أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سهيل الزهاوي - من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاريخي للنموذج الصيني















المزيد.....



من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاريخي للنموذج الصيني


سهيل الزهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8823 - 2026 / 9 / 9 - 16:16
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الفصل الثاني: من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاريخي للنموذج الصيني

لم ينشأ مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» في الصين بوصفه نظرية مكتملة طُبّقت دفعة واحدة، بل تبلور عبر مسار تاريخي بدأ بتأسيس جمهورية الصين الشعبية سنة 1949، ومر بمرحلة الإصلاح الزراعي والتخطيط المركزي والتجميع الزراعي والتصنيع الموجَّه من الدولة، ثم دخل طورًا جديدًا مع الإصلاحات التي انطلقت سنة 1978. ولذلك لا يمكن تفسير التحول الصيني باعتباره انتقالًا بسيطًا من التخطيط إلى السوق، أو تخليًا مفاجئًا عن الاشتراكية؛ فقد كان إعادة تنظيم تدريجية للعلاقة بين الدولة والسوق والملكية والعمل.
وينبغي تجنب قراءتين متقابلتين تختزلان التجربة. ترى الأولى أن مرحلة ما قبل سنة 1978 لم تكن سوى سلسلة من الإخفاقات، وأن النمو الصيني بدأ فعليًا مع إدخال السوق ورأس المال الخاص. أما الثانية فتنظر إلى الإصلاحات بوصفها استمرارًا سلسًا للنظام السابق، من دون الاعتراف بما أحدثته من تحولات عميقة في بنية الملكية والتوزيع وتنظيم المؤسسات. ولا تقدم أي من القراءتين تفسيرًا كافيًا؛ لأن الإصلاحات استفادت من قاعدة مادية ومؤسسية واجتماعية أنشأتها المرحلة السابقة، لكنها غيرت، في الوقت نفسه، الآليات التي حكمت تخصيص الموارد وتنظيم العمل وتوزيع الدخل.
ولا يهدف هذا الفصل إلى تقديم سرد زمني للأحداث وحدها، بل يسعى إلى تحليل العوامل التي دفعت القيادة الصينية إلى إعادة النظر في آليات إدارة الاقتصاد، وطبيعة التحول الذي جرى في العلاقة بين التخطيط والسوق والملكية العامة والخاصة. كما يبحث مدى احتفاظ الدولة بقدرتها على توجيه التنمية في ظل توسع القطاع الخاص والاستثمار الأجنبي والاندماج في الاقتصاد العالمي.
أولًا: مرحلة ما قبل الإصلاح وبناء القاعدة المادية للدولة الجديدة
1. الإصلاح الزراعي والتحول إلى التخطيط المركزي

كان الإصلاح الزراعي من أولى الخطوات التي اتخذتها الدولة الصينية الجديدة لمعالجة البنية الاجتماعية والاقتصادية الموروثة في الريف. ففي 28 حزيران/يونيو 1950، أُقرّ «قانون الإصلاح الزراعي لجمهورية الصين الشعبية»، ثم أصدرته الحكومة الشعبية المركزية وأدخلته حيز التنفيذ في 30 حزيران/يونيو من العام نفسه. ونصت مادته الأولى على إلغاء نظام ملكية الأرض القائم على الاستغلال الإقطاعي من جانب طبقة ملاك الأراضي، وإقامة نظام ملكية الفلاحين للأرض، بهدف تحرير القوى المنتجة في الريف، وتطوير الإنتاج الزراعي، والتمهيد لتصنيع الصين الجديدة. وعلى أساس هذا القانون، صودرت أراضي ملاك الأراضي وغيرها من الممتلكات الزراعية التي حددها، وأُعيد توزيعها على الفلاحين المعدمين وقليلي الأرض، في عملية امتدت عبر المناطق المحررة حديثًا خلال الأعوام 1950–1952. (25) ولم يكن هذا الإصلاح إجراءً اقتصاديًا فحسب؛ إذ أسهم كذلك في تفكيك جانب مهم من علاقات الملكية والسلطة التقليدية في الريف، وفي تغيير الموقع الاجتماعي والسياسي للفلاحين داخل الدولة الجديدة.
غير أن مرحلة الملكية الفلاحية الفردية لم تستمر طويلًا. فقد انتقلت القيادة الصينية تدريجيًا من فرق المساعدة المتبادلة إلى التعاونيات الزراعية، ثم إلى أشكال أوسع من التنظيم الجماعي. وكان الهدف المعلن تجاوز تفتت الملكيات الصغيرة، وتعبئة الفائض الزراعي لتمويل الصناعة، وإدخال التقنيات الحديثة إلى الإنتاج الريفي. وبذلك انتقلت الزراعة، خلال سنوات قليلة، من إعادة توزيع الأرض على الفلاحين إلى دمجها في وحدات جماعية خضعت بدرجات متفاوتة للتوجيه الإداري.
وتزامن هذا التحول مع تطبيق الخطة الخمسية الأولى بين سنتي 1953 و1957، التي أعطت الأولوية للصناعة الثقيلة وإقامة المنشآت الأساسية، مستفيدةً من المساعدات الفنية والتقنية السوفيتية. وتوسعت ملكية الدولة للمؤسسات الصناعية والمصارف والتجارة الخارجية، وأصبحت الخطة الأداة الأساسية لتخصيص الاستثمار والمواد الأولية وتحديد مستويات الإنتاج والأسعار.
مكّن هذا النظام الدولة من حشد الموارد في مجتمع يفتقر إلى سوق رأسمالية متطورة وإلى طبقة رأسمالية محلية قادرة على تمويل التصنيع الواسع. وأتاح إنشاء الصناعات الأساسية والبنية التحتية وتكوين الكوادر الفنية والإدارية خلال مدة تاريخية قصيرة نسبيًا.
