|
|
العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية في اشتراكية السوق الصينية
سهيل الزهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 20:14
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لفصل الرابع: العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية في اشتراكية السوق الصينية تمهيد انتقل الفصل السابق من تحليل التطور التاريخي للنموذج الصيني إلى بحث بنيته المؤسسية، موضحًا العلاقة بين الحزب والدولة والسوق، وتوزع الملكية بين القطاعين العام والخاص، ودور المصارف والسياسة الصناعية والتكنولوجيا، وموقع العمال والفلاحين داخل هذه البنية. غير أن تحديد المضمون الاجتماعي للنظام لا يكتمل بتحليل الشكل القانوني للملكية أو قدرة الدولة على توجيه الاستثمار؛ إذ ينبغي بحث العلاقات التي يُنتج الفائض الاقتصادي داخلها، والجهة التي تستحوذ عليه، وكيفية توزيعه بين التراكم والأجور والخدمات العامة والتحويلات الاجتماعية. حقق الاقتصاد الصيني خلال العقود الماضية توسعًا صناعيًا وتكنولوجيًا كبيرًا، ورفع دخول فئات واسعة من السكان، وطوّر البنية التحتية والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي، وأسهم في إخراج مئات الملايين من الفقر. ولم تكن هذه النتائج مجرد آثار تلقائية للنمو، بل أسهمت الدولة في تحقيقها من خلال الاستثمار والإنفاق العامين، وتوجيه القروض والتمويل الذي توفره المصارف العامة نحو البنية التحتية والتصنيع والتنمية الريفية، فضلًا عن استخدام الضرائب وجزء من أرباح المؤسسات العامة في تمويل الخدمات الاجتماعية وبرامج مكافحة الفقر. لكن عملية التنمية اعتمدت، في الوقت نفسه، على اتساع العمل المأجور، وانتقال ملايين العمال من الريف إلى المدن، وجذب الاستثمار الأجنبي، ونمو المؤسسات الخاصة، وزيادة الإنتاجية وتحقيق الأرباح في الشركات العامة والخاصة. ولذلك يجمع النموذج الصيني بين إنتاج الفائض داخل علاقات ملكية وعمل متعددة، وبين امتلاك الدولة أدوات لإعادة توجيه قسم منه نحو التراكم العام والخدمات والحاجات الاجتماعية. ولا تمثل هذه النتيجة تناقضًا منطقيًا؛ فقد تقترن عملية التراكم بارتفاع الإنتاجية والأجور وتحسن مستوى المعيشة، من دون أن يزول العمل المأجور أو ينتهي التفاوت في الثروة والقدرة على اتخاذ القرار. ولهذا لا يكفي إثبات ارتفاع الدخول وخفض الفقر للقول بتجاوز علاقات الاستغلال، كما لا يجوز إنكار التحسن المادي والاجتماعي بحجة استمرار السوق وفائض القيمة. ويقتضي التحليل التمييز بين إنتاج الفائض وتوزيعه. فقد يُنتج الفائض داخل شركة خاصة ثم تستحوذ الدولة على جزء منه بواسطة الضرائب والاشتراكات، وتعيد توجيهه إلى التعليم والصحة والبنية التحتية والضمان الاجتماعي. وقد يُنتج داخل شركة مملوكة للدولة ويُستخدم في توسيع الإنتاج أو تمويل المشروعات الاستراتيجية أو تحويل أرباح إلى المالية العامة. وفي الحالتين يؤثر استخدام الفائض في مضمونه الاجتماعي، لكنه لا يلغي ضرورة بحث علاقة العمل التي أُنتج داخلها والجهة التي تسيطر على قرار توزيعه. ويبحث هذا الفصل، انطلاقًا من ذلك، التمييز بين فائض العمل وفائض القيمة والفائض الاجتماعي، ودور العمل المأجور والعمال المهاجرين في بناء القاعدة الصناعية الصينية، ثم يتناول توزيع الفائض بين الدولة ورأس المال والعاملين والمجتمع، وتحسن مستوى المعيشة والقضاء على الفقر الريفي المدقع، ونمو الدخول مع استمرار الفجوات الاجتماعية والإقليمية، قبل الانتقال إلى سياسة «الرخاء المشترك» ودلالتها بالنسبة إلى الاتجاه الاشتراكي للنموذج. أولًا: فائض العمل وفائض القيمة والفائض الاجتماعي ــ تمييز مفهومي يتطلب تحليل الفائض في الاقتصاد الصيني التمييز بين ثلاثة مفاهيم مترابطة لا يجوز استخدامها بوصفها مترادفات: فائض العمل، وفائض القيمة، والفائض الاجتماعي. فوجود ناتج يزيد على ما يستهلكه المنتجون مباشرةً ليس خاصيةً رأسمالية؛ إذ لا يستطيع أي مجتمع الاستمرار من دون تخصيص جزء من ناتجه لتجديد وسائل الإنتاج وتوسيعها، وتمويل الخدمات العامة، وتكوين الاحتياط، وإعالة الأطفال وكبار السن وغير القادرين على العمل. أما الشكل الاجتماعي الذي يتخذه هذا الفائض فيتحدد بعلاقات الملكية والعمل، والجهة التي تسيطر عليه، والغاية التي يوجَّه إليها. ماركس: من العمل الزائد إلى فائض القيمة يميز ماركس بين العمل الضروري والعمل الزائد. فالعمل الضروري هو الجزء من يوم العمل الذي ينتج العامل خلاله قيمةً تعادل قيمة قوة عمله، أي القيمة اللازمة اجتماعيًا لتأمين وسائل معيشته وتجديد قدرته على العمل وإعالة أسرته. ويظهر هذا الجزء للعامل في صورة أجر. أما العمل الزائد فهو الجزء الذي يستمر العامل خلاله في الإنتاج بعد أن يكون قد أنتج ما يعادل قيمة قوة عمله. وفي نمط الإنتاج الرأسمالي يتخذ ناتج العمل الزائد صورة «فائض القيمة». فالعامل لا يبيع إلى الرأسمالي كميةً محددة من المنتجات، وإنما يبيع قوة عمله مدةً معينة. وتتميز قوة العمل بأنها تستطيع، عند استخدامها في عملية الإنتاج، خلق قيمة أكبر من القيمة المدفوعة لشرائها. ولذلك يستعيد صاحب رأس المال ما دفعه في صورة أجر، ويستحوذ إضافةً إليه على القيمة التي ينتجها العمل الزائد. وقد عبّر ماركس عن هذه العلاقة بقوله: «إن إنتاج فائض القيمة، أو استخلاص العمل الزائد، يشكل المضمون المحدد والغاية الخاصة للإنتاج الرأسمالي». (89) ولا يتوقف وجود فائض القيمة على انخفاض الأجر إلى مستوى الفقر المطلق. فقد يرتفع أجر العامل ويتحسن مستوى معيشته، بينما تستمر المؤسسة في الحصول على فائض القيمة، إذا كانت القيمة التي ينتجها العامل أكبر من قيمة أجره. بل قد يرتفع الأجر بالتزامن مع ازدياد فائض القيمة عندما تنمو الإنتاجية أو تزداد كثافة العمل بمعدل يفوق نمو الأجور. وكان ماركس قد أوضح في العمل المأجور ورأس المال أن العامل يحصل مقابل قوة عمله على وسائل معيشة، بينما يحصل رأس المال على النشاط المنتج القادر على خلق قيمة أكبر من القيمة التي دُفعت للعامل. وبذلك يشترط رأس المال والعمل المأجور أحدهما الآخر: فالرأسمال يحتاج إلى شراء قوة العمل كي يتراكم، والعامل الذي انفصل عن وسائل الإنتاج يحتاج إلى بيع قوة عمله للحصول على وسائل معيشته. ويتحدد الاستغلال، في هذا المعنى، بعلاقة اجتماعية موضوعية، لا بالحكم الأخلاقي على صاحب العمل ولا بمقدار الحرمان الذي يعانيه العامل. فالسؤال هو: هل يسيطر العامل على وسائل الإنتاج وعلى القيمة التي ينتجها، أم يبيع قوة عمله إلى جهة أخرى تسيطر على عملية الإنتاج وناتجها؟ ولذلك لا يؤدي ارتفاع الأجر، بمفرده، إلى تغيير طبيعة العلاقة، وإن كان يمثل تحسنًا فعليًا ومهمًا في حياة العامل. ماركس: الفائض ضرورة اجتماعية لا رأسمالية دائمًا لا يعني تحليل فائض القيمة أن كل اقتطاع من ناتج عمل المنتجين يمثل استغلالًا رأسماليًا. فقد أوضح ماركس في نقد برنامج غوتا أن المجتمع القائم على الملكية الاجتماعية لا يستطيع توزيع الناتج الاجتماعي كله مباشرةً على الأفراد. وقبل توزيع وسائل الاستهلاك، لا بد من اقتطاع أجزاء من الناتج لتعويض وسائل الإنتاج المستهلكة، وتوسيع الإنتاج، وتكوين احتياط لمواجهة الطوارئ والكوارث، وتمويل الإدارة والمدارس والمؤسسات الصحية والحاجات المشتركة، وإعالة غير القادرين على العمل. (90) وبذلك لا يكمن الفرق بين الفائض الرأسمالي والفائض الاجتماعي في وجود العمل الزائد أو الاقتطاع من الناتج وحده، بل في أربعة عناصر مترابطة: علاقات الملكية والعمل التي يُنتج الفائض ضمنها. الجهة التي تستحوذ عليه وتملك سلطة التصرف فيه. الغاية التي يوجَّه إليها، سواء أكانت تراكم رأس المال الخاص أم تطوير الإنتاج وتلبية الحاجات العامة. مقدار مشاركة المنتجين والمجتمع في تحديد حجمه وأولويات استخدامه والرقابة عليه. فالفائض الاجتماعي ليس مجرد مبلغ تحصل عليه الدولة، بل قسم من الناتج يخضع لتوجيه عام ويستخدم لتجديد الإنتاج وتطوير القوى المنتجة وتلبية الحاجات الاجتماعية. وكلما اتسعت مشاركة المنتجين والمجتمع في تحديد هذا الاستخدام ومراقبته، اقترب الفائض من اكتساب مضمون اجتماعي كامل. ويقتضي ذلك التمييز بين إنتاج الفائض وإعادة توزيعه. فقد يُنتج الفائض داخل علاقة رأسمالية قائمة على شراء قوة العمل وتحقيق الربح، ثم تحصل الدولة على قسم منه بواسطة الضرائب والاشتراكات وتعيد توجيهه إلى التعليم والصحة والبنية التحتية والضمان الاجتماعي. وتغيّر إعادة التوزيع النتائج الاجتماعية للفائض وتحدّ من استحواذ رأس المال الخاص عليه، لكنها لا تغيّر بأثر رجعي العلاقة التي أُنتج ضمنها. إنجلز: ملكية الدولة لا تلغي علاقة رأس المال تلقائيًا طوّر إنجلز هذا التمييز عند تحليله انتقال بعض قوى الإنتاج إلى ملكية الدولة داخل المجتمع الرأسمالي. فقد نبّه إلى أن انتقال المؤسسة من مالك خاص إلى الدولة لا يغيّر طبيعة علاقات الإنتاج تلقائيًا، وكتب أن العمال في هذه الحالة «يبقون عمالًا أجراء، بروليتاريين»، وأن ملكية الدولة لقوى الإنتاج «ليست حلًا للنزاع»، وإن كانت تشتمل على الإمكانات والشروط التي تساعد على حله. (91) وكان إنجلز يتحدث عن الدولة الرأسمالية التي تتولى إدارة بعض المشروعات عندما تعجز الملكية الفردية أو الشركات الخاصة عن التحكم في القوى المنتجة الكبيرة. ولذلك لا يجوز نقل حكمه آليًا إلى دولة تقودها سلطة تعلن التزامها ببناء الاشتراكية. لكن تحليله يقرر مبدأً منهجيًا صالحًا لبحث جميع أشكال ملكية الدولة: تغير المالك القانوني لا يعني، بذاته، انتقال السيطرة الفعلية على الإنتاج والفائض إلى المجتمع. وتظل المؤسسة المملوكة للدولة قادرةً على العمل وفق منطق