أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (6)












المزيد.....

احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (6)


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 4320 - 2013 / 12 / 29 - 13:37
المحور: الادب والفن
    



احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (6)
عن الالتزام والهوية..
"الكتابة بالعربية، وكتابة الشعر بالعربية، ليست كتابة!". سعدي
جملة قاسية تترجم عمق معاناة شاعر-وهي نص نقضي-. شاعر يعيش لغته كجزء منه، مثل لون بشرته، أو لكنته البصرية. شاعر عاش كلّ حياته مطارَدا باللغة وباحثا عنها في آن. هذه اللغة التي اقترنت بالاستبداد والعبودية بيئة لولادتها. ولذلك يقول: "في لغتنا لا تمتلك كلمة (الحرية) حريتها. لا نعرف الحرية إلا بالعبودية. هكذا جرت العادة. (الحرّ والعبدُ). وفي هذه الحالة لا يعود الحرّ حرّا، لأنّ شرطه وجود العبد. وفي نفوسنا التاريخية يعيش هذان الشخصان معا، يقتتلان، ويصطلحان. ان ملكوت الحرية يعني قطيعة تامة مع الضرورة. وبهذا المعنى، لا أجد كلمة (الحرية) في لغتنا مؤهلة لبلوغ ذلك الملكوت!". [خطوات الكنغر/ 184] لذلك.." صار يوسف يتطلع إلى عالم مختلف، صار يريد الفرار من ربقة السيد، وينتظر يوما يرحل فيه عن المكان وأهله!". [ن. م./ 190]
لقد نجحت الشعرية في تغييب واختزال كثير من شذرات فكر سعدي، وطبع غيرها بطابع العمومية. والواقع أن فكر سعدي هو البحر الأوسع والأعمق الذي لا يشكل الشعر غير مجرى واحد فيه. نعتز جميعا بشاعرية سعدي وعروبة سعدي، ولكنني أعتقد أننا افتقدنا أيضا، الشخصية الفكرية لابن يوسف. هذا الفكر ليس المقصود به الفكر الشيوعي أو الماركسي أو اليساري، وانما الفكر السعدي اليوسفي، الذي نتلمسه في (خطوات الكنغر) وكتبه النثرية الأخرى القليلة في هذا المجال. افتقدنا شخصية سعدي المفكر والمنظر، افتقدنا شخصية سعدي القاص والروائي، لا نفتقد شخصية السياسي لو كان تفرغ لها بدون طغيان الثقافي، [دون إغفال تجارب يزيد ابن معاوية وابن المعتز والرصافي وشفيق الكمالي ] ولكني أعتقد، ثمة هناك جوانب أخرى، غير الشعر، جديرة بالوجود والاهتمام وقمينة بفضول القارئ، لم يفت الوقت لو منحها الأخضر السعدي بعض الوقت، أعني الفكر والرواية.
لقد طغت الشعرية على شخصية الأخضر بن يوسف ووسمت صورته. والشعر العربي يبقى موروثا عربيا، مهما تقنع بالحداثة أو تلبسته العولمة. ففي مخارج الحروف ودلالات الألفاظ إحالة رجعية على البيئة الماضوية. الشعر العربي حين ولادته كان صوتا للثورة والثورة كانت هوية والهوية كانت ثالوث [الكبرياء والحرية والكرامة]. يومها كان العرب كفاحيين ثوريين يعيشون طفولة دائمة، لا يرضون بالذل والعبودية والانحناء. ارتضوا لفح الصحراء ولم يرتضوا الانحناء للقوانين. تلك الحالة التي وصفها المفكر هادي العلوي [1933- 1998م] باللقاحية، وبقي العقل الكوفي يفتخر بها في صورة البداوة والنقاوة والشفاهية.
