أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رامي أبو شهاب - الشاعر الصيني بي داو















المزيد.....

الشاعر الصيني بي داو


رامي أبو شهاب
الحوار المتمدن-العدد: 2918 - 2010 / 2 / 15 - 13:27
المحور: الادب والفن
    


الحرية ليست خيارا للأبطال إنما هي خيار الإنسان
يمثل الشاعر الصيني (بي داو) نموذجا لتحولات المثقف وانحيازه نحو النص المنغمس في الحياة، دون حيف على القيم الشكلانية والجمالية له، فالنص نتاج عناصر مختلفة، تبدو للوهلة الأولى متنافرة، ولكنها سرعان ما تتحلل بغية خلق موقف واتجاه ما، هذا ما يمكن أن نطلق عليه فعل تضاد مع البناء الشكلاني، الغارق باستيهامات الكتابة المفرغة، أو المتجمدة عند درجة الصفر تاريخيا، إنها حركة نحو تحييد العالم المحيط و المنتج للنص وظرفه، و اختزاله إلى بنية خارجية شكلية نسقية، تهدف إلى تحقيق أسطورة علمية الأدب.
التقيت هذا الشاعر الاستثنائي خلال مروره القصير بمدينة الدوحة، في طريقه إلى القاهرة، وكان بصحبة الصديق المشترك الشاعر والمترجم المصري سيد جودة- محرر موقع الندوة العربية- هذا المرور كان بمثابة فرصة للإطلاع على رؤية جديدة للشعر والحياة، من منظور جديد، ومختلف كليا، كان هذا بعد مقاربة هذا الشاعر فكريا وإنسانيا ليوم و بضع يوم، حل فيها ضيفا لطيفا هادئا وخجولا، ولعل الصفة المائزة، و الأكثر وضوحا في شخصية هذا الشاعر الكبير، مقدار التواضع الذي يتسم به، على غير عادة الشعراء، فقامة بي داو الذي يعد من كبار شعراء الصين المعاصرين، والمرشح لجائزة نوبل غير مرة، لم تقف عائقا على أن ينخرط في حديث عفوي و إنساني، كان لحضور محمود درويش، وفلسطين و الشعر الحصة الأكبر.
في صباح اليوم التالي تناول ثلاثتنا فطورا منزليا فلسطينيا بامتياز، و وقد أبدى بي داو إعجابه الشاي بالميرمية الفلسطينية، و فطائر الزعتر الفلسطيني، و عندما هممنا بالتقاط بعض الصور التذكارية، طلب صديقنا الشاعر، أن نقف أمام لوحة تمثل خارطة فلسطين مصراً على أن تظهر في خلفية الصورة . بي داو شاعر مختلف و غير نمطي، إذ لم يكن مميزا على صعيد الشخصية والروح المتعالية ببساطتها وتلقائيتها، إنما نرى ذلك تميزه عبر شعره، الذي اطلعت عليه من خلال بعض الأعمال التي ترجمها الصديق والشاعر سيد جودة المقيم في مدينة هونج كونج .
بي داو الخارج من عباءة الكلاسيكية الشعرية الصينية، والمنشبك بعالم، يحقق دنيوية التعبير و النص، كما يحلو لإدوارد سعيد أن يسميها.هذا الشاعر كسر جمود الشعر الصيني الذي ساد لقرون طويلة، وتطوح إلى أبعد من ذلك، فهو يعد أحد المؤسسين لمدرسة الضبابية الشعرية، والتي كانت تعنى بتحقق الغموض في الشعر، اتسمت هذه المدرسة بموقفها المعارض للثورة، والقيود التي تمارسها على الثقافة.
بي داو صاحب القصيدة الشهيرة والإشكالية (الإجابة)، التي تحولت إلى منشور ونشيد، علق على جدران ساحة تيانانمين خلال مظاهرات سنة 1989 ، وهي ثورة الطلاب الساعين إلى الحرية، حينها كان بي داو في برلين، و عندئذٍ لم تسمح له السلطات الصينية بالعودة إلى بلده، اتكاء على ما كان له من دور في التحريض على الاحتجاجات الدموية. ليمضي بي داو بعد ذلك أكثر من عشرين عاما منفيا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، و متنقلا بين بلدان عدة، في هذه المنافي القسرية، لم يتخل بي داو عن لغته الصينية، حيث كان يرى الكتابة باللغة الإنجليزية المنفى الأخير والبغيض، عاد شاعرنا من منفاه قبل بضع سنوات، إلى مدينة هونج كونج، إذ يعمل حاليا في إحدى الجامعات.
