|
|
قراءة نقدية في قصيدة عشق من طرف واحد بلاغة العطاء وصمت الآخر واتساع الدلالة الوطنية
سهيل الزهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 18:17
المحور:
الادب والفن
تتناول هذه الدراسة قصيدة «عشقٌ من طرفٍ واحد» للشاعر العراقي جواد كاظم غلوم.[1] وتقوم القصيدة على علاقة يبذل فيها المتكلم الرعاية والوفاء، ويواجه مخاطَبًا تتكرر صور امتناعه. وتتابع هذه القراءة حركة العلاقة داخل اللغة، من استمرار العطاء إلى تصدع التعلق والوعيد والحيرة. وتنطلق من المستوى الوجداني الذي يتيحه معجم الحب، ثم تفحص إمكان اتساعه إلى دلالات الانتماء الوطني والسياسي، من غير حسم هوية المخاطَب مسبقًا. منطلق القراءة والاحتراز في قراءة الشواهد تُستخدم المقاربات بوصفها أدوات قراءة متكاملة: يسأل التحليل البنيوي كيف تنتظم العلاقات والتقابلات، وتتبع السيمياء تغير دلالة العلامة عبر مواضعها، وتفحص القراءة النفسية صراع الذات كما يشكله خطابها، بينما تختبر القراءة السياسية إمكان وصل هذا البناء بسياق الانتماء والسلطة. ويتناول التحليل البلاغي كيفية بناء الصورة، والإيقاعي أثر تتابع العبارات والأصوات في حركة القول. وتستدعي بعض الشواهد احترازًا قبل التأويل. ترد في النص المعتمد لهذه القراءة عبارات «ما نقعت» و«وما ظللت» و«ولم تعد سكنا وبيت». وتُقرأ الأولى داخل حقل الجفاف والكلس، ويتيح طلب البقاء في سياق الثانية ترجيح معنى عدم المكث، فيما تصل الثالثة بين المخاطَب وفقدان السكن. وهذه قراءات سياقية لا تثبت ضبطًا لغويًا وحيدًا، ولا تسوّغ تصحيح النص بصمت أو بناء نتائج تفصيلية على صيغة ملتبسة. أما «الكميت» في الختام، فترد في «لسان العرب» وصفًا للون في الخيل، واسمًا للخمر ذات الحمرة والسواد.[2] وتعتمد القراءة السياسية المقترحة احتمال الإشارة إلى فرس سباق يُراهَن عليه، فتفهم «تلعب» بوصفها مقامرةً بمصائر الشعب وأوضاعه. وهذا الربط بالسباق والمراهنة تأويل للصورة في ضوء سياقها، وليس معنى معجميًا ثابتًا للفظة؛ وتُناقش دلالته الوطنية في القسم السياسي. العنوان بوصفه عتبة للقصيدة يجمع «عشقٌ من طرفٍ واحد» بين شدة التعلق وتعطل المشاركة. فكلمة «عشق» تعد القارئ بامتلاء الشعور، ثم تقيدها العبارة اللاحقة بما يكشف اختلال العلاقة. ويسهم عدم تعيين المحبوب، مع تنكير اسم الشعور، في إبقاء التجربة مفتوحة على أكثر من تلقي. وهكذا يهيئ العنوان لسؤال عن مصير البذل حين يستمر في جهة واحدة. ويتصل العنوان أيضًا بطريقة توزيع الكلام؛ فالمتكلم يروي ويسأل ويعاتب، ولا يصل إلى القارئ جواب مستقل من الطرف الآخر. حتى «أنا انتهيت» ترد داخل تصوير المتكلم لنبض المخاطَب. وتصبح أحادية العلاقة أحاديةً في السرد والتخاطب معًا؛ نعرف أثر الصمت في المتكلم، فيما يظل منظور الآخر غائبًا. وتفسر هذه البنية قوة الشكوى، كما تحدد حدود ما نعرفه عن المخاطَب. حركة القصيدة في خمس وحدات تتداخل هذه الوحدات وتتكرر عناصرها؛ فالعطاء يعود بعد الشكوى، وإعلان القوة لا ينهي الألم. وتساعد قراءتها مجتمعة على تتبع التحول في العلاقة، مع إبقاء التفصيل البلاغي والمنهجي لأقسامه اللاحقة. البذل واتساع كلفة الرعاية دهراً