|
|
بناء القاعدة المادية والتحول الصناعي في الصين
سهيل الزهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 15:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الفصل الخامس: بناء القاعدة المادية والتحول الصناعي في الصين تمهيد بحث الفصل السابق المضمون الاجتماعي للتنمية الصينية من خلال علاقات العمل وإنتاج الفائض وتوزيعه. وينتقل هذا الفصل إلى بحث الشروط التاريخية والمادية التي مكّنت الصين من التحول من مجتمع زراعي فقير ومجزأ إلى دولة موحدة ذات قاعدة صناعية وبنية تحتية واسعة. ولا يمكن اختزال هذا التحول في معدلات نمو الناتج أو حجم الصادرات والاستثمار؛ لأن زيادة الإنتاج لا تكشف، بمفردها، كيفية توزيع نتائجه ولا طبيعة علاقات الملكية والعمل التي تحققت في إطارها. وفي المقابل، لا يصح إنكار القيمة التاريخية لبناء الدولة والقاعدة الصناعية وشبكات النقل والطاقة والمدن بحجة استمرار السوق ورأس المال الخاص والعمل المأجور. فالتقويم النقدي يقتضي الجمع بين الاعتراف بالإنجاز المادي وتحليل العلاقات والتكاليف والتناقضات التي رافقته. وقد نتج هذا التحول من تفاعل مرحلتين مترابطتين: مرحلة تأسيس الدولة وتغيير بنية ملكية الأرض وإنشاء القاعدة الصناعية والتعليمية والصحية الأولى، ثم مرحلة الإصلاح والانفتاح التي استخدمت السوق والاستثمار الأجنبي والمبادرة الخاصة داخل إطار احتفظت فيه الدولة بالسيطرة على المصارف والأرض والقطاعات الاستراتيجية وأدوات السياسة الصناعية. ولذلك لا يمكن تفسير النجاح الصيني بتحرير السوق وحده، مثلما لا يمكن نسبته كله إلى التخطيط المركزي أو الملكية العامة. ويناقش الفصل، انطلاقًا من ذلك، معيار تقويم الإنجاز التاريخي، ودور بناء الدولة والقاعدة المادية السابقة للإصلاح، والتحول من اقتصاد زراعي إلى قوة صناعية، ثم البنية التحتية والتحضر بوصفهما الإطار المكاني والاجتماعي لهذا التحول. أما التقدم العلمي والاجتماعي وحدود قابلية التجربة للتعميم، فتُبحث في الفصل السادس. أولًا: معيار تقويم الإنجاز التاريخي ينطلق تقويم الإنجاز التاريخي في هذا الفصل من أربعة أبعاد مترابطة: مقدار ما تحقق من توسع في القوى المنتجة والقدرة العلمية والتقنية؛ ومدى تحسن شروط حياة السكان والعمل؛ وكيفية توزيع مكاسب التنمية وتكاليفها بين الفئات والمناطق؛ والجهة التي تسيطر على وسائل الإنتاج والفائض والقرار الاقتصادي. وتسمح هذه الأبعاد بالتمييز بين بناء القدرة المادية للمجتمع وبين المضمون الاجتماعي للعلاقات التي تُستخدم في إطارها هذه القدرة. تطوير القوى المنتجة في التصور الماركسي يبدأ المعيار الماركسي من أهمية تطوير القوى المنتجة. فقد أوضح ماركس في مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي أن قوى المجتمع الإنتاجية تدخل، عند درجة معينة من تطورها، في صراع مع علاقات الإنتاج القائمة؛ فتتحول هذه العلاقات من أشكال ساعدت على تطور القوى المنتجة إلى قيود عليها، وتبدأ عندئذ حقبة من الثورة الاجتماعية. وأضاف أن البشرية لا تطرح على نفسها إلا المهام التي تستطيع تحقيقها، لأن شروط حلها المادية تكون قائمةً أو آخذةً في التكوّن. (114) ومن هذا المنظور، يمثل توسيع القاعدة الصناعية والعلمية والتقنية إنجازًا تاريخيًا؛ لأنه يزيد قدرة المجتمع على إنتاج حاجاته، ويخفف خضوعه للقوى الخارجية، ويوفر الشروط المادية لتوسيع التعليم والصحة والخدمات وتقليص وقت العمل الضروري. ولا يمكن لمجتمع يعاني الفقر العام وضعف الإنتاجية أن يحقق توزيعًا اجتماعيًا متقدمًا ومستقرًا، لأن محدودية الناتج تعيد إنتاج الصراع على وسائل المعيشة وتقيّد إمكان المشاركة الواسعة في إدارة الشؤون العامة. لكن تطور القوى المنتجة لا يحمل مضمونًا اشتراكيًا بذاته. فقد بيّن ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي أن الرأسمالية أحدثت تحولًا غير مسبوق في أدوات الإنتاج والنقل والسوق العالمية، وخلقت قوى إنتاجية تفوق ما أنجزته المجتمعات السابقة. ولم يمنعهما الاعتراف بهذا الدور التاريخي من تحليل التناقض بين الطابع الاجتماعي المتزايد للإنتاج واستحواذ مالكي رأس المال على نتائجه. وطوّر ماركس هذه الفكرة في رأس المال، موضحًا أن استخدام الآلة والعلم والتعاون داخل المصنع يرفع الإنتاجية، لكنه يخضع، في ظل العلاقة الرأسمالية، لإنتاج فائض القيمة وتراكم رأس المال. ولذلك لا يكفي إثبات أن دولةً ما نجحت في بناء المصانع ورفع الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا للحكم بأن علاقات إنتاجها أصبحت اشتراكية. (115) إنجلز: من الإنتاج الاجتماعي إلى الاستحواذ الاجتماعي وضح إنجلز في ضد دوهرنغ أن التناقض بين اجتماعية الإنتاج وخصوصية الاستحواذ نشأ مع انتقال الإنتاج من الحِرف والورش الصغيرة إلى الصناعة الحديثة. ففي الإنتاج الحرفي كان المنتج يعمل غالبًا بأدواته ويتصرف في ناتج عمله، أما المصنع الحديث فقد جمع أعدادًا كبيرة من العمال داخل عملية إنتاج واحدة، وأقام تقسيمًا واسعًا للعمل، وربط بين فروع الصناعة والنقل والتجارة والائتمان. وبذلك أصبح الإنتاج ذا طابع اجتماعي؛ لأن السلعة غدت ثمرة تعاون جماعي وشبكة مترابطة من الأنشطة، لا ثمرة عمل فرد مستقل. ومع ذلك، بقيت وسائل الإنتاج والمنتجات مملوكةً لأصحاب رأس المال، فحصل العمال على أجورهم، بينما استحوذ المالكون على الفائض المتولد من العمل الجماعي. ويُعاد إنتاج التناقض بين الإنتاج الاجتماعي والتملك الرأسمالي، في صياغة إنجلز، بوصفه تضادًا بين تنظيم الإنتاج داخل كل مصنع على حدة وفوضى الإنتاج في المجتمع بأسره. ويظهر هذا التناقض كذلك في الصراع بين العمل ورأس المال وفي الأزمات الدورية التي تتجاور فيها وفرة السلع والقدرة الإنتاجية مع ضعف قدرة قطاعات واسعة من السكان على شرائها. كما حذّر إنجلز من اعتبار انتقال المشروعات الكبرى إلى ملكية الدولة تحولًا اشتراكيًا في ذاته. فقد أوضح، في سياق تحليله للدولة الرأسمالية، أن تحويل قوى الإنتاج إلى شركات مساهمة أو إلى ملكية الدولة لا يلغي بالضرورة طابعها الرأسمالي؛ إذ قد تظل علاقات العمل المأجور قائمة، ويبقى العمال منفصلين عن إدارة الإنتاج والتصرف في فائضه. غير أن هذا الانتقال يكشف، في الوقت نفسه، أن إدارة الإنتاج الاجتماعي لم تعد تتطلب وجود الرأسمالي الفردي، وينطوي بذلك على إمكان شكلي لإعادة تنظيم قوى الإنتاج على أساس اجتماعي مختلف. (116) وبناءً على ذلك، تمثل ملكية الدولة الصينية للمصارف والأرض والمؤسسات الاستراتيجية شرطًا يتيح توجيه الاستثمار على المدى الطويل، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات تحقق الملكية الاجتماعية. فالمعيار يشمل كذلك مقدار خضوع هذه المؤسسات للحاجات العامة، وكيفية توزيع عوائدها، ومدى مشاركة العاملين والمجتمع في إدارتها والرقابة عليها. لينين: الإنتاجية والرقابة في الاقتصاد الانتقالي واجه لينين مسألةً مشابهة في ظروف روسيا السوفيتية، حيث استولت الثورة على السلطة في بلد ضعيف التصنيع وتغلب عليه الزراعة والإنتاج الصغير. وقد رأى أن بقاء السلطة الجديدة لا يعتمد على تغيير الملكية السياسية والقانونية وحده، بل يتطلب رفع إنتاجية العمل، وإعادة تنظيم الاقتصاد، وتطوير الصناعة، وتوسيع التعليم والخبرة التقنية والحساب والرقابة. وفي عن الضريبة العينية أوضح لينين أن استخدام التجارة ورأس المال الخاص وبعض أشكال رأسمالية الدولة يمكن أن يمثل تقدمًا قياسًا إلى تشتت الإنتاج الصغير، إذا احتفظت السلطة الجديدة بالقدرة على تنظيم هذه الأشكال وتوجيهها. ولم يعتبر الشكل السوقي اشتراكيًا في ذاته، بل بحث موقعه داخل اقتصاد انتقالي، ومن يسيطر على القطاعات الأساسية والائتمان والتبادل، ولأي غاية تستخدم نتائج النشاط الاقتصادي. (117) ويفيد هذا المنهج في تقويم التجربة الصينية؛ فوجود السوق ورأس المال الخاص لا يكفي وحده لنفي الاتجاه الاشتراكي للنظام كله، كما أن قيادة الحزب وملكية الدولة لا تكفيان وحدهما لإثباته. ويتطلب الحكم معرفة ما إذا كانت أدوات السوق تُستخدم لتطوير القوى المنتجة مع إخضاع رأس المال للأهداف العامة، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى علاقات مستقرة تمنح أصحاب الملكية الخاصة سلطةً متزايدة على العمل والاستثمار والقرار السياسي. المعايير الصينية المعلنة للتنمية تقدم الوثائق الصينية الرسمية تصورًا أوسع للإنجاز من مجرد نمو الناتج. فقد ربط قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات التاريخية، الصادر سنة 2021، بين بناء الدولة الموحدة والتصنيع والإصلاح والانفتاح وتحسين مستوى المعيشة. كما اعتبر أن الصين أنجزت، خلال عقود، عملية تصنيع استغرقت في البلدان المتقدمة مدةً أطول بكثير، وحققت نموًا اقتصاديًا سريعًا واستقرارًا اجتماعيًا طويلًا. (118) غير أن هذه الوثيقة تمثل تقويم الحزب لتاريخه، ولذلك ينبغي استخدامها مصدرًا أساسيًا لفهم رؤية القيادة الصينية وأهدافها، من دون اعتبارها برهانًا مستقلًا وكافيًا على تحقق جميع النتائج التي تعلنها. فالتقويم العلمي يقتضي مقارنة الخطاب الرسمي بالبيانات المتعلقة بالدخل والعمل والخدمات والتفاوت والملكية والمشاركة الاجتماعية. أما تقرير المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، فقد جعل «التنمية العالية الجودة» مهمةً أساسية لبناء الدولة الاشتراكية الحديثة، وربطها بتطوير النظام الصناعي والابتكار العلمي والتكنولوجي، وزيادة دخول السكان بما يواكب النمو، وتحقيق التناسب بين ارتفاع مكافآت العمل ونمو إنتاجيته، وتقريب مستوى الخدمات العامة، ودفع الرخاء المشترك والتنمية الخضراء. (119) وتوفر هذه الأهداف معايير يمكن بواسطتها تقويم النموذج وفق شروطه المعلنة نفسها. فإذا ارتفعت الإنتاجية من دون أن تواكبها زيادة مكافآت العمل، أو توسع الاقتصاد من دون تضييق الفجوات بين المناطق والفئات، أو تطورت التكنولوجيا مع زيادة خضوع العاملين للرقابة وكثافة العمل، فإن النتائج تكون أدنى من الأهداف التي حددها المشروع الصيني لنفسه. أربعة أسئلة لتقويم الإنجاز الصيني يمكن، انطلاقًا من التصور الماركسي والأهداف الصينية المعلنة، تقويم الإنجاز التاريخي من خلال أربعة أسئلة مترابطة: هل توسعت القدرة المادية والعلمية للمجتمع؟ ويشمل ذلك تطور الصناعة والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية والمهارات، والقدرة على إنتاج وسائل الإنتاج والمحافظة على الاستقلال الاقتصادي ومواجهة الأزمات. هل تحسنت شروط حياة السكان والعمل؟ ويتعلق ذلك بالدخل والسكن والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي والأمن الوظيفي وساعات العمل، لا بمتوسط الدخل النقدي وحده. كيف توزعت مكاسب التنمية وتكاليفها؟ ويشمل هذا توزيع الدخل والثروة بين العمل ورأس المال، وبين الريف والمدينة والمناطق المختلفة، وتوزيع الأعباء البيئية والاجتماعية التي رافقت التصنيع. هل زادت سيطرة المجتمع والمنتجين على الثروة والقرار؟ فلا يكتمل المضمون الاشتراكي للتنمية بمجرد توسع ملكية الدولة أو الإنفاق العام، بل يتطلب اتساع الرقابة الاجتماعية ومشاركة العاملين في إدارة المؤسسات وتحديد أولويات الاستثمار واستخدام الفائض. تقدم التجربة الصينية إجابةً قوية عن السؤال الأول، فقد حققت تحولًا صناعيًا وعلميًا وتقنيًا واسعًا. كما تقدم نتائج مهمة، وإن كانت متفاوتة، في تحسين شروط المعيشة وتوسيع الخدمات وخفض الفقر. أما توزيع المكاسب بين الفئات والمناطق، ومدى انتقال السيطرة الفعلية على المؤسسات والفائض إلى المنتجين والمجتمع، فيظلان أكثر تعقيدًا. ولا يقلل هذا التمييز من قيمة الإنجازات الصينية، بل يمنع الخلط بين تطوير القوى المنتجة والتحول الاشتراكي الكامل. فقد أثبتت الصين أن دولةً نامية تستطيع استخدام التخطيط والملكية العامة والمصارف والسياسة الصناعية وآليات السوق لبناء قاعدة إنتاجية مستقلة نسبيًا. لكنها لم تثبت أن هذا التطور يؤدي تلقائيًا إلى تجاوز العمل المأجور والتفاوت أو إلى سيطرة اجتماعية كاملة على الفائض. وعلى أساس هذا المعيار يمكن الانتقال إلى بحث الإنجاز التاريخي الأول الذي سبق إصلاحات سنة 1978 ومهّد لها: بناء الدولة الموحدة، وتغيير بنية ملكية الأرض، وإنشاء القاعدة الصناعية والمؤسسية والبشرية الأولى. ثانيًا: بناء الدولة الموحدة والقاعدة المادية للتنمية لا يمكن تفسير التحول الاقتصادي الذي بدأته الصين في أواخر سبعينيات القرن العشرين كما لو أنه انطلق من فراغ. فقد عمل الإصلاح والانفتاح فوق قاعدة سياسية ومؤسسية ومادية تكوّنت خلال العقود الثلاثة الأولى من عمر جمهورية الصين الشعبية. وشملت هذه القاعدة توحيد الدولة والسوق الوطنية، وإعادة تنظيم ملكية الأرض، وإنشاء جهاز إداري قادر على تعبئة الموارد، وتأسيس الصناعات الثقيلة ومرافق الطاقة والنقل، وتوسيع التعليم والصحة العامة، وتكوين خبرات فنية وهندسية وإدارية استفادت منها مرحلة الإصلاح لاحقًا. ولا يعني الاعتراف بهذه الاستمرارية تبرير جميع سياسات مرحلة ما قبل عام 1978؛ فقد تضمنت تلك المرحلة إنجازات تأسيسية، لكنها شهدت كذلك اختلالات جسيمة في التخطيط وتوزيع الموارد، وأزمات ارتبطت بالقفزة الكبرى إلى الأمام والكومونات الشعبية والثورة الثقافية. ولذلك ينبغي التمييز بين الوظيفة التاريخية التي أدتها المرحلة في بناء الدولة والقاعدة المادية، وبين الأساليب والسياسات التي فرضت تكاليف مرتفعة على المجتمع، ولا سيما على الفلاحين. الثورة وتوحيد المجال السياسي والاقتصادي ورثت جمهورية الصين الشعبية عند تأسيسها عام 1949 بلدًا أنهكته الحروب الأهلية والغزو الياباني والتدخلات الأجنبية، وكانت بنيته الصناعية محدودة ومتمركزة في عدد من المدن والمناطق الساحلية. كما كانت السلطة السياسية والمالية مشتتة، وشبكات النقل والاتصال ضعيفة، ومستويات الأمية والمرض والفقر مرتفعة. تمثل الإنجاز الأول للثورة في إنشاء سلطة مركزية استطاعت توحيد معظم البر الصيني، واستعادة قدر من السيادة الوطنية، وتثبيت العملة والأسعار، وتوحيد الإدارة المالية والاقتصادية، وتنفيذ الإصلاح الزراعي. ويشير قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني الصادر عام 2021 إلى أن هذه الإجراءات وفّرت «الشرط السياسي المسبق» و«الأرضية النظامية» لبدء التصنيع والبناء الاقتصادي الواسع. كما يقرر أن الخطط الخمسية الأولى أسهمت في إنشاء نظام صناعي واقتصادي وطني «مستقل ومتكامل نسبيًا»، إلى جانب تطور الزراعة والتعليم والعلوم والصحة والدفاع الوطني. (120) ولم تكن وحدة الدولة مسألة سياسية منفصلة عن التنمية؛ إذ أتاحت إنشاء سوق وطنية أوسع، وتعبئة الموارد على نطاق البلاد، وتنفيذ مشروعات تتجاوز قدرة المناطق أو رأس المال الخاص المحدود، مثل شبكات السكك الحديدية والطاقة والصناعات الأساسية. كما مكّنت الحكومة المركزية من نقل الموارد والخبرات بين الأقاليم، وتوجيه الاستثمار إلى أهداف طويلة الأجل لا تحقق أرباحًا تجارية سريعة. لكن هذه القدرة حملت تناقضًا داخليًا. فقد مكّنت المركزية الدولة من تركيز الموارد وتسريع البناء، لكنها جعلت نتائج القرارات الخاطئة واسعة النطاق أيضًا. وعندما ضعفت قنوات المعلومات والمراجعة والنقد، وأصبح تحقيق الأهداف المعلنة معيارًا للولاء السياسي، ازدادت احتمالات تضخيم الإنتاج وإخفاء المشكلات وتعميم سياسات غير واقعية. وبذلك كانت قوة الجهاز المركزي مصدرًا للإنجاز ومصدرًا للخطر في الوقت نفسه، تبعًا لطبيعة القرار ومدى خضوعه للمحاسبة والرقابة الشعبية والمهنية. الإصلاح الزراعي وتغيير بنية الملكية كان الإصلاح الزراعي من أهم التحولات الاجتماعية التي سبقت التصنيع. فقد فُككت ملكية كبار الملاكين التقليدية، وأُعيد توزيع الأرض على ملايين الأسر الفلاحية، ثم انتقلت الزراعة تدريجيًا من الملكية والاستغلال الأسريين إلى فرق التعاون والتعاونيات، وصولًا إلى الكومونات الشعبية في أواخر الخمسينيات. وتكتسب هذه العملية دلالة خاصة عند مقارنتها بتحليل ماركس للتراكم الرأسمالي الأولي. فقد أوضح ماركس في المجلد الأول من رأس المال أن المسار الكلاسيكي لنشوء الرأسمالية في إنجلترا قام على فصل المنتج الزراعي عن الأرض وتحويلها إلى ملكية خاصة رأسمالية، بحيث تحولت جماهير من الفلاحين إلى عمال لا يملكون سوى قوة عملهم. (121) أما الإصلاح الزراعي الصيني فقد بدأ في اتجاه مختلف؛ إذ نقل الأرض من كبار الملاكين إلى الفلاحين بدل تحويلها مباشرةً إلى ملكية رأسمالية واسعة، وأضعف الأساس الاقتصادي للطبقة المالكة للأرض. ولم يؤدِّ التطور اللاحق إلى خصخصة الأرض، بل إلى إدخالها في أشكال ملكية جماعية، الأمر الذي حال دون تشكل سوق حرة كاملة للأرض الزراعية ودون عودة الملكية العقارية الخاصة الواسعة بصورتها التقليدية. غير أن الانتقال من توزيع الأرض على الأسر إلى التعاونيات والكومونات جرى بسرعة متزايدة، ولم تتوافر دائمًا مشاركة فلاحية حقيقية في تحديد شكل التنظيم الزراعي وإدارته. وهنا يوفر إنجلز معيارًا نقديًا مهمًا. ففي مسألة الفلاحين في فرنسا وألمانيا رفض انتزاع ملكية صغار الفلاحين بالقسر، ورأى أن الانتقال إلى الإنتاج التعاوني ينبغي أن يقوم على الاقتناع والمثال العملي وتقديم المساعدة الاجتماعية، لا على الإكراه الإداري. (122) ولا يعني ذلك إمكان تطبيق وصفة إنجلز حرفيًا على الصين، حيث اختلفت بنية الريف وحجم السكان ومستوى الإنتاج والحرب الثورية. لكنه يوضح أن إلغاء ملكية كبار الملاكين لا يكفي لجعل العلاقات الزراعية اشتراكية في مضمونها؛ إذ ينبغي كذلك بحث مقدار سيطرة الفلاحين على عملية الإنتاج، ومشاركتهم في إدارة التعاونيات، وحريتهم في تنظيم العمل وتوزيع الناتج. وقد حافظت الصين، حتى بعد تفكيك الكومونات وإقرار نظام المسؤولية الأسرية، على مبدأ الملكية العامة للأرض. فوفق المادة العاشرة من الدستور، تعود ملكية الأرض في المدن إلى الدولة، بينما تعود الأرض الريفية، في الأصل، إلى الجماعات القروية، مع إمكان تداول حقوق الاستخدام ضمن القانون. (123) وأدى هذا التنظيم إلى منع الخصخصة الكاملة للأرض الزراعية، وإلى توفير قدر من الحماية للأسر الريفية من فقدان الأرض نهائيًا. لكنه لم يُنهِ التناقضات المرتبطة بالتصرف في حقوق الاستخدام وتحويل الأراضي والتعويضات وسلطة الحكومات المحلية. وتقر القوانين الصينية لأعضاء الجماعات الريفية حقوقًا في المشاركة في إدارة الأراضي والأصول الجماعية، من خلال اجتماعات القرويين أو ممثليهم وجمعيات أعضاء المنظمات الاقتصادية الجماعية، بما في ذلك مناقشة خطط استخدام بعض العائدات والتعويضات وتوزيعها. غير أن وجود هذه الآليات قانونًا لا يضمن وحده فاعلية المشاركة أو عدالة النتائج؛ إذ يتوقف ذلك عمليًا على شفافية المعلومات، وتمثيل مختلف فئات السكان، وقدرتهم على مراقبة الهيئات المديرة ومراجعة قراراتها، وعلى القواعد التي تحكم توزيع العائد المتحقق من الأرض. ولذلك تمثل الملكية الجماعية للأرض شرطًا مؤسسيًا يمكن أن يحمل مضمونًا اجتماعيًا، لكن مدى تحقق هذا المضمون يتحدد بفاعلية مشاركة أعضاء الجماعة وعدالة توزيع المنافع والتعويضات بينهم. تكوين القاعدة الصناعية الأولى أعطت الدولة الصينية منذ الخطة الخمسية الأولى أولويةً لبناء الصناعات الثقيلة والطاقة والتعدين والصلب والآلات والنقل والدفاع. واستفادت المرحلة الأولى من المساعدات السوفيتية ونقل التكنولوجيا والخبرات، ثم اتجهت الصين، بعد تدهور العلاقات الصينية ــ السوفيتية، إلى توسيع قدرتها الصناعية والعلمية بالاعتماد المتزايد على مواردها الذاتية. وقد أظهر خطاب ماو تسي تونغ حول العلاقات العشر الكبرى، الذي ألقاه عام 1956، إدراكًا مبكرًا لبعض اختلالات نمط التصنيع شديد المركزية. فقد بحث ماو العلاقة بين الصناعة الثقيلة من جهة والزراعة والصناعة الخفيفة من جهة أخرى، وبين المناطق الساحلية والداخلية، وبين البناء الاقتصادي والدفاع، وبين الدولة ووحدات الإنتاج والمنتجين، وبين الحكومة المركزية والسلطات المحلية. وكان الهدف المعلن هو تجنب بعض مشكلات التجربة السوفيتية وبناء مسار يتناسب مع الظروف الصينية. (124) ولم تُطبق هذه الموازنة باستمرار؛ إذ ظلت الصناعة الثقيلة تحظى بأولوية واضحة، وخُصصت لها موارد كبيرة على حساب الاستهلاك والاستثمار الزراعي في بعض المراحل. ومع ذلك، أنتج هذا التراكم مصانع ومناجم ومحطات كهرباء وشبكات نقل ومؤسسات بحثية وجامعات تقنية، وكون طبقات من العمال الصناعيين والمهندسين والفنيين والإداريين. وقد أصبحت هذه القاعدة أحد الشروط