لكن إعطاء الأولوية للصناعة الثقيلة فرض ضغوطًا كبيرة على الزراعة والاستهلاك الشعبي. فقد اعتمد تمويل التصنيع، جزئيًا، على التحكم في أسعار المنتجات الزراعية وتوريد الحبوب إلى الدولة، وهو ما جعل العلاقة بين المدينة والريف إحدى المسائل المركزية في البناء الاقتصادي الصيني. كما أدى إخضاع المؤسسات لأهداف الخطة الكمية إلى تفضيل زيادة حجم الإنتاج على الجودة والكفاءة، وأضعف استقلال الوحدات الإنتاجية وقدرتها على الاستجابة للظروف المحلية.
ومع ذلك، سيكون من غير الدقيق تقويم هذه المرحلة استنادًا إلى معيار الكفاءة السوقية وحده. فقد اضطلعت الدولة بمهمات لم يكن من الممكن إنجازها بالسرعة نفسها من خلال السوق في الظروف الصينية آنذاك، ومنها إقامة الصناعات الأساسية، وتوحيد السوق الوطنية، وتوسيع شبكات النقل والري، وتكوين الكوادر التقنية والإدارية. وقد أقامت هذه المرحلة قاعدة مادية ومؤسسية أصبحت لاحقًا أحد الشروط التي ساعدت الإصلاحات الاقتصادية على تحقيق نتائجها.
2. خطاب «حول العلاقات العشر الكبرى» ومحاولة معالجة الاختلالات
بدأت القيادة الصينية، في وقت مبكر، ملاحظة بعض الاختلالات الناتجة من الاقتباس الواسع للنموذج السوفيتي. وظهر ذلك بوضوح في خطاب ماو تسي تونغ «حول العلاقات العشر الكبرى»، الذي ألقاه في 25 نيسان/أبريل 1956 أمام اجتماع موسع للمكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني.(26)
تناول الخطاب مجموعة من العلاقات المرتبطة ببناء الاقتصاد والمجتمع، من أهمها العلاقة بين الصناعة الثقيلة من جهة والزراعة والصناعة الخفيفة من جهة أخرى، وبين المناطق الساحلية والداخلية، وبين البناء الاقتصادي والدفاع، وبين السلطة المركزية والسلطات المحلية، وبين الدولة والوحدات الإنتاجية والمنتجين.
لم يكن الخطاب رفضًا للتخطيط المركزي أو لأولوية التصنيع، وإنما كان محاولةً لتصحيح الاختلالات التي قد يسببها التركيز الأحادي على الصناعة الثقيلة. فقد أكد ماو أن إعطاء الأولوية للصناعة الثقيلة لا يعني إهمال الزراعة والصناعة الخفيفة؛ لأن زيادة الإنتاج الزراعي والسلع الاستهلاكية تساعد على تحسين معيشة السكان، وتكوين تراكم أكبر يمكن توجيهه بدوره إلى الصناعة الثقيلة. وبذلك ربط بين تسريع التصنيع والمحافظة على قدر من التوازن بين القطاعات، بدل النظر إليهما بوصفهما هدفين متعارضين.
وتظهر أهمية الخطاب كذلك في دعوته إلى عدم نسخ التجربة السوفيتية بصورة آلية. فقد رأى ماو أن على الصين الاستفادة من تجارب الدول الأخرى بعد إخضاعها للتحليل وربطها بالظروف الوطنية. كما دعا إلى منح السلطات المحلية والوحدات الإنتاجية قدرًا أكبر من المبادرة، على أساس الجمع بين وحدة التوجيه المركزي والمرونة المحلية.
ويمكن النظر إلى هذه الأفكار بوصفها مؤشرًا مبكرًا إلى إدراك أن المركزية المفرطة قد تضعف تدفق المعلومات والمبادرة الاقتصادية. لكن هذا الإدراك لم يتحول إلى نظام مؤسسي مستقر لتصحيح القرارات؛ إذ ظلت معالجة الاختلالات مرتبطةً بالحملات السياسية وتغير الاتجاهات داخل القيادة، أكثر من ارتباطها بآليات قانونية وإدارية دائمة تسمح بتداول المعلومات ومراجعة الخطط ومساءلة المسؤولين.
ومن هنا برز تناقض بين الدعوة إلى المبادرة المحلية من جهة، واستمرار تركّز سلطة اتخاذ القرار من جهة أخرى. وقد ظهر أثر هذا التناقض بصورة أشد خلال تجربة «القفزة الكبرى إلى الأمام».
3. المنجزات الاجتماعية والاقتصادية وحدودها
حققت مرحلة ما قبل الإصلاح عددًا من التحولات الأساسية. فقد توسعت القاعدة الصناعية، وأُنشئت صناعات استراتيجية في مجالات الحديد والصلب والطاقة والآلات، وتحسنت شبكات النقل والري، واتسع نطاق التعليم والخدمات الصحية الأساسية. كما أسهمت حملات محو الأمية والرعاية الصحية الريفية في تحسين عدد من المؤشرات الاجتماعية، ووفرت الدولة مستوىً من الأمن الوظيفي والاجتماعي في المدن من خلال نظام وحدات العمل.
وأدت ملكية الدولة للمصارف والصناعات الأساسية والتجارة الخارجية إلى تمكين الحكومة من توجيه جانب كبير من الفائض الاقتصادي نحو الاستثمار طويل الأجل. ولم تختفِ هذه القدرة المؤسسية بعد بدء الإصلاحات، بل أصبحت لاحقًا إحدى السمات الأساسية للنموذج الصيني، حيث استمر القطاع العام في أداء دور محوري في الائتمان والطاقة والبنية التحتية والصناعات الاستراتيجية.
في المقابل، ظهرت قيود واضحة داخل النظام. فقد أدى تحديد الأسعار إداريًا وضعف استقلال المؤسسات إلى إضعاف الحوافز المتعلقة بالجودة والابتكار، في حين شجع التركيز على تحقيق الأهداف الكمية بعض الوحدات على المبالغة في التقارير أو إخفاء المشكلات.
كما ساعد نظام تسجيل الأسر، المعروف باسم «هوكو»، على تنظيم انتقال السكان من الريف إلى المدن وتوزيع بعض الموارد والخدمات، لكنه أسهم كذلك في ترسيخ تفاوت مؤسسي بين السكان الريفيين والحضريين في فرص العمل والتعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية.