قريب من منطق رأس المال إذا كانت تشتري قوة العمل، وتنتج من أجل السوق، وتسعى أساسًا إلى تعظيم العائد والتوسع، وتبقى إدارتها منفصلةً عن العاملين. وفي هذه الحالة قد يتخذ العمل الزائد شكلًا قيميًا ونقديًا ويستخدم في التراكم، حتى إذا لم يذهب الربح إلى رأسمالي فرد. لكن غياب المالك الرأسمالي الخاص يفتح إمكانًا مختلفًا؛ إذ تستطيع الدولة الاحتفاظ بالفائض داخل القطاع العام أو تحويله إلى المالية العامة واستخدامه في البنية التحتية والخدمات والتكنولوجيا والتنمية طويلة الأجل. ولذلك لا يصح مساواة المؤسسة العامة بالشركة الخاصة مساواةً كاملة، كما لا يصح اعتبار فائضها اجتماعيًا بصورة مكتملة لمجرد تسجيل أصولها باسم الدولة. لينين: الفائض وعلاقات المرحلة الانتقالية أكد لينين، عند شرحه المرحلة الانتقالية بين الرأسمالية والشيوعية، أن المجتمع الجديد لا يولد مكتملًا ومنفصلًا عن المجتمع السابق، بل يحمل مدةً طويلة آثار العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي خرج منها. واستنادًا إلى تحليل ماركس في نقد برنامج غوتا، أوضح أن المرحلة الأولى من المجتمع الجديد تظل محتفظةً ببعض القواعد والأشكال الموروثة، وأن تجاوزها يتطلب تطور القوى المنتجة واتساع مشاركة المجتمع في الإدارة والحساب والرقابة. (92) كما أظهر لينين، في تحليله السياسة الاقتصادية الجديدة، أن وجود التجارة والعمل المأجور ورأس المال الخاص وبعض أشكال رأسمالية الدولة داخل اقتصاد انتقالي لا يحدد، بمفرده، طبيعة النظام كله. ويتوقف اتجاه المرحلة على طبيعة السلطة السياسية، وسيطرة الدولة على القطاعات الأساسية والائتمان والتجارة الخارجية، وقدرتها على تنظيم رأس المال وتوجيه الفائض نحو إعادة بناء الاقتصاد وتطوير الإنتاج، كما سبقت الإشارة في الهامش (92). لكن لينين لم يعتبر وجود سلطة سياسية تقودها الطبقة العاملة كافيًا بذاته لتحويل جميع العلاقات الاقتصادية القائمة إلى علاقات اشتراكية. فقد ميّز بين القطاع الاشتراكي والأشكال الرأسمالية والإنتاج الصغير، وأكد ضرورة معرفة أي العناصر الاقتصادية يتوسع، ومن يسيطر على التبادل والائتمان والتراكم، وكيف تستخدم الدولة مواردها. ولذلك يفيد تحليله في تجنب حكمين متعارضين: اعتبار كل نشاط سوقي دليلًا على رأسمالية النظام بأكمله، أو اعتبار كل نشاط تديره الدولة اشتراكيًا بمجرد ملكيته القانونية. ولا تعني الاستفادة من تجربة السياسة الاقتصادية الجديدة المطابقة بين روسيا السوفيتية والصين المعاصرة؛ فالفروق كبيرة في مستوى التصنيع، والاندماج العالمي، وحجم القطاع الخاص، ومدة الإصلاح، وبنية الدولة. إنما تكمن أهميتها المنهجية في بيان أن الاقتصاد الانتقالي قد يجمع أشكالًا متعددة للملكية والعمل، وأن الحكم على اتجاهه يتطلب بحث العلاقة بين السلطة والملكية والتراكم واستخدام الفائض، لا الاكتفاء بتصنيف قانوني واحد. العمل والقيمة في زمن الأتمتة والذكاء الاصطناعي يثير انتشار الأتمتة والذكاء الاصطناعي سؤالًا يتعلق باستمرار صلاحية تحليل ماركس للعمل وفائض القيمة: هل ما يزال العمل البشري مصدرًا للقيمة الجديدة، أم أصبحت الآلة قادرةً على إنتاجها بصورة مستقلة؟ ويتطلب الجواب التمييز بين زيادة الثروة المادية وإنتاج القيمة في معناها الاجتماعي المحدد داخل الاقتصاد السلعي. فقد ميّز ماركس بين القيمة التي تنقلها وسائل الإنتاج إلى المنتَج والقيمة الجديدة التي يضيفها العمل الحي. فالآلة لا تخلق، وفق هذا التحليل، قيمةً جديدة بذاتها، بل تنقل إلى المنتجات جزءًا من قيمتها التي تكوّنت أصلًا من عمل سابق بُذل في تصنيعها. وينطبق هذا المبدأ، من حيث الأساس، على أنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فهي ليست ذاتًا اقتصادية مستقلة تبيع قوة عملها، وإنما وسيلة إنتاج متطورة تجسّد معرفةً وعملًا بشريين متراكمين. (…) غير أن الأتمتة تغيّر مقدار العمل المباشر وموقعه وطبيعته. فقد تقل بعض المهام داخل المصنع أو المكتب، بينما تتوسع أعمال أخرى في البحث والبرمجة وتصنيع الرقائق وإعداد البيانات وصيانة الأنظمة وتوفير الطاقة والخدمات اللوجستية والإشراف البشري. ولذلك لا يختفي العمل بالضرورة، بل يعاد توزيعه بين المهن والقطاعات والمناطق، وقد يصبح قسم منه غير ظاهر خلف الصورة النهائية للمنتَج المؤتمت. وتؤدي الأتمتة إلى رفع الإنتاجية وخفض وقت العمل الضروري اجتماعيًا لإنتاج السلعة، لكنها لا تحدد بذاتها كيفية توزيع مكاسبها. فقد تستخدم لزيادة الأرباح، أو إزاحة قسم من العاملين وتكثيف عمل الباقين، كما يمكن أن تستخدم لرفع الأجور وتقليص ساعات العمل وتحسين شروط الإنتاج. ومن ثم تتحدد آثارها الاجتماعية بعلاقات الملكية والسلطة والقرار التي تنظّم استخدامها، لا بخصائصها التقنية وحدها. وقد تنبّه ماركس في الغروندريسه إلى التناقض الذي ينشأ عندما تصبح المعرفة والعلم والتعاون الاجتماعي قوى أساسية في الإنتاج، بينما يستمر قياس القيمة بوقت العمل. فالتطور التقني يخلق إمكانًا لتقليص العمل الضروري وتوسيع الوقت الحر المتاح لتنمية الإنسان؛ غير أن هذا الإمكان قد يتحول، في ظل علاقات التراكم، إلى وسيلة لزيادة العمل الفائض وتعظيم الربح بدل تحرير العامل من أعباء العمل. (…) وبذلك لا يبطل الذكاء الاصطناعي تحليل فائض القيمة، بل يجعل من الضروري استكماله بالبحث في ملكية وسائل الإنتاج التقنية، وتنظيم العمل الذي تعتمد عليه، والجهة التي تستحوذ على مكاسب الإنتاجية، والغايات التي يُستخدم الفائض من أجلها. ومن هذا المنطلق يمكن الانتقال إلى تحليل الأشكال المختلفة لإنتاج الفائض والاستحواذ عليه واستخدامه داخل الاقتصاد الصيني المختلط. الفائض في الاقتصاد الصيني المختلط انطلاقًا من هذا التمييز بين مصدر الفائض وشكل ملكيته ووظيفته الاجتماعية، ومع مراعاة التحولات التي أحدثتها الأتمتة والذكاء الاصطناعي في تنظيم العمل، يمكن تحليل الفائض في الاقتصاد الصيني بحسب القطاع والعلاقة التي يُنتج ضمنها. ففي الشركات الخاصة والأجنبية تشتري المؤسسة قوة العمل بقصد إنتاج السلع والخدمات وتحقيق الربح، ويعود صافي الربح، بعد دفع الأجور والتكاليف والضرائب، إلى أصحاب رأس المال والمساهمين. ولذلك يتخذ العمل الزائد في هذه المؤسسات صورة فائض القيمة والتراكم الخاص بصورة مباشرة. ولا يحتفظ رأس المال الخاص بكامل هذا الفائض؛ فالدولة تحصل على قسم منه من خلال الضرائب والرسوم والاشتراكات الاجتماعية، ثم تعيد توجيه موارد إلى الاستثمار العام والتعليم والصحة والتقاعد والبنية التحتية ودعم الفئات والمناطق الأقل دخلًا. وتحد إعادة التوزيع من استحواذ أصحاب رأس المال على نتائج العمل، وتمنح قسمًا من الفائض وظيفةً اجتماعية، لكنها لا تلغي علاقة العمل المأجور التي أُنتج في إطارها. أما الشركات المملوكة للدولة فتقدم وضعًا أكثر تركيبًا. فهي تستخدم العمل المأجور، وتبيع منتجاتها في السوق، وتقترض وتستثمر، وتسعى إلى رفع الإنتاجية والمحافظة على قيمة الأصول وتحقيق عائد. ولذلك لا يصح نفي الشكل القيمي عن فائضها لمجرد غياب المالك الرأسمالي الفردي، ولا سيما عندما يخضع نشاطها للمنافسة والسعي إلى الربحية والتوسع. لكن أرباح الشركة العامة لا تتحول بالضرورة إلى ثروة خاصة؛ إذ تستطيع الدولة الاحتفاظ بها داخل القطاع العام، أو تحويل قسم منها إلى الموازنة العامة، أو استخدامها في الطاقة والنقل والاتصالات والتكنولوجيا والخدمات والمشروعات الاستراتيجية. وهذا يغير الجهة التي تستحوذ على الفائض وإمكانات استخدامه، ويمنحه وظيفةً تنموية واجتماعية ممكنة تختلف عن التراكم الخاص. ولهذا ينبغي التمييز في المؤسسات العامة بين ثلاثة أبعاد: الشكل الذي يُنتج فيه الفائض، والجهة التي تملكه قانونيًا، والوظيفة التي يؤديها اجتماعيًا. فقد يُنتج الفائض ضمن علاقة عمل مأجور وسوقية، وتملكه الدولة، ثم يستخدم في غايات عامة. ويعبّر هذا الوضع عن تركيب انتقالي لا يمكن اختزاله في وصف «رأسمالي» أو «اشتراكي» من دون بحث كيفية الإدارة والتوزيع والرقابة. ويمكن، بناءً على ذلك، التمييز داخل الاقتصاد الصيني بين ثلاثة اتجاهات للفائض لا تفصل بينها حدود مطلقة: فائض يتحول أساسًا إلى ربح وتراكم خاص. فائض تحصل عليه الدولة وتوجهه إداريًا إلى الاستثمار العام أو الموازنة. فائض اجتماعي يوجَّه إلى الحاجات الجماعية ويخضع لرقابة عامة ومشاركة مؤثرة من المنتجين والمجتمع. وقد يتداخل الاتجاهان الثاني والثالث من دون أن يتطابقا. فتوجيه الدولة الموارد إلى المدارس والمستشفيات والطرق والإسكان والضمان الاجتماعي يحقق منفعةً جماعية حقيقية، حتى إذا لم يشارك العمال مباشرةً في القرار. لكنه لا يمثل السيطرة الاجتماعية الكاملة على الفائض ما دامت أولويات استخدامه تتحدد أساسًا داخل الأجهزة الإدارية والحزبية. وبذلك لا يكون السؤال الأساسي هو ما إذا كان الاقتصاد الصيني ينتج فائضًا؛ فوجود الفائض ضرورة لاستمرار الإنتاج في كل مجتمع. وإنما يتعلق السؤال بالعلاقات التي يُنتج فيها، وتوزعه بين الأرباح الخاصة والتراكم العام والأجور والخدمات، ومقدار ما يعود إلى المنتجين في صورة دخل وأمن اجتماعي ووقت حر، ومدى مشاركتهم في تقرير كيفية استخدامه. ويمهّد هذا التمييز لتحليل الدور الذي أدّاه العمل المأجور، ولا سيما عمل ملايين المهاجرين من الريف، في تكوين القاعدة الصناعية والتصديرية للصين، وما اقترن بذلك من ارتفاع الدخول وتغير البنية الاجتماعية واستمرار التفاوت في الحقوق والسلطة داخل مواقع الإنتاج. ثانيًا: العمل المأجور وتكوين القاعدة الصناعية الصينية لم يكن التصنيع الصيني مجرد عملية تراكم للآلات ورأس المال وتوسيع للمصانع والبنية التحتية، بل كان كذلك