التي سمحت بعد عام 1978 باستيعاب التكنولوجيا الأجنبية وتوسيع الصناعات التصديرية بدل البدء من اقتصاد زراعي بلا خبرة صناعية أو مؤسسات وطنية. (125) كلفة التراكم الصناعي وحدوده لم تكن القاعدة الصناعية نتاجًا مجانيًا. فقد اعتمد تمويل التصنيع بدرجة كبيرة على تعبئة الفائض الزراعي بواسطة احتكار الدولة شراء عدد من المنتجات، ونظام الأسعار الذي رجّح السلع الصناعية، وتقييد انتقال السكان بين الريف والمدينة. وأتاح نظام التسجيل الأسري ضبط الهجرة وتوفير الغذاء والعمالة للمدن، لكنه أسهم في تكوين تفاوت طويل الأمد بين الحقوق والخدمات المتاحة للسكان الحضريين والريفيين. ومن منظور التحليل الماركسي، مثّلت هذه السياسات نقلًا إداريًا لقسم من الفائض الذي ينتجه الفلاحون إلى التراكم الصناعي. ولم يتحول هذا الفائض أساسًا إلى ملكية خاصة لأصحاب رأس المال، بل استخدم في بناء قطاع عام وقاعدة صناعية وطنية. وهذه نقطة تميّز مهمة عن التراكم الرأسمالي الخاص. لكنها لا تلغي السؤال عن الثمن الذي تحمله المنتجون الزراعيون، ولا عن مقدار مشاركتهم في تقرير حجم الاقتطاع وأوجه استخدامه. وقد وصلت اختلالات التعبئة المركزية إلى ذروتها خلال «القفزة الكبرى إلى الأمام» وحركة تعميم الكومونات الشعبية، حين استُبدلت في جوانب متعددة الأهداف السياسية والإنتاجية غير الواقعية بالحساب الاقتصادي الدقيق والخبرة الفنية. وأدت السياسات الخاطئة، إلى جانب عوامل أخرى، إلى أزمة اقتصادية واجتماعية شديدة. كما عطلت الثورة الثقافية لاحقًا مؤسسات التعليم والإدارة والبحث العلمي، وأخضعت قطاعات واسعة من الحياة الاجتماعية لصراعات سياسية حادة. ولا يستند هذا النقد إلى مصادر خارجية وحدها؛ فالقرار التاريخي للحزب الشيوعي الصيني الصادر عام 2021 يصف القفزة الكبرى والكومونات الشعبية بأنها أخطاء، ويقرر أن الثورة الثقافية قامت على تقدير خاطئ للوضع، وأنها عرّضت الحزب والدولة والشعب لأخطر النكسات والخسائر منذ تأسيس الجمهورية. (126) وتكشف هذه التجربة أن الملكية العامة والتخطيط المركزي لا يضمنان، بذاتهما، الاستخدام العقلاني للفائض. فإذا غابت المعلومات الدقيقة والمراجعة المهنية والرقابة الشعبية، أمكن أن يتحول التخطيط إلى أوامر إدارية منفصلة عن قدرات المنتجين والموارد الفعلية. كما أن تعبئة الجماهير لا تكون بديلًا عن المعرفة التقنية والتنظيم والمحاسبة، ولا تصبح مشاركةً اشتراكية حقيقية إذا اقتصرت على تنفيذ أهداف تقررها الأجهزة العليا. التعليم والصحة وبناء القدرة البشرية لم تقتصر القاعدة المادية على المصانع والآلات. فقد شهدت مرحلة ما قبل الإصلاح حملات واسعة لمحو الأمية، وتوسيع التعليم الأساسي، وإعداد الفنيين والمهندسين، ونشر خدمات الصحة العامة والوقاية والتطعيم والرعاية الريفية. وأسهمت هذه السياسات في تحسين القدرة الصحية والتعليمية للسكان، وفي تكوين قوة عمل استطاعت التعامل لاحقًا مع التصنيع الحديث والتكنولوجيا المستوردة. وتنسجم أهمية هذا الجانب مع معالجة لينين لشروط الانتقال الاشتراكي. ففي المهمات المباشرة للسلطة السوفيتية أكد أن الاستيلاء السياسي على السلطة لا ينجز الاشتراكية تلقائيًا، وأن المرحلة التالية تتطلب تنظيم المحاسبة والرقابة، ورفع إنتاجية العمل، والاستفادة من العلم والخبرة الفنية، وإنشاء شبكة من مؤسسات التعليم والإدارة الحديثة. كما ربط في عن التعاون بين نجاح التنظيم التعاوني وارتفاع المستوى الثقافي للفلاحين وتوافر «قاعدة مادية» متطورة، ورأى في ثورتنا أن السلطة الثورية تستطيع البدء ببناء بعض الشروط الحضارية التي لم تنجزها الرأسمالية السابقة، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن إنجازها. (127) وتفيد هذه النصوص في فهم التجربة الصينية من جانبين. فمن جهة، لم يكن تأخر الصين المادي والثقافي دليلًا على ضرورة انتظار اكتمال الرأسمالية قبل القيام بالثورة؛ فقد استطاعت الدولة الجديدة أن تنشئ مؤسسات وقوى إنتاج لم تكن الطبقات المالكة القديمة قادرة على بنائها. ومن جهة أخرى، لم يكن الانتصار السياسي بديلًا عن تطوير الإنتاج والتعليم والعلم والإدارة. وعندما جرى التقليل من شأن الخبرة الفنية أو إخضاع المؤسسات التعليمية والعلمية للصراع السياسي، ظهرت حدود الإرادوية الثورية بوضوح. الإصلاح والانفتاح بوصفه إعادة تنظيم لقاعدة قائمة يمثل عام 1978 تحولًا تاريخيًا في اتجاه التنمية الصينية، لكنه لا يشكل بداية الدولة الحديثة أو التصنيع الصيني. فقد انتقلت القيادة بعده من تعبئة الموارد أساسًا بواسطة الأوامر الإدارية إلى استخدام أوسع للحوافز السوقية، والاستقلال النسبي للمؤسسات، والاستثمار الأجنبي، والتجارة الدولية، والمبادرات المحلية والخاصة. غير أن السوق لم تُنشأ في فراغ؛ فقد عملت داخل دولة موحدة تمتلك الأرض الحضرية، وتحتفظ بالملكية الجماعية للأرض الريفية، وتسيطر على المصارف الأساسية وقطاعات الطاقة والنقل والصناعات الاستراتيجية. كما دخل رأس المال الأجنبي إلى مناطق اختارتها الدولة، واستفاد من الموانئ والطرق وشبكات الكهرباء والمؤسسات التعليمية وقوة العمل التي تكوّنت خلال المرحلة السابقة. وبذلك لم يكن الإصلاح مجرد استبدال التخطيط بالسوق، بل إعادة تنظيم لاستخدام قاعدة مادية ومؤسسية موجودة. فقد أسهمت الحوافز السوقية والانفتاح في رفع الكفاءة وجذب التكنولوجيا وتوسيع الإنتاج، بينما وفرت الدولة والقطاع العام البنية الأساسية والتمويل والقدرة على توجيه الاستثمار. وأسهمت القاعدة السابقة في تمكين الاقتصاد من استيعاب الاستثمار والتكنولوجيا وتطوير سلاسل إنتاج محلية. ثالثًا: التحول من اقتصاد زراعي إلى قوة صناعية عالمية يمثل التحول من اقتصاد يغلب عليه الإنتاج الزراعي والعمل الريفي إلى واحدة من أكبر القواعد الصناعية في العالم أبرز النتائج التاريخية للتجربة الصينية. فلم يكن الأمر مجرد ارتفاع في حجم الناتج أو زيادة في عدد المصانع، بل إعادة تشكيل واسعة لتقسيم العمل الاجتماعي، وتوزيع السكان بين الريف والمدينة، وتركيب قوة العمل، والعلاقة بين الزراعة والصناعة، وموقع الصين داخل السوق العالمية. ورثت مرحلة الإصلاح قاعدةً صناعية وتعليمية ومؤسسية تشكّلت خلال العقود الثلاثة الأولى بعد الثورة، لكنها ورثت كذلك اقتصادًا منخفض الإنتاجية، يعاني اختلالات في تخصيص الموارد، وضعف الحوافز، ونقص السلع الاستهلاكية والتكنولوجيا المتقدمة. ومنذ عام 1978 أُعيد تنظيم هذه القاعدة من خلال تفاعل التخطيط الحكومي وآليات السوق، وملكية الدولة والملكية الجماعية والملكية الخاصة، والاستثمار المحلي والأجنبي، والتصنيع الريفي والحضري، والاندماج في التجارة العالمية. ولذلك لا يمكن تفسير الصعود الصناعي الصيني بإرجاعه إلى السوق وحدها، كما لا يمكن تفسيره باستمرار التخطيط المركزي بصورته القديمة. لقد نشأ من تركيب تاريخي جمع بين تراكم سابق موّلته الدولة، وإصلاح العلاقات الزراعية والصناعية، وتوسيع دور المبادرة المحلية والخاصة، وجذب رأس المال والتكنولوجيا من الخارج، مع احتفاظ الدولة بالسيطرة على الائتمان والأرض والبنية التحتية وعدد من القطاعات الاستراتيجية. تحول تقسيم العمل الاجتماعي ربط ماركس وإنجلز في الأيديولوجيا الألمانية تطور أشكال الملكية والبنية الاجتماعية بتقدم تقسيم العمل والقوى المنتجة. فانتقال المجتمع من الإنتاج الزراعي المحلي المحدود إلى الصناعة الواسعة لا يضيف قطاعًا اقتصاديًا جديدًا فحسب، بل يغيّر العلاقات بين الريف والمدينة، ويفصل فروعًا جديدة من النشاط، ويوسع التبادل، ويخلق فئات وطبقات ومصالح اجتماعية جديدة. (128) وقد طوّر لينين هذا المنهج في تطور الرأسمالية في روسيا، موضحًا أن تشكل السوق الداخلية يرتبط بتمايز المنتجين الزراعيين، وانتقال قسم من السكان من الزراعة إلى الصناعة، وتحول قوة العمل نفسها إلى سلعة. ومن هذا المنظور لا يُقاس التصنيع بحجم الإنتاج الصناعي وحده، بل بمقدار ما يحدثه من تغيير في بنية العمل والعلاقة بين الزراعة والصناعة والسوق الوطنية. (129) انطبق جانب من هذه العملية على الصين، وإن جرى داخل شروط سياسية وملكية مختلفة عن التطور الرأسمالي التقليدي. ففي عام 1952 كان نحو 83.5 في المائة من المشتغلين يعملون في القطاع الأولي، مقابل 7.4 في المائة في القطاع الثانوي و9.1 في المائة في الخدمات. وبحلول عام 1978 انخفضت حصة القطاع الأولي إلى 70.5 في المائة، ثم تراجعت في عام 2023 إلى 22.8 في المائة، بينما ارتفعت حصة الصناعة والبناء إلى 29.1 في المائة والخدمات إلى 48.1 في المائة. (130) وتبين هذه الأرقام أن التحول الصيني لم يكن مجرد توسع للإنتاج الصناعي بجوار قطاع زراعي ثابت، بل انتقالًا تاريخيًا لمئات الملايين من العمال من الزراعة إلى الصناعة والبناء والنقل والتجارة والخدمات. وأدى ذلك إلى توسيع العمل المأجور، وتعميق الترابط بين الريف والمدينة، وربط معيشة الأسر الريفية بالأجور والتحويلات النقدية والأسواق الوطنية. غير أن هذا الانتقال لم يلغِ الريف أو الزراعة. فقد ظلت الأرض الجماعية وحقوق الانتفاع الزراعي تؤدي دورًا اقتصاديًا واجتماعيًا، واحتفظت أسر كثيرة بعلاقات متزامنة مع القرية وسوق العمل الحضري. ولذلك نشأت بنية مزدوجة تجمع بين العمل المأجور الصناعي واستمرار الصلة بالأرض والأسرة الريفية، وهو ما ميّز مسار التحول الصيني من مسارات تاريخية قامت على الاقتلاع الكامل والسريع للفلاحين من الأرض. الإصلاح الريفي والتصنيع من أسفل بدأت إعادة تنظيم الاقتصاد بعد عام 1978 من الريف. فقد حل نظام المسؤولية الأسرية تدريجيًا محل الإدارة الجماعية المباشرة للعمل الزراعي، مع بقاء ملكية الأرض جماعيةً ومنح الأسر حق التعاقد على استخدامها والإنتاج فيها. وأسهم ارتفاع الإنتاجية الزراعية وتحسن الحوافز في زيادة المعروض من الغذاء وتحرير قسم من قوة العمل الريفية للانتقال إلى أنشطة غير زراعية. لكن فائض العمل الريفي لم ينتقل كله مباشرةً إلى المدن الكبرى. فقد توسعت مؤسسات البلدات والقرى، التي عملت في الصناعة الخفيفة والمواد الإنشائية والأغذية والآلات والخدمات. وأتاحت هذه المؤسسات تصنيعًا ريفيًا استوعب أعدادًا كبيرة من العاملين، ورفع دخول الأسر والسلطات المحلية، وربط القرى بشبكات الإنتاج والتجارة من دون