وبذلك لم تكن مشكلات الاقتصاد المخطط ناتجةً عن غياب الملكية الخاصة فحسب، بل عن العلاقة بين مركزية القرار، ومحدودية المعلومات المتاحة للمخطط، وضعف آليات المساءلة، وتغليب الأهداف السياسية العاجلة أحيانًا على الحسابات الاقتصادية. وقد ظهرت هذه التناقضات بوضوح خلال «القفزة الكبرى إلى الأمام» والاضطرابات التي رافقت «الثورة الثقافية».
4. «القفزة الكبرى» و «الثورة الثقافية»: حدود التعبئة السياسية للاقتصاد
أُطلقت «القفزة الكبرى إلى الأمام» سنة 1958 بهدف تسريع التحول الصناعي والزراعي والوصول، خلال مدة قصيرة، إلى مستويات إنتاجية مرتفعة. واعتمدت على إنشاء الكومونات الشعبية، وتعبئة العمل الريفي في مشروعات واسعة، وتشجيع إنتاج الحديد والصلب بوسائل محلية.
غير أن المبالغة في تحديد الأهداف وفي تقارير الإنتاج، وتحويل جزء من قوة العمل من الزراعة، وسياسات توريد الحبوب التي استندت إلى بيانات غير واقعية، أسهمت في انهيار الإنتاج الزراعي ووقوع أزمة غذائية ومجاعة واسعة. ولم يكن ذلك مجرد خلل تقني في تنفيذ الخطة، بل كشف عن مخاطر النظام الذي تصبح فيه المعلومات الاقتصادية مرتبطةً بإثبات الولاء السياسي، ويصعب فيه الاعتراض على الأهداف الموضوعة من أعلى أو نقل الوقائع المخالفة لتوقعات القيادة.(27)
وتكشف هذه التجربة أن امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج لا يضمن، في ذاته، الاستخدام العقلاني للموارد؛ إذ تحتاج الخطة إلى معلومات دقيقة، ومؤسسات قادرة على الاعتراض والمراجعة، وقنوات تسمح بنقل المشكلات من المستويات المحلية إلى المركز. وعندما تضعف هذه الشروط، قد تتحول القدرة على تعبئة الموارد بسرعة إلى قدرة على تعميم الخطأ وتوسيع نتائجه.
أما «الثورة الثقافية» بين سنتي 1966 و1976، فقد أدت إلى اضطراب المؤسسات التعليمية والإدارية والبحثية، وإلى تعرض أعداد كبيرة من الكوادر والمثقفين للاضطهاد. وقد رفض قرار الحزب الشيوعي الصيني الصادر سنة 1981 هذه التجربة، وعدّها خطأً تاريخيًا ألحق أضرارًا جسيمة بالحزب والدولة والمجتمع.(28)
ولا يعني هذا التقويم أن العقود السابقة للإصلاح كانت خالية من التراكم، أو أن الاقتصاد الصيني بدأ من الصفر سنة 1978. فقد بقيت المنشآت الصناعية وشبكات الري والتعليم الأساسي ومؤسسات الدولة والقدرة على تعبئة الموارد جزءًا من الأساس الذي استندت إليه الإصلاحات اللاحقة.
لكن تجارب تلك المرحلة أظهرت، في الوقت نفسه، أن الإرادة السياسية والتعبئة الجماهيرية لا تستطيعان التعويض بصورة دائمة عن المعرفة التقنية، وتدفق المعلومات، والحوافز الاقتصادية، والمؤسسات القادرة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه. ومن هنا جاء التحول الذي بدأ سنة 1978 نتيجةً لتفاعل عنصرين: الاستفادة من القاعدة المادية التي أنشأتها المرحلة المخططة، ومحاولة تجاوز الاختلالات التي كشفت عنها المركزية المفرطة والحملات السياسية.
ولذلك لم يبدأ الإصلاح الصيني بإلغاء القطاع العام أو خصخصة الاقتصاد دفعة واحدة، بل بدأ من الزراعة، ومن تعديل العلاقة بين الدولة والوحدات المنتجة، وإتاحة مجال تدريجي للمبادرة الفردية والتبادل السوقي. وتمهد هذه النتيجة لدراسة.
(25) جمهورية الصين الشعبية، «قانون الإصلاح الزراعي لجمهورية الصين الشعبية»، صدر في 30 حزيران/يونيو 1950، انظر: Illustrated Guide to the History of the CPC، المصدر الرسمي؛ وانظر بالعربية: تشن ون شنغ، تاريخ الإصلاح الزراعي في الصين: من توزيع الأراضي إلى استراتيجية تنموية صديقة للبيئة، ترجمة هند المحلي سلطان، مراجعة وإشراف حسانين فهمي حسين، ط1، دار صفصافة للنشر والتوزيع، 2021، النسخة العربية الإلكترونية؛ و«تطور الزراعة الصينية على مدى سبعين سنة ماضية»، CGTN العربية، 12 تشرين الأول/أكتوبر 2019، النص العربي.
(26) ماو تسي تونغ، حول العلاقات العشر الرئيسية، خطاب أُلقي أمام اجتماع موسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في 25 نيسان/أبريل 1956، النسخة العربية الإلكترونية.
(27) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، أُجيز في الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، القسم المتعلق بالثورة الاشتراكية والبناء الاشتراكي، ولا سيما تقييم أخطاء «القفزة الكبرى إلى الأمام» وحركة الكومونات الشعبية، النص العربي الكامل – وكالة شينخوا.
(28) المصدر نفسه، القسم المتعلق بـ«الثورة الثقافية»، حيث وصف القرار هذه المرحلة بأنها تسببت في اضطرابات داخلية استمرت عشر سنوات، وألحقت بالحزب والدولة والشعب أشد الخسائر والانتكاسات منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية.