لكن هؤلاء العرب تعبوا من الوقوف والتوت ظهورهم مع الزمن ولم يعودوا يطيقون نصال الحروف، وضراوة الكلمات، فأعطوا الشعر صورة المعلقات الذهبية، ودفنوها في الكعبة وقدّسوها؛ إسوة باليهود الذي دفنوا لوحي الحجر وعصا موسى في تابوت ووضعوها في قلب الهيكل. ديوان العرب يعني تاريخ العرب، والتاريخ جسد ميت، ماضٍ، يجري استنطاقه عبر الذاكرة، وعبر الكهنة والعرافين (الشعراء والرواة). ويخطئ فيليب حتيته إذ يرى ان الروم لم يتعرضوا لعرب البادية. ففي الواقع ان العرب تعرضوا للروم واعجبوا بنمط حياتهم ولون جلودهم ونعومتها، وبدأوا في الانزياح عن الحبشيات والمصريات نحو الروميات ونسل الأمزونيات. وكما يحدث في أيامنا، من هجرات يعربية نحو الغرب، فقد زاد تطوع الأعراب في جيوش الروم، وأبلوا معهم بلاء حسنا. وسيما منهم أهل الحجاز الأدوميون الذين شعورهم حمراء. فحروب الروم الدائمة أكثر تطورا من حروب القبائل البدائية وسيوف يهود اليمن الملتوية.
الشعر الذي عرفناه في طبقات الشعراء والأغاني هو تاريخ الشعر وشعر التقليد الذي لا يشنف الأسماع. وظيفة الذاكرة عند العرب هي مثل (تاسك) الانترنيت، البحث عما يشنف الأسماع ويغري النفس بدل راهنية الفكر الهابط. ونحن اليوم لا نعتز بالشعر من أجل الشعر، وانما نعتز بالعروبة التي في داخل الشعر، نعتز بالطفولة والبراءة التي في ضمير الماضي البعيد.
الشاعر العربي المعاصر، حتى وهو يتنقل بالقطارات والسيارات والطائرات ويحتضن اللابتوب والنوتبوك، يحن في داخله الطفل إلى وقع خطى الجمل على الرمل الوافر والمتدارك، ولا تعتريه النشوة بغير نقر الايقاع القديم في أعماقه. وسعدي الأخضر، احد رواد الحداثة الشعرية المعاصرين ما يزال يكتب شعر التفعيلة. حتى قصائده النثرية (المدورة) محكومة بالايقاع والتفعيلة. ولكي تدخل في قصيدة سعدي عليك أن تقرأها صائتا، ويفضل أن تكون لك خبرة ودربة في المقامات الموسيقية التي كان تأسيسها من قبل المعلم الثاني أبي نصر الفارابي [872- 950م] ضرورة لضبط الدرس القرائي للقصيدة العربية التي سهر الفراهيدي [718- 786م] وابن المعتز [861- 909م] والأصفهاني [897- 967م] وغيرهم على توضيبها داخل متحف الشمع العربي.
يذكر ان سعدي يوسف يحاول نثر قراءته الشعرية [أي تجريدها من أثر الموسيقى واللحن]، ربما ليحرر كتابته من تهمة الأوزان، وهو ما يحاوله لدى الكتابة، في طريقة (نثر) كلمات الأسطر ومنحها بعدا تشكيليا يقربها في عين القارئ للحداثة. قصيدة سعدي ما زالت غنائية صائتة. وقد وصف النقاد قصيدته بأنها جماع تفاعل الايقاع مع الحالة النفسية. ورغم عتوّ الايقاع الداخلي، فلا يجوز سحقه بالقراءة. وما ينطبق على سعدي ينطبق على شعر مظفر النواب وعبد الرزاق عبد الواحد وكثيرين من شعراء الستينيات. فالقراءة الصامتة تقتل (تخنق) الشعر العربي، قديمه وحديثه. والعبوات النفسية داخل الشعر الحديث أكثر مما في القديم. والشعور والانفعال النفسي لا يمكن تنفيسه بالصمت أو حتى بالرسم، لا يمكن تنفيس الانفعال بغير الصوت والتغني والحداء أو النواح.
