الجمعة العظيمة- في الفاتيكان يسلط الضوء على ...
- باحثون: كنيسة في سوريا شكلت مصدر إلهام لكاتدرائية نوتردام
- شاهد: محاكاة لصلب المسيح في احتفالات الجمعة العظيمة بالفلبين ...
- در الإفتاء غاضبة لإهانة “راسموس بالودان” للمصحف الشريف
- شاهد: محاكاة لصلب المسيح في احتفالات الجمعة العظيمة بالفلبين ...
- طردوه من المسجد وهشموا سيارته... مصلون يهاجمون مساعد البشير ...
- منفذو الهجمات المسلمون يوصمون بـ -الإرهاب- في الإعلام ثلاث م ...


المزيد.....

- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور
- كتاب الإسلام السياسي وتجربته في السودان / تاج السر عثمان
- تطوير الخطاب الدينى واشكاليه الناسخ والمنسوخ / هشام حتاته


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محسن حبيب فجر - المجتمع من العقيدة الى الهوية