أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - وديع العبيدي - الهجرة.. (و) العلاقة بالأرض..















المزيد.....

الهجرة.. (و) العلاقة بالأرض..


وديع العبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 2976 - 2010 / 4 / 15 - 16:34
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    



(جاء هذا الانسان ليتغرّب.) (تك 19: 9)
(اعلم يقينا أن نسلك سيكون غريبا في أرض ليست لهم، ويُستعبَدون لهم.) (تك15: 13)
(يا غريب بدار غيره.. اش حال الغريب بداره) – عريان سيد خلف
*
أريد هنا أن أستخدم تلك الاشارة غير العارضة في قصة الخليقة لتسويغ فكرة المكان. (جبل الربّ الإله آدمَ من تراب الأرض..) – تك2: 7. فالتراب هو دالة المكان وهو مادة الأرض. فالبيت والشارع والمدرسة والسينما والمرأة والصديق كلها مصنوعة من، وكائنة في المكان الترابي. تقول الميثولوجيا أن الملائكة مخلوقة من نور، وأن الجنّ مخلوقات من نار، فلماذا الانسان مخلوق ترابي؟. في الحقيقة أن الحيوان والنبات كذلك مخلوقات ترابية. والدليل أنها بعد ذبولها أو موتها وانحلالها بمدة تكون قد تفسخت واختلطت بالتراب. فكل مادة ترجع إلى أصلها عاجلا أو آجلا كما يقال.
هنا قد يكون نافعاً التنويه إلى جانب من الباطنية العبرانية. ففي عرفانهم أن الذات العليّة هل أصل كلّ شيء. وأن (كلّ شيء) ينقسم إلى أربعة عوالم، وهي على التوالي (نار- ماء- هواء- تراب)، ومن اجتماع الأحرف الأولى لمسميات العوالم بالعبرية وهي على التوالي (Yod – Heh – Vav - Heh) ينتج اللفظ العبري للربّ العليّ (يهوه/ YHVH)، ومعنى الرموز الأربعة ( The Tetragrammaton)..
: that which was, that which is, and that which shall always be. The Tetragrammaton shows the four worlds to be the stages through which spirit evolves to become matter.
هذه المراحل الأربعة تلخص تحوّل الطاقة إلى مادة في صيغتها الأخيرة ..
The fourth and final world, the world of Manifestation, contains completed products of finished works, the physical world, and its physical bodies that are made real through physical action. This world is also linked with the element of (earth) and the final Heh in the name of the Most High. (p.79, Jayanti)
وبحسب المؤلف تمثل هاته الصيغة نقطة اتفاق قصة الخليقة مع نظرية الانفجار العظيم (Big Bang).
فإذا كانت الأرض هي الحالة الأخيرة لتحولات الطاقة، فأن الانسان كذلك هو الحالة الأخيرة في سلسلة الخلائق – بحسب الرواية التوراتية- وتسلسلها الزمني بحسب الأيام..
1- اليوم الأول.. النور والظلام
2- اليوم الثاني.. فصل السماء عن الأرض
3- اليوم الثالث.. ظهور اليابسة والنباتات
4- اليوم الرابع.. النجوم والشمس والقمر
5- اليوم الخامس.. الطيور والحيوانات المائية
6- اليوم السادس.. البهائم والزواحف الأرضية والانسان
7- اليوم السابع.. اكتمال السماوات والأرض بكل ما فيها والخلود إلى الراحة
ينتج مما سبق أن الأرض اليابسة انتهى العمل منها في اليوم الثالث، وان اكتمال خلق الانسان كان في اليوم السادس. والرقم ستة هو قرين الرقم ثلاثة ويساوي ضعفه. كما أنه بنفس المستوى كان ظهور النباتات في اليوم الثالث، وظهور الحيوانات البرية في اليوم السادس. فالحيوانات تتغذى على النباتات ولا تستطيع الحياة بدونها، فالعلاقة هنا جدلية متوالية بحسب العلاقة بين الرقم ثلاثة وستة كما سبق التنويه. وبديهي أن الانسان لا يستطيع العيش أو الوجود بدون أرض (يابسة). فالعلاقة هي كذلك جدلية ومتوالية. وقد جرى هذا التأكيد في نص التكوين نفسه في الفقرة اللاحقة لذكر خلق الانسان وكما يلي: (ثم جبل الربّ الإله آدمَ من تراب الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حياة، فصار آدم نفسا حية. وأقام الربّ الإله جنة في شرقيّ عدن ووضع فيها آدم الذي جبله.)- تك (2: 7و8).