اشتراط هجرة جميع العمال منذ البداية إلى المراكز الساحلية. ولم تكن مؤسسات البلدات والقرى قطاعًا متجانسًا من حيث الملكية. فبعضها ارتبط بالملكية الجماعية المحلية، وبعضها خضع فعليًا لإدارة خاصة تحت تسميات جماعية، ثم اتجه عدد كبير منها إلى الخصخصة أو إعادة الهيكلة. ومع ذلك أدت، خلال المراحل الأولى من الإصلاح، وظيفةً انتقاليةً مهمة بين الزراعة التقليدية والصناعة الحضرية، وبين الملكية الجماعية والسوق. وأشارت القرارات التاريخية للحزب الشيوعي الصيني إلى أن التحول بعد عام 1978 شمل نقل مركز العمل إلى البناء الاقتصادي، وتطبيق نظام المسؤولية الأسرية، وتطوير اقتصاد متعدد الأشكال مع تأكيد الدور الرئيسي للملكية العامة، وإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة والانتقال التدريجي إلى اقتصاد السوق الاشتراكي. (131) ويبين باري نوتون أن هذه الإصلاحات لم تنطلق من مخطط مكتمل طُبق دفعةً واحدة، بل من تجارب محلية توسعت عندما أثبتت قدرتها على زيادة الإنتاج والدخل. وقد سمح هذا النهج بنمو أنشطة جديدة خارج الخطة، من دون تفكيك فوري للمؤسسات القائمة أو حرمان الدولة فجأةً من الموارد التي تعتمد عليها. (132) إعادة تنظيم العلاقة بين الخطة والسوق أوضح ماركس في مقدمة مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي أن علاقات الإنتاج تشكل الإطار الاجتماعي الذي تتحرك داخله القوى المنتجة، وأن التناقض قد يتصاعد عندما تتحول العلاقات القائمة من أشكال لتطور هذه القوى إلى قيود عليها. ولا تعني هذه الفكرة أن كل توسع في السوق أو تغيير في الملكية يمثل تقدمًا تاريخيًا بذاته؛ بل تعني أن تقويم الإصلاح يتطلب بحث ما إذا كان قد حرر القدرات الإنتاجية، وما العلاقات الاجتماعية الجديدة التي نشأت عنه، ولمن عادت نتائجه. (133) وفي الصين لم يجر الانتقال من تحديد إداري شامل للأسعار والكميات إلى السوق بصورة فورية. فقد ظهر لفترة نظام المسارين، الذي استمرت المؤسسة بموجبه في تسليم الحصة المقررة للدولة وفق أسعار الخطة، بينما سُمح لها ببيع الإنتاج الزائد في السوق. وأتاح ذلك إدخال الحوافز السعرية وتوسيع الإنتاج مع المحافظة على إمدادات الدولة والقطاعات الأساسية. ومع اتساع الإصلاح، حصلت المؤسسات العامة على استقلال أكبر في التشغيل والاستثمار، ونمت المؤسسات الخاصة والمشروعات المشتركة، وتطورت المنافسة بين الحكومات المحلية على جذب الاستثمار. كما انتقل جانب متزايد من تخصيص السلع والعمل ورأس المال إلى السوق، في حين احتفظت الدولة بأدوات مؤثرة من خلال المصارف العامة والاستثمار والبنية التحتية والتخطيط الصناعي وملكية المؤسسات الكبرى. ويذكّر هذا التركيب، من حيث تعدد الأشكال لا من حيث التطابق التاريخي، بتحليل لينين في عن الضريبة العينية للاقتصاد الانتقالي الذي يمكن أن تتعايش داخله عناصر الإنتاج الصغير والرأسمال الخاص ورأسمالية الدولة والقطاع الاشتراكي. وكان معيار لينين هو معرفة الجهة التي تملك السلطة، والقطاعات التي تسيطر عليها، والعنصر الاقتصادي الذي يتوسع، وكيف يجري تنظيم رأس المال واستخدام موارده. (134) ولا يجوز استخدام هذه المقارنة لمساواة الصين المعاصرة بروسيا في مرحلة السياسة الاقتصادية الجديدة؛ فالفروق بينهما كبيرة في مستوى الصناعة ومدة الإصلاح والاندماج العالمي وحجم رأس المال الخاص. لكنها تساعد على إدراك أن وجود السوق لا يحسم وحده طبيعة النظام، مثلما لا تحسمها ملكية الدولة القانونية وحدها. فالاتجاه الاجتماعي يتحدد بالعلاقة المتحركة بين السلطة والملكية والتراكم والتوزيع. وقد حقق الإصلاح التدريجي قدرةً عالية على التكيف، لكنه أوجد كذلك تكاليف وتناقضات. فقد سمح ازدواج الأسعار في بعض المراحل بتحقيق أرباح من الفارق بين السعرين، وفتح مجالًا للفساد والمحسوبية. كما أدت إعادة هيكلة المؤسسات العامة في التسعينيات إلى رفع الكفاءة في قطاعات متعددة، لكنها اقترنت بتسريح عمال وفقدان أجزاء من الضمانات التي كانت توفرها وحدة العمل الحكومية. ولذلك لم يكن تحرير القوى المنتجة عملية تقنية محايدة، بل تحولًا في علاقات العمل والدخل والأمن الاجتماعي أيضًا. السوق العالمية بوصفها مجالًا للتصنيع أكد ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي أن الصناعة الحديثة لا تنمو داخل الحدود الوطنية بمعزل عن غيرها، بل توسع السوق العالمية وتعيد توزيع العمل والإنتاج بين البلدان. وأوضح إنجلز في مبادئ الشيوعية أن الثورة الصناعية والمنافسة والتجارة الدولية تجعل اقتصادات الدول مترابطة، وتنقل آثار التوسع والأزمات من سوق إلى أخرى. (135) استفادت الصين من هذه الإمكانات عندما أنشأت المناطق الاقتصادية الخاصة، ولا سيما في المدن الساحلية، وفتحت مجالات للاستثمار الأجنبي والتصدير. وقدمت العمالة الواسعة والبنية التحتية المتنامية والسوق المحلية عوامل جذب مهمة، بينما وفر الاستثمار الأجنبي رأس المال والمعدات وأساليب الإدارة والوصول إلى شبكات التجارة الدولية. غير أن اندماج الصين في السوق العالمية لم يكن مجرد فتح غير مشروط للاقتصاد. فقد جرى بالتدرج، وبدأ من مناطق محددة قبل تعميمه، وارتبط بسياسات محلية ووطنية لتطوير الموانئ والطاقة والنقل والمناطق الصناعية. كما سعت الدولة إلى ربط دخول الشركات الأجنبية بالتشغيل المحلي والتصدير وتكوين سلاسل توريد داخلية، وإن تفاوتت قدرتها على الحصول على التكنولوجيا والمعرفة بحسب القطاع والمرحلة. وجاء انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001 ليعمق هذا الاندماج، ويوسع وصول المنتجات الصينية إلى الأسواق الخارجية، ويزيد المنافسة داخل السوق المحلية. وشكل الانضمام نقطةً فاصلةً في نمو التجارة والاستثمار والتصنيع التصديري، لكنه جعل الصناعة الصينية كذلك أكثر تعرضًا لتقلب الطلب العالمي والمنافسة والقيود التجارية والتكنولوجية. (136) ومن ثم حملت السوق العالمية للصين وظيفةً مزدوجة. فقد أتاحت استيعاب قوة عمل ضخمة، والحصول على العملات الأجنبية والتكنولوجيا، وتوسيع الإنتاج إلى مستويات يصعب أن يوفرها الطلب الداخلي وحده. لكنها دفعت كذلك قطاعات واسعة إلى المنافسة على أساس خفض التكاليف وزيادة كثافة العمل، وربطت مواقع تشغيل كثيرة بقرارات الشركات الأجنبية وحركة الأسواق الخارجية. التعاون الصناعي والآلة وإنتاجية العمل حلل ماركس في المجلد الأول من رأس المال تطور الإنتاج من التعاون البسيط إلى تقسيم العمل داخل المانيفاكتورة، ثم إلى الصناعة القائمة على الآلات. ويبين هذا التحليل أن المصنع لا يجمع عمالًا منفردين فحسب، بل يخلق قوة إنتاجية اجتماعية تنشأ من تعاونهم وتنظيمهم داخل عملية مترابطة. ومع ذلك تظهر هذه القوة، في العلاقة الرأسمالية، كأنها قوة يمتلكها رأس المال، لأن صاحب رأس المال يسيطر على شروط التعاون وعلى ناتجه. (137) وتساعد هذه الفكرة على تفسير ميزة التصنيع الصيني. فلم تعتمد القدرة الصناعية على انخفاض أجر العامل منفردًا فقط، بل على تنظيم ملايين العمال داخل تجمعات صناعية مترابطة، وعلى وجود شبكة واسعة من الموردين والموانئ والطرق والكهرباء والتمويل والخدمات الهندسية. وأصبح قرب المنتجين من موردي القطع والمكونات ومراكز الخدمات عاملًا يخفض زمن الإنتاج والتكلفة، ويسمح بتعديل الكميات والمنتجات بسرعة. وقد شاركت في بناء هذه القدرة مؤسسات ذات علاقات ملكية مختلفة. فالمؤسسات العامة تولت أدوارًا رئيسية في الطاقة والصلب والنقل والاتصالات والتمويل والصناعات الثقيلة. وأسهمت الشركات الخاصة في الصناعات الخفيفة والإلكترونيات والمنصات والخدمات والابتكار التجاري. أما الشركات الأجنبية والمشروعات المشتركة فكان لها دور بارز في التصنيع التصديري وإدخال المعدات والمعايير وشبكات التسويق العالمية. ولم تعمل هذه القطاعات منعزلةً بعضها عن بعض؛ فالشركة الخاصة استفادت من الائتمان والبنية التحتية والطاقة التي يوفرها القطاع العام، بينما استفادت المؤسسات العامة من الموردين الخاصين والمنافسة والسوق. كما ارتبطت الشركات الأجنبية بشبكات متزايدة من المنتجين المحليين. ولذلك تكونت القاعدة الصناعية من ترابط ملكية الدولة الملكية الجماعية ورأس المال الخاص والأجنبي، وإن ظلت بينها فروق حقيقية في أهداف الاستثمار وتوزيع الأرباح وعلاقات العمل. وكان ماركس قد بيّن في العمل المأجور ورأس المال أن نمو القوى المنتجة والتراكم يمكن أن يقترن بارتفاع أجر العامل، من دون أن يزول التفاوت في السيطرة بين رأس المال والعمل. فارتفاع الأجور وتحسن الاستهلاك لا يلغيان علاقة العمل المأجور إذا ظل العامل منفصلًا عن وسائل الإنتاج وعن قرار استخدام الناتج. (138) وينطبق هذا التمييز على التصنيع الصيني. فقد رفع التوسع الصناعي دخول شرائح واسعة، وأوجد فرصًا لم تكن متاحةً في الاقتصاد الزراعي منخفض الإنتاجية، لكنه وسّع في الوقت نفسه الطبقة العاملة المأجورة. ومن ثم لا يجوز اختزال التجربة في صورة «استغلال العمالة الرخيصة»، لأن الإنتاجية والبنية التحتية والمهارات والتنظيم كانت عوامل حاسمة، كما لا يجوز الاستدلال من ارتفاع الدخول على تجاوز العلاقة بين العمل المأجور ورأس المال. الحجم الصناعي والتحول إلى التكنولوجيا تعكس حصة الصين من الصناعة العالمية عمق التحول الذي شهده اقتصادها خلال العقود الأخيرة. فوفقًا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ارتفعت حصة الصين من القيمة المضافة للصناعة التحويلية العالمية من نحو 6 في المائة عام 2000 إلى ما يُقدَّر بنحو 32 في المائة عام 2024. (139) وبحلول عام 2024، حافظ قطاع الصناعات التحويلية الصيني على المرتبة الأولى عالميًا من حيث الحجم الكلي للسنة الخامسة عشرة على التوالي. كما أصبح النظام الصناعي الصيني يضم جميع الفئات الصناعية المدرجة في التصنيف الصناعي للأمم المتحدة، بما يعكس اتساع القاعدة الإنتاجية من المواد الأولية والصناعات الثقيلة إلى الآلات والإلكترونيات والمنتجات الاستهلاكية. (140) غير أن الحجم الصناعي وحده لا يحسم موقع الاقتصاد في التقسيم الدولي للعمل أو مستوى استقلاله التقني. فقد بدأت مراحل واسعة من التصنيع الصيني في أنشطة التجميع والإنتاج كثيف العمل، واعتمدت قطاعات متعددة على المعدات والمكونات والتصميمات الأجنبية. ولذلك