ثانيًا: مرحلة الإصلاح والانفتاح والانتقال التدريجي نحو «اقتصاد السوق الاشتراكي»
1. انعطاف سنة 1978 وإعادة تحديد الأولويات
شكّل انعقاد الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب الشيوعي الصيني في كانون الأول/ديسمبر 1978 نقطة تحول أساسية في تطور النموذج الاقتصادي الصيني. فقد انتقلت بؤرة عمل الحزب والدولة من جعل الصراع الطبقي محورًا رئيسيًا إلى التركيز على البناء الاقتصادي والتحديث، وبدأت بذلك مرحلة الإصلاح والانفتاح. ولم يُقدَّم هذا التحول بوصفه تخلّيًا عن الاشتراكية، بل بوصفه مراجعة للوسائل والمؤسسات التي يُفترض أن تخدم بناءها وتطوير قواها المنتجة.(29)
انطلق الإصلاح من الاعتراف بأن إقامة قاعدة صناعية عامة لا تكفي، في ذاتها، لضمان الاستخدام الكفء للموارد أو تحسين مستوى المعيشة. فقد أظهرت المرحلة السابقة أن شدة المركزية وتقييد المبادرات المحلية وإخضاع الإنتاج لأهداف كمية جامدة يمكن أن تحدّ من نمو الإنتاجية، حتى عندما تكون وسائل الإنتاج الأساسية مملوكة للدولة أو للجماعات الريفية.
ولذلك اتخذ الإصلاح الصيني طابعًا تدريجيًا وتجريبيًا. فلم تعتمد القيادة خطة شاملة لتفكيك الاقتصاد المخطط دفعة واحدة، وإنما سمحت بتجريب ترتيبات مختلفة في مناطق وقطاعات محددة، ثم وسّعت التجارب التي أثبتت قدرتها على زيادة الإنتاج وتحسين الدخل. وقد منح هذا الأسلوب السلطات المحلية والوحدات الإنتاجية مجالًا أوسع للمبادرة، مع احتفاظ القيادة المركزية بحق تحديد الاتجاه العام وتعديل الإصلاح أو تقييده.
وبذلك اختلف المسار الصيني عن برامج «العلاج بالصدمة» التي طُبقت لاحقًا في عدد من بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي السابق. فقد حافظت الصين على استمرارية مؤسسات الدولة والقطاع العام والنظام المصرفي، وفي الوقت نفسه أدخلت آليات السوق تدريجيًا في الزراعة والصناعة والتجارة والأسعار. ولم يكن الانتقال من التخطيط إلى السوق عملية خطية أو خالية من التراجع، بل مسارًا اتسم بالتجريب والصراع بين اتجاهات مختلفة داخل الحزب والدولة.
2. الإصلاح الريفي ونظام المسؤولية الأسرية
بدأ الإصلاح من الريف، حيث كانت غالبية السكان تعمل في الزراعة وكانت مشكلات الإنتاج والدخل أكثر إلحاحًا. وتمثلت الخطوة الأساسية في تطبيق ما عُرف رسميًا باسم «نظام مسؤولية المقاولة القائمة على العائلات الفلاحية إزاء الإنتاج»، أو «نظام المسؤولية الأسرية». وبموجبه بقيت الأرض خاضعة للملكية الجماعية، بينما حصلت الأسر الفلاحية على حق التعاقد لاستغلالها وتنظيم إنتاجها، مقابل الوفاء بالتزامات محددة تجاه الدولة أو الجماعة، مع إمكان التصرف في الجزء المتبقي من الإنتاج ضمن القنوات التي سمحت بها السياسات الجديدة.(30)
كان هذا الترتيب مهمًا لأنه فصل نسبيًا بين الملكية القانونية للأرض وبين إدارة عملية الإنتاج. فلم تتحول الأرض الزراعية إلى ملكية خاصة كاملة قابلة للتداول الحر، لكن الأسرة أصبحت تمتلك مساحة أوسع لاتخاذ القرار المتعلق بالمحاصيل وتنظيم العمل والاستفادة من زيادة الإنتاج. وأدى ذلك إلى تعزيز الصلة بين جهد الأسرة والعائد الذي تحصل عليه، من دون إلغاء الملكية الجماعية رسميًا.
وتزامن هذا التحول مع رفع أسعار شراء بعض المنتجات الزراعية، وتوسيع إمكان بيع الإنتاج الذي يتجاوز الالتزامات المقررة، وإحياء الأسواق الريفية. وأسهم الجمع بين الحوافز الجديدة وبين البنية الأساسية التي أُقيمت في المرحلة السابقة، ولا سيما شبكات الري وانتشار الأسمدة والبذور المحسّنة، في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين دخول قطاعات واسعة من سكان الريف.
كما أتاح الإصلاح ظهور المؤسسات الريفية ومؤسسات البلدات والقرى، التي عملت في الصناعة والخدمات والنقل ومعالجة المنتجات الزراعية. وكانت ملكية هذه المؤسسات وإدارتها متعددة الأشكال؛ فبعضها ارتبط بالسلطات المحلية أو بالملكية الجماعية، في حين اقترب بعضها الآخر تدريجيًا من النشاط الخاص. وقد ساعدت على امتصاص جانب من العمالة الزراعية الفائضة، وربط الريف بالتصنيع، وتكوين مصادر دخل لا تعتمد على الزراعة وحدها.
ولذلك لا يصح اختزال الإصلاح الريفي في «خصخصة الزراعة». فقد حافظت الدولة على الإطار القانوني للملكية الجماعية، لكنها غيّرت طريقة تنظيم العمل وتوزيع العائد. ومع ذلك، أدى توسيع استقلال الأسرة والإنتاج السلعي إلى نمو الفروق في الدخل والقدرة على الوصول إلى الأسواق والموارد، وهي تحولات ستزداد وضوحًا مع اتساع الإصلاح.
3. انتقال الإصلاح إلى المدن وازدواجية الخطة والسوق
بعد النتائج التي حققتها الإصلاحات الريفية، انتقل إصلاح النظام الاقتصادي تدريجيًا إلى المدن، ولا سيما منذ سنة 1984. وحصلت المؤسسات المملوكة للدولة على قدر أكبر من الاستقلال في تنظيم الإنتاج، والاحتفاظ بجزء من الأرباح، واتخاذ بعض القرارات المتعلقة بالأجور والاستثمار والتسويق، بدل تحويل جميع إيراداتها إلى الموازنة العامة وانتظار تخصيص الموارد بصورة إدارية كاملة.