شرقي عدن أو الفردوس هو مسكن آدم الأولي. المكان الذي ولد فيه، بمثابة مسقط رأسه في القراءة العصرية. لكن آدم خسر مكانه الأول، مسقط رأسه، وجرى نفيه لمكان آخر، أرض أخرى غريبة وبعيدة عن الأولى، وهذه هي أرض الغربة والاغتراب، برغم ما بين الاصطلاحين من تباين في المفاهيم.
استقطبت فكرة الخروج من الفردوس جانبا مهما من التراث الانساني والانتاج الأدبي على مدى التاريخ، بدء بالفردوس المفقود لفرجيل وليس انتهاء بقصيدة زاهر الجيزاني (الخروج من الجنة) والكتاب الشعري (منفيون من جنة الشيطان) لصاحب هذه الكلمات. وخلال ذلك تغيرت صورة الفردوس ودالته من مجال الدين إلى مجال الأدب إلى مجالات علم النفس عند فرويد في ربطه الرمزي بين الخروج من الجنة والخروج من الرحم.
صحيح ان التفسير الرمزي لنصوص الكتاب المقدس مأخوذ به تاريخيا لدى علماء اللاهوت وعلى رأسهم كلمنت السكندري وأوريجانوس، مما لا يغيب عن سيجموند فرويد ذي الأصول العبرية، لكن التأويل الفرويدي أضفى البعد النفسي على فكرة الغربة، ولفت الانتباه إلى الشبه أو التماثل الكائن بين رحم الانثى والرحم الترابي.
فكرة الرحم الترابي قد تبدو أكثر اقترانا بحالة الموت، التي هي عكس الولادة، وربما مثلت الطرف الثاني للمعادلة الممثل بالعودة إلى الرحم- التراب. لحفاري القبور والمعنيين تجارب وافية في طرق اختيار الأرض المناسبة للدفن وبحسب الطلب أو الشروط، واختلاف تربة عن تربة وغمق عن غمق.. إلخ. لكن القبر.. أكثر من ذلك هو صورة أيضا للبيت الذي يتكون من حجرات (rooms). ولفظ الحجرات مبتنى من لفظة (حجر) أي الكتل الترابية المتماسكة. فالحجرة في فقه العربية دالة على التراب، والدار التي تتكون من مجموعة من حجرات هي الفضاء المحاط بسور على شكل دائرة أو (دارة)، وكانت المستوطنات البشرية من قرى ومدن منذ أيام السومريين تتكون من نواة محاطة بحلقات متوالية من الدور أو المنازل أو البيوت. وكلّ هذه دوال على التراب أو الأرض. أما كلمة بيت فهي عبرية قديمة. ومن الكلمات المرادفة للمكان كور أو جور في السريانية أو جي أو جيا بالجيم المعجمة في الفارسية والكردية.
ان المفردات الدالة على مكان المعيشة والاقامة والاستقرار كثيرة ومتنوعة. ويحتفظ كل شخص بلفظ معين يجده أقرب لنفسه من سواه. كما هي لفظة (بيت) لدى كثرة من العراقيين أو العرب الشائعة الاستخدام أكثر من ألفاظ (منزل، مسكن، شقة، عمارة). وما زال كثير من المهاجرين يفضلون استخدامها للدلالة على (الشقة) في (العمارة) مما يدفع المتلقي أحيانا لإعادة الاستفهام..
- أنت ساكن في شقة أو بيت؟.. حسب علمي كنت تسكن في شقة.. متى تحولت؟..
ان للمكان ومتعلقاته وظائف حميمية واجبها تحقيق اشباع نفسي ودفء اجتماعي يساعد في بناء الشخصية وصيانتها، والعكس بالعكس. وإذا كانت الهجرة تمثل تجربة سلبية في حميمية المكان الجغرافية، واغتراب ثقافة المكان، فأن السكن الانجليزي يحتل المرتبة الأولى في الرداءة والسلبية، وصدارة احداث شروخ نفسية في شخصيات الوافدين رغم غواية الأجواء الشرقية والبلدانية من جانب آخر.
*