حملتُـك في كفوف الراحة التعبى .. ولكنْ مامللت فيضاً سفحتُ من الدموع على عنادك صار نهرا جاريا تسبق المعاناة لحظة القول؛ فـ«دهرًا» تستعيد زمنًا طويلًا من الرعاية، وتكشف «التعبى» كلفتها الجسدية. ومع ذلك يبقى المتكلم متمسكًا بما بذل، ويجعل الدموع امتدادًا ظاهرًا لشعوره. وتتكرر المحاولة في الشمس والقناديل، ثم في فرش الأهداب للآخر، حتى يتسع العطاء ليشمل الجسد والوقت والشعر. ويغدو الرجاء في بعض المواضع محدودًا، كبقاء المحبوب «مدة»، بما يزيد الإحساس بالتفاوت بين حجم البذل وضآلة ما يُنتظر في مقابله. تعطل الاستجابة وتراكم صور الجمود لكنّ خطوَك واقفٌ صنَـما كسيحاً ما دنوتَ وما قربت تضع القصيدة الوقوف في موضع الخطو، وتتبعه بنفي الدنو والقرب. ثم يتكاثر الجماد في الصنم والكلس والصوان والوثن، حتى يبدو الامتناع حالة تتجدد مع كل محاولة. ويشمل التعطل الحنان والسؤال والجواب، وينتهي إلى السمع والطرب حين تلاحق الأغاني المخاطَب. وبذلك يتجاوز العتاب حادثة عارضة ليصور علاقة يختبر فيها المتكلم طرقًا متعددة للوصول، ويجدها جميعًا معطلة. الرحيل والانتظار واستمرار المسافة زمنا يغيّبني الرحيل برّاً وبحراً مُغرقاً مشياً على الأقدام في التيه الغريب وأنت أنت كما عهدت تتعدد طرق الرحيل، لكنها لا تمنح الذات وصولًا مستقرًا. وفي مقابل تغير الأمكنة يثبت تكرار «أنت» المخاطَب على حاله. ثم تتحول المحاولة إلى انتظار يد تشد الحبل الواهن، وإلى إضاءة طريق يمزقه الغياب والصدود. ويكشف هذا التجاور أن قطع المسافات لا يكفي لتغيير العلاقة؛ فالمسافة الحاسمة هي التي لم يستطع البذل أن يردمها بين الطرفين. تصدع التعلق وتبدل صورة المحبوب أوما نأيت ، أما بعدت ماءٌ تمازجَ مرغما في حوض زيت يتحول طلب القرب إلى سؤال عن الابتعاد، ويتبدل تقييم المخاطَب؛ فالجمال يغدو باهتًا، والماء يفضي إلى الغصة، والنبض يحمل إعلان النهاية. وتصور مجاورة الماء والزيت علاقة لا يضمن اجتماع طرفيها تحقق الألفة. لكن الرغبة في الإبعاد تصدر عن ذات تصف الآخر بأنه مقيم في دمها؛ لذلك يظل التعلق حاضرًا في خطاب السعي إلى الخلاص منه. الوعيد والحيرة في مصدر الجرح فذا المكان جهنّمٌ تلك الربوع قيامة سيطالك اللهب العريض تتصاعد حدة القول حتى يشمل العذاب المكان والربوع، ويتحول الاحتراق إلى وعيد يلاحق الآخر. غير أن القصيدة لا تنتهي عند هذه النبرة؛ إذ تعود إلى «والله ما أدري»، وتسأل إن كان النزف من سهام العيون أم من اليد التي «تلعب بالكميت». يعيد السؤال الختامي فتح ما بدا أن الغضب حسمه، فيبقى المتكلم عاجزًا عن تعيين مصدر ألمه تعيينًا نهائيًا. الاستعارة وبناء الصورة تظهر وظيفة الاستعارة في جعل المعنى المجرد قابلًا للإدراك الحسي. ويتيح التشخيص فهم الكيانات غير البشرية بإسناد خصائص الإنسان ودوافعه وأنشطته إليها.