أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - فاطمة ناعوت - الرغيفُ أمْ القيثارة؟















المزيد.....

الرغيفُ أمْ القيثارة؟


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 2490 - 2008 / 12 / 9 - 10:04
المحور: حقوق الانسان
    


صغيري مستنكرا: ماما الناس بتموت في طوابير العيش، والميا ملوثة، ومصر داخلة على مجاعة وانتِ بتكتبي عن الطفولة والموسيقى واللغة والفلسفة والشِّعر والتشكيل والكتب! حيقولوا انك مش حاسة بالبلد! خلي مقالاتك في "المصري اليوم" عن أزمات مصر، والمواضيع الثقافية في أعمدتك برا مصر."
ورغم أن "المصري اليوم"، هذه الجريدة المحترمة الجميلة، اِسْتكتبتني بوصفي شاعرةً، ورئيس تحريرها المستنير طَلبَ مني أن أتوفّر حصريا على هذا الخطّ، ورغم استشعاري استحسانَ القراءِ عبر ردود الفعل في التفاعليّ والإيميلات والمهاتفات، حدَّ أن قيل غير مرة إن هذا اللونَ من الكتابة يشحنُ النفسَ بالجمال ويضخُّ الروحَ في النفوس المتعبة، ورغم أني أقوم بدوري العضويّ في الكتابة حول أزمات البلد في غير هذا المكان، ولأنني أحدُ الذين نجحوا في حلِّ عثراتهم الروحية والصحية بل والمادية بالموسيقى والشِّعر والقراءة والتشبث بروح الطفل، فإنني أقول إن الكلام عن الفنون والكتب لا يقلُّ أهميةً، إن لم يزد، عن النضال في سبيل الرغيف، إن هو إلا الشقُّ الآخر منه. الشقُّ الأهم.
وهنا أحيلكم إلى مقال قيّم عنوانه "بل ضرورية جدا!" كتبه عباس محمود العقاد العام 1937 في مجلة "الرسالة" ردًّا على سؤال: هل الفنون الجميلة من ضرورياتِ الحياة أم هي كمالياتٌ تأتي بعد العلم والصناعة، وطبعا بعد لقمة العيش؟ ولنا أن ننتبه أننا بصدد حقبة من أرقى ما عاشت مصر فنيًّا واجتماعيا وفكريا، وسياسيا أيضا حيث تعدد الأحزاب والليبرالية التي وئِدت بمصرَ الآن، ولا عزاء للمستنيرين.
يبدأ العقاد مقاله بوجوب التفريق أولا بين الفرد وبين الأمة حال مناقشة الضروريّ والكماليّ. فالفرد لا يُشترط فيه أن يستوفي جميعَ المزايا والملكات الإنسانية. ليس لازما، ولا مُستطاعا، أن يكون ذكيا وجميلا وعالما وشاعرا وصانعا وزعيما ومفكرا. لكنْ إذا اجتمع عشرون مليون فرد في قطر فمن الضروري، وليس الكماليّ، أن تتوفر بينهم جميعُ الملكات التي تتفرقُ في الأفراد، وإلا حدث مسخٌ في التركيب المجتمعيّ. ويستوي هنا أن تكون المَلكةُ فنا أو علما أو رأيا، المهم أن الملايين العشرين (تعداد مصر وقتئذ) يتسعون لكل مزية عُرِفت في بني الإنسان، وإلا نقصت ضروريات الأمة، وإن كانت كماليات بالنسبة للفرد. ثانيا من الواجب عدم تقييم المطالب بمقدار الحاجة إليها والاستغناء عنها، فهذا تقييم زائف. ذاك أننا نقدر على العيش دون مَلكة النظر والسمع والكلام سبعين عاما دون أن نهلك، ولا