لا أعرف مدى صحة العبارة المنسوبة إلى الكاتب الايرلندي جيمس جويس وهو يشتم كل أحد لا يهاجر من أبناء بلده. فهو نفسه عانى كثيرا في هجرته الى ايطاليا بالقطار. لكن المعروف أن الايرلنديين البريطانيين يشكلون نسبة بارزة من سكان لندن وشغيلتها. ومنذ القرن الثامن عشر، مع ظهور القطار ومدّ خطوط السكك الحديدية بدأت حملة مكثفة في تحويل ردهات القصور الغوتية واليزابيثية والأدوردية وحجراتها الطويلة إلى استوديوهات للاقامة الشخصية أو شقق صغيرة من حجرة نوم واحدة وحجرة معيشة، لتلبية حاجات اقامة العمال الوافدين. وهذه شهدت تحولا آخر مع سيطرة المهاجرين الشرقيين على قطاع تجارة العقارات في أواخر القرن العشرين في تحويل الشقة إلى شقتين أو تحوير حجراتها إلى استوديوهات للعصافير أو الفيران، مع مضاعفة أسعار الايجارات لامتصاص خسائر البورصة!.
في النصف الأخير من القرن العشرين قفزت الهجرة من ظاهرة مكروهة إلى ظاهرة رائجة ومتطورة بحسب تفسير توينبي للتاريخ، وذلك على منوال تصاعدي كل عقدين ولأسباب سياسية واقتصادية غالبا، الخمسينات والسبعينات والتسعينات. فمع انهيار النظام الاشتراكي وتفكك مجموعة الكوميكون في وقت مترادف مع اتساع حدود الاتحاد الأوربي من جهة؛ ودخول الشرق الأوسط في دوامة العنف والحروب منذ السبعينيات والثمانينات (لبنان والعراق وأفغانستان) ومخططات إعادة ترسيم الشرق الأوسط الكبير من جهة ثانية، إضافة إلى حروب البوسنة والهرسك وكوسوفو والشيشان في التسعينات، ما تسبب في حركة موجات بشرية هائلة من الشرق نحو الغرب، ومن الجنوب نحو الشمال.
- شخصيا- لا أعتقد ان استخدام مفهوم الهجرة على قدر من الصحة في هذا الوصف. فمهاجرو اليوم يختلفون عن المهاجرين الأمريكان مثلا، أو هجرة الأوربيين إلى بعض مناطق المستعمرات مثل كندا واستراليا وجنوبي أفريقيا أو اسرائيل. كما أن استخدام مصطلح اللجوء يتضمن قدرا من التسويف عند شمولها جماعات يفتقرون إلى عوامل اضطرارية كالحروب والكوارث التي تجعل بقاءهم في بلدانهم أمرا خارج الامكان أو في دائرة الخطورة. ولم تنل مسألة التوصيف أو الاصطلاح اهتمام الغرب أو دائرة الأمم المتحدة المعنية بالموضوع. لكن المهم -هنا- هو أمران جديران بالبحث والدراسة..
- تفريغ مفاهيم الهجرة واللجوء من مضامينها السياسية والحضارية.
- فشل مشروع الهجرة في رفع المستوى الحضاري للسكان وتقليل الفجوة بين الشمال والجنوب.
ان مستويات حياة المهاجرين في أحياء لندنية أو باريسية لا تكاد تختلف نوعيا عن مثيلاتها في البلاد المتخلفة على صعد الفوضى والنظافة والتخلف الاجتماعي. وليس لأبناء المهاجرين المولودين في الغرب والمتعلمين في مدارسها أي امتياز على أقرانهم في بلادهم الأصلية. بل أن عدد خريجي الجامعات والتخصصات العلمية في بعض بلدان العالم الثالث أعلى كثيرا بالمقارنة بالمستوى الدراسي وعدد الحاصلين على شهادات تخصص عالية للمقيمين في الغرب.
*
أين تكمن أسباب فشل مشاريع الهجرة واللجوء؟..
هل هي في السياسات الغربية التي لا يعنيها غير مصالحها الاقتصادية وحاجتها للعمالة الرخيصة والكوادر الوسيطة؟.. أم هم الوافدون وعجزهم عن الاستفادة من مميزات المكان الأوربي وخصائصه الحضارية في تطوير مجتمع الهجرة وانعكاساته على البلدان الأصلية؟.. أم هي شعارات تصادم الحضارات ونهاية التاريخ وعالم ما بعد أحداث نيويورك؟..
لكل شخص، ولكل فئة، ولكل تيار وطرف، رأي مختلف عن الآخر، ووجهة نظر خاصة في تفسير الأمور وتوجيهها لأغراض شخصية جدا.
*
لندن
الرابع عشر من ابريل 2010