[3] ففي «نسي السؤال حروفه» يُمنح السؤال فعل النسيان الذي يخص كائنًا ذا ذاكرة، فتُقرأ الصورة استعارة مكنية تقوم على التشخيص. والأثر الأهم أن طول الانتظار يصيب أداة التواصل نفسها، حتى يغدو السؤال مستنزفًا قبل مجيء الجواب. أما «فرشت أهدابي حصيرًا» فتقوم على المشابهة داخل بناء فعلي يحوّل الأهداب إلى ما يؤدي وظيفة الحصير. وتتمثل قوتها في التفاوت بين رقة العضو ووظيفة الفرش، وفي تقديم جزء حميم من الجسد مكانًا لراحة الآخر. ويمكن النظر إلى التصريح بالأهداب والحصير بوصفه وجهًا تشبيهيًا مكثفًا، مع مراعاة دور الفعل في بناء التحويل؛ فالصورة لا تطابق في تركيبها عبارة اسمية مباشرة من قبيل «الأهداب حصير». الانزياح الدلالي يكشف الانزياح الدلالي كيفية تجاوز العلاقات المألوفة بين الكلمات؛ إذ يثير تنافر معانيها الحرفية البحث عن ملاءمة جديدة في القراءة المجازية.[4] ففي «ظلمة خرساء» ينتقل وصف متصل بالكلام إلى مجال الرؤية، فيجتمع الحرمان من البصر والتعبير. وفي «نبض ميت» تستمر علامة الحياة بعد نفي الامتلاء الوجداني عنها. وتتصل الاستعارة بهذا التحول الدلالي، لكن السؤال هنا يتسع إلى أثر التناقض وتراسل الحواس وتغير قيمة الألفاظ؛ فالتركيب يعيد تشكيل المألوف كي يكشف كيف تبقى هيئة العلاقة قائمة بعد تعطل ما يُنتظر منها من حياة أو تواصل. القراءة البنيوية وانتظام العلاقات ينطلق التحليل البنيوي من أن قيمة العنصر تتحدد بعلاقته ببقية العناصر وبالكل الذي ينتظم فيه.[5] تنتظم القصيدة حول علاقة بين فعل تبذله الأنا واستجابة تُنفى عن المخاطَب. وتكتسب الصور موقعها من هذا التقابل؛ فالحركة تقوى بجوار الوقوف، والضوء يبدو أشد عجزًا حين لا يوقظ شروقًا. غير أن توزيع الطرفين لا يبقى ثابتًا؛ إذ تنتقل الأنا من الرعاية إلى طلب الإبعاد والوعيد. وتتولد حركة النص من تغير موقفها داخل علاقة يظل جواب الآخر فيها غائبًا. ويصل الزمن المطلع بالقفلة؛ فـ«دهرًا» تعود دلاليًا في «النزف المديد»، وتربط بينهما ألفاظ العمر والانتظار والعتيق. وتمنح هذه العودة التجربة امتدادًا يستعصي على الإغلاق، فيما يعيد سؤال النهاية فتح المعرفة بمصدر الجرح. وتتحقق وحدة البناء من اجتماع استمرار التعلق وتحول موقف المتكلم، مع بقاء الاستجابة غائبة. الإيقاع التركيبي والصوتي يُسهم تكرار الوحدات وتوازي تراكيبها في تنظيم القول الشعري، وتظهر دلالته من العلاقات التي تنشأ بين الأجزاء المتكررة.[6] يمنح تكرار «ما» وتتابع الأفعال المنفية العتاب إيقاعًا تركيبيًا ملحًا. كما تختلف وظيفة النفي بحسب الضمير: «ما مللتُ» و«ما وهنتُ» تثبتان صورة المتكلم عن قدرته على الاحتمال، بينما «ما قربتَ» و«ما أجبتَ» تسجلان امتناع المخاطَب. وتتقارب النهايات صوتيًا مع اختلاف التاء ودلالتها، فيلتقي الطرفان في جرس العبارة بينما يتباعد موقعاهما في الفعل والاستجابة. ويكثف «وما رعدت وما برقت وما مطرت» هذا الإيقاع عبر تراكم أفعال متقاربة البناء، تقترح مقدمات الخصب ثم تنفي تحققها تباعًا. وتتسع الجملة مع توالي المحاولات، وتتوقف عند نفي أو سؤال يعيد الإحساس بانسدادها. وتسمح الأسطر الطويلة باستطالة الشكوى، فيما تمنح الأسطر الأقصر، مثل «والله ما أدري»، الحيرة وقفة أشد بروزًا. وهذا وصف للإيقاع التركيبي والصوتي وتوزيع القول، دون إصدار حكم عروضي قبل استكمال فحص الوزن وضبط القراءة. تحول العلامات في القراءة السيميائية تتحدد قيمة الكلمة في النص الشعري بعلاقاتها داخل بنائه، وقد تتغير دلالتها قياسًا إلى استعمالها في اللغة العامة.