أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - فاطمة ناعوت - يا مولانا رفقا بالصبيّ!














المزيد.....

يا مولانا رفقا بالصبيّ!


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 2482 - 2008 / 12 / 1 - 07:36
المحور: سيرة ذاتية
    


عصا في يد شيخ. وطفلٌ عيناه مربوطتان بنهاية العصا. حكايةٌ من طفولتي ذكرتني بها حكايةُ صريع العلم: الطفل إسلام، الذي ركله المعلّمُ فأرداه قتيلا، لكي يعلّمه! والطفلة خديجة التي قتلها الخوفُ من العلم والمعلم! ثم، بالأمس فقط، حكاية ياسمين التي كسرتْ معلمةُ اللغة العربية ذراعَها لأنها لم تعمل الواجب!! أيٌّ غلٍّ وعداء وشراسةٍ يحملها هؤلاء الكبار ضد أطفالٍ صغار لا حول لهم ولا قوّة!! وأما حكايتي فيلزمها بعض التقديم.
كانت أمي تؤمن أن العلمَ مفتاحُ الحياة. مفتاحُ السعادة والمال، ومن ثم مفتاح كل شيء. كانت تراهن أنْ ستجعل من طفليها: شقيقي وأنا، كائناتٍ فوق العادة، فقط بالغذاء الطيب وبالعلم الطيب. تزوجتْ، هي ابنةُ الحسب والنسب والعائلة العريقة، رجلا بسيطا من البروليتاريين الكادحين، أبي الجميل. راهنتْ عائلتُها على فشل الزيجة غير المتكافئة طبقيًّا، وعلى فشل الذرية نتاج هذه الزيجة أيضا، وراهنت أمي على العكس. لم تدخر جهدا في حشو رأسينا الصغيرين بالعلم والتفوق الدراسيّ حدَّ الاختناق. أدخلتنا مدرسةً قبطية لنحصّلَ صحيحَ العلم، وفي المقابل، ألحقتنا، أثناء الإجازات الصيفية، بأحد المساجد لنحفظ القرآن، فنحصِّلَ صحيحَ اللغةِ وصحيحَ الدين. والحقُّ أن الإجازةَ لم تكن إجازةً. ذاك أننا ما نكاد ننهي امتحانات نهاية العام ونعود البيتَ ركضا فَرحيْن بالإجازة واللعب، حتى نفاجأ بكتب العام الدراسيّ التالي مرصوصةً، بكل عناية، فوق مكتبينا. لنبدأ معسكرَ استذكارٍ جديدا، حتى ندخل المدرسة، بعد شهور، وقد شربنا المناهج. ولا يكون ذهابُنا إلى المدرسة مع الرفاق إلا من أجل "المراجعة" وحسب.
صحيحٌ أن شقيقي حصد الدكتوراه في عمر مبكر وغدا طبيبا مرموقا وأستاذا في الجامعة، وصحيحٌ أنني أصبحتُ مهندسة معمارية "لا يُشق لي غبار؟" ثم ركلتُ كل هذا وركضتُ للشعر والكتابة والغبار، وصحيحٌ أن أمي نسيتْ أن تعلمَنا "الحياةَ" فمازلنا نتعثرُ في أبجدياتها الأولى، لكن كل ما سبق ليس هو الطرفة.
القصةُ أكثرُ طرافةً وعجبا. ذاك أننا، شقيقي وأنا، ذات طفولة، كنا قد أنهينا حفظ جزء "عمَّ"، وبدأنا في "تبارك". وحلَّ موعدُ درس المسجد يوما وأخي في النادي. فلم يجد الوقت الكافي للعودة إلى المنزل لارتداء ملابسَ لائقةٍ بالمسجد. ولكي يفرَّ من عقاب التأخر عن درس القرآن، قرر الذهابَ إلى المسجد رأسا بملابس الرياضة: تي شيرت وشورت. فما كان من مولانا الشيخ إلا أن انهال على جسده الصغير بالعصا مشيرا إلى ساقيه العاريتين صارخا: هذه عورة، عورة، عووورة!!! وكانت المرةَ الأخيرة التي نذهب فيها إلى درس الدين.
مشهدٌ كهذا كفيلٌ أن "يُعقّدَ" أخي ويجعله طوالَ العمر كارها فكرةَ الدين بكاملها. مازلتُ أذكرُ دموعَه الطافرةَ وصُراخه في وجه أمي: مش حاروح تاني، مش حاروح تااااااني!!! صحيحٌ أنه لم يكره الدينَ، بل هو موغلٌ فيه، لكنها رحمةُ الله وحسب، أو فلسفةُ المصادفة، حسب نظرية مفكرنا الكبير محمود أمين العالم.
لكن أهي المصادفةُ أيضا، في هذه الأيام النكد، أن يروّعَ أطفالَنا، لا سفاحو الأطفال والمجرمون، بل رجالُ العلم والتربية؟ هل في دستورنا مادةٌ تُجرّمُ ترويع الأطفال Child abuse، مثلما عند العالم المتحضر؟ ألا يحقُّ لي أن أعتبرَ أن عدمَ موت كلِّ زملاء إسلام خوفا وهلعا، مثلما ماتت خديجة، هو الصدفةُ عينُها. مثلما أن عدمَ انحراف أخي وعدمَ كراهتَه الدينَ وطقوسَه محضُ صدفة؟ ذاك أن الطبيعيَّ كان عكس ذلك. ولو رسمنا شجرة أقدار بديلة، يمكن، بشيء من الخيال الشرير، أن نتخيل كيف كان من الجائز أن يكون هذا الصبيُّ الصغير بعدما "أرهبه" كهلٌ جاهلٌ يزعمُ العلمَ والأدبَ. ويزعمُ الدين!