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
• التوراة- سفر تك
• Principles Of The Qabalah, By: Amber Jayanti, pub. By Thorsons, London- 1999, p. 77, 79





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,513,048
- كيمياء المعادلة الاجتماعية (الحياة المُشترَكة)
- إزدواجيتنا..
- نصفان..!
- ولكن ما هو الواقع؟!..
- السعيد في العزلة (شقي)..
- المكان هو المنفى.. الوطن هو الغربة!.. (6)
- (الانسان والمكان -5-)
- الألم ونظرية التوازنات الذاتية
- أنا أتألم.. أنا إذن موجود!..
- هل الحيوانات تتألم ؟؟!!..
- حول نسبية المكان.. (سعدي يوسف نموذجا..) (4)
- مدن في حياتي .. الوجيهية (4)
- مدن في حياتي.. الوجيهية .. (3)
- مدن في حياتي.. الوجيهية .. (2)
- مدن في حياتي.. الوجيهية .. (1)
- فليحة حسن.. وقصيدة (أنا لست مريم يا أبي!)..المقارَبة والاختل ...
- هذه الجريمة اليومية
- فراغات النسيج الاجتماعي في العراق
- المرأة كونترا المرأة
- رسالة من بعيد


المزيد.....




- الجيش اليمني يعلن تكبيد -أنصار الله- خسائر بغارات شرق صعدة
- الصين تحذر مواطنيها من السفر إلى سريلانكا
- بدأ مجرما.. كيف غير إليوت مصيره؟
- مقترح بفرض -ودائع قبول- للتأشيرات قصيرة المدى
- 18 غارة روسية تدك أهدافا إستراتيجية للنصرة بمحيط إدلب
- مواطنة إسرائيلية تواجه السجن لدعمها داعش
- إياك وعدم الإفطار
- ترامب يعزي رئيس وزراء سريلانكا
- 10 ملايين دولار مكافأة أميركية لتعطيل شبكة تمويل حزب الله
- الغارديان ترجّح مشاركة طائرات مسيرة إماراتية في هجوم طرابلس ...


المزيد.....

- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد
- تأثير الفلسفة العربية والإسلامية في الفكر اليهودي – موسوعة س ... / شهد بن رشيد
- الإله الوهم والوجود والأزلية / سامى لبيب
- الطريق إلى الكائن الثالث / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - وديع العبيدي - الهجرة.. (و) العلاقة بالأرض..