إعادة تنظيم واسعة للعمل الاجتماعي. فقد انتقلت أعداد كبيرة من السكان من الزراعة والاقتصاد الأسري الريفي إلى العمل المأجور في المصانع ومواقع البناء والنقل والخدمات، وأصبحت قوة عملهم جزءًا أساسيًا من عملية التراكم الصناعي والتصديري. ويقتضي تحليل هذه العملية التمييز بين نتيجتين مترابطتين. فمن جهة، أتاح الانتقال إلى الصناعة رفع إنتاجية العمل، وزيادة الدخول، وتوسيع المدن، وتحسين التعليم والمهارات والبنية التحتية. ومن جهة أخرى، أخضع قسمًا متزايدًا من المنتجين لعلاقة العمل المأجور، بحيث صار حصولهم على وسائل المعيشة مرتبطًا بقدرتهم على بيع قوة عملهم إلى مؤسسة عامة أو خاصة أو أجنبية. من المنتج الريفي إلى العامل المأجور حلّل لينين، في تطور الرأسمالية في روسيا، انتقال السكان من الزراعة إلى الصناعة بوصفه جزءًا من تكوّن السوق الداخلية ونشوء الصناعة الكبيرة. فتمايز المنتجين الريفيين، وانفصال قسم منهم جزئيًا أو كليًا عن شروط إنتاجه، يدفعان إلى اتساع العمل المأجور، بينما يؤدي نمو الصناعة والنقل والتجارة إلى جذب قوة العمل نحو المدن والمراكز الصناعية. وقد رأى لينين أن ازدياد السكان العاملين في الصناعة على حساب الزراعة ظاهرة مرتبطة بإعادة تقسيم العمل الاجتماعي وتوسع الإنتاج البضاعي. (93) ولا يجوز نقل هذا التحليل بصورة آلية إلى الصين؛ لأن التصنيع الصيني جرى في ظل بنية تاريخية مختلفة، احتفظت فيها الدولة بملكية عامة أو جماعية للأرض، واستمرت حقوق الأسر الريفية في التعاقد على الانتفاع بها، كما أدت الدولة دورًا مباشرًا في إنشاء البنية التحتية وتوجيه الاستثمار والائتمان. غير أن تحليل لينين يظل مفيدًا منهجيًا في بيان أن التصنيع لا يغيّر موقع العمل بين القطاعات فقط، بل يعيد تشكيل العلاقات الاجتماعية التي يحصل المنتجون ضمنها على معيشتهم. وقد اتخذ هذا التحول في الصين صورةً مركبة. فالعامل المهاجر من الريف قد يعمل معظم السنة بأجر في مدينة صناعية، بينما يظل تسجيله الأسري وحقوقه في الأرض وروابط أسرته مرتبطًا بالريف. ولذلك لا يمثل انتقاله دائمًا انفصالًا نهائيًا عن الاقتصاد الريفي، بل قد ينشأ وضع وسيط يجمع بين الاعتماد على الأجر في المدينة والاحتفاظ بحقوق أو موارد عائلية في القرية. ويمكن وصف هذا الوضع بأنه انتقال جزئي أو غير مكتمل إلى البروليتاريا الصناعية. فالعامل يبيع قوة عمله ويخضع لتنظيم المصنع أو شركة البناء أو المؤسسة الخدمية، لكنه قد لا يصبح مندمجًا بصورة متساوية مع السكان المسجلين في المدينة، كما يستطيع في بعض الحالات الرجوع إلى أسرته أو أرضه الريفية. وقد وفّر هذا الارتباط بالريف قدرًا من الحماية في أوقات البطالة والأزمات، لكنه أسهم تاريخيًا أيضًا في توزيع تكاليف إعالة قوة العمل بين المؤسسة المستخدمة والعائلة الريفية. وتبين ضخامة هذه العملية من استمرار وجود أكثر من ثلاثمئة مليون عامل مهاجر في الصين سنة 2025، وفق تعريف الإحصاءات الصينية الذي يشمل المسجلين ريفيًا والعاملين في وظائف غير زراعية داخل مناطقهم الأصلية أو خارجها مدةً معينة من السنة. كما تظهر البيانات ارتفاع متوسط دخولهم وتحسن بعض ظروف سكنهم، بما يدل على أن تكوين الطبقة العاملة المأجورة اقترن بتحسن مادي حقيقي، ولم يكن مجرد انتقال من الفقر الريفي إلى الفقر الحضري. (94) إعادة إنتاج قوة العمل ونظام التسجيل الأسري أوضح ماركس أن العامل لا يبيع «العمل» بوصفه منتجًا مكتملًا، وإنما يبيع قوة عمله مدةً محددة. وتتحدد قيمة قوة العمل بقيمة وسائل المعيشة الضرورية لإعادة إنتاجها؛ أي الغذاء والسكن والملبس والرعاية الصحية والتعليم والتدريب، إضافة إلى ما يلزم لاستمرار أسرة العامل وتجدد الأجيال العاملة. ولا تتحدد هذه الحاجات بيولوجيًا فقط، بل يدخل في تكوينها عنصر تاريخي واجتماعي يختلف باختلاف مستوى تطور المجتمع وموازين القوى داخله. (95) ومن هذا المنظور، لا يقتصر الأجر على المبلغ النقدي الذي يحصل عليه العامل، بل ينبغي النظر كذلك إلى الخدمات والمنافع التي يحصل عليها من الدولة أو المؤسسة أو الأسرة. فالتعليم والرعاية الصحية والتقاعد والسكن والنقل والتأمين ضد إصابات العمل تمثل أجزاءً من شروط إعادة إنتاج قوة العمل، سواء دفع العامل تكلفتها مباشرةً أم مولتها الدولة والمؤسسة والمجتمع. وقد أسهم نظام التسجيل الأسري، أو «الهوكو»، تاريخيًا في إيجاد تفاوت بين العامل الريفي المهاجر والعامل المسجل في المدينة في الوصول إلى بعض الخدمات العامة. فاستطاعت المدن والمؤسسات الاستفادة من عمل المهاجرين، بينما ظل قسم من تكاليف إعالة أسرهم وتعليم أطفالهم ورعايتهم مرتبطًا بمناطق المنشأ الريفية. وبذلك لم يكن «الهوكو» مجرد إجراء إداري لتنظيم السكان، بل كان له أثر في توزيع تكاليف إعادة إنتاج قوة العمل بين المدينة والريف، وبين المؤسسة والدولة والأسرة. غير أن هذا الوضع لم يبقَ ثابتًا؛ فقد توسعت التغطية الاجتماعية، وارتفعت دخول العمال المهاجرين، واتخذت السلطات إجراءات لتيسير انتقال المنافع وتحسين حصولهم على التعليم والصحة والسكن. ومع ذلك، ظلت بعض الفجوات مرتبطة بقابلية نقل التأمينات، واختلاف مستوى الخدمات بين الأقاليم، وشروط الالتحاق بالمدارس والإقامة الدائمة في المدن الكبرى. ولذلك ينبغي تحليل «الهوكو» بوصفه مؤسسة متغيرة شهدت إصلاحات فعلية، لا بوصفه حاجزًا جامدًا لم يتغير منذ بداية الإصلاح. (96) إنجلز والتكلفة الاجتماعية للتصنيع بيّن إنجلز، في حال الطبقة العاملة في إنجلترا، أن الصناعة الكبيرة لا تغيّر طريقة الإنتاج داخل المصنع وحده، بل تعيد تشكيل المدينة والسكن والصحة والعلاقات بين السكان. فالتصنيع يجمع العمال في مراكز كبيرة، ويوسّع اعتمادهم على الأجر، ويجعل ظروف معيشتهم مرتبطةً بتنظيم العمل وبالبيئة الحضرية التي تنشأ حول المصانع. (97) ولا تجوز المطابقة بين أحوال العمال في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر وأحوال العمال في الصين المعاصرة؛ فقد اختلف مستوى تطور القوى المنتجة، ودور الدولة، وحجم الاستثمار العام، والتشريعات الاجتماعية، ومستوى الأجور ،والخدمات. لكن منهج إنجلز يلفت النظر إلى أن الحكم على التصنيع لا ينبغي أن يقتصر على كمية الإنتاج أو الصادرات، بل يجب أن يشمل الآثار التي يتركها في السكن والصحة ووقت الراحة والحياة الأسرية والأمن الاجتماعي. ومن ثم، ينبغي النظر إلى التصنيع الصيني من جانبيه معًا. فقد وفّر فرص عمل واسعة، ورفع دخول ملايين الأسر الريفية، ونقل السكان إلى بيئات تتمتع عادةً ببنية تحتية وتعليم وخدمات أكثر تطورًا. لكنه فرض في الوقت نفسه تكاليف اجتماعية تمثلت في انفصال بعض العمال عن أسرهم مددًا طويلة، وارتفاع نفقات السكن في المدن، وعدم الاستقرار الوظيفي في بعض القطاعات، والتفاوت بين العاملين في التمتع بالخدمات وفق نوع التسجيل والإقامة وعقد العمل. ولا تنفي النتيجة الأولى الثانية، كما لا تلغي الثانية الأولى. فالتحليل الماركسي لا يقيس التقدم بإفقار العمال، بل بتطور القوى المنتجة وبمقدار ما يحصل عليه المنتجون من نتائج هذا التطور، وبمدى تحررهم من عدم الأمان والتبعية واتساع قدرتهم على التحكم في شروط حياتهم وعملهم. يوم العمل بين القانون وعلاقات القوة خصّص ماركس جانبًا مهمًا من تحليله للصراع على طول يوم العمل. فصاحب العمل يسعى إلى استخدام قوة العمل أطول مدة ممكنة، بينما يحتاج العامل إلى وقت للراحة والنوم والعناية بصحته وأسرته وتنمية قدراته. ولذلك لا يتحدد يوم العمل باعتباره مقدارًا تقنيًا أو طبيعيًا، بل يمثل حدًا اجتماعيًا يتشكل من خلال التشريع والتنظيم والصراع والمفاوضة بين الأطراف. ويؤدي قانون العمل، من هذا المنظور، وظيفةً تتجاوز تنظيم العقد الفردي؛ فهو يضع حدودًا اجتماعية للطريقة التي تستطيع المؤسسة استخدام قوة العمل ضمنها. وينص قانون العمل الصيني على يوم عمل معياري مدته ثماني ساعات، ومتوسط لا يتجاوز أربعًا وأربعين ساعة أسبوعيًا، كما ينظم العمل الإضافي وتعويضه. ويوفر قانون عقود العمل قواعد تتعلق بإبرام العقد وإنهائه والأجور والحماية القانونية، إلى جانب آليات الوساطة والتحكيم في نزاعات العمل. (98) لكن وجود النص القانوني لا يكفي لمعرفة الممارسة الفعلية. فتطبيقه يتأثر بقوة العامل التفاوضية، واستقرار عقده، وطبيعة القطاع، وفاعلية التفتيش، وقدرة العامل على تقديم الشكوى، ومدى خوفه من فقدان الوظيفة. وتزداد صعوبة الحماية لدى العاملين بعقود غير مستقرة، وفي سلاسل التعاقد من الباطن، وبعض أشكال العمل عبر المنصات الرقمية، حيث قد يصبح تحديد صاحب العمل وساعات العمل والأجر المستحق أكثر تعقيدًا. وقد برزت ثقافة العمل المعروفة باسم «996» — أي العمل من التاسعة صباحًا إلى التاسعة مساءً ستة أيام في الأسبوع — مثالًا على الفجوة الممكنة بين القانون والممارسة، ولا سيما في بعض شركات التكنولوجيا. وفي سنة 2021 نشرت المحكمة الشعبية العليا ووزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي حالات نموذجية لتأكيد عدم قانونية ترتيبات العمل الإضافي المفرط، وهو ما يدل على اعتراف السلطات بالمشكلة ومحاولة ضبطها قانونيًا. (99) إطالة يوم العمل وزيادة الإنتاجية يميز ماركس بين طريقتين أساسيتين لزيادة فائض القيمة. تتحقق الأولى بإطالة يوم العمل أو تقليص أوقات الراحة، وهي الطريقة المرتبطة بفائض القيمة المطلق. وتتحقق الثانية برفع إنتاجية العمل وتقليل الزمن اللازم لإنتاج ما يعادل قيمة قوة العمل، فتزداد حصة العمل الزائد داخل يوم عمل لا يلزم أن يطول؛ وهي الطريقة المرتبطة بفائض القيمة النسبي. ويتيح هذا التمييز فهمًا أدق للتجربة الصناعية الصينية. ففي المراحل التي اعتمد فيها