ولم تُلغَ الخطة بمجرد توسيع هذه الصلاحيات. فقد استمر عدد من المؤسسات في إنتاج كميات محددة وتسليمها بالأسعار التي تقررها الدولة، في حين سُمح لها ببيع الإنتاج الذي يتجاوز الخطة بأسعار أقرب إلى أسعار السوق. وأدى ذلك إلى ظهور ما عُرف بـ«نظام المسار المزدوج»، حيث تعايشت الأسعار والكميات المحددة إداريًا مع الأسعار التي تتكون من خلال العرض والطلب.(31)
ساعد هذا النظام على إدخال آليات السوق من دون قطع الإمدادات الأساسية أو تعريض المؤسسات العامة لانهيار مفاجئ. كما أتاح للدولة الاحتفاظ بالسيطرة على السلع والقطاعات الاستراتيجية، في الوقت الذي بدأت فيه الأسعار تؤدي دورًا متزايدًا في نقل المعلومات وتوجيه بعض القرارات الإنتاجية.
غير أن ازدواجية الأسعار أوجدت تناقضات جديدة. فقد أصبح من الممكن شراء بعض المواد بالسعر الإداري المنخفض ثم إعادة بيعها بالسعر السوقي المرتفع، وهو ما فتح مجالًا للمضاربة والاستفادة من النفوذ الإداري. كما أدى منح المؤسسات استقلالًا أكبر إلى تغيير العلاقة بينها وبين الدولة والعمال؛ إذ أصبحت الربحية تدخل تدريجيًا في تقويم أدائها، إلى جانب أهداف الخطة والإنتاج.
ويكشف ذلك أن الإصلاح لم يقتصر على تحسين التقنيات الإدارية، بل بدأ يغيّر معايير عمل المؤسسات. فمع توسع الإنتاج من أجل السوق، أصبح القرار الاقتصادي يتأثر بصورة متزايدة بالأسعار والتكاليف والطلب والربح، مع استمرار تدخل الدولة في الائتمان والاستثمار وتعيين الإدارات وتحديد الاتجاهات الاستراتيجية.
4. الانفتاح والمناطق الاقتصادية الخاصة
شكّل الانفتاح على الخارج الجانب الآخر من عملية الإصلاح. ففي 26 آب/أغسطس 1980 تقرر إنشاء أربع مناطق اقتصادية خاصة هي: شنتشن وتشوهاي وشانتو في مقاطعة قوانغدونغ، وشيامن في مقاطعة فوجيان، ثم أصبحت هاينان سنة 1988 منطقة اقتصادية خاصة واسعة النطاق.(32)
وفّرت هذه المناطق شروطًا أكثر مرونة لجذب الاستثمار الأجنبي، وإقامة المشروعات المشتركة، واستيراد التكنولوجيا، وإنتاج السلع الموجّهة إلى التصدير. ولم يكن اختيارها في المناطق الساحلية والمجاورة لهونغ كونغ وماكاو وتايوان أمرًا عارضًا؛ فقد سمح بالاستفادة من رؤوس الأموال والخبرات وشبكات التجارة الموجودة خارج البر الصيني.
وأدت المناطق الاقتصادية الخاصة وظيفة المختبرات المؤسسية. فقد جُرّبت فيها قوانين وإجراءات وأساليب إدارة لم تكن مطبقة في بقية البلاد، ثم نُقلت بعض التجارب إلى مدن ومناطق أخرى. وبهذا لم يكن الانفتاح تحريرًا شاملًا وفوريًا للتجارة وحركة رأس المال، وإنما عملية تديرها الدولة من خلال بوابات جغرافية وقانونية محددة.
أسهمت هذه السياسة في إدماج الاقتصاد الصيني تدريجيًا في تقسيم العمل العالمي، وزيادة الصادرات، ونقل بعض التقنيات والخبرات الإدارية. لكنها عززت، في الوقت نفسه، التفاوت بين المناطق الساحلية التي جذبت الاستثمار والمناطق الداخلية التي كانت أقل ارتباطًا بالأسواق الخارجية. كما أدى اتساع الصناعات التصديرية إلى نمو العمل المأجور وانتقال أعداد كبيرة من العمال الريفيين إلى المدن الساحلية، من دون حصولهم دائمًا على الحقوق الاجتماعية نفسها التي يتمتع بها السكان الحضريون المسجلون.
5. إقرار مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي»
أثار توسع آليات السوق نقاشًا داخل الحزب حول العلاقة بين التخطيط والاشتراكية من جهة، والسوق والرأسمالية من جهة أخرى. ففي المراحل الأولى وُصفت السوق بأنها أداة مساعدة للخطة، ثم طُرحت صيغ تجمع بين «الاقتصاد السلعي المخطط» وتنظيم السوق. لكن التحول الحاسم وقع سنة 1992، عندما قرر المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب أن هدف إصلاح النظام الاقتصادي هو إقامة «نظام اقتصاد السوق الاشتراكي». وفي سنة 1993 أقرت الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الرابعة عشرة قرارًا يتعلق بإقامة هذا النظام.(33)
استند هذا التحول النظري إلى التمييز بين النظام الاجتماعي وبين آلية تخصيص الموارد. فالسوق، وفق هذا التصور، ليست حكرًا على الرأسمالية، كما أن التخطيط ليس السمة الوحيدة التي تحدد الاشتراكية؛ إذ يمكن استخدام آليات السوق في إطار نظام يحافظ على قيادة الحزب والدور الرئيس للملكية العامة وتوجيه الدولة للاقتصاد.
لكن إقرار «اقتصاد السوق الاشتراكي» لم يكن مجرد تغيير في المصطلحات. فقد منح توسع العلاقات السلعية والربحية والمنافسة والملكية غير العامة شرعية مؤسسية أوسع. وفي المقابل، لم تتخلَّ الدولة عن المصارف والأرض والصناعات الأساسية والتجارة الخارجية دفعة واحدة، بل احتفظت بأدوات تمكّنها من توجيه الاستثمار والائتمان وتحديد الأولويات التنموية.