[7] تتبع القراءة السيميائية ما يحدث للعلامة حين تعود في موضع جديد. فاليد تبدأ موضعًا للرعاية في الكفوف، ثم تصبح يدًا منتظرة للنجدة، وتظهر في الختام ضمن السؤال عن مصدر الجرح. وتتكون دلالتها من هذا المسار: عطاء متحقق، ومساندة منتظرة، ثم احتمال أذى. ويظل الطور الأخير محكومًا بالاستفهام؛ فالنص لا يثبت أن اليد جرحت المتكلم فعلًا. ويعمل الماء والضوء بالطريقة نفسها. فالماء يتنقل بين وفرة الشعور وكلفة الرحيل وتعذر الارتواء، بينما ينتقل الضوء من محاولة تهيئة اللقاء إلى لهب يلاحق الآخر. ويتغير دور العلامة بحسب موقعها في العلاقة، حتى إن العنصر الذي كان يُبذل طلبًا للوصل يغدو دالًا على الاستنزاف أو الغضب. وهذه الحركة تضيف إلى رصد الحقول الدلالية تفسيرًا لكيفية تغير قيمتها داخل القصيدة. أما المكان فتتوزع علاماته بين منافذ يفترض بها الاتصال، كالشرفة والطريق والأبواب، وبين البيت والربوع اللذين يتصلان بالإقامة. وحين يعلن المنفذ الحداد أو يصدأ الباب، تتعطل الوظيفة المنتظرة منه. وتكتسب هذه العلامات دلالتها من الانتقال بين الوصل والانغلاق، ثم من فقدان المكان وظيفته مأوى. وبذلك تضيف السيمياء إلى وصف المكان تتبع تحول قيمته داخل العلاقة. التناص القرآني ودلالة الوفاء كل احتراقي مرّ بردا أو سلاما طالما إنّـي وفيت وما غدرت يتحقق هنا تناص قرآني مع قوله تعالى: «يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم».[8] ويقوم الاستدعاء على التحوير؛ فالصياغة الشعرية تستعمل «أو» بدل الواو، وينتقل التعبير من مشهد النجاة من النار إلى احتراق وجداني يجد المتكلم في الوفاء سندًا لاحتماله. ويمنح التناص الذات إمكانًا لحفظ صورتها الأخلاقية؛ فالإحساس بأنها وفت ولم تغدر يخفف وطأة الانكسار. وتستمر، مع ذلك، أسباب الألم، وتعود النار في الختام في صورة وعيد. لذلك لا يستقيم اتخاذ الاستدعاء دليلًا على نجاة مكتملة؛ إنه لحظة احتماء معنوي ضمن تجربة يظل جرحها مفتوحًا، وتفسر هذه الوظيفة موضعه بين احتراق الشعر وإعلان القوة. الصراع النفسي وحدود صوت المتكلم تميّز المقاربة النفسية بين دراسة المؤلف ودراسة الأنماط النفسية داخل العمل الأدبي، وهو المجال الذي تنطلق منه هذه القراءة.[9] تتمثل العقدة النفسية في اجتماع معرفة الهشاشة واستمرار التعلق؛ فالمتكلم يصف الحبل بأنه واهن ثم يعلق عليه آماله. ولا يمنحه إدراك كلفة العلاقة قدرة تلقائية على إنهائها. ويصل هذا التناقض بين الإصرار على الوفاء والحاجة إلى حماية الكرامة، ويشرح الانتقال المتوتر من انتظار الدنو إلى طلب الابتعاد. وتؤدي أفعال الصمود وظيفة في بناء صورة الذات؛ إذ تمنح المتكلم سببًا لتقدير بذله حين يغيب الاعتراف الخارجي به. كما يمكن فهم الأوصاف التي تنتقص من قيمة المحبوب، كالداء والوثن والجمال الباهت، بوصفها محاولة للتخفيف من وطأة التعلق. غير أن حضور الآخر في الدم يكشف استمرار سطوته الوجدانية. ويمنح الوعيد المتكلم قدرة على الفعل في القول، قبل أن تعيده الحيرة الأخيرة إلى حدود هذه القدرة. وتتعلق هذه القراءة بالذات كما يشكلها النص؛ فلا تُستخلص من الصور وحدها سيرة مرضية للشاعر أو معرفة يقينية بباطن المخاطَب. ويظل غياب صوته مؤثرًا في الحكم: ما يصل إلينا هو تجربة المتكلم في الخذلان. الدلالة الوطنية وحدود التأويل السياسي تُقرأ صلة الأدب بالمجتمع عبر ما يمثله من مظاهر التجربة، دون افتراض أنه يعكس الحياة الاجتماعية في مجموعها.