التوسع على وفرة قوة العمل وانخفاض كلفتها وطول ساعات استخدامها، أدى فائض القيمة المطلق دورًا ملحوظًا. ومع ارتفاع الأجور وتغير التركيب السكاني وتقدم التكنولوجيا، ازدادت أهمية الأتمتة والمهارات والتنظيم والبحث العلمي ورفع الإنتاجية، أي الوسائل المرتبطة بفائض القيمة النسبي. غير أن التطور التكنولوجي لا يؤدي تلقائيًا إلى تقصير يوم العمل. فقد تستخدم الآلات والرقمنة لخفض الوقت الضروري لإنتاج السلعة، لكن المؤسسة تستطيع تحويل الوفر إلى زيادة في الإنتاج والربح بدل تحويله إلى وقت حر للعامل. ويتوقف الأثر الاجتماعي للتكنولوجيا على كيفية توزيع مكاسب الإنتاجية بين الأرباح والأجور وخفض ساعات العمل والخدمات العامة. وينبغي لذلك ألا يقتصر قياس التقدم الصناعي على زيادة إنتاج العامل في الساعة. فالمعيار الاجتماعي يشمل كذلك مقدار ما يعود إليه من مكاسب الإنتاجية، وما إذا كان التطور التقني يؤدي إلى تحسين شروط العمل وتقليل الأعمال الخطرة والمرهقة، أم إلى زيادة كثافة العمل والمراقبة الرقمية والضغط لتحقيق أهداف إنتاجية أعلى. ارتفاع الأجور واستمرار العمل المأجور لا يعني استمرار علاقة العمل المأجور أن أجور العمال يجب أن تبقى ثابتة أو أن معيشتهم لا يمكن أن تتحسن. فقد أوضح ماركس في العمل المأجور ورأس المال ضرورة التمييز بين الأجر النقدي، والأجر الحقيقي الذي يقيس السلع والخدمات التي يستطيع العامل الحصول عليها، والأجر النسبي الذي يعبّر عن حصة العامل مقارنةً بما يحصل عليه رأس المال. وقد يرتفع الأجر النقدي والحقيقي، بينما ترتفع إنتاجية العمل والأرباح بمعدل أسرع، فتتراجع حصة العامل النسبية من القيمة الجديدة. وفي المقابل، قد تسهم زيادة الأجور والخدمات العامة والضمان الاجتماعي في رفع حصة العامل من الناتج، حتى إذا ظلت علاقته القانونية بالمؤسسة قائمةً على بيع قوة العمل. ومن هنا، لا يكفي الاستشهاد بارتفاع متوسط أجور العمال المهاجرين لإثبات زوال الاستغلال، كما لا يجوز إنكار أهمية هذا الارتفاع لمجرد استمرار العمل المأجور. فزيادة الدخل الحقيقي، وتحسن السكن، واتساع التأمين الصحي والتقاعدي، وارتفاع التعليم والمهارات، كلها مكاسب اجتماعية فعلية ينبغي إدخالها في التقويم. وفي المقابل، يتطلب تحديد موقع العامل داخل عملية التنمية بحث مجموعة من المؤشرات المترابطة: تطور الأجر الحقيقي مقارنةً بتكاليف السكن والغذاء والتعليم والصحة. تطور حصة الأجور من القيمة المضافة مقارنةً بحصة الأرباح. طول يوم العمل وكثافته ومقدار وقت الراحة والفراغ. استقرار الوظيفة ووجود عقد وتأمين اجتماعي وحماية من إصابات العمل. مقدار ما يعود إلى العاملين من ارتفاع الإنتاجية والتقدم التكنولوجي. قدرة العمال على التفاوض والشكوى والمشاركة في تحديد شروط العمل. المساواة في الوصول إلى الخدمات بين العمال المهاجرين والسكان المسجلين حضريًا. وبذلك أسهم العمل المأجور، ولا سيما عمل المهاجرين من الريف، إسهامًا حاسمًا في تكوين القاعدة الصناعية الصينية وفي رفع الإنتاج والصادرات وتطوير المدن والبنية التحتية. وقد عاد قسم من نتائج هذا التوسع إلى العاملين في صورة أجور أعلى وخدمات وفرص تعليم وتحسن في مستوى المعيشة، بينما تحول قسم آخر إلى أرباح خاصة وتراكم مؤسسي وإيرادات عامة. ولهذا لا يمكن الحكم على المضمون الاجتماعي للتنمية من وجود العمل المأجور وحده، ولا من نمو الناتج أو ارتفاع الأجور وحدهما. وإنما ينبغي الانتقال إلى بحث توزيع الفائض بين العاملين ورأس المال والدولة والمجتمع، والآليات التي تحدد حصة كل طرف والغايات التي يوجَّه إليها الناتج الزائد. ثالثًا: توزيع الفائض بين الدولة ورأس المال والعاملين والمجتمع يركز هذا القسم على المسارات الفعلية التي يتخذها الفائض في الاقتصاد الصيني، انطلاقًا من أن طبيعته تتحدد بعلاقات الإنتاج التي ينشأ ضمنها، والجهة التي تسيطر عليه، والغاية التي يُستخدم فيها. وقد نبّه ماركس في نقد برنامج غوتا، كما سبقت الإشارة في الهامش (90)، إلى أن توزيع وسائل الاستهلاك نتيجةٌ لتوزيع شروط الإنتاج نفسها. ومن ثم يبدأ توزيع الفائض داخل المؤسسة، حيث تتحدد الأجور والأرباح، ثم يستمر خارجها بواسطة الضرائب، وتحويلات أرباح الشركات العامة، والاشتراكات الاجتماعية، والإنفاق الحكومي. وفي الاقتصاد الصيني، يتخذ الفائض ثلاثة مسارات رئيسة: قسم يتحول إلى أرباح وتراكم خاص، وقسم يبقى داخل المؤسسات العامة أو تحصّله الدولة وتوجهه إلى التراكم العام، وقسم يعود إلى العاملين والمجتمع في صورة أجور وخدمات وتحويلات وحماية اجتماعية. ولا تفصل بين هذه المسارات حدود مطلقة، لأن الاستثمار العام قد يخدم المجتمع والمؤسسات الخاصة معًا، كما تسهم الضرائب في تحويل قسم من الأرباح الخاصة إلى موارد عامة. أرباح القطاع الخاص وإعادة توزيعها في الشركات الخاصة والأجنبية، يعود صافي الربح إلى المالكين والمساهمين، ويُعاد استثمار قسم منه في توسيع الإنتاج والتكنولوجيا والأسواق. وقد أسهم هذا التراكم في زيادة الإنتاج والتشغيل والابتكار، لكنه أدى كذلك إلى نمو الثروة الخاصة وتفاوت ملكية الأصول. وتحصل الدولة على جزء من هذه الأرباح بواسطة الضرائب والرسوم والاشتراكات. ويحد ذلك من مقدار الفائض الذي يحتفظ به رأس المال الخاص، ويوفر موارد يمكن استخدامها في أغراض عامة. لكنه لا يغيّر أصل العلاقة التي أُنتج الفائض ضمنها؛ لأن قرار الاستثمار والاستحواذ الأولي على الربح يظلان في يد مالك المؤسسة. ومن ثم تمثل الضرائب إعادة توزيع لقسم من فائض القيمة، لا تحويلًا تلقائيًا لعلاقة الإنتاج الخاصة إلى علاقة اشتراكية. ويتوقف مضمونها الاجتماعي على مقدار ما تستعيده الدولة، والفئات التي تتحمل العبء الضريبي، والغايات التي توجَّه إليها الإيرادات. أرباح المؤسسات العامة يختلف مسار الفائض في الشركات المملوكة للدولة؛ لأن أرباحها لا تعود من حيث الأصل إلى مالك رأسمالي فردي، بل تبقى ضمن ملكية الدولة. ويمكن الاحتفاظ بها داخل المؤسسة لتمويل الاستثمار والبحث والتطوير وسداد الديون، أو تحويل قسم منها إلى الموازنة، أو استخدامها في مشروعات استراتيجية. وقد بلغت إيرادات الشركات المملوكة للدولة والشركات التي تسيطر عليها الدولة نحو 84.89 تريليون يوان سنة 2025، وبلغت أرباحها المجمعة قرابة 4.04 تريليون يوان، في حين دفعت نحو 5.88 تريليون يوان من الضرائب والرسوم. وتكشف هذه الأرقام ضخامة الموارد التي تمر عبر القطاع العام، لكنها لا تبين وحدها مقدار ما انتقل منها إلى الإنفاق الاجتماعي. (100) وتحصّل الدولة جانبًا من أرباح هذه المؤسسات بواسطة «ميزانية تشغيل رأس المال المملوك للدولة». وقد بلغت إيرادات هذه الميزانية على المستوى الوطني نحو 854.7 مليار يوان سنة 2025. وبلغت إيراداتها المركزية نحو 390.3 مليار يوان، حُوّل منها 240 مليارًا إلى الموازنة العامة المركزية، بينما حوّلت الميزانيات المحلية نحو 334.1 مليار يوان إلى الموازنات العامة المحلية. (101) ولا تجوز المقارنة المباشرة بين إجمالي أرباح الشركات العامة وإيرادات ميزانية تشغيل رأس المال الحكومي، لاختلاف نطاق الرقمين وأساسهما المحاسبي. لكن البيانات توضح أن أرباح القطاع العام لا تتحول كلها إلى الإنفاق الحكومي؛ إذ يبقى قسم مهم منها داخل المؤسسات لتمويل التوسع والتكنولوجيا والاحتياطيات. وهنا ينبغي التمييز بين التراكم العام والاستهلاك الاجتماعي. فاحتفاظ المؤسسة العامة بأرباحها من أجل توسيع الإنتاج يمثل تراكمًا عامًا، بينما يمثل تحويل الأرباح إلى التعليم والصحة والتقاعد والتحويلات الاجتماعية عودةً مباشرة أو غير مباشرة للفائض إلى المجتمع. وكلا الاستخدامين ضروري، لكن الموازنة بينهما تحدد مقدار ما يحصل عليه السكان حاضرًا ومقدار ما يخصص لتطوير القدرة الإنتاجية المستقبلية. الضرائب والموازنة العامة بلغت إيرادات الموازنة العامة الصينية سنة 2025 نحو 21.60 تريليون يوان، في حين بلغ الإنفاق العام قرابة 28.74 تريليون يوان. وتموّل الفجوة بينهما من الاقتراض والتحويلات من بنود الموازنة الأخرى واستخدام الأرصدة والموارد المتاحة. (102) ولا تأتي الإيرادات العامة كلها من فائض رأس المال؛ فضريبة دخل الشركات تُقتطع من الأرباح، بينما يتحمل الأفراد جانبًا من ضريبة الدخل والضرائب غير المباشرة الداخلة في أسعار السلع. كما تموَّل التأمينات الاجتماعية من مساهمات العاملين وأصحاب العمل والدولة. ولذلك لا يكفي حجم الإيرادات لمعرفة أثرها التوزيعي، بل ينبغي تحديد مصدرها والجهة التي تتحمل عبئها. وتكتسب الدولة الصينية قدرةً إضافية على التوجيه لأنها لا تعتمد على الضرائب وحدها؛ فهي تملك مؤسسات إنتاجية ومصارف، وأرضًا وأدوات ائتمان واستثمار. ويتيح ذلك لها توجيه الموارد مباشرةً إلى قطاعات ومناطق ومشروعات محددة، بدل الاكتفاء بمعالجة نتائج السوق بعد وقوعها. وقد وُجّه جانب مهم من الإنفاق العام إلى التعليم والصحة والضمان الاجتماعي والتوظيف والعلوم والتكنولوجيا. وكانت نفقات التعليم والضمان الاجتماعي والتوظيف من أكبر أبواب الإنفاق خلال سنة 2025، وهو ما يدل على عودة قسم من الموارد العامة إلى السكان في صورة خدمات ومنافع اجتماعية. الأجور والأجر الاجتماعي يحصل العاملون على نصيبهم المباشر من الناتج في صورة أجور ومكافآت وتعويضات، وعلى نصيب غير مباشر في صورة تعليم وصحة وتقاعد وتأمين ضد البطالة وإصابات العمل وخدمات عامة. ويمثل هذا النصيب غير المباشر ما يمكن تسميته «الأجر الاجتماعي»، لأنه يقلل النفقات التي كان ينبغي أن تتحملها الأسرة من دخلها النقدي. لكن موارد التأمين الاجتماعي لا تمثل كلها تحويلًا من الدولة إلى العامل؛ فالجزء المقتطع من أجره هو أجر