المغزى من هذا الاستطراد، هو الكشف عن السطر المفقود داخل شعرية الأخضر بن يوسف وعلاقته السياميّة بالشعر العربي (تحديدا) وموقفه السلبي من الكتابة النثرية أو الكتابة بلغة أخرى. السطر المفقود هو عمق وحميمية صلة سعدي بعروبته عرقا ولغة. بله عمق علاقته واعتزازه بجنوبيته، ليس الجنوبية العراقية فحسب، وانما الجنوبية العربية اليمنية تحديدا.
"بين عدن وحضرموت ، في محاولةٍ لقراءة المكان الشعريّ الأول للعرب : دمّون . قطن . حومل . ".
ولو لم يتعرف سعدي الماركسية الشيوعية في سن مبكرة في بدايات دراسته الثانوية، لكان أكثر قومية من أي شاعر عربي قومي. وهو السطر الذي لم يقرأه نقاده العراقيون [الماركسيون عموما]، ولم يتوصل إليه النقاد العرب، لطغيان صفة الشيوعية عليه. ولا اجازف هنا إذا قلت بتجاور شخصين داخل شخصية الأخضر ابن يوسف، العربي القومي، والأممي الشيوعي. ويمكن لمس هذا في كلّ شعره، وشعر ربع القرن الأخير منه تحديدا. وتصفح كتاباته النثرية لا يفجأ بمنافحته الضارية عن العروبة والعرب واللغة العربية.
فكرة التعارض بين القومي والشيوعي، هي جزء من ثقافة الثنائيات. الأبيض والأسود، اليمين واليسار. ومبدأ الثنائية قديم في أصول الفكر البشري، أكثر قدما من أرسطو نفسه. ولكنه أخذ طابعا فكريا سياسيا في ظل الحرب الباردة. وعندما انتهت الحرب، استمر العرب في تداول اساليبها ومنتجاتها. فالمثقف الأممي ليس بالضرورة ممنوعا من الاعتزاز بوطنه وقومه. والقومية –كما يناقشها سعدي في بعض كتاباته- ليست يمينية وعنصرية بالضرورة. كما أن الشيوعية وبوصلة اليسار لم تعد يسارية تماما، بعد أن عامت في مياه العولمة. وهذا يستدعي ظهور طريق ثالث، نظرية جديدة. وكما حدث في خمسينيات القرن الماضي، للاستفلال وعدم الانحياز لأي من الفريقين، نحتاج لظهور اتجاه ثالث لا يذوب في العولمة ومناهجها، ولا يتجمد في خندق المحلية الضيق؛ وهنا تتقدم صورة سعدي الجديدة.
سعدي يوسف، لم يقرأ ناثرا، لم يقرأ قاصا وروائيا، ولم يقرأ مترجما للرواية. خصوصية سعدي يوسف الفنية تتركز في لغته، التي دأب نحاة العرب بتلخيصها في [جزالة اللفظ ومتانة الصياغة وقوة الاسلوب]. انه هو خليفة محمد مهدي الجواهري في رفعة لغته، والتي يؤطر ويدبج بها بعض مقالاته، ولا أقول قصائده. ولكن ميله للبساطة والتواضع يدفعه أكثر إلى تبسيط لغته الأدبية والشعرية. وهو أحد أبرز المؤسسين في تبسيط الفصحى (شعريا)، كما أن رفيقه مظفر النواب رائد تفصيح العامية في الشعر الشعبي والأغنية العراقية.
ولا يخفي سعدي حبّه وهيامه باللغة العربية التي تتجاوز لديه حدود اللغة للغوص في أعماق ثقافتها وتراث العرب. وثمة.. فان سرّ تعلق سعدي الشعري هو صورة لتعلقه باللغة من وراء الشعر، وبانتمائه للعروبة عبر اللغة.
".. كنتُ أشعرُ أنني أدخلُ في أرضي الأولى:
هنا وُلِدْنا أُمّةً.
وهنا تشكّلَتْ لغتُنا العربيةُ ، أجملَ لغةٍ جرَتْ على لسانٍ.
هنا التنزيلُ والتآويلُ.
ومن هنا ، من هذا الرملِ ، وعبرَ هذا الرمل ، انفتحْنا على العالَمِ ، وافتتحْنا ، ومَصَّرْنا الأمصارَ.
وأتذكّرُ نشيداً لنا في المدرسة الابتدائية بالبصرة :