وهكذا تشكّل نموذج مركب لا تقوم فيه الخطة مقام السوق ولا تحل السوق فيه محل الدولة بالكامل. فقد أصبحت السوق تؤدي دورًا متزايدًا في تخصيص الموارد وتحديد الأسعار، بينما استمرت الدولة في توجيه الاقتصاد الكلي والسيطرة على القطاعات الاستراتيجية. ومنذ إقرار هذا المفهوم سنة 1992، دخل الإصلاح مرحلة جديدة اتسمت بإعادة هيكلة المؤسسات الحكومية، واتساع القطاع الخاص، وتعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي.
ثالثًا: ترسيخ اقتصاد السوق الاشتراكي وإعادة هيكلة القطاع العام (1992–2001)
1. الانتقال من التجريب الاقتصادي إلى البناء المؤسسي
مثّل الإقرار الرسمي لمفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» عام 1992 نقطة تحوّل في مسار الإصلاح الصيني. فمنذ ذلك التاريخ لم يعد استخدام آليات السوق يُقدَّم بوصفه إجراءً مؤقتًا أو استثناءً محدودًا داخل الاقتصاد المخطط، بل أصبح جزءًا من الإطار المؤسسي للنظام الاقتصادي. وبذلك انتقل مركز الثقل من توسيع هامش السوق داخل الخطة إلى إعادة تنظيم العلاقة بين التخطيط والسوق.
وشملت هذه العملية منح المنشآت الاقتصادية قدرًا أكبر من الاستقلال الإداري والمحاسبي، والفصل النسبي بين ملكية الدولة وإدارة الشركات، وإخضاع المؤسسات لمعايير الكفاءة والربحية والمنافسة. ولم يعنِ ذلك إلغاء دور الدولة، بل إعادة صياغته؛ إذ تراجعت الإدارة المباشرة للتفاصيل الإنتاجية، في مقابل تعزيز التوجيه الاقتصادي الكلي والرقابة على القطاعات الأساسية. (34)
ومن ثم، لم يكن الانتقال الصيني من التخطيط إلى السوق انتقالًا بين نظامين منفصلين بصورة حادة، بل عملية تدريجية أعيد خلالها تركيب وظائف الدولة والسوق. فقد توسعت المنافسة وآليات الأسعار، بينما ظلت الدولة تحتفظ بقدرتها على تحديد الأولويات العامة وتوجيه الاستثمار والتحكم في القطاعات الاستراتيجية.
2. إعادة هيكلة الشركات المملوكة للدولة
مع اتساع الاقتصاد السوقي، برزت مشكلة الشركات الحكومية التي كان عدد منها يعاني الخسائر وتراكم الديون وانخفاض الإنتاجية. كما كانت هذه الشركات تؤدي وظائف اجتماعية وتشغيلية، الأمر الذي جعل إصلاحها أكثر تعقيدًا من مجرد تقويم أرباحها وخسائرها.
اتجهت الحكومة في البداية إلى منح الشركات قدرًا أكبر من الاستقلال في الإدارة والتسويق واستخدام الأرباح. غير أن هذه الإجراءات لم تكن كافية لمعالجة مشكلات المؤسسات الأقل كفاءة؛ لذلك دخل إصلاح القطاع العام مرحلة أكثر عمقًا خلال النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين.
وفي عام 1997 تبنّت القيادة الصينية سياسة عُرفت باسم «الحفاظ على الكبير وترك الصغير». وقامت هذه السياسة على الاحتفاظ بملكية الدولة الكاملة أو بحصص مسيطرة في الشركات الكبرى العاملة في القطاعات الاستراتيجية، مثل الطاقة والاتصالات والنفط والنقل والصناعات الدفاعية، مع تخفيف سيطرة الدولة على عدد من الشركات الصغيرة والمتوسطة، والسماح بتغيير هياكل ملكيتها أو دمجها أو تحويلها إلى شركات مساهمة. (35)
ولا يصحّ، لذلك، تفسير هذه المرحلة باعتبارها انسحابًا شاملًا للدولة من النشاط الاقتصادي. فقد انخفض عدد الشركات المملوكة بالكامل للدولة، لكن الملكية العامة أصبحت أكثر تركّزًا في المنشآت الكبرى والقطاعات التي عُدّت ضرورية للأمن الاقتصادي والسيادة الوطنية. وهكذا اقترنت إعادة الهيكلة بتقليص الوجود المباشر للدولة في بعض الأنشطة التنافسية، مع تعزيز سيطرتها في المواقع المؤثرة في مجمل الاقتصاد.
3. الآثار الاجتماعية لإعادة الهيكلة
ترتبت على إعادة هيكلة الشركات الحكومية نتائج اجتماعية واسعة. فقد أدّى إخضاع المؤسسات لمعايير الربحية والمنافسة إلى الاستغناء عن أعداد كبيرة من العاملين، ولا سيما في الشركات الخاسرة أو التي خضعت للدمج والإغلاق وتغيير الملكية. وتشير بعض التقديرات إلى تسريح نحو 3.5 ملايين عامل خلال عام 1998 وحده، مع استمرار فقدان الوظائف في عدد من المؤسسات الحكومية خلال السنوات التالية. (36)
ومع أن توسع القطاع الخاص والمؤسسات الجماعية والمشروعات الجديدة أسهم في استيعاب قسم من العمالة الفائضة، فإن الانتقال لم يكن خاليًا من التكاليف الاجتماعية. فقد تراجعت ضمانة العمل الدائم المرتبطة بالمؤسسة الحكومية، واتسع العمل القائم على العقود، وأصبح العامل أكثر ارتباطًا بتقلبات سوق العمل.
وبذلك كشفت إعادة الهيكلة عن أحد التناقضات الأساسية في مسار الإصلاح: فمن جهة، أسهمت في رفع الكفاءة الاقتصادية والتخلص من جانب من الأعباء المالية التي تحملتها الدولة؛ ومن جهة أخرى، أضعفت بعض أشكال الأمان الوظيفي والاجتماعي التي ميّزت المرحلة السابقة. ولهذا لا يمكن تقويم الإصلاح بالاستناد إلى مؤشرات الإنتاج والنمو وحدها، بل ينبغي النظر أيضًا في آثاره على علاقات العمل وتوزيع الدخل ومستوى الحماية الاجتماعية.