[10] يظهر المستوى الغزلي في معجم القصيدة، بينما تتيح القرائن المكانية، مثل البيت والسكن والربوع والرحيل والتيه، اختبار قراءة وطنية محتملة. فتضافر هذه العلامات يسمح بالنظر إلى التعلق بوصفه تجربة قد تتجاوز العلاقة الفردية إلى أسئلة الانتماء والاستقرار والاغتراب، من دون أن يلغي ذلك معناها الوجداني المباشر. يشير السياق الخارجي إلى اغتراب الشاعر القسري وعمله في ليبيا وعودته إلى العراق عام 2004، وفق سيرته المنشورة.[11] ويساعد وصل هذه الخبرة بزمن كتابة القصيدة[12] على اختبار قراءة تتصل بالانتماء والانتظار. ويقدّم مقاله «وللديمقراطيةِ حميرها» قرينة مباشرة على موقفه النقدي من الواقع السياسي؛ إذ يسخر من «الديمقراطية الرثّة» الممارسة في العراق، ويصورها هديةً جميلة التغليف تكشف عن واقع مهلهل، رابطًا نقده بالغزو الأميركي وأداء السياسيين.[13] ويعزز هذا الموقف إمكان قراءة خيبة القصيدة في ضوء تعثر وعود التغيير. ومن هذا الأفق، يمكن قراءة «اللعب بالكميت» بوصفه إيحاءً بالمقامرة بمصائر الشعب، دون أن يتيح ذلك تعيين جهة سياسية محددة. وفي القراءة الوطنية، يكتسب صوت المتكلم صدى تضحيات الشعب العراقي، والشاعر أحد أبنائه، وما عُلّق عليها من آمال في تعافي الوطن واستعادة الأمان والحرية. فتتقابل صور البذل والإضاءة والاحتراق مع صور الجمود، لتعبّر عن إحساسٍ بأن حجم التضحيات لم يقابله التعافي المأمول. وهذا الصدى الجماعي لا يجعل الشعب هو المخاطَب بالعتاب. الحرية وحدود التعلق لا ترد الحرية لفظًا في القصيدة، لكن طلب الحركة والجواب والاعتراف يتيح مناقشتها بوصفها أفقًا للقراءة. ففي التأويل الوطني يتصل فقدان السكن بالحاجة إلى الأمان، ويرتبط إغلاق الأبواب وتعطل الحوار بالسؤال عن شروط الحضور والمشاركة. ولا يثبت غياب الجواب في علاقة وجدانية قمعًا سياسيًا بذاته؛ إن وصل هذه الصور بالحياة العامة هو ما يفتح دلالتها على الحرية، ويبقي هذا الفهم مرتبطًا بقوة القرائن. وفي المستوى الوجداني تظهر الحرية في قدرة الذات على اتخاذ مسافة مما يؤلمها، وهي قدرة يعوقها استمرار التعلق. ويثير الوعيد سؤالًا عن حدود طلب الاستجابة: فالرغبة في صون الذات تتجاور مع نزوع إلى إبقاء الآخر تحت أثر الجرح، كما في ربط ملاحقة اللهب باستمرار النزف. ومن هنا يصبح صراع الحرية جزءًا من تناقض الخطاب بين إرادة الخلاص وتعذر قطع الصلة، وتغدو نبرة الوعيد موضع مساءلة ضمن التجربة. القيمة الفنية وحدود التكثيف تستمد القصيدة قوتها من انتظام العلاقة بين العطاء والامتناع، ومن صور تختزل اختلالها في تركيب موجز. وتبرز صورتا الخطو الواقف والسؤال الذي نسي حروفه لأنهما تمنحان تعطل التواصل هيئة يمكن إدراكها، وتصلان الألم بفعل اللغة نفسها. كما تمنح عودة اليد والماء والنار أجزاء القصيدة روابط داخلية، ويضيف تغير وظائفها نموًا إلى التجربة. وتظهر حدود التكثيف حين تتقارب صور الجماد والكلس