لثراها فضلٌ على الشُّهُبِ وحصاها خيرٌ من الذهبِ
لستُ أرضى السماءَ لي وطناً بدلاً من جزيرةِ العربِ!"

سعدي الشاعر بعد تجاوزه الستين من العمر، اكتسب خصائص وسمات جديدة، -وهي ما يدعوها المفكر ادوارد سعيد [1935- 2003م] (late style)-، طبعت شعره وشعوره، فكره وشخصيته، بينما روّضت جوانب أخرى من خصائصه السابقة، ورسخت من بعضها الآخر. وهو أمر طبيعي ووارد في منطق النمو والتطور والتغيّر، ولكنه غالبا ما يغيب في مجالات الدراسة الأدبية والاجتماعية.
وقد وضعت العولمة ثقافات العالم في مواجهة محرجة مع ذاتها، بين الذوبان في بحر (الأمركة) قلبا وقالبا، وبين الانعزال داخل الهويات المحلية. وردّ الفعل هنا قد يكون عاديا على العموم، ولكنه ليس كذلك لدى شاعر نشأ على هوية أممية (عولمة بالمفهوم الشرقي الانساني "اليساري")، تلزمه الضرورة بفك ارتباط العولمة بالأممية أولا، وترسيخ جذوره الوطنية والقومية (المحلية/ الشرقية) لمواجهة الآثار السلبية للعولمة وفلسفة مسخ الثقافات.
فاللغة الانجليزية في تقدم مضطرد عبر مشاعة الانترنت وعولمة الاتصالات وانتشار الأميركان- ستايل. وعلينا التسلح بمضادات كافية تقينا التحول الى مسوخ. نحتاج قراءة سعدي من جديد، دون التوقف في حالة القصيدة، وانما استغوارها والعبور الى ضفتها الأخرى- الداخلية، فالشاعر الأعمى.. يرى ما لا نرى، فلنمتدّ الى رؤيته، قبل أن يأخذنا الدوار، أو الطوفان.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,477,402,998
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (5)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (4)
- انحطاط الأمة.. والخوف من الكلمة
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (3)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (2)
- احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (1)
- اتجاهات الرأي.. والرؤية العراقية
- الكراهية.. الأكثر كراهية!..
- في علم الاجتماع القبلي (10)
- في علم الاجتماع القبلي (9)
- في علم الاجتماع القبلي (8)
- في علم الاجتماع القبلي (7)
- في علم الاجتماع القبلي (6)
- في علم الاجتماع القبلي (5)
- في علم الاجتماع القبلي (4)
- في علم الاجتماع القبلي (3)
- في علم الاجتماع القبلي (2)
- في علم الاجتماع القبلي (1)
- مصر ونظرية الأمن القومي الستراتيجي
- أوراق شخصية (5)


المزيد.....




- رغم الاشتباكات والجدل المثار.. -الأسطورة- يحلق في السماء في ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد مقتل خمسة أشخاص في حادث ...
- استقالة وزيرة الثقافة الجزائرية بعد مقتل خمسة أشخاص في حادث ...
- رانيا يوسف تثير الجدل مجددا بفيديو رقص -مثير-!
- من -الحماية الروحية- إلى -الكجور- النوبي... تعرف على ثقافة ق ...
- صدر حديثًا «الموت بطعم النفط»، للباحثة والكاتبة الصحفية رشا ...
- شاهد: أوكرانيا تستبدل الاستعراض العسكري في عيد الاستقلال بمو ...
- الحفل الدرامي لـ -سولكينغ- يطيح بوزيرة الثقافة وقائد الأمن
- الإعلان عن تقديم جزء ثاني من أول فيلم عرضته سينمات السعودية ...
- ميادة الحناوي تلغي حفلا في لبنان وتكشف عن السبب


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وديع العبيدي - احتفالية سعدي يوسف في عيده الثمانين (6)