مؤجل، ومساهمة المؤسسة جزء من كلفة استخدام قوة العمل، بينما يمثل الدعم المالي الحكومي تحويلًا من الإيرادات العامة. وقد بلغ رصيد صناديق المعاشات الأساسية والتأمين ضد البطالة وإصابات العمل نحو 10.2 تريليون يوان في نهاية سنة 2025. (103) ولا يكفي اتساع الصناديق والتغطية القانونية للحكم على مقدار ما يعود إلى العاملين؛ إذ ينبغي النظر إلى قيمة المنافع، ومدى مساواتها بين المدن والأرياف، وإمكان نقل الحقوق بين المقاطعات، ونوعية الخدمات التي يحصل عليها العامل وأسرته. كذلك لا يكشف ارتفاع الأجر وحده عن توزيع ثمار النمو. فقد يرتفع الأجر الحقيقي، بينما ترتفع الإنتاجية والأرباح وقيمة الأصول بمعدل أكبر. ولذلك ينبغي مقارنة نمو الأجور بنمو الإنتاجية والأرباح، وإضافة ساعات العمل والخدمات العامة إلى التقويم. فالدخل الأعلى الناتج من ساعات أطول لا يعادل تحسنًا مماثلًا في نصيب العامل من الفائض. التراكم العام وتحسين الحياة أعطى النموذج الصيني وزنًا كبيرًا لإعادة استثمار الفائض في الصناعة والطاقة والنقل والاتصالات والتكنولوجيا والبنية التحتية. وقد أسهم ذلك في رفع الإنتاجية وتكوين قاعدة مادية واسعة للتنمية، كما عاد على المجتمع من خلال تحسين النقل والكهرباء والاتصالات والخدمات وفرص العمل. لكن التراكم العام لا يطابق الإنفاق الاجتماعي المباشر. فقد يزيد الاستثمار قدرة الاقتصاد المستقبلية، من دون أن يرفع في المدى القصير أجور العاملين أو معاشاتهم أو قدرتهم على الاستهلاك. ومن ثم تتمثل المسألة التوزيعية في مقدار التوازن بين تطوير وسائل الإنتاج وتحسين حياة المنتجين. وكان إعطاء الأولوية للتراكم مفهومًا خلال مراحل التصنيع الأولى، حين احتاجت الصين إلى بناء صناعتها وبنيتها التحتية. غير أن استمرار هذه الأولوية بعد ارتفاع مستوى القوى المنتجة يطرح سؤالًا جديدًا: هل تتحول زيادة الإنتاجية إلى أجور وخدمات ووقت حر، أم تبقى موجهةً أساسًا إلى توسيع الاستثمار والإنتاج؟ وتتحدد الوظيفة الاجتماعية للاستثمار العام بمقدار ما يوسع قدرة المجتمع على تلبية الحاجات، ويقلل التفاوت، ويحسن شروط العمل، ويخفف الوقت الضروري الذي يبذله الأفراد للحصول على وسائل معيشتهم. من إدارة الدولة إلى الرقابة الاجتماعية تمتلك قيادة الحزب وأجهزة الدولة والشركات العامة قدرة واسعة على تحديد أولويات استخدام الفائض. أما مشاركة العاملين والمجتمع فتجري من خلال مؤتمرات العاملين والنقابات ومجالس الشعب والقنوات الحزبية والإدارية، ولا تبلغ مستوى السيطرة المباشرة والشاملة على قرارات الاستثمار والموازنة. ولذلك يبقى الفرق قائمًا بين فائض تديره الدولة باسم المجتمع وفائض يخضع لسيطرة اجتماعية فعلية. وقد حققت الصين مستوى واسعًا من الإدارة الحكومية للفائض، ووجهت جانبًا منه إلى الصناعة والبنية التحتية والخدمات وخفض الفقر، لكنها لم تنقل السيطرة الكاملة عليه إلى المنتجين والمجتمع. ولا ينفي ذلك المضمون الاجتماعي الحقيقي لاستخدام جانب من الفائض؛ فالطرق والمدارس والمستشفيات والتأمينات والتحويلات منافع جماعية ملموسة. لكنه يعني أن الحكم على الاتجاه الاشتراكي لا يتوقف على الغاية العامة المعلنة وحدها، بل يشمل كذلك طريقة اتخاذ القرار والرقابة على التنفيذ. وتظهر النتائج الاجتماعية لهذا التوزيع بوضوح في تحسن مستوى المعيشة والقضاء على الفقر الريفي المدقع، وهو موضوع القسم التالي. أما الحكم على دلالته بالنسبة إلى اتجاه النموذج ككل، فيُبحث في التقويم الختامي للفصل. رابعًا: تحسين مستوى المعيشة والقضاء على الفقر الريفي المدقع يمثل القضاء على الفقر الريفي المدقع أحد أبرز التحولات الاجتماعية التي رافقت التنمية الصينية. ولا يقتصر معنى هذا التحول على ارتفاع الدخل النقدي؛ فالفقر يتجسد أيضًا في نقص الغذاء والسكن الآمن، وضعف الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية ومياه الشرب والبنية التحتية وفرص العمل المستقرة. ولذلك ينبغي تقويم التجربة الصينية من خلال التغير في مجمل شروط إعادة إنتاج حياة السكان، لا من خلال خط الدخل وحده. حجم الإنجاز وحدود الأرقام أعلنت الصين في نهاية عام 2020 القضاء على الفقر المدقع في المناطق الريفية وفق خط الفقر الوطني المعتمد. وشملت الحملة، منذ المؤتمر الثامن عشر للحزب الشيوعي الصيني، إخراج 98.99 مليون من سكان الريف من الفقر، ورفع 832 محافظة و128 ألف قرية من قوائم المناطق الفقيرة. ولم يقتصر معيار الخروج من الفقر على الدخل، بل ارتبط بتحقيق الاكتفاء من الغذاء والكساء، وضمان التعليم الإلزامي والخدمات الطبية الأساسية وسلامة المساكن. (104) وينبغي عدم الخلط بين هذا الرقم وبين تقديرات البنك الدولي التي تشير إلى خروج ما يقارب 800 مليون شخص من الفقر خلال أربعة عقود. فالرقم الأول يتعلق بالمرحلة الأخيرة من حملة مكافحة الفقر، وبالسكان الريفيين المسجلين تحت خط الفقر الوطني، بينما يغطي الرقم الثاني المدة الطويلة منذ بدء الإصلاح والانفتاح، ويعتمد خط الفقر الدولي. ووفق الدراسة المشتركة بين البنك الدولي ومركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة ووزارة المالية الصينية، أسهمت الصين بنحو ثلاثة أرباع الانخفاض العالمي في عدد من يعيشون في الفقر المدقع خلال تلك المدة. (105) وهذا التمييز ضروري لأن عبارة «القضاء على الفقر» لا تعني انتهاء جميع أشكال الفقر والتفاوت في الصين. فما أُنجز في عام 2020 هو إزالة الفقر الريفي المدقع وفق معيار محدد، وليس القضاء على الفقر النسبي أو الفجوات في الدخل والخدمات والثروة بين السكان والمناطق. المساران اللذان أنتجا هذا التحول لم يتحقق الانخفاض في الفقر بواسطة سياسة واحدة، بل نتج من تفاعل مسارين تاريخيين. تمثل المسار الأول في التحول الاقتصادي الطويل الذي رفع إنتاجية الزراعة، ووسّع التصنيع الريفي والحضري، وأنشأ فرصًا للعمل المأجور، وربط المناطق الداخلية والأسواق الريفية بالمراكز الصناعية والساحلية. وأسهم الاستثمار في الطرق والكهرباء والاتصالات والري والتعليم في زيادة قدرة الأسر الريفية على الإنتاج والوصول إلى العمل والأسواق والخدمات. كما أتاح انتقال ملايين العمال من الريف إلى المدن الحصول على دخول نقدية وتحويل جزء منها إلى أسرهم وقراهم. أما المسار الثاني فتمثل في الانتقال من الاعتماد العام على النمو إلى التدخل المستهدف لمصلحة الأسر والمناطق التي لم تستفد منه بالقدر الكافي. فقد اتجهت حملة التخفيف الدقيق من الفقر إلى تحديد أوضاع الأسر الفقيرة، والتمييز بين أسباب فقرها، ثم استخدام وسائل تشمل الدعم المالي، وتوفير العمل، وتطوير الإنتاج المحلي، وتحسين السكن، ونقل بعض السكان من المناطق التي يصعب فيها توفير شروط العيش، وتوسيع التعليم والرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية. وقد خلصت الدراسة المشتركة للبنك الدولي والمؤسسات الصينية إلى أن التجربة قامت على ركيزتين: التحول الاقتصادي الواسع الذي خلق فرصًا جديدة ورفع متوسط الدخول، والدعم الموجّه إلى المناطق والأسر التي ظل الفقر مستمرًا فيها. كما ربطت الدراسة النتائج بارتفاع الإنتاجية الزراعية، والتصنيع، والهجرة المنظمة، والاستثمار المستمر في البنية التحتية والتعليم، وقدرة الدولة على تنسيق عمل مؤسسات متعددة. (105) وبذلك لا يصح ردّ انخفاض الفقر إلى آليات السوق وحدها؛ لأن السوق والاستثمار الخاص وفّرا فرصًا للعمل والدخل، لكنهما لم يضمنا وصول هذه الفرص إلى المناطق النائية أو الأسر التي تفتقر إلى قوة العمل والمهارات ورأس المال. وفي المقابل، لم تكن التحويلات الحكومية وحدها قادرةً على تحقيق هذه النتيجة من دون التوسع السابق في الإنتاج والبنية التحتية وفرص التشغيل. لقد تحقق الانخفاض من تفاعل تراكم اقتصادي سريع مع قدرة الدولة على تعبئة الموارد وتوجيهها إلى أهداف اجتماعية محددة. من القضاء على الفقر المدقع إلى منع العودة إليه تؤكد السياسات الصينية بعد عام 2020 أن إعلان القضاء على الفقر لم يُنهِ المشكلة الاجتماعية. فقد انتقل التركيز إلى مراقبة الأسر المعرضة للعودة إلى الفقر، ودعم التشغيل والصناعات الريفية، وربط المناطق التي خرجت من الفقر باستراتيجية النهوض الريفي. وفي عام 2025 أعلنت وزارة الزراعة والشؤون الريفية أن نظام المراقبة حدد وساعد أكثر من سبعة ملايين شخص معرضين لخطر العودة إلى الفقر. كما ظل عدد العاملين من السكان الذين خرجوا من الفقر أعلى من ثلاثين مليونًا، وكانت دخول العمل تمثل أكثر من ثلثي إجمالي دخل أسرهم. وتكشف هذه البيانات أن تثبيت الإنجاز يعتمد بدرجة كبيرة على استمرار فرص التشغيل، لا على المساعدة المباشرة وحدها. (106) وهذا الاعتماد يحمل دلالتين مختلفتين. فمن جهة، يعني أن السكان الذين خرجوا من الفقر أصبحوا أكثر قدرة على الحصول على دخلهم من النشاط المنتج، بدل الاعتماد الدائم على الإعانات. ومن جهة أخرى، يجعل أمنهم الاجتماعي مرتبطًا باستقرار سوق العمل ومستوى الأجور والحماية من المرض والبطالة والشيخوخة. ولذلك واصلت الدولة التأكيد على بناء آلية دائمة لمنع العودة إلى الفقر ودعم المناطق الأقل نموًا وزيادة دخول الفلاحين. ويمهّد الانتقال من ضمان الحد الأدنى ومنع العودة إلى الفقر لبحث سؤال أوسع: مقدار ما أدى إليه نمو الدخول من تقليص الفجوات الاجتماعية والإقليمية أو إعادة إنتاجها في مستويات جديدة. خامسًا: نمو الدخول واستمرار الفجوات الاجتماعية والإقليمية بعد القضاء على الفقر الريفي المدقع، ينتقل التحليل من سؤال ضمان الحد الأدنى للمعيشة إلى سؤال أوسع: كيف يتوزع التحسن الاقتصادي بين السكان؟ فقد يرتفع متوسط الدخل وتتوسع القدرة على الاستهلاك، بينما تبقى فروق كبيرة بين أصحاب الدخول العليا والدنيا، وبين المدينة والريف، وبين المناطق الساحلية والداخلية. ولذلك لا يكفي قياس التقدم بمقدار ارتفاع المتوسط الوطني، بل ينبغي بحث موقع الفئات المختلفة داخل توزيع الدخل، ومصادر دخولها، ومدى تقارب فرصها في الحصول على الخدمات والعمل المنتج. ارتفاع الدخل الحقيقي وتغير مستوى الاستهلاك بلغ متوسط نصيب الفرد من الدخل المتاح في الصين 43,377 يوانًا عام 2025، بزيادة اسمية وحقيقية بلغت 5 في المئة مقارنةً بالعام السابق. وبلغ متوسط الإنفاق الاستهلاكي للفرد 29,476 يوانًا، مرتفعًا بنسبة حقيقية قدرها 4.4 في المئة. كما تراجعت حصة الإنفاق على الغذاء من إجمالي الاستهلاك إلى 29.3 في المئة، في حين بلغت حصة الإنفاق على الخدمات 46.1 في المئة. وتشير هذه التحولات إلى انتقال قسم متزايد من استهلاك السكان من تلبية الحاجات الأساسية المباشرة إلى التعليم والثقافة والنقل والاتصالات والخدمات المختلفة. (107) وتكشف بنية الدخل أن الأجور والرواتب ظلت مصدره الأكبر؛ إذ بلغ نصيب الفرد من الدخل الأجري 24,555 يوانًا، بما يعادل 56.6 في المئة من متوسط الدخل المتاح. وجاء بعده دخل التحويلات بنسبة 18.6 في المئة، ثم صافي دخل النشاط الإنتاجي والتجاري الفردي بنسبة 16.7 في المئة، ودخل الملكية بنسبة 8 في المئة. ولا تعني هذه النسب أن جميع السكان يحصلون على مكونات الدخل نفسها؛ فهي متوسطات وطنية تجمع العمال والموظفين وأصحاب الأعمال ومالكي الأصول والمتقاعدين والفلاحين. لكنها تبين أن بيع قوة العمل ما زال يشكل المصدر الأساسي لدخل قسم واسع من المجتمع، بينما تؤدي التحويلات العامة، مثل معاشات التقاعد والمساعدات والإعانات، دورًا مهمًا في دعم دخل الأسر. ما يخفيه المتوسط الوطني بلغ وسيط الدخل المتاح للفرد 36,231 يوانًا عام 2025، أي 83.5 في المئة من المتوسط الوطني البالغ 43,377 يوانًا. ويعني انخفاض الوسيط عن المتوسط أن الدخول المرتفعة في الطرف الأعلى ترفع المتوسط العام فوق الدخل الذي يقع عنده نصف السكان. ويظهر التفاوت بصورة أوضح عند تقسيم السكان إلى خمس مجموعات متساوية بحسب الدخل. فقد بلغ متوسط دخل الفرد في المجموعة الدنيا 10,150 يوانًا، مقابل 22,702 يوانًا للمجموعة المتوسطة الدنيا، و35,536 يوانًا للمجموعة المتوسطة، و55,586 يوانًا للمجموعة المتوسطة العليا، و103,778 يوانًا للمجموعة العليا. وبذلك تجاوز متوسط دخل المجموعة العليا عشرة أمثال متوسط دخل المجموعة الدنيا. (108) وتكشف هذه الأرقام أن ارتفاع الدخل الوطني لم يُوزَّع بصورة متساوية. فالفئات الدنيا استفادت من النمو والتشغيل والتحويلات الاجتماعية، لكنها ظلت بعيدةً عن مستويات الدخل التي تحصل عليها الفئات المالكة للأصول أو العاملة في القطاعات الأعلى إنتاجية وأجرًا. ولا يقتصر أثر هذا التفاوت على الاستهلاك الحالي. فالدخل المرتفع يسمح بالادخار وشراء العقارات والأسهم وتمويل التعليم الأفضل والوصول إلى فرص استثمارية جديدة. وبذلك يمكن أن يتحول تفاوت الدخل إلى تفاوت تراكمي في الثروة والفرص، لأن ملكية الأصول لا تمنح أصحابها دخلًا إضافيًا فحسب، بل تساعدهم أيضًا على نقل امتيازاتهم الاقتصادية إلى الجيل التالي. الفجوة بين الريف والمدينة بلغ متوسط الدخل المتاح للفرد في المدن 56,502 يوان عام 2025، مقابل 24,456 يوانًا في الريف. وبذلك بلغ دخل الفرد الحضري نحو 2.31 مرة دخل الفرد الريفي. ومع ذلك، نما الدخل الريفي بنسبة حقيقية بلغت 6 في المئة، مقابل 4.2 في المئة في المدن، فانخفضت نسبة التفاوت بينهما من 2.56 إلى 1 عام 2020 إلى 2.31 إلى 1 عام 2025. (108) وتدل هذه الحركة على اتجاهين متزامنين: استمرار فجوة واسعة في المستوى المطلق للدخل، وتراجع نسبي تدريجي في حجمها. ولا يصح إغفال الاتجاه الثاني؛ لأن نمو دخل الريف بمعدل أسرع يعني أن ثمار التنمية لم تبقَ محصورةً بالمدن. لكنه لا يلغي الاتجاه الأول، إذ ما زال الريفي يحتاج إلى أكثر من مضاعفة دخله كي يصل إلى المتوسط الحضري. ولا تتحدد الفجوة بين الريف والمدينة بالأجر النقدي وحده. فهي ترتبط أيضًا بتفاوت فرص العمل، ومستوى إنتاجية النشاط الاقتصادي، ونوعية المدارس والمرافق الصحية، ونظم التقاعد والحماية الاجتماعية، والقدرة المالية للسلطات المحلية. كما تتداخل مع نظام تسجيل الأسر الذي سبق بحث أثره في العمال المهاجرين، إذ يستطيع العامل الانتقال إلى المدينة والمشاركة في إنتاجها من دون أن يحصل دائمًا على الشروط نفسها التي يتمتع بها السكان المسجلون فيها. ومن هنا قد تجمع الأسرة الريفية بين مصدرين للدخل: النشاط الزراعي أو الإنتاج العائلي من جهة، وأجور أفراد يعملون في المدن من جهة أخرى. وقد أسهم هذا الجمع في رفع دخل الريف، لكنه جعل قسمًا منه مرتبطًا باستقرار العمل الحضري وبقدرة العمال المهاجرين على الاستمرار في تحويل الدخل إلى أسرهم. الفجوات بين المناطق تتداخل الفجوة الحضرية–الريفية مع تفاوت إقليمي بين المقاطعات والمراكز الاقتصادية. فقد بلغ متوسط الدخل المتاح للفرد عام 2025 نحو 91,987 يوانًا في شنغهاي و89,090 يوانًا في بكين، مقابل 28,224 يوانًا في قانسو. كما احتلت تشجيانغ وجيانغسو والمقاطعات الساحلية الصناعية مواقع متقدمة، بينما بقيت مقاطعات عديدة في الغرب والداخل تحت المتوسط الوطني. (109) ولا يعود هذا التفاوت إلى اختلاف الجهد الفردي بين سكان المناطق، بل إلى التوزيع غير المتكافئ للقوى المنتجة والاستثمارات والبنية التحتية والجامعات والقدرات التكنولوجية ومقار الشركات وفرص العمل مرتفعة الأجر. فقد استفادت المناطق الساحلية في مراحل الإصلاح الأولى من قربها من الموانئ والتجارة الخارجية وتدفق الاستثمار والتصنيع الموجَّه إلى التصدير، بينما دخلت مناطق داخلية كثيرة عملية التصنيع في وقت متأخر وبقدرات مالية وتقنية أقل. وحاولت الدولة تقليص هذه الفجوات من خلال الاستثمار في النقل والطاقة، ونقل بعض الصناعات إلى المناطق الداخلية، والتحويلات المالية بين المستويات الحكومية، واستراتيجيات تنمية الغرب والنهوض بالشمال الشرقي والتنمية المتكاملة للتجمعات الحضرية. وقد ساعدت هذه السياسات على توسيع البنية الأساسية وربط المناطق الداخلية بالأسواق الوطنية، لكنها لم تزل تمركز الصناعات المتقدمة ورأس المال البشري والدخول العالية في عدد من المدن والمقاطعات الرئيسية. الأساس البنيوي للتفاوت لا يكفي تفسير تفاوت الدخول باختلاف المهن والمهارات؛ لأن المهنة نفسها تتحدد داخل بنية أوسع لتوزيع الملكية والاستثمار والسلطة الاقتصادية. ويمكن رد الفجوات الاجتماعية في الصين إلى أربعة عوامل مترابطة: تفاوت ملكية الأصول: تختلف الأسر في امتلاك العقارات والأسهم ورأس المال التجاري وحقوق الانتفاع بالأرض، ولذلك لا تتساوى قدرتها على الحصول على دخل مستقل عن العمل المباشر. تفاوت مواقع العمل: يحصل العاملون في القطاعات التكنولوجية والمالية والمؤسسات الكبيرة والمراكز الحضرية المتقدمة على دخول وحماية أفضل من العاملين في الزراعة والخدمات البسيطة والعمل غير المستقر. التفاوت المكاني: يؤدي تمركز الاستثمار والجامعات والبنية التكنولوجية وفرص العمل عالية الإنتاجية في مناطق معينة إلى إعادة إنتاج الفارق بين الساحل والداخل وبين المدن الكبرى والمناطق الريفية. اختلاف الوصول إلى الخدمات: تؤثر جودة التعليم والصحة والسكن والضمان الاجتماعي في الدخل الفعلي للأسرة؛ لأن ضعف الخدمات العامة يجبرها على اقتطاع قسم أكبر من دخلها لشراء هذه الخدمات من السوق. وتتفاعل هذه العوامل عبر الزمن. فالأسر الأعلى دخلًا تستطيع الاستثمار أكثر في تعليم أبنائها وشراء المساكن والأصول، مما يحسن قدرتهم على الوصول إلى الوظائف الأعلى أجرًا. أما الأسر منخفضة الدخل فقد تضطر إلى استهلاك معظم دخلها لتغطية حاجاتها الجارية، فتظل قدرتها على الادخار وتكوين الأصول محدودة. وبذلك لا يبقى التفاوت فرقًا آنيًا بين دخول الأفراد، بل يتحول إلى آلية لإعادة إنتاج المواقع الاجتماعية. وقد حققت الصين انتقالًا تاريخيًا من تعميم الفقر وانخفاض الإنتاجية إلى ارتفاع واسع في الدخول والاستهلاك، مع تضيق نسبي في الفجوة بين الريف والمدينة. غير أن استمرار التفاوت بين الفئات والمناطق ومصادر الدخل يفسر بروز سياسة «الرخاء المشترك» بوصفها محاولةً للانتقال من توسيع الناتج إلى تحسين توزيع ثماره. سادسًا: سياسة «الرخاء المشترك» وأدواتها اكتسب مفهوم «الرخاء المشترك» أولويةً مركزيةً جديدة في السياسة الصينية بعد القضاء على الفقر الريفي المدقع وظهور آثار التفاوت الذي رافق مرحلة النمو السريع. فإذا كان السماح لبعض المناطق والفئات بتحقيق الثراء أولًا قد استُخدم لتسريع التراكم وتحفيز الإنتاج، فإن استمرار الفجوات في الدخل والثروة والخدمات جعل الانتقال من تعميم النمو إلى تحسين توزيعه ضرورةً اجتماعية وسياسية. ولا يشير المفهوم، في الخطاب الرسمي الصيني، إلى مساواة حسابية في الدخول أو إلى توزيع الثروة الموجودة من دون مواصلة الإنتاج. بل يقوم على الجمع بين توسيع الناتج وتحسين توزيعه، وزيادة دخول الفئات الدنيا، وتوسيع الفئات المتوسطة، وتنظيم الدخول المرتفعة، ومنع الحصول على الدخل بوسائل غير قانونية، وتقليص الفجوات بين الريف والمدينة وبين المناطق والفئات الاجتماعية. وبهذا المعنى، لا تمثل سياسة الرخاء المشترك برنامجًا واحدًا ذا مدة محددة، بل إطارًا طويل الأجل يجمع سياسات العمل والأجور والضرائب والتحويلات والضمان الاجتماعي والخدمات العامة والتنمية الإقليمية وتنظيم رأس المال. مستويات توزيع الدخل يقوم التصور الرسمي للرخاء المشترك على التنسيق بين ثلاثة مستويات للتوزيع: التوزيع الأولي: يتشكل داخل عملية الإنتاج والسوق، ويتضمن الأجور والأرباح وعوائد رأس المال والأرض وسائر عناصر الإنتاج. إعادة التوزيع: تتولاها الدولة من خلال الضرائب والضمان الاجتماعي والتحويلات المالية والإنفاق على الخدمات العامة ودعم الفئات والمناطق الأقل دخلًا. التوزيع الثالث: يعتمد على التبرعات والعمل الخيري والمسؤولية الاجتماعية الطوعية للمؤسسات والأفراد ذوي الدخول والثروات المرتفعة. وأكدت التوجيهات الصينية أن التوزيع الأولي يؤدي الدور الأساسي في تكوين نمط توزيع الدخل، وأن تقليص الفجوة لا ينبغي أن يُترك كله للضرائب والتحويلات بعد انتهاء عملية الإنتاج. ولذلك دعت إلى رفع دخول الفئات المنخفضة، وزيادة نسبة مكافأة العمل، وتحسين نظام الأجور، إلى جانب تطوير الضرائب المباشرة والضمان الاجتماعي والتحويلات المالية، وتشجيع العمل الخيري بوصفه عنصرًا مكمّلًا. (110) ويعبّر هذا التمييز عن إدراك أن التفاوت لا ينشأ في مرحلة واحدة. فهو يبدأ داخل المؤسسة وفي سوق العمل، عندما تتحدد حصة الأجور والأرباح وعوائد الملكية، ثم يتعدل بواسطة الضرائب والإنفاق العام، وقد يخفف العمل الخيري بعض نتائجه في مرحلة ثالثة. وتختلف فاعلية هذه المستويات؛ فالتوزيع الأولي يحدد الأجور والأرباح وعوائد الملكية، وتعدل الضرائب والإنفاق العام نتائجه، بينما يبقى التوزيع الثالث معتمدًا على التصرف الطوعي بجزء من الثروة بعد تكوّنها. الرخاء المشترك والسوق لا تعني سياسة الرخاء المشترك إلغاء السوق أو القطاع الخاص. فقد أكدت القيادة الصينية استمرار الدور الحاسم للسوق في تخصيص الموارد، إلى جانب قيام الدولة بدور أفضل في التنظيم والتوجيه، كما أكدت مواصلة دعم القطاع العام وتشجيع القطاع غير العام وإرشاده. وجرى التشديد كذلك على أن الرخاء المشترك ليس مساواةً مطلقة، بل توزيع أكثر عدلًا لثمار التنمية بعد توسيع القاعدة المادية للثروة. (111) ويترتب على ذلك أن السياسة لا تستهدف إنهاء تراكم رأس المال الخاص، بل إخضاع نشاطه لقيود اجتماعية وقانونية، ومنع تحوله إلى قوة اقتصادية قادرة على تحديد اتجاه التنمية باستقلال عن الدولة. وتستطيع السلطات استخدام الضرائب والتنظيم المالي وسياسات المنافسة والائتمان والتخطيط الصناعي للحد من بعض آثار التركز، من دون إلغاء الملكية الخاصة أو الأرباح. وتكشف هذه الصيغة عن طبيعة اشتراكية السوق الصينية بوصفها بنيةً تجمع بين اتجاهين: استمرار السوق وعوائد رأس المال بوصفهما حافزين للإنتاج والاستثمار، ومحاولة الدولة منع تحولهما إلى استقطاب اجتماعي دائم. فالسوق يظل أداةً مستخدمة في التنمية، لكنه لا يُعترف بنتائجه بوصفها عادلة تلقائيًا أو ملزمة للمجتمع والدولة. من زيادة الدخل إلى تغيير فرص الحصول عليه لا يمكن تحقيق الرخاء المشترك من خلال التحويلات المالية وحدها. فإذا ظلت الوظائف الجيدة والتعليم المتقدم والبنية التكنولوجية متركزة في مناطق وفئات محددة، فإن الضرائب والمساعدات ستعالج قسمًا من النتائج من دون إزالة أسبابها. ولذلك يرتبط الرخاء المشترك بسياسات تهدف إلى توسيع فرص العمل، ورفع المهارات، وتحسين التعليم والصحة، ودعم التنمية الريفية، وتقريب مستوى الخدمات بين المناطق. وأكد المؤتمر الوطني العشرون للحزب الشيوعي الصيني ضرورة تحسين نظام توزيع الدخل، ومنح الأولوية للتوظيف، واستكمال منظومة الضمان الاجتماعي، ورفع جودة معيشة السكان، ودفع الرخاء المشترك بخطوات تدريجية. (112) وتشير هذه الأولويات إلى أن الرخاء المشترك لا يُعرَّف بوصفه نقلًا نقديًا من الأغنياء إلى الفقراء فقط، بل يتضمن توسيع قدرة الأفراد على الحصول على الدخل من العمل والإنتاج، وتقليل النفقات التي تتحملها الأسر للحصول على التعليم والعلاج والسكن والحماية الاجتماعية. ويكتسب هذا الجانب أهميةً خاصة لأن المساواة في الدخل النقدي لا تكشف وحدها مستوى المعيشة الحقيقي. فقد تحصل أسرتان على دخل متقارب، لكن الأسرة التي تضطر إلى شراء التعليم أو العلاج أو السكن بتكاليف مرتفعة تكون في وضع أضعف من أسرة تحصل على هذه الخدمات بوصفها حقوقًا عامة. ولذلك يصبح توسيع الخدمات العامة جزءًا من توزيع الثروة الاجتماعية، حتى عندما لا يظهر مباشرةً في الأجر النقدي. معالجة التفاوت الإقليمي تمثل الفجوة بين المناطق المتقدمة والأقل نموًا أحد الميادين الأساسية للرخاء المشترك. فالفارق بين الساحل والداخل لا يمكن تقليصه بالتحويلات الفردية وحدها؛ لأنه ناتج أيضًا من تمركز الصناعة المتقدمة والتكنولوجيا والجامعات والبنية التحتية والوظائف مرتفعة الإنتاجية. ولهذا تشمل السياسة نقل الموارد والاستثمارات والخبرات بين المناطق، وتطوير الصناعات المحلية، وربط الأقاليم الداخلية بشبكات النقل والأسواق، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع فرص التعليم والعمل. كما تعتمد على التعاون بين المناطق الشرقية والغربية، بحيث تسهم المناطق الأعلى تطورًا في دعم القدرات الإنتاجية للمناطق الأقل نموًا. وقد حافظت الخطة الخمسية الخامسة عشرة للفترة 2026–2030 على تقليص الفجوات الإقليمية والحضرية–الريفية ضمن أولويات الرخاء المشترك، مع التركيز على التشغيل عالي الجودة، والاستثمار في الإنسان، وتحسين الضرائب والضمان الاجتماعي والتحويلات المالية. كما استمرت الدعوة إلى تعزيز التعاون بين المناطق الشرقية والغربية وتطوير المناطق الأقل نموًا. (113) ولا تعني هذه السياسات إلغاء الاختلافات بين المناطق؛ فاختلاف الموارد والموقع والبنية الاقتصادية سيستمر. وإنما يتعلق الهدف بمنع تحوّل هذه الاختلافات إلى انقسام دائم في الحقوق وفرص التطور ومستوى الخدمات الأساسية. سابعًا: تقويم ماركسي لطبيعة العمل والفائض في النموذج الصيني تكشف المعطيات السابقة عن نتيجة مركبة لا يمكن اختزالها في وصف واحد مشتق من شكل الملكية أو من مستوى المعيشة. فقد أدى التصنيع إلى تطوير القوى المنتجة ورفع الدخول والقضاء على الفقر الريفي المدقع، لكنه وسّع في الوقت نفسه نطاق العمل المأجور وربط معيشة قسم كبير من السكان ببيع قوة العمل. كما جمعت عملية إنتاج الفائض بين التراكم الخاص في الشركات الخاصة والأجنبية، والتراكم العام داخل المؤسسات المملوكة للدولة، وإعادة توجيه قسم من الموارد إلى الخدمات والتحويلات والبنية التحتية. ومن ثم لا يكفي ارتفاع الأجر الحقيقي أو تحسن الاستهلاك لنفي استمرار علاقة العمل المأجور، كما لا يجوز إنكار قيمتهما الاجتماعية بحجة بقاء هذه العلاقة. فالمعيار الماركسي يجمع بين المستوى المطلق لمعيشة العامل وموقعه النسبي في توزيع القيمة والثروة، وبين ما يحصل عليه من مكاسب الإنتاجية ومقدار سيطرته على شروط العمل وقرارات الإنتاج. ويظهر هذا التمييز بوضوح في أوضاع العمال المهاجرين: فقد ارتفعت دخولهم وأسهم عملهم في التحول الصناعي، مع استمرار فروق في بعض الحقوق والخدمات والحماية المرتبطة بالتسجيل الأسري واستقرار العمل. وتمنح ملكية الدولة للمؤسسات والمصارف وأدوات الائتمان النموذج الصيني قدرةً على التدخل في تكوين الفائض واستخدامه تتجاوز قدرة الدولة التي تعتمد على الضرائب وحدها. وقد ظهر الأثر الاجتماعي لهذه القدرة في البنية التحتية والتعليم والصحة والضمان الاجتماعي ومكافحة الفقر. غير أن ملكية الدولة لا تتحول تلقائيًا إلى ملكية اجتماعية مكتملة؛ إذ يظل الحكم متعلقًا بمعايير إدارة المؤسسة العامة، وتوزيع أرباحها بين التوسع والخدمات، ومدى خضوع القرار للمحاسبة ومشاركة العاملين والمجتمع. وبهذا المعنى، مثّل القضاء على الفقر الريفي المدقع إنجازًا اجتماعيًا حقيقيًا، لأنه غيّر الشروط المادية لحياة عشرات الملايين وعمّم قسمًا من شروط المعيشة بواسطة السياسة العامة. لكنه لا يثبت بمفرده تحول علاقات الإنتاج إلى علاقات اشتراكية مكتملة، لأن جانبًا من ارتفاع الدخول تحقق داخل العمل المأجور والتراكم الخاص والعام، من دون انتقال السيطرة المباشرة على المؤسسات والفائض إلى المنتجين. ويتمثل التحدي اللاحق في تحويل الحماية من العوز إلى حقوق مستقرة في العمل اللائق والصحة والتعليم والسكن والأمن الاجتماعي. وتطرح سياسة الرخاء المشترك هذا التحدي على مستوى أوسع. فهي تعبّر عن اعتراف رسمي بأن النمو وآليات السوق لا يضمنان وحدهما توزيعًا عادلًا، وتسعى إلى رفع الدخول الدنيا، وتوسيع الفئات المتوسطة، وتحسين الخدمات، وتقليص الفوارق الحضرية–الريفية والإقليمية، وتنظيم الدخول المرتفعة. غير أن أثرها لا يتحدد بحجم التحويلات أو التبرعات وحده، بل بمقدار تدخلها في التوزيع الأولي نفسه: حصة الأجور، وشروط العمل، وملكية الأصول، وقدرة العاملين على التفاوض والمشاركة. فالعمل الخيري قد يقدم منفعةً حقيقية، لكنه لا يحل محل حقوق اجتماعية ثابتة أو نظام ضريبي وضمان اجتماعي قادرين على الحد من إعادة إنتاج الامتياز عبر الأجيال. كما لا يجري التوزيع في الصين وفق مبدأ «لكلٍّ حسب عمله» بصورة خالصة؛ فإلى جانب الأجور توجد دخول من الأرباح والأرض والملكية والتكنولوجيا والإدارة، بينما تحصل الدولة على قسم من الناتج بواسطة الضرائب والاشتراكات وأرباح المؤسسات العامة، ثم تعيد توجيهه إلى الاستثمار والخدمات. ويعبّر هذا التركيب عن اقتصاد انتقالي تتعايش فيه الملكية العامة مع السوق والعمل المأجور وعوائد الملكية الخاصة، وتتنازع اتجاهه العملي غايات التراكم والقدرة الوطنية من جهة، وغايات تحسين الحياة وتوسيع السيطرة الاجتماعية من جهة أخرى. ويتحدد اتجاه هذا التركيب بأربعة مؤشرات مترابطة: تطور حصة العاملين من الناتج مقارنةً بالأرباح وعوائد الملكية؛ وتحول مكاسب الإنتاجية والأتمتة إلى أجور وخدمات وتقليص في وقت العمل؛ وقدرة الضرائب والضمان الاجتماعي والاستثمار