والصوان والوثن من غير تحول كافٍ في الموقف؛ فقد يعمق تراكمها نبرة الاحتجاج، لكنه قد يبطئ تقدم الدلالة. وتزداد فاعلية التكرار حين يصاحبه تغير في العلاقة، كما يحدث عند انتقال النار من احتراق الذات إلى وعيد الآخر. ويظل التباس بعض التراكيب حدًا أمام التأويل التفصيلي؛ وتتوقف قيمة الغموض على ما تتيحه علاقات النص من معنى يمكن مناقشته. خاتمة تنبع مأساة القصيدة من استمرار العطاء والانتماء بعد تعطل التبادل. فغياب الاستجابة يجرح المتكلم، لكن بقاء قدرته على البذل، وعجزه عن إنهاء التعلق، هما ما يمنح الألم امتداده. ومن هذه البنية ينشأ التحول من الرعاية والانتظار إلى طلب الخلاص والوعيد، ثم إلى سؤال يعيد فتح الجرح بدل حسمه. ومن هذا التوتر تتسع التجربة الغزلية إلى احتمال الخيبة الوطنية والسياسية، من دون أن تتيح قرائن النص تعيين مرجع واحد للمخاطَب. ويظل هذا الاتساع محكومًا بتضافر العلامات المكانية وبما يسنده السياق، ويفتح صوت المتكلم على صدى تضحيات الشعب وانتظاره تعافي الوطن. فتغدو القصيدة مساءلةً لمصير الوفاء حين يواصل صاحبه العطاء بعد تصدع الصلة. المصادر والإحالات 1. جواد كاظم غلوم، «قصيدة بعنوان عشقٌ من طرفٍ واحد»، الحوار المتمدن، العدد 5318، 19 تشرين الأول 2016. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=535104 2. ابن منظور، لسان العرب، مادة «كمت»، ج13، ص109، بحسب ترقيم النسخة الإلكترونية في مكتبة إسلام ويب. https://www.islamweb.net/ar/library/content/122/7264/كمت 3. جورج لايكوف ومارك جونسون، الاستعارات التي نحيا بها، ترجمة عبد المجيد جحفة، دار توبقال للنشر، ط2، 2009، الفصل السابع «التشخيص»، ص53–54. https://archive.org/download/lis_arb36/lis_arb3608.pdf#page=51 4. جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986، الفصل الثالث «مستوى الدلالة: الإسناد»، ص108–110. https://archive.org/download/lis_m221/lisanarb_m2106.pdf#page=109 5. يوري لوتمان، تحليل النص الشعري: بنية القصيدة، ترجمة وتقديم وتعليق محمد فتوح أحمد، دار المعارف، القاهرة، 1995، «أهداف ومناهج التحليل البنائي للنص الشعري»، ص27–28. https://archive.org/download/lib04307/lib04307.pdf#page=29 6. يوري لوتمان، تحليل النص الشعري: بنية القصيدة، ترجمة وتقديم وتعليق محمد فتوح أحمد، دار المعارف، القاهرة، 1995، «التكرار الفني»، ص63–64. https://archive.org/download/lib04307/lib04307.pdf#page=65 7. يوري لوتمان، تحليل النص الشعري: بنية القصيدة، ترجمة وتقديم وتعليق محمد فتوح أحمد، دار المعارف، القاهرة، 1995، «مستوى المعجم الشعري»، ص125–126. https://archive.org/download/lib04307/lib04307.pdf#page=127 8. القرآن ، سورة الأنبياء، الآية 69. https://quran.com/21/69 9. رينيه ويليك وأوستن وارين، نظرية الأدب، تعريب عادل سلامة، دار المريخ للنشر، الرياض، 1992، الفصل الثامن «الأدب وعلم النفس»، ص113–114. https://archive.org/details/ar104comp52 10. رينيه ويليك وأوستن وارين، نظرية الأدب، تعريب عادل سلامة، دار المريخ للنشر، الرياض، 1992، الفصل التاسع «الأدب والمجتمع»، ص131–133. https://archive.org/details/ar104comp52 11. جواد كاظم غلوم، السيرة الذاتية المنشورة في موقع الحوار المتمدن. https://www.ahewar.org/m.asp?i=3995 12. جواد كاظم غلوم، إفادة شخصية غير منشورة لصاحب الدراسة في اتصال مباشر بتاريخ 2 تشرين الأول 2026، بشأن زمن كتابة القصيدة: «كتبتها أواخر سنة ٢٠١٤». 