4. تثبيت المكانة القانونية للاقتصاد الخاص
رافق إعادة هيكلة القطاع العام توسعٌ متسارع في النشاط الخاص، ولا سيما في الصناعة الخفيفة والتجارة والخدمات والإنتاج الموجّه نحو التصدير. وقد انتقل الاقتصاد الخاص تدريجيًا من موقع النشاط المسموح به ضمن حدود ضيقة إلى موقع معترف به قانونيًا داخل اقتصاد السوق الاشتراكي.
وجاء تعديل الدستور الصيني عام 1999 ضمن سلسلة تعديلات أُجريت بين عامي 1988 و1999، وشملت تعزيز الوضع القانوني للاقتصاد الخاص، وإحلال مفهوم «اقتصاد السوق الاشتراكي» محل التعبيرات السابقة المرتبطة بالاقتصاد المخطط. (37)
غير أن الاعتراف المتزايد بالقطاع الخاص لم يؤدِّ إلى مساواته الكاملة بالقطاع العام من حيث الموقع السياسي والاستراتيجي. فقد ظل القطاع العام يُقدَّم أساسًا اقتصاديًا للنظام الاشتراكي، بينما عُدّ القطاع الخاص مكوّنًا مشاركًا في التنمية والنمو والتشغيل. ونتج من ذلك تكوين بنية ملكية متعددة الأشكال، تضم ملكية الدولة والملكية الجماعية والملكية الخاصة ورأس المال الأجنبي، وتعمل جميعها داخل إطار سياسي تحدده الدولة ويقوده الحزب الشيوعي الصيني.
5. الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية
شكّل انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية الحلقة الأخيرة في هذه المرحلة. فقد وقّعت الصين بروتوكول الانضمام في الدوحة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2001، ودخل البروتوكول حيز التنفيذ في 11 كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه. (38)
فرضت العضوية على الصين توسيع انفتاحها التجاري، وخفض جانب من القيود الجمركية، وزيادة قدرة الشركات الأجنبية على دخول السوق المحلية، ومواءمة عدد من القوانين الاقتصادية مع قواعد التجارة الدولية. وفي المقابل، وفّرت للصناعات الصينية وصولًا أوسع إلى الأسواق الخارجية، وشجعت تدفق الاستثمار والتكنولوجيا ورؤوس الأموال.
ولم يكن الاندماج في الاقتصاد العالمي منفصلًا عن إعادة هيكلة القطاع العام؛ إذ سعت القيادة الصينية إلى تقوية الشركات الكبرى وإعدادها للمنافسة الدولية قبل تعريضها بصورة أوسع لضغوط السوق العالمية. وبذلك دخل النموذج الصيني، ابتداءً من عام 2001، مرحلة جديدة اتسمت بتسارع التصنيع والصادرات، وتعاظم الاندماج في الاقتصاد العالمي، مع استمرار الدولة في توجيه القطاعات الاستراتيجية.
رابعًا: الاندماج في الاقتصاد العالمي والتحول نحو تنمية أكثر توازنًا (2001–2012)
1. الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية وتسارع التصنيع التصديري
فتح انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية سنة 2001 مرحلة جديدة في تطور النموذج الاقتصادي. فقد حصلت المنتجات الصينية على وصول أكثر استقرارًا إلى الأسواق الدولية، وفي المقابل التزمت الصين بخفض عدد من الحواجز الجمركية، وتوسيع الوصول إلى سوقها، وتعديل القوانين المنظمة للتجارة والاستثمار.
غير أن الانضمام إلى المنظمة لم يكن نقطة البداية في التصنيع الصيني، بل جاء بعد أكثر من عقدين من بناء المناطق الاقتصادية الخاصة والبنية التحتية وتطوير الشركات المحلية واستقطاب الاستثمار الأجنبي. ولذلك تمكّنت الصين من الاستفادة من الانفتاح بدرجة أكبر من الاقتصادات التي حررت تجارتها قبل تكوين قاعدة إنتاجية وطنية.
وخلال هذه المرحلة اتسعت الصناعات الموجهة نحو التصدير، وتدفقت الاستثمارات الأجنبية إلى المناطق الساحلية، وازدادت مشاركة الصين في سلاسل الإنتاج العالمية. وأسهمت العمالة القادمة من الريف، وشبكات النقل والموانئ والطاقة التي أنشأتها الدولة، وتراكم خبرة الشركات المحلية، في تحويل البلاد إلى مركز رئيسي للإنتاج والتجارة الدوليين. (39)
ولم يقتصر أثر الانفتاح على زيادة حجم الصادرات؛ إذ أدى كذلك إلى نقل تقنيات وأساليب جديدة في الإدارة والإنتاج، وإلى تكوين شبكات من الموردين المحليين المرتبطين بالشركات الأجنبية. لكن درجة الاستفادة لم تكن متساوية بين القطاعات؛ فقد بقيت بعض الصناعات معتمدة على المكونات والتكنولوجيا الخارجية، بينما استطاعت صناعات أخرى زيادة المحتوى المحلي وتطوير قدراتها الإنتاجية والتقنية.
2. استمرار دور الدولة في ظل الانفتاح
لم يؤدِّ الاندماج المتزايد في الاقتصاد العالمي إلى اختفاء دور الدولة. فقد احتفظت الحكومة بسيطرتها على المصارف الكبرى والأرض والطاقة والاتصالات والنقل والشركات الاستراتيجية، واستخدمت هذه الأدوات لتوجيه الاستثمار وتوسيع البنية التحتية ودعم القطاعات الصناعية المستهدفة.
وفي الوقت نفسه، اتسع نشاط الشركات الخاصة والأجنبية في الصناعات التحويلية والتجارة والخدمات. ونتج من ذلك تقسيم مؤسسي للعمل: تركزت الشركات العامة بدرجة أكبر في القطاعات الأساسية وكثيفة رأس المال، بينما توسعت الشركات الخاصة والأجنبية في القطاعات التنافسية والموجهة إلى السوق والتصدير.
ومن ثم لم تكن الصين مجرد سوق مفتوحة أمام رأس المال الدولي؛ فقد جمعت بين الاستفادة من الاستثمار الأجنبي والأسواق الخارجية وبين المحافظة على مؤسسات مالية وإنتاجية عامة أتاحت للدولة التأثير في اتجاه التنمية. إلا أن هذا الجمع لم يُلغِ ضغوط المنافسة والربحية، بل أدخلها بصورة أعمق في عمل الشركات العامة والخاصة على السواء.