اتجهت السياسة الصناعية تدريجيًا من توسيع حجم الإنتاج والصادرات إلى رفع المحتوى التكنولوجي المحلي، وتطوير صناعة الآلات والطاقة المتجددة والقطارات السريعة والاتصالات والمركبات الكهربائية والتقنيات الرقمية. وتكتسب ملاحظات ماركس في الغروندريسه أهميةً خاصة في تفسير هذا الانتقال. فقد رأى أن تطور الصناعة الكبرى يجعل إنتاج الثروة الفعلية أقل اعتمادًا، بصورة نسبية، على مقدار العمل المباشر ووقت العمل المبذول، وأكثر ارتباطًا بتطبيق العلم والتكنولوجيا وبالتنظيم الاجتماعي والتعاون والخبرة المتراكمة. ومع تطور منظومة الآلات، يتراجع موقع العامل بوصفه فاعلًا مباشرًا داخل عملية الإنتاج، ويغدو بصورة متزايدة مراقبًا لها ومنظّمًا لعملها. ويعبّر نمو رأس المال الثابت عندئذ عن تحول المعرفة الاجتماعية العامة، أو ما سماه ماركس «العقل العام»، إلى قوة إنتاجية مباشرة مجسدة في الآلات وفي مجمل تنظيم العملية الإنتاجية. (141) ويكشف هذا التطور تناقضًا داخل نمط الإنتاج الرأسمالي؛ فرأس المال يعمل على تقليص وقت العمل المباشر الضروري للإنتاج من خلال الآلات والعلم، لكنه يواصل في الوقت نفسه اتخاذ وقت العمل أساسًا للقيمة ومقياسًا للثروة في شكلها الرأسمالي. كما يستخدم الآلات لتقليص العمل الضروري وتوسيع العمل الفائض الذي يستحوذ عليه، مع أن الثروة المادية الفعلية تصبح أكثر اعتمادًا على العلم والتكنولوجيا والتعاون الاجتماعي المتراكم. ومن ثم تتسع المسافة بين الأساس الفعلي لإنتاج الثروة، الذي يغدو أكثر اجتماعية ومعرفية، وبين الشكل القيمي الذي تخضع له هذه الثروة وتُوزع من خلاله. ولا يعني ذلك أن تطور الآلات يُبطل قانون القيمة تلقائيًا؛ فما دامت السلع تُنتج من أجل التبادل والربح، وما دام العمل المأجور قائمًا، تظل علاقات القيمة فاعلة. لكن التطور التقني يكشف الحدود التاريخية لهذه العلاقات؛ إذ تستطيع القوى المنتجة الحديثة تقليص وقت العمل الضروري وتوسيع الوقت الحر، بينما قد يؤدي استخدامها في ظل المنافسة السوقية إلى إزاحة بعض العمال، وتكثيف عمل الباقين، وزيادة البطالة أو عدم الاستقرار بدل تحويل مكاسب الإنتاجية إلى تحسن عام في شروط الحياة. وقد أصبح الانتقال نحو إنتاج أكثر اعتمادًا على المعرفة واضحًا في الصناعة الصينية؛ فلم تعد قدرتها التنافسية قائمة على وفرة العمل منخفض الأجر وحدها. فقد توسع التعليم الهندسي والبحث والتطوير، وازدادت الأتمتة، وتكونت شركات قادرة على التصميم والإنتاج والابتكار في قطاعات متعددة. وفي عام 2025 نما الناتج الصناعي للصناعات التحويلية بنسبة 6.4 في المائة، بينما نما تصنيع المعدات بنسبة 9.2 في المائة والصناعات عالية التقنية بنسبة 9.4 في المائة. وبلغت حصة تصنيع المعدات والصناعات عالية التقنية، على التوالي، 36.8 و17.1 في المائة من القيمة المضافة للمؤسسات الصناعية الكبرى. (142) وتطرح هذه التطورات سؤالًا يتجاوز مقدار التقدم التقني إلى كيفية استخدام نتائجه: هل تتحول مكاسب الأتمتة والإنتاجية إلى تقليص وقت العمل، وتحسين الأجور والخدمات، وتخفيف الأعمال الخطرة والمرهقة، أم تُستخدم أساسًا لتوسيع الإنتاج وخفض كلفة العمل وتعزيز القدرة التنافسية؟ فالتكنولوجيا لا تحمل مضمونًا اجتماعيًا محددًا بذاتها؛ وإنما يتحدد أثرها بحسب ملكية وسائل الإنتاج، والجهة التي تسيطر على المعرفة والفائض، وموقع العاملين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج والتشغيل. ومع ذلك، لا يعني التقدم الصناعي الصيني تحقق استقلال تكنولوجي كامل. فما تزال بعض الصناعات تعتمد على مكونات وبرمجيات ومعدات متقدمة من الخارج، ولا سيما في أجزاء من سلسلة إنتاج أشباه الموصلات. كما تكشف القيود المفروضة على تصدير التكنولوجيا وتصاعد المنافسة الجيوسياسية أن الموقع داخل الاقتصاد العالمي لا تحدده الكفاءة الإنتاجية وحدها، بل تحدده كذلك علاقات القوة والاحتكار والسيطرة على المعرفة والبراءات والمكونات والمعايير التقنية. توسيع وسائل الإنتاج ومسألة التوازن بحث ماركس في المجلد الثاني من رأس المال شروط إعادة إنتاج الاقتصاد الاجتماعي، وميّز بين القسم الذي ينتج وسائل الإنتاج والقسم الذي ينتج وسائل الاستهلاك. وتوضح مخططات إعادة الإنتاج أن توسيع المصانع والآلات لا يمكن أن يستمر بلا حدود منفصلًا عن دخول السكان والطلب على وسائل الاستهلاك؛ إذ يتطلب استمرار التراكم تناسبًا بين فروع الإنتاج وتداول الناتج وتحقيق قيمته. (143) وقد منح النموذج الصيني أولويةً مرتفعةً للاستثمار في الصناعة والبنية التحتية والقدرة التصديرية. وأسهم ذلك في تسريع التراكم وبناء قاعدة إنتاجية لا تستطيع المدخرات والاستهلاك الفردي وحدهما إنشاؤها في مدة قصيرة. لكنه أدى أيضًا إلى ارتفاع الاعتماد على الاستثمار والتصدير، وإلى ظهور طاقات زائدة في بعض القطاعات، وضغوط تستدعي توسيع الاستهلاك المحلي ورفع حصة دخل الأسر وتحسين الخدمات الاجتماعية. ولا يعني وجود الطاقة الزائدة أن الاستثمار الصناعي كان عديم الفائدة؛ فقد أسس شبكات نقل وطاقة ومعرفة وقدرة إنتاجية طويلة الأجل. إلا أن التقدير الماركسي لا يكتفي بالنظر إلى حجم وسائل الإنتاج، بل يبحث قدرتها على تلبية الحاجات الاجتماعية، والتناسب بين التراكم والاستهلاك، وما إذا كانت زيادة الإنتاج تتحول إلى تحسين مستدام في حياة المنتجين. الكلفة الاجتماعية للتحول الصناعي كشف إنجلز في حالة الطبقة العاملة في إنجلترا أن التقدم الصناعي يمكن أن يقترن بكلفة اجتماعية يتحملها العمال: السكن المكتظ، والأمراض، وطول يوم العمل، وعدم الاستقرار. ولم ينكر بذلك نمو القوى المنتجة، بل أظهر أن أثر هذا النمو في حياة الناس يتوقف على علاقات الملكية وكيفية توزيع ثماره. (144) وفي الصين، رافق التصنيع السريع ظهور مشكلات اجتماعية وبيئية، منها طول ساعات العمل في بعض القطاعات، وضعف الحماية في مواقع العمل، والتفاوت في الحقوق بين العمال المهاجرين والسكان الحضريين، وتلوث الهواء والمياه والتربة. كما تحمّل العمال المسرّحون من بعض المؤسسات العامة والمناطق الصناعية القديمة جزءًا من كلفة إعادة الهيكلة. وهذه أوجه تشابه جزئية في الكلفة الاجتماعية للتحول، ولا تعني تطابق التجربتين في ظروفهما التاريخية أو في دور الدولة. فقد أتاحت قدرة الدولة الصينية على الاستثمار والتنظيم مجالًا لبناء البنية التحتية، وسنّ قوانين العمل، وتوسيع التأمينات والخدمات العامة، والاستثمار في التعليم والصحة، ومعالجة بعض آثار التلوث. غير أن وجود هذه السياسات لا يكفي وحده للحكم على نتائجها؛ إذ يتعين النظر إلى مدى تنفيذها، وتفاوت أثرها بين المناطق والقطاعات، ونصيب العاملين الفعلي من ثمار النمو. ويفيد هنا التمييز الذي وضعه إنجلز في ضد دوهرنغ بين الشكل القانوني للملكية وطبيعة العلاقات الاجتماعية داخل الإنتاج. فقد حذّر من اعتبار نقل قوى الإنتاج إلى ملكية الدولة حلًّا تلقائيًا للتناقضات الرأسمالية، وكتب: «ولكن لا النقل إلى شكل الشركات المساهمة، ولا التحويل إلى ملكية الدولة، يلغي الصفة الرأسمالية لقوى الإنتاج... والدولة الحديثة، مهما يكن شكلها، هي آلة رأسمالية جوهرية، دولة الرأسماليين، والشخص الاعتباري المثالي لرأس المال الوطني الكلي. وكلما ازدادت قوى الإنتاج التي تنقلها إلى ملكيتها، أصبحت رأسماليًا كليًا فعليًا، وازدادت أعداد المواطنين الذين تستغلهم. فالعمال يظلون عمالًا أجراء، بروليتاريين. وعلاقة الرأسمالية لا تُلغى، بل على العكس، تبلغ هنا ذروتها. ولكنها عند الذروة تتحول إلى نقطة انقلاب. فملكية الدولة لقوى الإنتاج ليست حلًّا للنزاع، ولكنها تنطوي في طياتها على الوسيلة الشكلية، على إمكانية الحل». (145) ولا يجوز نقل حكم إنجلز على الدولة الرأسمالية في عصره إلى الصين المعاصرة نقلًا مباشرًا. لكن حجته تضع معيارًا نقديًا مهمًا: ملكية الدولة للصناعات الاستراتيجية تمنح إمكانًا لتوجيه الاستثمار والفائض نحو أهداف اجتماعية، أما تحقق هذا الإمكان فيُقاس بكيفية إدارة المؤسسات، وظروف العمل فيها، ومشاركة العاملين في القرار والرقابة، وما يعود عليهم وعلى المجتمع من نتائج الإنتاج. ومن هذا المنظور، يصبح تخفيف الكلفة الاجتماعية للتصنيع جزءًا من تقويم مضمون الملكية العامة، لا مسألة منفصلة عنها. رابعًا: البنية التحتية والتحضر وإعادة تشكيل المجال الاقتصادي لم يكن تحول الصين إلى قوة صناعية ممكنًا من خلال إنشاء المصانع وزيادة إنتاج السلع وحدهما؛ فقد احتاج إلى شبكة واسعة من الطرق والسكك الحديدية والموانئ والطاقة والمياه والاتصالات والمدن ومناطق الإنتاج. ولذلك تمثل البنية التحتية الوجه المكاني والمادي لعملية التصنيع، لأنها تربط مواقع العمل بمصادر المواد الأولية والأسواق، وتخفض زمن انتقال السلع والأشخاص والمعلومات، وتسمح بتكوين تقسيم عمل يمتد عبر أقاليم واسعة. واقترن بناء هذه الشبكات بعملية تحضر غيرت توزيع السكان والعمل بين الريف والمدينة. فقد انتقلت الصين من مجتمع يعيش معظم سكانه في الريف إلى مجتمع تقيم أغلبيته في المدن، وظهرت تجمعات حضرية كبرى تضم الصناعة والخدمات والبحث العلمي والموانئ ومراكز التمويل. لكن التحضر لم يكن مجرد انتقال سكاني؛ إذ أعاد تشكيل الحقوق الاجتماعية، وأسعار الأرض والسكن، والمالية المحلية، والفوارق بين المناطق، والعلاقة بين السكان المهاجرين والمؤسسات الحضرية. البنية التحتية بوصفها شرطًا عامًا للإنتاج ناقش ماركس في الغروندريسه الطرق والقنوات ووسائل النقل بوصفها من «الشروط العامة للإنتاج»، لأنها لا تخدم مؤسسةً واحدةً فقط، بل تتيح حركة رأس المال والعمل والسلع على نطاق المجتمع. وقد لا يكون إنشاء هذه الشروط مربحًا لرأس مال منفرد بسبب ضخامة تكلفتها وطول مدة استردادها، الأمر الذي يجعل الدولة أو المجتمع يتوليان توفيرها في مراحل متعددة من التطور. (146) وطوّر ماركس في المجلد الثاني من رأس المال تحليل وظيفة النقل والاتصال في دورة رأس المال. فوسائل النقل لا تخلق السلعة من جديد، لكنها تنقلها إلى المكان الذي تُستهلك أو تُستخدم فيه، وتدخل تكلفتها وزمنها في شروط تحقق القيمة. وكلما انخفض زمن انتقال المواد والسلع والمعلومات، تسارعت دورة الإنتاج والتداول وأصبح تنظيم تقسيم العمل على نطاق أوسع ممكنًا. (147) وتكشف