#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انظرْ أمامَك بغضب
- الجميلة بحق!
- تلصّصٌ على بيتِ شاعر
- فنجان نسكافيه لكل متهم
- تعالوا نركب عَجَل!
- شيءٌ من -الحبِّ- و-العدل- يا -حبيب العادلي-!
- اِرجعْ للخلفِ قليلا حتى ترى
- وجهُكِ الذي يغيبُ من شباك الفصل
- مسيحي -بس- طيب!
- فنجانُ الشاي العُنصريُّ
- هذه ليست كُرَة، إنها صديقي!
- اللعنةُ تريدُ أن تضحك
- طبلةُ المسحراتي
- أخافُ اللونَ الأبيض
- هَدْمُ الأهرامات
- عزيزي أنيس منصور.. شكراً
- إلا درويش يا صهيون!
- طار إلى حيث ريتا!
- لأني إذا مِتُّ أخجلُ من دمعِ أمي
- العادات الشعبية بين السحر والخرافة


المزيد.....




- إنفيديا تطلق أداة جديدة لإبقاء الذكاء الاصطناعي -تحت السيطرة ...
- ابتلعت موجات تسونامي زوجته، فكرَّس سنوات من حياته للغوص ليبق ...
- نتنياهو يحذّر من هجوم محتمل على إسرائيل قبل الانتخابات: -لا ...
- عرض من إيران لمواطني الشرق الأوسط: مكافأة تصل إلى 40 ألف دول ...
- من يتحمل المسؤولية القانونية عندما يخرج الذكاء الاصطناعي عن ...
- دبابة -T-80BM- تدمر مركز تحكم بالطائرات المسيرة للعدو في اتج ...
- رشاد عبدالغني: توجيهات الرئيس السيسي للحكومة والمحافظين تضع ...
- النائب عمرو فهمي: توجيهات الرئيس السيسي للحكومة تعزز مسار ال ...
- النائب عماد الغنيمي: اجتماع الرئيس السيسي بقيادات الدولة يعك ...
- محافظ القليوبية يوجه بسرعة التعامل مع عطل مفاجئ بمحطة مياه ع ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / المهندس صباح يوسف ابراهيم
- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - فاطمة ناعوت - يا مولانا رفقا بالصبيّ!