تنفتح قصيدة بي داو على الكون، وعلى التعبير المجاني العفوي المبسط، إذ يرى بي داو القصيدة متحررة من الأشكال النمطية، ومتطورة تعبيريا وتخييليا، وهي في الوقت نفسه، لا تتخلى عن التراث الشعري والثقافي الشديد العراقة، فالنص الشعري قادر على أن يكون ثوريا، مع المحافظة على الروح التقليدية للثقافة، بينما يتم التخلي عن الشكل التقليدي، الذي يقف عائقا في نهج رؤية الحياة، بتنوعها وتطورها المتجدد.
بي داو شاعر يرى في الشعر وسيلة لخلق صياغة أخرى للحياة وتشكيلها، لاسيما في مواجهة القمع والسلطة، ومخلفاتهما على الإنسان الذي تبددت أحلامه، بالحق والعدالة والمحبة ، ولهذا كان بي داو منشغلا بالشعر، فهو أداة مقاومة لمفاهيم التسلط والقمع والاستغلال، وحتى التطرف، ومن هنا فإن مشروعه الشعري اتسم بكونية الانفتاح على قضايا الآخرين والمهمشين والمقموعين، فكان تقاربه مع القضية الفلسطينية تجسيدا فعليا وعمليا، حين اختار أن يكون ضمن وفد من المثقفين العالميين الذين زاروا مدينة رام الله، إبان حصار الرئيس ياسر عرفات في مقره، وقد ضم هذا الوفد كل من خوسيه ساراماغو، والأميركي راسل باكز، وويل سوينكا. جاءت هذه الزيارة تعبيرا عن رفض هؤلاء المثقفين لقوى التسلط والعنصرية، وتجسيد فعل الانحياز للحرية والعدالة، وهذا ما بدا شديد الوضوح حين عبر بي داو عن عدم اهتمامه بالحصول على جائزة نوبل والتي لن تعني له شيئا، إذا كانت تتعارض مع مواقفه المؤيدة لحرية الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة .
عرف الشاعر بي داو الشاعر الفلسطيني الراحل الكبير محمود درويش وكان صديقا له، إذ قال في ذكرى وفاته واضعا حالة درويش الشعرية، ومنتجه الشعري بصورة مختزلة لواقع الشعر الإنساني، إذ يرى أنه قادر على أن يجمعنا جميعا، متخطيا العرق والوطن والوعي والثقافة، فالشعر كما يستشهد بي داو من أشعار درويش حين يقول:" أنا من هناك "، فهناك هذه هي مكان واحد تحلم به البشرية،و هي يمثل المعرفة الحدسية والشجاعة وقوة الإبداع ومن خلالها نتخطى الوجود الواقعي.
نتلمس في قصائده الشاعرية الاستثنائية لهذا الشاعر، وقوامها لغة شعرية هادئة، تعتمد تقنيتي التعبير السردي للشعر، و تفعيل الحواس عبر الصورة الشعرية المتسمة برمزية هادئة، و المتحورة في ذاتية متعبة، تلقي على المحسوس بأثقالها للتعبير عن ما هو غير محسوس، كما نرى في هذا المقطع الشعري من قصيدة " تعودت منك " :
" تعودتُ أن تصرخي وسْط وادي الجبلْ
وتصغي لصوتك يرجعْ
صدى اسمين يجرى صدىً خلف آخرْ
وأن تمسكي بالكتابْ
ودوماً تريدين أن تسألينيَ مختلف الأسئلة ْ
وأن تقلبي شفتيكِ
إذا ما كتبتِ الإجابات لي فوق كفٍّ صغيرة ْ
وأنفاس صدرك مثل الوشاحِ
على عنقي في الشتاءْ
بضوء مصابيح زرقاء خافتةٍ
في الشوارعْ "
وفي قصيدة أخرى نرى فعل الانحياز لواقع الإنسان المرير في مواجهة القمع والتسلط، ويبدو الإنسان في القصيدة متضائلا ومختزلا، تتضح هذه القراءة عند تأملنا للحالة الرمزية التي يستعين بها الشاعر، فالرجل يحل في الظل ليعبر الوطن، فهو إحالة عن التطوح القسري للإنسان في مجاهل الإقصاء، بي داو الذي يعد من أهم شعراء الاتجاه الرمزي في الشعر الصيني المعاصر، يغوي المتلقي في هتك اللغة، بحثا عن تأويلات متعددة في الخطاب الشعري المتوازن، ومع ذلك، فإن التأويل يتلاشى في اللعبة القرائية للنص، فخطابه الشعري يحاذي مقولة خطاب ميشيل فوكو، حول انتهاء التأويل، لأنه لا شيء هنالك يمكن تأويله، فلا شيء أوّل للتأويل، بل في العمق كل شيء تأويل، وكل دليل، هو تأويل لدلائل أخرى.
