بلادي تتزيّن بالمصريين


زهير دعيم
الحوار المتمدن - العدد: 2169 - 2008 / 1 / 23
المحور: المجتمع المدني
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع      Bookmark and Share

عشرون الف فرعوني –قبطي يعيشون في بلادي , عشرون ألف انسان رماهم القّدّر والفقر والعَوَز عُنوةً في بلادٍ غير بلادهم , وتقاليد غير تقاليدهم , ومناخ غير مناخهم.
عشرون الفاً من البشر تباركت بهم بلادنا , فهم هادئون في معظمهم , مرحون , أصحاب نُكتة , مجتهدون ومثابرون , أضف الى ذالك مخافة الله تظهر على سحناتهم السمراء , وجباههم المُكّللة بالمجد والحضارة والتراث العريق.
عشرون الفًا أطاحت بهم عاصفة اللاعمل في قاهرة المُعزّ واسكندرية الاسكندر , وفي صعيد خفرع وتوت عنج امون , وجاءت بهم الى أرض "العدو", هذا العدو الذي وقّع اتفاقية سلام , باردةً أم ساخنة لست أدري , ولكنني أدري أنها اتفاقية سلام , فهناك في تل أبيب سفير مصري , يقدّم أوراق اعتماده ’ ويتحرّك بحرّية ويقابل زعماء البلاد الصهاينة!!!!.
عشرون الفًا يعيشون الحِرمان , حرمان لقاء الأهل وزيارة الوطن , والتمتّع بالتواصل مع الآباء والامهات والأخوة والأقارب , وذنبهم الوحيد , أنهم فتّشوا عن لقمة العيش التي عزّت عليهم في وطنهم الام .
أتراهم مجرمون؟ !!
أتراهم باعوا الوطن بأكلة عدس كما يدّعي البعض, الذي لا يرون الا السواد في الدّنيا حتى ولو نظروا الى سماء الشرق في سحابة نهار صيفيّ !
عشرون الفًا ينعمون بالحرية والديموقراطية –ولو جزئية-في بلاد غريبة, ولكنهم يُحرمون من هواء بلادهم , ومن ماء نيلهم , ومن عَبَقِ نخيلهم , والأهمّ من أنفاس الأحبّاء..
ماذا دهى القوم؟ ..ماذا دهى الزعماء والقادة في مصر , حتّى غلّظوا القلوب , وتجنّوا على كوكبة من البشر رماهم الفقر والشقاء بلا معين .
ما الفرق يا سادتي في مجلس الشعب المصريّ والتلفزيون المصري , من مصري اضطرته الظروف القاهرة أن يعدو خلف لقمة العيش الى واشنطن او نيوجيرسي او كندا واوروبا ؟!! أليسوا هم ايضًا كُفّاراً!!!..أليسوا صليبيين!!.
لماذا الكيل بمكيالين ؟ ولماذا لا يعمل هؤلاء ألمتشدّقون بالوطنية على ايجاد فُرص عمل لهؤلاء المواطنين ؟
أعرف الكثير منهم , مسيحيين ومسلمين , أعرفهم شخصيّا ً, وأرتاح كعادتي من الجلوس اليهم والتواصل معهم بل والعمل معهم , فأنهم في غالبيتهم "قشطة", يحبّون مصر , ويشتاقون اليها , وُيصفّقون لمنتخبها القومي يوم يفوز , فيرقصون ويُهلّلون .
انّهم الحنين الصّافي والشوق الغافي في الضلوع , انّهم البسمة الحيّية على الشفاه , فهم في سوادهم الأعظم لا يعرفون العبوسة ولا تسكن السوداوية في قلوبهم , أبدأً يضحكون , أبداً يشكرون , أبداً يتغنّون بالنيل والاقصُر واسوان, وأبداً يتغنّون بالاله المُحبّ , فمنهم الكثيرون الذين نقلوا الينا هنا في الجليل دفء الايمان ومحبة الفادي , وعفوية الانسان الانسان , فزرعوا الايمان في القلوب , ورنّموا ترنيمة النصر الأزلية في كنائسنا , ترنيمة المحبّة التي لا تعرف الا العطاء والبذل .
أعرف منهم الكثيرين , الذين "إن وضعتهم على الجُرح يبرأ"كما نقول في الجليل , فلماذا يا سادتي تبقى هذه الشريحة الإنسانية بعيدة عن الوطن , بعيدة عن الأهل ؟ .

أيصحّ ان ينعموا ببلاد "العدو" بالحرية في حين يُحرَمون من وطنهم ومن نيلهم ؟!!
ليس هناك في السياسة مصطلح نصف سلام او ربع سلام , فما دُمنا وقّعنا سلاما فعلى دين هذا السلام ومنهجه يجب أن نسير .
أكادُ أبكي –والله يعلم- عندما اقابل ذاك الشّاب الورع , والذي بنى بيتا مؤسّسا على الصخر وعائلة في الجليل , ويحبّ وطنه ايّما محبة ....أكاد أبكي عندما أرى الحنين في عينيه والشوق الى امه واهله ...أنه يريد الزيارة , ولفح أنفاس الأحبّاء وشربةً من النيل!!
انه مصريّ مُغترب كما ملايين المصريين في شتّى أصقاع الارض ..فهل هناك في الارض مَنْ يسمع ؟!
أنا مُقتنع أنّ هناك في السماء من يسمع ويرى فعين الربّ على خائفيه.