التجربة الصينية أهمية هذه الفكرة. فالمصنع الساحلي لا يعتمد على الآلات والعاملين داخله فقط، بل على الكهرباء التي تصل إليه، والطرق والسكك التي تنقل مكوناته، والميناء الذي يصدر منتجاته، وشبكة الاتصالات التي تربطه بالموردين والأسواق، والمدن التي توفر السكن والتعليم والخدمات والعمالة المتخصصة. ومن ثم نشأت القدرة الصناعية من تكامل وحدات إنتاج متعددة داخل بنية مادية واجتماعية موحدة. وتتميز البنية التحتية بأنها ترفع إنتاجية قطاعات لا تملكها الجهة التي أنشأتها بالضرورة. فالطريق العام الذي تموله الدولة قد تستخدمه مؤسسة عامة أو خاصة أو أجنبية، كما تستفيد منه الأسرة الريفية والمدرسة والمستشفى. ولذلك لا يتحدد مضمون الاستثمار في البنية التحتية بملكيته القانونية وحدها، بل بكيفية تمويله، والفئات والمناطق التي يخدمها، وشروط الوصول إليه، والأنشطة التي يساعد على توسيعها. من شبكات محدودة إلى منظومة قارية امتلكت الصين قبل الإصلاح بعض المشروعات الصناعية وشبكات النقل والطاقة التي أُنشئت ضمن التخطيط المركزي، لكنها ظلت محدودة قياسًا إلى مساحة البلاد وحجم السكان. وكانت مناطق داخلية وريفية واسعة تعاني ضعف الاتصال بالأسواق والمراكز الصناعية، بينما تركز جانب من المنشآت في المدن الكبرى والمناطق التي اختيرت لأسباب اقتصادية أو دفاعية. وفي عام 1978 بلغ طول خطوط السكك الحديدية العاملة نحو 48.6 ألف كيلومتر، وكانت نسبة الخطوط المكهربة محدودة. وبحلول نهاية عام 2024 ارتفع إجمالي طول الشبكة إلى نحو 162 ألف كيلومتر، منها 48 ألف كيلومتر للقطارات عالية السرعة. كما ارتفع طول الطرق من نحو 890 ألف كيلومتر عام 1978 إلى أكثر من 5.49 ملايين كيلومتر عام 2024، منها نحو 190.7 ألف كيلومتر من الطرق السريعة. (148) ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في طول الشبكات وحده. فقد ربطت السكك والطرق مناطق الإنتاج الداخلية بالموانئ والأسواق الساحلية، وخفضت تكاليف انتقال العمال والمواد الأولية، وسمحت للشركات بتنظيم سلاسل توريد موزعة بين مدن وأقاليم مختلفة. كما ساعدت القطارات عالية السرعة على تقليص المسافة الزمنية بين المدن، وتوسيع مجالات العمل والتعليم والسياحة والخدمات. وبنهاية عام 2024 تجاوز طول شبكات النقل الحضري بالسكك الحديدية 10.9 آلاف كيلومتر، منها أكثر من 9.6 آلاف كيلومتر من خطوط المترو. وأسهم ذلك في إعادة تنظيم حركة السكان داخل المدن الكبرى، وإن ظل ازدحام المراكز الحضرية وطول زمن التنقل وارتفاع تكاليف السكن مشكلات قائمة. (149) ويكشف هذا التوسع قدرة الدولة الصينية على تجميع الموارد وتوجيهها إلى مشروعات طويلة الأجل قد لا يندفع رأس المال الخاص إلى تنفيذها بسبب ضخامتها أو انخفاض ربحيتها المباشرة. فقد تولت المؤسسات العامة والمصارف الحكومية والسلطات المركزية والمحلية تمويل جانب أساسي من شبكات السكك والطاقة والطرق والمياه والاتصالات، بينما أسهمت الشركات الخاصة في الإنشاء والتوريد والتشغيل والخدمات المرتبطة بها. ولا يعني ذلك أن كل مشروع بنية تحتية كان ضروريًا أو متناسبًا مع الطلب. فقد أدى التنافس بين الحكومات المحلية والسعي إلى رفع الاستثمار إلى إنشاء مشروعات ضعيفة الاستخدام في بعض المناطق، وتحمل ديون كبيرة، وتحويل أراضٍ زراعية إلى استعمالات حضرية. ولذلك ينبغي التمييز بين البنية التحتية التي توسع القدرة الاجتماعية للإنتاج وتحسن حياة السكان، وبين الاستثمار الذي يصبح هدفه المحافظة على معدل النمو أو زيادة قيمة الأرض بصرف النظر عن الحاجة الفعلية. الطاقة والكهرباء وإعادة تشكيل الإنتاج منح لينين للكهرباء موقعًا مركزيًا في عملية الانتقال الاقتصادي، لأنها تتيح إعادة تنظيم الصناعة والزراعة والنقل على أساس تقني جديد. ولم يكن المقصود توفير الإنارة المنزلية وحدها، بل إنشاء شبكة طاقة وطنية تسمح باستخدام الآلات ورفع إنتاجية العمل وتقليص العزلة بين المدن والقرى. ولهذا ربط في مناقشته خطة كهربة روسيا بين السلطة السياسية الجديدة والتقنية الحديثة والتنظيم الاقتصادي طويل الأجل. (150) وتظهر أهمية هذا الربط في الصين، حيث أصبح توسيع شبكات الكهرباء شرطًا لنمو الصناعة الثقيلة والمصانع التصديرية والمدن، ثم للاقتصاد الرقمي والمركبات الكهربائية والأتمتة. وقد أدت المؤسسات العامة دورًا أساسيًا في إنشاء محطات التوليد وشبكات النقل بعيدة المدى، وربط المناطق الداخلية الغنية بالطاقة بالمراكز الصناعية والسكانية الشرقية. وفي الوقت نفسه وُسعت الشبكات الريفية تدريجيًا حتى أُعلن في نهاية عام 2015 تحقيق وصول الكهرباء إلى جميع السكان. كما استُخدمت شبكات الطاقة في تشغيل الري والإنتاج الريفي والمشروعات المحلية والمدارس والمرافق الصحية، فلم تعد الكهرباء مجرد مدخل صناعي، بل شرطًا لتعميم خدمات الحياة الحديثة. (151) لكن بناء هذه القدرة اعتمد مدةً طويلة على الفحم، وأسهم في تلوث الهواء وارتفاع انبعاثات الكربون. ولذلك يحمل نظام الطاقة تناقضًا بين تأمين الكهرباء اللازمة للتصنيع وتحسين المعيشة من جهة، وبين الكلفة الصحية والبيئية من جهة أخرى. وقد اتجهت الصين إلى توسيع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والنووية، لكن الانتقال الكامل يظل مقيدًا بضخامة الطلب والحاجة إلى استقرار الشبكة وأمن الإمدادات. ويؤكد ذلك أن القوى المنتجة لا تُقوَّم بحجمها وحده؛ فمصدر الطاقة، وكفاءتها، وآثارها في صحة السكان والبيئة، والغاية التي تستخدم من أجلها، كلها تدخل في تحديد المضمون الاجتماعي للتطور التقني. التحضر وإعادة توزيع السكان والعمل ربط ماركس وإنجلز في الأيديولوجيا الألمانية اتساع تقسيم العمل بانفصال المدينة عن الريف وتركيز السكان ورأس المال وأدوات الإنتاج في المدن. فالمدينة تجمع العمل الصناعي والتجارة والإدارة والمعرفة، بينما قد يبقى الريف أكثر تشتتًا وضعفًا في الوصول إلى الخدمات. ومن هنا لا يمثل التعارض بين المدينة والريف اختلافًا جغرافيًا فحسب، بل علاقة اجتماعية تتصل بتوزيع العمل والثروة والسلطة. (152) وقد شهدت الصين تغيرًا واسعًا في هذا المجال. ففي عام 1978 لم تتجاوز نسبة السكان المقيمين في المدن 17.92 في المائة، بينما وصلت في نهاية عام 2025 إلى 67.89 في المائة، أي إن أكثر من ثلثي السكان أصبحوا يقيمون في المناطق الحضرية. (153) ونشأ هذا التحول من تفاعل التصنيع والهجرة وتوسع المدن وإعادة تصنيف بعض المناطق الريفية. فقد جذبت المدن الساحلية ملايين العمال إلى المصانع والبناء والخدمات، ثم تطورت مدن ومراكز صناعية داخلية مرتبطة بشبكات النقل والأسواق الوطنية. كما ظهرت تجمعات حضرية واسعة، مثل دلتا نهر اليانغتسي ومنطقة بكين–تيانجين–خبي ومنطقة الخليج الكبرى، تقوم داخلها علاقات تقسيم عمل بين مراكز البحث والتمويل والموانئ والمدن الصناعية. وأدى التركيز الحضري إلى مكاسب إنتاجية واضحة؛ إذ سهل اجتماع المؤسسات والعمال والجامعات والموردين والخدمات تبادل المعرفة وخفض تكاليف الإنتاج. لكنه أدى كذلك إلى ارتفاع أسعار الأراضي والسكن، والازدحام، والضغط على المدارس والمستشفيات والنقل، واتساع الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق التي فقدت جزءًا من سكانها واستثماراتها. وهنا تظل ملاحظة إنجلز في مسألة السكن ذات أهمية منهجية. فقد رفض تفسير أزمة السكن بنقص الأبنية وحده، وربطها بملكية الأرض وتوزيع الدخل وتمركز السكان وطريقة تنظيم المدينة. فزيادة عدد المساكن لا تضمن حصول جميع السكان على سكن مناسب إذا تحولت الأرض والعقارات إلى أدوات للمضاربة والاستثمار، وظلت القدرة على السكن مرتبطة بالدخل والموقع الاجتماعي. (154) وتنطبق هذه الملاحظة جزئيًا على المدن الصينية. فقد أدى البناء الواسع إلى تحسين نوعية السكن وتوسيع المساحات الحضرية، لكنه جعل العقارات كذلك قناةً رئيسية للادخار والاستثمار ومصدرًا لإيرادات الحكومات المحلية. وأسهم ارتفاع قيمة الأرض في تمويل الطرق والمترو والمرافق، لكنه شجع بعض السلطات على التوسع العمراني وبيع حقوق استخدام الأرض، وربط مواردها باستمرار البناء وارتفاع الأسعار. وبذلك أصبح السكن يؤدي وظيفتين متعارضتين: فهو حاجة اجتماعية أساسية، وفي الوقت نفسه أصل مالي ومصدر للإيراد والتراكم. وعندما تتغلب الوظيفة الثانية، قد يتسع البناء من دون أن تتطابق المساكن المتاحة مع دخول الأسر ومواقع فرص العمل. التحضر الناقص ونظام التسجيل الأسري لا تكفي الإقامة الفعلية في المدينة لاكتساب جميع حقوق سكانها بصورة تلقائية. فقد ظل نظام التسجيل الأسري، أو «الهوكو»، يربط جانبًا من التعليم والرعاية الصحية والتأمين والسكن والخدمات بمكان التسجيل. وأدى ذلك إلى ظهور ملايين العاملين الذين يعيشون ويعملون في المدن، لكنهم لا يتمتعون دائمًا بحقوق مساوية لحقوق السكان المسجلين فيها. وفي عام 2025 بلغ عدد العمال المهاجرين من الريف نحو 301.15 مليون عامل، وكان قرابة 130.92 مليونًا منهم يقيمون في المدن في نهاية العام. (155) وقد أسهم هؤلاء العمال في إنشاء المصانع والطرق والمساكن وتشغيل الخدمات الحضرية، بينما ظلت أسر عديدة موزعةً بين المدينة والقرية. ولهذا يمكن التمييز بين التحضر السكاني، أي ارتفاع عدد المقيمين في المدن، والتحضر الاجتماعي، أي حصول المقيمين على الحقوق والخدمات والأمن الاجتماعي نفسه. ولا يعني استمرار هذا التفاوت أن النظام ظل ثابتًا؛ فقد خُففت قيود التسجيل في مدن كثيرة، واتسع حصول المهاجرين على التأمين والتعليم والخدمات. كما نصت خطة التحضر الجديدة المتمحورة حول الإنسان، الصادرة عام 2024، على توسيع التسجيل الحضري، وربط الخدمات الأساسية بمكان الإقامة الفعلية، وتحسين حصول المهاجرين وأسرهم على التعليم والسكن والضمان الاجتماعي. (156) لكن استمرار الفجوة بين نسبة السكان الحضريين الدائمين ونسبة السكان المسجلين حضريًا يدل على أن الانتقال لم يكتمل. ويتوقف المضمون الاجتماعي للتحضر على تحويل العامل المهاجر من قوة عمل مؤقتة تستخدمها المدينة إلى مواطن حضري كامل الحقوق، من دون إجباره في المقابل على التخلي عن حقوقه المشروعة في الأرض والسكن والممتلكات الجماعية في قريته. البنية التحتية والحد من عزلة الريف لم يقتصر بناء البنية التحتية على خدمة المدن والمناطق