نقدر أن نعيش سبعين يوما دون الرغيف، ولم يقل أحدٌ لهذا إن الرغيفَ أهمُّ من البصر، والطعامَ أولى من الحواس. وبتقييم السوق، نجد الرغيفَ أرخصَ من الكتاب، والتمثالَ أغلى من الثوب، فقيمة الشيء لا تتعلق بمقدار الحاجة إليه، بل بمقدار ما نكون عليه إذا حصّلناه. فتحصيلُنا الرغيفَ يساوينا بسائر الأحياء، ولكن تحصيلَنا الجمالَ لا يجعلُنا أحياءَ وحسب، بل نحن عندئذ أناسٌ ممتازون نعيش في أمة ممتازة تحسُّ ما حولها وتحسنُ التعبيرَ عن إحساسها. الضروراتُ توكلنا بالأدنى فالأدنى من مراتب الحياة، أما الذي يرفعنا إلى الأوج من طبقات الإنسان فهو الفنون. وهو ما نستغني عنه ونعيش!
(ونظرا للأهمية القصوى لمقال العقاد، سيما الآن، فللحديث بقية.)جريدة "المصري اليوم" 28/7/08
الرغيفُ أمْ القيثارة؟ (2/2)
طرحنا الأسبوعَ الماضي بعضًا من مقال العقاد، الذي كتبه عام 1937 في مجلة "الرسالة" حول ضرورة "الفنون الجميلة" في حياة الناس بوصفها الأداةَ التي ترفعُ الإنسانَ من مرتبة "الأحياء" إلى حيث مرتبة ممتازة تجعل منه كائنا راقيا يجيد الإحساسَ بالوجود والموجودات. وفي تتمة المقال سيخبرنا الأستاذ كيف ترتقي الفنونُ بخيال الفرد فتُرقّيه من خانة "المستهلِك" فكر وعلم وصناعة المجتمعات المتحضرة، إلى خانة "المُنتِج" لها.
يتساءلُ العقاد: ولكن كيف نعيش؟ ويجيبُ: إن كنا نبغي أن نعيش كما الأحياء كافةً فحسبنا الضروريّ من الخبز، حتى يجيئنا مَن ينزعه أيضا ونحن لا نقدر على دفعه ولا نطيق إلا الخضوع له.(كأن العقاد يقرأ مستقبل المصريين!). وإن كنا نبتغي أن نعيش "أكملَ" العيش فلا غنى عن "الكماليات" لبلوغ الكمال. ولا مفرّ هنا من اعتبار الكماليات من ألزم الضروريات. ثم قارنَ بيننا وبين الغرب. قائلا إن الغربَ لا يفوقنا في العلم "المصنوع"، فالشرق قادرٌ على صناعة طائرة لو امتلك رسومها وتفاصيل بنائها. إنما يفوقنا الغربُ في العلم "الملحوظ". لأنه يمتلكُ عينَ الملاحظة وخيالَ الابتكار والاختراع. العينَ التي لا تفوتها الرؤيةُ، والخيالَ الذي يتقن تركيبَ الصغائر وضمِّ الجزء إلى الجزء لرسم الصورة الأشمل. تلك هي مَلَكةُ الحسِّ والتخيل التي يترجمها المصوّرُ تمثالا، والموسيقيُّ لحنا، والشاعرُ قصيدةً، والعالِمُ اختراعا. ذاك هو الإحساسُ بالوجود الذي يرسم صورةً متطورة في العلم والفن والتجارة.
وإذن فالمقارنة بين العلم وبين الفن ليست مقارنةً بين طائرة تنفع في السفر والحرب، وبين تمثال لا ينفع في غير الزينة، بل هي مقارنةٌ بين مَلكة لا تتم بغيرها الحياة، ومَلكة لا تتم بغيرها الحياة. فإذا فقدنا الفنون الجميلة، فليس كل ما نفقده هو تمثال الرخام، بل نحن فاقدون جزءا من خيالنا وجزءا من العلاقة بيننا وبين الدنيا، وعائشون عيشة "الأحياء" التي تتحقق بالخبز والماء. إن الرجل البصير يرى الحجر كما يرى الجوهرة، وإنْ عَجَزَ عن رؤية الحجر، فهو عاجز عن رؤية كل ما عداه. والذي يسأل: ما فائدة الفنون الجميلة؟ كالسائل: ما فائدة العين؟ والشعور؟ والحياة؟ يخطئُ من يستكثر ما تنفقه الدولُ على الفنون، كما أخطأ توليستوي في كتابه عن الفن الجميل، وهو الذي أنفق عمره لأجل الفن الجميل (يقصد كتاب توليستوي "ما الفن؟" الذي قال فيه إن الفن يجب أن يكون أخلاقيا ملتزما مفيدا للناس). ثم يدعونا العقاد أن ننظر كم ينفق كل فرد على خبزه وكسائه وراحته، وكم ينفق على الفنون الجميلة التي ترتقي بروحه من تماثيلَ وأغانٍ وأشعار وكتب؟ لنعلم أن الكماليات لا تجورُ على الضروريات. الفنون الجميلة ضرورةٌ في حياة الأمم لمن ينشد "العيش الأكمل"، ولا يقنع بكل عيش. هي ضرورة لمن يسأل: كيف نسود؟ وهي هباءٌ عند من يسأل: كيف نعيش؟ وهذا الأخير أحرى به أن يسأل: كيف نموت؟ ذاك أن عيشَ هذا وموته سواء. إلى هنا ينتهي مقال العقاد الرفيع المستنير الذي أدعوكم لقراءته كاملا، وأعتذر عن الاجتزاء منه.
والآن أسألُ صغيري الغاضب: الرغيفُ أمْ القيثارة؟ وأجيبُ: كلاهما حقٌّ لنا على بلادنا، لأن كليهما ضرورةٌ لا تُغني عن الأخرى.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,168,497
- أنتِ جميعُ أسبابي!
- خلسة المختلس
- العصافيرُ ستدخلُ الجنة
- يا مولانا رفقا بالصبيّ!
- انظرْ أمامَك بغضب
- الجميلة بحق!
- تلصّصٌ على بيتِ شاعر
- فنجان نسكافيه لكل متهم
- تعالوا نركب عَجَل!
- شيءٌ من -الحبِّ- و-العدل- يا -حبيب العادلي-!
- اِرجعْ للخلفِ قليلا حتى ترى
- وجهُكِ الذي يغيبُ من شباك الفصل
- مسيحي -بس- طيب!
- فنجانُ الشاي العُنصريُّ
- هذه ليست كُرَة، إنها صديقي!
- اللعنةُ تريدُ أن تضحك
- طبلةُ المسحراتي
- أخافُ اللونَ الأبيض
- هَدْمُ الأهرامات
- عزيزي أنيس منصور.. شكراً


المزيد.....




- المرصد السوري لحقوق الإنسان: القوات الكردية تقصف مدينة إعزاز ...
- أمن عالمي: تفكيك شبكة تستغل الأطفال جنسياً واعتقال 300 شخص ف ...
- أمن عالمي: تفكيك شبكة تستغل الأطفال جنسياً واعتقال 300 شخص ف ...
- -أنصار الله- تنظر في طلب لزيارة الأسرى السعوديين لديها
- الأمم المتحدة تطالب أوكرانيا بإغلاق موقع -صانع السلام-
- الدفاع العراقية: اعتقال عدد من عناصر «داعش» الفارين داخل الأ ...
- العراق يوجه بتحصين الشريط الحدودي واعتقال عناصر -داعش- الفار ...
- الأردن.. الإعدام لشقيقين ارتكبا جريمة قتل في ليبيا عام 2013 ...
- الدفاع العراقية تعلن اعتقال عدد من عناصر تنظيم -داعش- الهارب ...
- اعتقال شقيق رئيس إيران.. حملة ضد الفساد -بمآرب أخرى-


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - فاطمة ناعوت - الرغيفُ أمْ القيثارة؟