13. جواد كاظم غلوم، «وللديمقراطيةِ حميرها»، الحوار المتمدن، العدد 4520، 22 تموز 2014. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=425070
#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة نقدية لدراسة دلالات الألوان في شعر يحيى السماوي
-
هل يستطيع النموذج الصيني تجاوز حدوده البنيوية؟ سيناريوهات مس
...
-
«جميعنا تشرين» ليحيى السماوي: بلاغة الاحتجاج وشعرية استعادة
...
-
الدين المحلي والتحول الديموغرافي والبيئي في الصين
-
تطوّر القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزم
...
-
زمة الدولار في العراق: من يدفع ثمن إنقاذ الموازنة؟
-
خرائط الحنين وكريستال الدهشة في هايكو فاطمة الفلاحي: مقاربة
...
-
من فتنة القراءة إلى فيض الكتابة دراسة في البنية والدلالة في
...
-
تحوّل نمط النمو الصيني واختلالات الاستثمار والاستهلاك والعقا
...
-
التقدم العلمي والاجتماعي وحدود تعميم التجربة الصينية
-
بناء القاعدة المادية والتحول الصناعي في الصين
-
العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية في اشتراكية السوق الص
...
-
«البُرْدان» لعبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - سيميائية في
...
-
البنية المؤسسية للنموذج الصيني: الحزب والدولة والسوق والملكي
...
-
من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاري
...
-
اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البن
...
-
تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمي
...
-
الومضة عند يحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-نفسية-سياسية
-
لو كنت شجرة * / للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند
-
مرثية إلى ابن المقفّع- لجواد غلوم: من جرح الذات إلى وجع الجم
...
المزيد.....
-
رحيل الفنان السوداني عبد الواحد عبد الله في القاهرة بعد مسير
...
-
ترمب يطلب تعيين رئيس منظمة الفنون القتالية متحدثا للبيت الأب
...
-
قوى سلطوية من بلادي
-
في الذكرى الخمسين لفيلم -روكي-.. جولات في فيلادلفيا تعيد إحي
...
-
الرياض تحتضن نزالات عالمية في الفنون القتالية المختلطة بمشار
...
-
الرباط تحتفي بسينما المؤلف في دورتها الحادية والثلاثين وتكرم
...
-
عمان تستعد لاحتضان الدورة المقبلة لمهرجان المسرح العربي مطلع
...
-
سباق القمر يعود إلى الحياة في وثائقي يجمع المسرح بالموسيقى
-
علي ماهر.. من قناص الملاعب إلى سدة القيادة الفنية للفراعنة
-
في الـ81 من عمره.. زواج الفنان المصري قيس عبد الفتاح للمرة ا
...
المزيد.....
-
الدومري لا يطفئ عينيه
/ د. خالد زغريت
-
رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي
/ محمد الفقي
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
المزيد.....
|