التصديرية. فقد اتجهت الدولة كذلك إلى مد الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات إلى القرى والمناطق الداخلية، ولا سيما خلال برامج مكافحة الفقر والنهوض الريفي. وبنهاية عام 2024 بلغ طول الطرق الريفية نحو 4.64 ملايين كيلومتر، ووصلت الطرق المعبدة إلى أكثر من ثلاثين ألف بلدة وما يزيد على نصف مليون قرية إدارية. كما اقتربت تغطية الإنترنت الثابت من الشمول في المناطق الريفية، ووصلت شبكات الجيل الخامس إلى أكثر من 92 في المائة من القرى. (157) وقد غيّرت هذه الشبكات شروط الحياة والإنتاج في الريف. فالطريق لا يسمح بنقل المحاصيل فقط، بل يسهل وصول المدرسين والأطباء والطلاب والسلع. والكهرباء لا تخدم الاستهلاك المنزلي وحده، بل تتيح الري والتبريد والتصنيع الزراعي. أما الإنترنت فيفتح مجالات للتجارة الإلكترونية والتعليم عن بعد والخدمات الإدارية والطبية. وتحوّل هذه الاستثمارات قسمًا من الفائض الاجتماعي إلى شروط جماعية لإعادة إنتاج الحياة والعمل. فالأسرة التي تحصل على الطريق والماء والكهرباء والاتصال لا تتلقى دخلًا نقديًا بالضرورة، لكنها تحصل على منفعة اجتماعية تخفض تكاليف معيشتها وتوسع قدرتها على الإنتاج والوصول إلى الخدمات. ومع ذلك يمكن أن يؤدي تحسين اتصال الريف بالأسواق إلى نتائج متباينة. فقد يرفع دخل المنتجين ويتيح ظهور صناعات محلية، لكنه قد يعجل كذلك بخروج الشباب والمهارات إلى المدن، ويزيد منافسة السلع الصناعية للإنتاج المحلي. ولذلك لا يتحقق التكامل المتوازن بين المدينة والريف بالبنية التحتية وحدها، بل يحتاج إلى فرص عمل وخدمات عامة وتنمية إنتاجية مستقرة داخل المناطق الريفية. وقد ناقش إنجلز في ضد دوهرنغ إمكان تجاوز التعارض بين المدينة والريف من خلال توزيع أكثر توازنًا للصناعة والسكان واستخدام التخطيط الاجتماعي للتوفيق بين الزراعة والصناعة. ولم يقصد إلغاء المدن أو تشتيت الصناعة بصورة ميكانيكية، بل تجاوز العلاقة التي تركز الثروة والخدمات في طرف وتترك الطرف الآخر تابعًا ومحرومًا. (158) وتمنح شبكات النقل والطاقة والاتصالات الصينية أساسًا ماديًا لمثل هذا التكامل؛ إذ تسمح بإقامة الإنتاج والخدمات في مدن صغيرة ومناطق داخلية بدل حصرها في عدد محدود من المراكز الساحلية. لكن تحقيق هذا الإمكان يعتمد على اتجاه الاستثمار والسياسات الاجتماعية، لا على وجود الشبكات بذاته. البنية الرقمية بوصفها مرفقًا إنتاجيًا جديدًا أضاف تطور الاتصالات والإنترنت بعدًا جديدًا إلى البنية التحتية. فقد أصبحت الألياف البصرية وشبكات الهاتف المحمول والحوسبة ومراكز البيانات شروطًا لإدارة المصانع والنقل والطاقة والتجارة والخدمات العامة. ولم يعد تداول المعلومات منفصلًا عن الإنتاج المادي؛ إذ تدخل البيانات والبرمجيات في تنظيم سلاسل التوريد والآلات والموانئ والمدن. واتسع الوصول إلى الإنترنت وشبكات الجيل الخامس في المدن والريف، وإن بقيت فجوة في الانتشار وجودة الخدمات الرقمية بينهما. (159) وتُجسّد هذه البنية دور المعرفة والعلم في الإنتاج الذي ناقشه ماركس سابقًا. لكن ملكية الشبكات والبيانات والمنصات تحدد الجهة التي تستفيد من هذه القوة. فقد تسهم الرقمنة في تعميم التعليم والخدمات وتقليص العزلة، كما يمكن أن تزيد تركيز البيانات والقدرة الاقتصادية والإدارية، وتوسع المراقبة والتحكم في العمل والسلوك الاجتماعي. ولهذا ينبغي التمييز بين إتاحة الاتصال بوصفه خدمة عامة، وبين إخضاع الحياة الاجتماعية لمنصات تهدف إلى الربح أو لأجهزة إدارية لا تخضع لرقابة كافية. فالمضمون الاشتراكي للبنية الرقمية لا يتحدد بعدد المستخدمين وسرعة الشبكة وحدهما، بل بحماية الخصوصية، وحقوق العاملين، وإمكان الوصول المتكافئ، والرقابة الاجتماعية على البيانات والخوارزميات. التمويل العام والأرض والديون المحلية لم يكن بناء البنية التحتية ممكنًا من دون قدرة مؤسساتية على تعبئة المدخرات وتحويلها إلى استثمارات طويلة الأجل. وقد أدت المصارف العامة والمؤسسات المملوكة للدولة والحكومات المحلية دورًا حاسمًا في تمويل السكك والطاقة والطرق والمناطق الصناعية والإسكان الحضري. وتكشف هذه الآلية فارقًا مهمًا عن نموذج يترك الاستثمار للبنوك الخاصة وحساب الربح القصير الأجل. فالدولة تستطيع توجيه الائتمان إلى مشروع لا يحقق عائدًا ماليًا سريعًا، لكنه يرفع الإنتاجية العامة أو يربط منطقةً فقيرة بالاقتصاد الوطني. كما تستطيع توزيع تكلفة المشروع على مدة طويلة وعلى عدد واسع من المستفيدين. لكن القدرة على التوجيه لا تمنع سوء تخصيص الموارد. فقد اعتمدت حكومات محلية على بيع حقوق استخدام الأرض وعلى منصات تمويل تقترض لإنشاء البنية التحتية. وأدى ذلك إلى تداخل الاستثمار العام مع ارتفاع أسعار العقارات وتراكم الديون. وقد أشار التقرير المشترك للبنك الدولي ومركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة إلى ضرورة إصلاح إدارة الأرض ونظام التسجيل الأسري والمالية المحلية، وتقليل الاعتماد على الإيرادات العقارية والاقتراض غير المنضبط. (160) ولا يجعل وجود الدين المشروع عديم الجدوى؛ فقد تُموَّل بالاقتراض أصول تستفيد منها أجيال متعددة. إنما يتعلق السؤال بقدرة المشروع على تحقيق منفعة اجتماعية وإنتاجية، وبشفافية القرار، وتوزيع كلفته، وما إذا كانت الإيرادات المتوقعة واقعية أم قائمة على استمرار ارتفاع أسعار الأرض. التقدير الماركسي للإنجاز وحدوده يُعد بناء دولة موحدة وقاعدة صناعية وتعليمية قبل عام 1978، ثم توسيع الإنتاج والبنية التحتية بعد الإصلاح، إنجازًا تاريخيًا للصين. وقد تفاعل التخطيط والاستثمار العام والمصارف والمؤسسات المملوكة للدولة مع المبادرة المحلية والملكية الخاصة والاستثمار الأجنبي في تحويل اقتصاد يغلب عليه العمل الزراعي إلى قاعدة صناعية واسعة. وأسهمت شبكات النقل والطاقة والاتصالات في ربط الأقاليم وتوفير شروط عامة للإنتاج والخدمات. ويؤكد هذا المسار أهمية تطوير الإنتاجية والعلم والتنظيم التي شدد عليها لينين في بحثه شروط التحول الاجتماعي. (161) لكن اتساع القوى المنتجة لا يحدد، وحده، مضمون العلاقات الاجتماعية. فقد رافق التصنيع توسع العمل المأجور ورأس المال الخاص، وتفاوت بين الريف والمدينة والمناطق المختلفة، وأعباء تحملها الفلاحون والعمال المهاجرون والمسرّحون. كما أتاح امتلاك الدولة للأرض والمصارف والقطاعات الاستراتيجية توجيه الاستثمار، من دون أن يجعل كل مشروع عام تعبيرًا مباشرًا عن سيطرة المنتجين أو عن الحاجة الاجتماعية. وتُظهر ديون بعض الحكومات المحلية والمضاربة العقارية والضغط البيئي أن الحكم على الاستثمار يحتاج إلى تقويم منفعة المشروعات وتوزيع كلفتها والرقابة على قرارها. ولا يتعارض تخصيص قسم من الفائض لتوسيع الصناعة وتجديد وسائل الإنتاج وتمويل التعليم والصحة والضمان مع الاتجاه الاشتراكي؛ فقد ميّز ماركس في نقد برنامج غوتا بين الاقتطاعات الاجتماعية الضرورية من الناتج والتوزيع الفردي المباشر. (162) والسؤال في التجربة الصينية هو من يقرر حجم هذا الفائض وأوجه استخدامه، وكيف تتوزع ثمار زيادة الإنتاجية: في الأجور وتقليص زمن العمل وتوسيع الخدمات وتخفيف الأضرار البيئية، أم في تراكم الأرباح وقيم العقارات والديون. وعليه، يحمل التحول الصيني إمكانات اجتماعية مهمة وفرتها القاعدة الصناعية والملكية العامة وأدوات التوجيه، إلى جانب تناقضات نشأت من السوق والعمل المأجور ومركزية القرار. ويتحدد مدى تطور مضمونه الاشتراكي بتحسين شروط العمل ومساواة المقيمين في الحقوق والخدمات، وتوجيه الاستثمارات إلى الحاجات العامة، وتوسيع مشاركة العاملين والسكان في إدارة المؤسسات واستخدام الأرض والموارد والبيانات. وتتيح هذه القاعدة الانتقال في الفصل التالي إلى بحث التقدم العلمي والاجتماعي وحدود تعميم التجربة. مصادر الفصل الخامس (114) كارل ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة راشد البراوي، القاهرة: دار النهضة العربية، ط1، 1969، ص3؛ النص العربي بصيغة PDF. (115) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي، ترجمة العفيف الأخضر، بيروت–بغداد: منشورات الجمل، ص63؛ وكارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص401 وما بعدها. (116) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، القسم الثالث: «الاشتراكية»، الفصل الثاني: «مسائل نظرية»،ص 324–325 ، ؛ النسخة العربية بصيغة PDF. (117) فلاديمير إيليتش لينين، عن الضريبة العينية: دلالة السياسة الجديدة وشروطها، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1973، ص20؛ وفلاديمير إيليتش لينين، «التقرير السياسي أمام المؤتمر الحادي عشر للحزب الشيوعي الروسي»، ضمن المختارات في عشرة مجلدات، المجلد العاشر، موسكو: دار التقدم، 1978، ص448–504؛ النص العربي بصيغة PDF. (118) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021؛ النص العربي الكامل. (119) شي جين بينغ، التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2022، الأقسام الرابع والخامس والتاسع؛ النص العربي. (120) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية»، مصدر سابق، القسم الثاني. (121) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، الفصل الرابع والعشرون: «ما يسمى بالتراكم الأولي»، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص880؛ النسخة العربية. (122) فريدريك إنجلز، «الاشتراكية والفلاحون» [«مسألة الفلاحين في فرنسا وألمانيا»]، 1894، ضمن نصوص مختارة، ص405؛ النص العربي. (123) دستور جمهورية الصين الشعبية، المادة العاشرة؛ النص الرسمي الإنجليزي. (124) ماو تسي تونغ، حول العلاقات العشر الكبرى، خطاب أمام اجتماع موسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، 25 نيسان/أبريل 1956، بكين: دار اللغات الأجنبية، 1977، العلاقات الأولى والثانية والرابعة والخامسة؛ النص الإنجليزي بصيغة PDF. (125) Barry Naughton, The Chinese Economy: Transitions and Growth, Cambridge, MA: MIT Press, 2007، الفصلان الثالث والرابع؛ وCarl Riskin, China’s Political Economy: The Quest for Development since 1949, Oxford: Oxford University Press, 1987، الفصول 