أقف هنا
بدلاً من رجلٍ مقتولْ
حتى إن أشرقت الشمسْ
أجعل ظلي الغائر كطريقٍ
يعبر أرض بلادي
وضباب الحزنِ
يغطي سقف الغرفة هذا الساقط
ما بين البيت وبين البيتْ
تنفخ مدخنة بشراً كرمادٍ
يتبعثر دفءٌ من شجر يلمعْ
يتوقف فوق رؤوس دخان الفقرْ
تصعد من كل يدٍ منهكة
سحبٌ سوداءُ عميقة
هكذا يبدو الشعر واقعا متخيلا للإنسان، و خيالا متوقعا، فهو معبر عن كينونته المهددة، ولهذا يبدو الشعر الحقيقي منغمسا في واقعية التعبير الشفيفة، و في تكوين رمزي غير مسيء لدنيوية النص، وانشغاله بالمحيط اللزج، اللغة لدى بي داو هي منطوق الثقافة الرافضة، والثائرة، والساعية إلى أن تكون أداة للحرية، فلا وجود لهدف يمزق المعنى، تحت ركام سفسطائية متهالكة مفرغة، لا تقيم تأثيرا فاعلا إلا لمنشئها الحائر في خوائه.
ولنبقى مع قصيدة أخيرة للشاعر بي داو، وفيها نرى صوت الاحتجاج في مواجهة من يُفنون آدمية الإنسان، الساعي إلى المحافظة على حريته على هذه الأرض، و التي ستحتويه يوما ما، وهو مع ذلك ليس بطلا في زمن خلا من معاني البطولة، فالحرية ليست خيارا للأبطال، إنما هي خيار للإنسان، لاسيما العادي والبسيط والآمن، و هي حق، وفي السعي لها، فإننا لا نمارس سوى جزء من إنسانيتنا المنتقصة والمسلوبة.
ربما حانت اللحظة الفاصلة ْ
لم أدع من وصية ْ
لم أدع أي شيءٍ سوى قلمي
ولأمي تركتُ
فلست هنا بطلاً
في زمانٍ خلا من معاني البطولة ْ
لست أبغي سوى أن أكونْ
آدمياً فقطْ
لاح بالعرض خطْ
فوق أرض السكونْ
يفصل الحي عن ميِّتٍ
ليس لي من خيارٍ سواها، السماءْ
أبداً لست أسجد في الأرض ِ
والقاتلون يسدون عني عواصف حريتي
من ثقوب الرصاص التي كالنجومِ
سينبثق الفجر أحمر مثل الدماءْ!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,046,742,018
- فيلم أفاتار إبهار بصري كولونيالي
- مسرحية البطة البرية لأبسن : دعوة إلى كذبة الحياة -
- سيدة من مطر
- ناظم حكمت أيقونة الشعر الكوني
- صباح الخير غزة
- ما أضيق الحياة- في غزة - لولا فسحة الموت
- زيوس يحرس فتنته الأخيرة
- الموت حين يقود إلى الجدل
- الانتهاكُ في بناء الجملة الشعرية.. قراءة في مجموعة - ينهض في ...
- في أزمة الفكر العربي ....الثقافة والهوية
- مواقع الظل قراءة في اعترافات قناع للروائي الياباني يوكيو ميش ...
- الوجه
- تانغو غزة
- غياب كل الأسماء - قراءة في رحلة دون جوزيه -
- الذباب والمدينة
- أمر بالدم
- الانتاج والاستهلاك المعرفي
- وطن طارئ للغريب
- نعبر كلانا في الظلال
- أمنية


المزيد.....




- جائزة الشيخ زايد للكتاب: الاعلان عن القائمة الطويلة لفرع -أد ...
- -الغياب- فيلم للجزيرة الوثائقية يشارك بمهرجان -إدفا- العالمي ...
- المغنية اللبنانية أمل حجازي تؤدي مناسك العمرة (صورة)
- العثور على مئات -المحاربين والفنانين- في حفرة عمرها 2100 عام ...
- الرباط.. مشاورات سياسية بين المغرب وكندا لتعزيز التعاون
- -الهروب من روما الصغرى-.. رواية لحجي جابر بلسان إيطالي
- وفد برلماني مغربي يقوم بزيارة إلى بروكسيل
- -صراع العروش- بموسمه الأخير في أبريل المقبل
- تدشين سبوتيفاي للبث الموسيقي بالعالم العربي
- فنان مصري يرفض حضور مهرجان سينمائي بسبب -الخمر- (فيديو)


المزيد.....

- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رامي أبو شهاب - الشاعر الصيني بي داو