العام على تقليص الفجوات في الدخل والثروة والحقوق بين الفئات والمناطق؛ واتساع مشاركة العاملين والسكان في إدارة المؤسسات وتحديد أولويات الاستثمار واستخدام الفائض. فإذا ارتفعت حصة العمل، وتعممت الحقوق الاجتماعية، واتسعت الوظيفة الاجتماعية للملكية العامة، وخضعت إدارة الفائض لرقابة أوسع من المنتجين والمجتمع، أمكن أن يتجه النموذج نحو مضمون اشتراكي أعمق. أما إذا نمت الثروة الخاصة والأرباح أسرع من الأجور والخدمات، وبقي التراكم العام منفصلًا عن الرقابة الاجتماعية، واقتصرت معالجة التفاوت على التحويلات اللاحقة، فإن العلاقات الرأسمالية والإدارية تتعزز حتى مع استمرار سيطرة الدولة على القطاعات الأساسية. وعليه، تكمن خصوصية النموذج الصيني في أنه لم يترك الفائض كله تحت سيطرة رأس المال الخاص، واستطاع استخدام قسم مهم منه لتطوير القوى المنتجة وتحسين شروط الحياة. لكن الانتقال من إدارة الدولة للفائض باسم المجتمع إلى سيطرة اجتماعية أوسع عليه ما يزال غير مكتمل. وعلى اتجاه هذا الانتقال يتوقف ما إذا كانت السوق ورأس المال الخاص سيظلان أداتين خاضعتين لمشروع اجتماعي متقدم، أم تتحول علاقات العمل المأجور وتفاوت الملكية والقرار إلى حدود مستقرة لذلك المشروع. وينتقل الفصل التالي إلى تقويم الإنجازات الاقتصادية للنموذج الصيني وحدود قابليته للتعميم. الهامش ----------------- (89) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، بيروت: دار الفارابي، ص659، النسخة العربية الإلكترونية. (90) كارل ماركس، «نقد برنامج غوتا»، ضمن: دراسات اقتصادية مختارة، ج2، ترجمة فؤاد أيوب، دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، ص299–314، النسخة العربية الإلكترونية. (91) فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ، القسم الثالث، الفصل الثالث: «الإنتاج»، ص327–331، النسخة العربية. (92) فلاديمير إيليتش لينين، الدولة والثورة: تعاليم الماركسية حول الدولة ومهمات البروليتاريا في الثورة، الفصل الخامس: «الأسس الاقتصادية لاضمحلال الدولة»، ص49–60؛ وانظر كذلك: عن الضريبة العينية، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1973. (93) فلاديمير إيليتش لينين، تطور الرأسمالية في روسيا، ترجمة فواز طرابلسي، ط1، بيروت: دار الطليعة، 1979، ص302 وما بعدها، النسخة العربية الإلكترونية. (94) «تواصل ارتفاع دخل العمال المهاجرين في الصين في عام 2025»، وكالة أنباء شينخوا، 1 أيار/مايو 2026، النص العربي. (95) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، 2013، ص637، النسخة العربية الإلكترونية. (96) لي شي، العمال الريفيون المهاجرون في الصين: الواقع والتحديات والسياسة العامة، ورقة عمل رقم 89، جنيف: منظمة العمل الدولية، 2008؛ ومنظمة العمل الدولية، تحسين الحماية الاجتماعية للعمال المهاجرين داخليًا في الصين، 2019؛ وانظر: وثيقة الأمم المتحدة العربية. (97) فريدريك إنجلز، حال الطبقة العاملة في إنجلترا، ترجمة فخري لبيب، القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1980، ص32 وما بعدها، النص العربي بصيغة PDF. (98) قانون العمل لجمهورية الصين الشعبية، المواد 36 و41 و44، النص الرسمي باللغة الإنجليزية؛ وقانون عقود العمل لجمهورية الصين الشعبية، النص الرسمي باللغة الإنجليزية. (99) المحكمة الشعبية العليا ووزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي في الصين، «حالات نموذجية بشأن العمل الإضافي»، 26 آب/أغسطس 2021، النص الرسمي الصيني؛ وانظر: «الصين تسعى للقضاء على ثقافة العمل 996»، شبكة تلفزيون الصين الدولية، 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، النص العربي. (100) «0.5 في المئة ارتفاعًا في إيرادات الشركات العامة الصينية عام 2025»، وكالة أنباء شينخوا، 31 كانون الثاني/يناير 2026، النص العربي. (101) وزارة المالية في جمهورية الصين الشعبية، تقرير تنفيذ الميزانية المركزية والميزانيات المحلية لعام 2025 ومسودة الميزانية المركزية والميزانيات المحلية لعام 2026، النص الصيني والإنجليزي المتوازي؛ وانظر: إعلان وكالة أنباء شينخوا. (102) «1 في المئة زيادة في إنفاق الميزانية العامة خلال 2025»، وكالة أنباء شينخوا، 31 كانون الثاني/يناير 2026، النص العربي. (103) «صناديق الضمان الاجتماعي في الصين تسجل رصيدًا قدره 10 تريليونات يوان بنهاية عام 2025»، وكالة أنباء شينخوا، 27 كانون الثاني/يناير 2026، النص العربي. (104) «النص الكامل: قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، وكالة أنباء شينخوا، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، النص العربي الكامل. (105) البنك الدولي، ومركز بحوث التنمية التابع لمجلس الدولة الصيني، ووزارة المالية الصينية، أربعة عقود من الحد من الفقر في الصين: العوامل المحركة والدروس المستفادة للعالم والطريق إلى الأمام، 2022، بيان البنك الدولي، والتقرير الكامل. (106) «إنجازات الصين في تخفيف حدة الفقر تتعزز وتتوسع باستمرار في عام 2025»، وكالة أنباء شينخوا، 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، النص العربي؛ وانظر: «مؤتمر العمل الريفي المركزي يعقد في بكين»، وكالة أنباء شينخوا، 5 كانون الثاني/يناير 2026، النص العربي. (107) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «دخل السكان وإنفاقهم الاستهلاكي في عام 2025»، 20 كانون الثاني/يناير 2026، النص الرسمي الإنجليزي، والنص الرسمي الصيني. (108) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، «البيان الإحصائي لجمهورية الصين الشعبية بشأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025»، 28 شباط/فبراير 2026، النص الرسمي الإنجليزي؛ وانظر: «الصين تضيق الفجوة في الدخل بين المناطق الحضرية والريفية»، وكالة أنباء شينخوا، 5 شباط/فبراير 2026، النص العربي. (109) «صدور أحدث بيانات الدخل المتاح للسكان في مختلف المناطق: شنغهاي وبكين وتشجيانغ في الصدارة»، شبكة الصين الاقتصادية، 27 كانون الثاني/يناير 2026، النص الصيني. (110) المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، «مؤتمر صحفي بشأن المبادئ الموجهة للدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة للحزب الشيوعي الصيني»، 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، النص الرسمي الإنجليزي. (111) شي جين بينغ، «كلمة خاصة في الاجتماع الافتراضي للمنتدى الاقتصادي العالمي»، 17 كانون الثاني/يناير 2022، النص الرسمي الإنجليزي. (112) «النص الكامل لقرار المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني حول تقرير اللجنة المركزية التاسعة عشرة»، وكالة أنباء شينخوا، 22 تشرين الأول/أكتوبر 2022، النص العربي الكامل. (113) «الصين تكثف جهودها لتحقيق الرخاء المشترك مع دخول مسيرة التحديث مرحلة حاسمة»، وكالة أنباء شينخوا، 13 آذار/مارس 2026، النص العربي؛ وانظر: «شي يشدد على تنظيم التنمية الإقليمية المنسقة لتحقيق تقدم قوي نحو الرخاء المشترك»، وكالة أنباء شينخوا، 20 حزيران/يونيو 2026، النص العربي.
#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
«البُرْدان» لعبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - سيميائية في
...
-
البنية المؤسسية للنموذج الصيني: الحزب والدولة والسوق والملكي
...
-
من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاري
...
-
اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البن
...
-
تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمي
...
-
الومضة عند يحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-نفسية-سياسية
-
لو كنت شجرة * / للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند
-
مرثية إلى ابن المقفّع- لجواد غلوم: من جرح الذات إلى وجع الجم
...
-
قبلة أخيرة على حافة الحرية
-
تمثلات البراءة والفساد في ومضة «إلى سبطي حيدر» ليحيى السماوي
...
-
دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي
...
-
الوعي والتحول في ومضة ليحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-
...
-
الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة -ترتيلة ا
...
-
جماليات الاحتفاء وبنية المعنى: مقاربة بنيوية–سيميائية–نفسية
...
-
الجسد بوصفه ذاكرة: قراءة بنيوية – سيميائية – نفسية في رباعيا
...
-
حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة الم
...
-
حلبجة: صرخة من السليمانية
-
ازدواجية المعايير وصراع النفوذ: لماذا يتصاعد التوتر الأمريكي
...
-
الاحتراق الدلالي وتمثّلات الوجع الجمعي في ومضة يحيى السماوي
-
تفكيك روژآفا وإعادة هندسة الدولة: كيف تُدار القضية الكردية ع
...
المزيد.....
-
طلاء ذهبي غطّى جسدها بالكامل.. ممثلة أمريكية تتحول إلى تمثال
...
-
من مارلين مونرو إلى شير.. حكاية بوب ماكي مع الفساتين الجريئة
...
-
مقيد اليدين.. شاهد كيف حطم مشتبه به نافذة سيارة شرطة أمريكية
...
-
تعرّفوا على الفائزين في حفل توزيع جوائز -إيمي- الـ78
-
السعودية.. إطلاق الإنذار المبكر في مكة وجدة والطائف
-
لافروف: -عدوان قانوني- ممنهج على روسيا منذ 2014
-
كوبنهاغن تستدعي السفير الروسي إثر إطلاق فرقاطة حربية قنابل م
...
-
-الرحيل أو الفناء-: تقرير للمبادرة المصرية يوثق جهود الدولة
...
-
-ترامب يُظهر مجدداً أنه ليس صديقاً لبريطانيا- - بولتون يكتب
...
-
باتروشيف: موسكو ستستخدم كامل قوتها إذا دخلت بولندا في صراع م
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|