4–6. (126) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية»، مصدر سابق، القسم الثاني. (127) فلاديمير إيليتش لينين، المهمات المباشرة للسلطة السوفيتية، ضمن المؤلفات الكاملة، مج 27، ص 235–277؛ و«عن التعاون» و«ثورتنا»، ضمن المؤلفات الكاملة، مج 33، ص 467–480. تُراجع صفحات الطبعة العربية المستخدمة قبل الإرسال. (128) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، ص27–43، 54–55؛ النسخة العربية بصيغة PDF. (129) فلاديمير إيليتش لينين، تطور الرأسمالية في روسيا: عملية تكوين السوق الداخلية للصناعة الكبرى، ص28؛ النسخة العربية بصيغة PDF. (130) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «التغير في هيكل التشغيل بحسب القطاعات الاقتصادية، 1952–2023»، 20 أيلول/سبتمبر 2024؛ البيانات الرسمية الصينية، والجداول التاريخية باللغة الإنجليزية. (131) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية»، مصدر سابق، القسم الثالث؛ والمكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، رحلة الصين التاريخية من الفقر إلى الرخاء، مصدر سابق، قسم «الإصلاح والانفتاح». (132) Barry Naughton, Growing Out of the Plan: Chinese Economic Reform, 1978–1993, Cambridge: Cambridge University Press, 1995، الفصول 4–6؛ وBarry Naughton, The Chinese Economy، مصدر سابق، الفصول 4–5. (133) كارل ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، مصدر سابق، ص2–3. (134) فلاديمير إيليتش لينين، عن الضريبة العينية، مصدر سابق، ص20. (135) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي، مصدر سابق، ص63؛ وفريدريك إنجلز، مبادئ الشيوعية، 1847، الأسئلة 4–12؛ النص العربي الإلكتروني. (136) المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، الصين ومنظمة التجارة العالمية، 2018، القسم الأول؛ النص الإنجليزي. (137) كارل ماركس، رأس المال، المجلد الأول، مصدر سابق، ص401 وما بعدها، الفصول 11–13. (138) كارل ماركس، العمل المأجور ورأس المال، 1849، القسم السادس؛ النص العربي الإلكتروني. (139) United Nations Industrial Development Organization (UNIDO), Statistical Indicators of Inclusive and Sustainable Industrialization: SDG 9 Progress Report 2025, Vienna: UNIDO, 2025, p. 10, Figure 2.5 and the accompanying text التقرير الكامل بصيغة PDF. (140) وكالة أنباء شينخوا، «(وسائط متعددة) للعام الــ15 على التوالي.. القطاع التحويلي الصيني الأول عالميًا من حيث الحجم الكلي خلال عام 2024»، 22 كانون الثاني/يناير 2025؛ النص العربي؛ ووكالة أنباء شينخوا، «جودة سلع قطاع الصناعات التحويلية الصينية تتحسن بشكل مطرد في عام 2024»، 28 شباط/فبراير 2025؛ النص العربي. (141) Karl Marx, Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy (Rough Draft), trans. Martin Nicolaus, Harmondsworth: Penguin Books in association with New Left Review, 1973, pp. 690–712, especially pp. 704–706؛ وانظر أيضًا النص الإنجليزي الإلكتروني. (142) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025، 28 شباط/فبراير 2026، القسم الثاني؛ النص الإنجليزي الكامل. (143) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثاني: عملية تداول رأس المال، تحرير فريدريك إنجلز، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2013، القسم الثالث، الفصلان العشرون والحادي والعشرون، ص 443–588؛ النسخة العربية المصوّرة. (144) فريدريك إنجلز، حالة الطبقة العاملة في إنجلترا، ترجمة فخري لبيب، القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1980، الفصول 3–8. (145) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، مصدر سابق، ص 327–331. تُقابل صياغة الاقتباس حرفيًا مع الطبعة المعتمدة قبل النشر. (146) Karl Marx, Grundrisse, cited above, pp. 524–529, especially pp. 524–526, section “Circulation Costs—Means of Communication and Transport—General as Distinct from Particular Conditions of Production” see also the corresponding English electronic text. (147) كارل ماركس، رأس المال، المجلد الثاني، مصدر سابق، الفصلان الخامس والسادس، ص 140–172، والفصول الثاني عشر إلى الرابع عشر، ص 264–295. (148) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «البيانات التاريخية لشبكة السكك الحديدية عام 1978»؛ الجدول الرسمي؛ ووزارة النقل الصينية، البيان الإحصائي لتطور قطاع النقل لعام 2024، 10 حزيران/يونيو 2025؛ النص الرسمي؛ والمكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي الوطني لعام 1978؛ النص الرسمي. (149) وزارة النقل الصينية، البيان الإحصائي لتطور قطاع النقل لعام 2024، مصدر سابق، قسما السكك الحديدية والنقل الحضري. (150) فلاديمير إيليتش لينين، «تقرير عن عمل مجلس مفوضي الشعب»، 22 كانون الأول/ديسمبر 1920، ضمن المؤلفات الكاملة، المجلد 42، ص128–161؛ وفلاديمير إيليتش لينين، «مهمات منظمات الشباب»، مصدر سابق. (151) المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، الطاقة في عصر الصين الجديد، 2020، القسم الرابع؛ النص الإنجليزي؛ ووزارة الخارجية الصينية، تقرير تقدم الصين في تنفيذ خطة التنمية المستدامة لعام 2030، 2023؛ التقرير الكامل بصيغة PDF. (152) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، مصدر سابق، ص27–43، 54–55. (153) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «تقرير إنجازات خمسة وسبعين عامًا من التنمية الاقتصادية والاجتماعية»، 9 أيلول/سبتمبر 2024؛ النص الرسمي؛ والمكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي لعام 2025، مصدر سابق، القسم الثاني عشر. (154) فريدريك إنجلز، مسألة السكن، 1872–1873، القسمان الأول والثاني؛ النص العربي الإلكتروني. (155) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، تقرير المسح الوطني للعمال المهاجرين لعام 2025، 30 نيسان/أبريل 2026، القسم الأول؛ النص الرسمي. (156) مجلس الدولة الصيني، خطة العمل الخمسية للتنفيذ المعمق لاستراتيجية التحضر الجديدة المتمحورة حول الإنسان، 28 تموز/يوليو 2024؛ النص الرسمي، والعرض الإنجليزي. (157) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «التقدم في بناء قوة زراعية والنهوض الريفي خلال الخطة الخمسية الرابعة عشرة»، 4 حزيران/يونيو 2026، القسم الرابع؛ النص الرسمي. (158) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، مصدر سابق، ص331 وما بعدها. (159) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي لعام 2025، مصدر سابق، القسم الثاني عشر. (160) البنك الدولي ومركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة الصيني، الصين الحضرية: نحو تحضر كفء وشامل ومستدام، واشنطن: البنك الدولي، 2014، الفصول 2–5؛ صفحة التقرير، والتقرير الكامل بصيغة PDF. (161) V. I. Lenin, “The Immediate Tasks of the Soviet Government,” in Collected Works, 4th English ed., vol. 27, Moscow: Progress Publishers, 1965, pp. 235–277, especially pp. 257–269 “Report on the Work of the Council of People’s Commissars,” in Collected Works, vol. 42, Moscow: Progress Publishers, 1971, pp. 128–161, especially pp. 158–161 and “On Cooperation,” in Collected Works, vol. 33, Moscow: Progress Publishers, 1966, pp. 467–475, especially pp. 474–475. (162) كارل ماركس، نقد برنامج غوتا، ضمن دراسات اقتصادية مختارة (2)، ترجمة فؤاد أيوب، ص14؛ النسخة العربية المرقّمة.
#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية في اشتراكية السوق الص
...
-
«البُرْدان» لعبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - سيميائية في
...
-
البنية المؤسسية للنموذج الصيني: الحزب والدولة والسوق والملكي
...
-
من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاري
...
-
اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البن
...
-
تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمي
...
-
الومضة عند يحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-نفسية-سياسية
-
لو كنت شجرة * / للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند
-
مرثية إلى ابن المقفّع- لجواد غلوم: من جرح الذات إلى وجع الجم
...
-
قبلة أخيرة على حافة الحرية
-
تمثلات البراءة والفساد في ومضة «إلى سبطي حيدر» ليحيى السماوي
...
-
دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي
...
-
الوعي والتحول في ومضة ليحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-
...
-
الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة -ترتيلة ا
...
-
جماليات الاحتفاء وبنية المعنى: مقاربة بنيوية–سيميائية–نفسية
...
-
الجسد بوصفه ذاكرة: قراءة بنيوية – سيميائية – نفسية في رباعيا
...
-
حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة الم
...
-
حلبجة: صرخة من السليمانية
-
ازدواجية المعايير وصراع النفوذ: لماذا يتصاعد التوتر الأمريكي
...
-
الاحتراق الدلالي وتمثّلات الوجع الجمعي في ومضة يحيى السماوي
المزيد.....
-
الكشف عن أفضل شركة طيران في العالم لعام 2026
-
سفارة السعودية بواشنطن تعلق على صفقة مقاتلات -F-35- المقترحة
...
-
الولايات المتحدة والدنمارك تتوصلان إلى اتفاق بشأن غرينلاند ب
...
-
كيف تستدرج الدعاية المتطرفة المراهقين عبر الألعاب الالكتروني
...
-
واشنطن ترفع آخر قيود الأسلحة والتمويل العسكري المفروضة على س
...
-
غارات إسرائيلية تستهدف النبطية الفوقا جنوب لبنان وفريق إسعاف
...
-
مصر تبحث مع أمريكا إطلاق مسار سياسي تفاوضي لحل أزمة السودان
...
-
موعد مباراة مصر وأنجولا فى تصفيات كأس الأمم الأفريقية
-
التعليم العالى: رئيس جامعة بنها يشهد إحتفالية بدء العام الدر
...
-
الأهلي يترقب رد ياسر إبراهيم ومحمد هاني على آخر عروض التجديد
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|