3. مفهوم التنمية العلمية ومحاولة تصحيح الاختلالات
أدى النمو السريع إلى ظهور مشكلات تتعلق باتساع الفوارق بين الأقاليم، وبين الريف والمدن، وتزايد الضغوط البيئية، وعدم تساوي الفئات الاجتماعية في الاستفادة من ثمار التنمية. وفي مواجهة هذه الاختلالات، طرحت القيادة الصينية، بعد المؤتمر الوطني السادس عشر للحزب سنة 2002، «مفهوم التنمية العلمية».
ركز هذا المفهوم على وضع الإنسان في مركز التنمية، وتحقيق التناسق بين الاقتصاد والمجتمع، وبين الريف والمدن، وبين المناطق الساحلية والداخلية، إلى جانب المحافظة على الموارد والبيئة. وكان ذلك تعبيرًا عن إدراك رسمي بأن استمرار النمو الكمي وحده لا يكفي لضمان استدامة التنمية أو عدالة توزيع نتائجها. (40)
وترجمت الدولة هذا التوجه إلى عدد من السياسات الاجتماعية، من بينها إلغاء الضرائب الزراعية، وتوسيع التعليم الإلزامي والرعاية الصحية الريفية والتأمينات الاجتماعية، وزيادة الاهتمام بتنمية المناطق الوسطى والغربية. (41)
ومع ذلك، لم تُنهِ هذه السياسات الفوارق التي نشأت خلال مرحلة التصنيع السريع. فقد بقيت المناطق الساحلية أكثر تقدمًا، واستمر نظام تسجيل الأسر «هوكو» في التأثير في قدرة العمال المهاجرين على الحصول على الخدمات العامة في المدن، كما ظلت حصة الأسر من الدخل والاستهلاك أقل من الوزن الكبير الذي احتله الاستثمار في بنية النمو.
4. الأزمة المالية العالمية وحزمة التحفيز
كشفت الأزمة المالية العالمية سنة 2008 مقدار ارتباط النمو الصيني بالطلب الخارجي. فقد أدى انكماش الأسواق في الدول الصناعية إلى تراجع الصادرات وإغلاق بعض المصانع، ولا سيما في المناطق الساحلية، وهدد بفقدان أعداد كبيرة من العمال وظائفهم.
استجابت الحكومة بإطلاق حزمة تحفيز بلغت قيمتها أربعة تريليونات يوان، ووجهت قسمًا كبيرًا منها إلى مشروعات البنية التحتية والإسكان والنقل وإعادة الإعمار. كما توسع الإقراض المصرفي، وأدت الشركات الحكومية والحكومات المحلية دورًا رئيسيًا في تنفيذ المشروعات. وساعدت هذه الإجراءات على منع هبوط اقتصادي حاد والمحافظة على التشغيل والنشاط الصناعي.
لكن الاستجابة عززت، في الوقت نفسه، اعتماد النمو على الاستثمار والائتمان. فقد توسع اقتراض الحكومات المحلية والشركات، وزاد تدفق الأموال إلى العقارات والبنية التحتية، وظهرت مخاوف من تكوّن فقاعات ائتمانية وعقارية. (42)
وتكشف تجربة الأزمة عن الطبيعة المزدوجة لقوة الدولة الاقتصادية. فقد مكّنتها السيطرة على المصارف والشركات العامة من تعبئة الموارد بسرعة ومواجهة الصدمة الخارجية، لكنها أتاحت أيضًا توسيع الائتمان والاستثمار بدرجة أوجدت التزامات ومخاطر طويلة الأمد. ولذلك لا يكفي تقويم حزمة التحفيز بقدرتها على استعادة النمو الفوري، بل ينبغي النظر كذلك في نوعية المشروعات التي موّلتها والديون والاختلالات التي ترتبت عليها.
5. الانتقال إلى مرحلة جديدة
بحلول سنة 2012 كانت الصين قد أصبحت قوة صناعية وتجارية كبرى، لكن نموذج النمو القائم على الاستثمار المرتفع والصادرات ووفرة قوة العمل بدأ يواجه حدودًا جديدة. فقد ارتفعت الأجور، واتسع الاقتصاد الخاص، وتراكمت الديون، وبرزت مشكلات العقارات والبيئة والتفاوت وضعف الاستهلاك الأسري.
وهكذا انتقل النموذج الصيني بعد سنة 2012 من التركيز الأساسي على سرعة النمو والتوسع الكمي إلى البحث عن «تنمية عالية الجودة» تقوم على الابتكار والتكنولوجيا والسوق الداخلية وتحسين البيئة والمعيشة. غير أن هذا التحول لم يعنِ التخلي عن النموذج السابق دفعة واحدة، بل محاولة إعادة تنظيمه ومعالجة التناقضات التي تراكمت خلال مرحلة التصنيع والانفتاح السريعين.
خامسًا: إعادة توجيه النموذج نحو التنمية العالية الجودة (منذ 2012)
1. تعميق الإصلاح وإعادة تنظيم العلاقة بين السوق والدولة
مع انتقال القيادة إلى شي جين بينغ سنة 2012، دخل تطور النموذج الاقتصادي الصيني مرحلة جديدة. ولم تقم هذه المرحلة على إلغاء السياسات السوقية التي اتُّبعت منذ عام 1978، بل على إعادة تنظيمها في ضوء الاختلالات التي تراكمت خلال العقود السابقة، ومنها الاعتماد المرتفع على الاستثمار والصادرات، واتساع التفاوت الاجتماعي والإقليمي، وتنامي الديون، وظهور مشكلات العقارات والبيئة.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2013 وضعت الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة للحزب الشيوعي الصيني برنامجًا لتعميق الإصلاح على نحو شامل. وتضمنت الصيغة الجديدة منح السوق «دورًا حاسمًا» في تخصيص الموارد، بدل وصف دوره بأنه «أساسي»، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة إظهار دور الحكومة بصورة أفضل. (43)
ولا يعني منح السوق دورًا حاسمًا انسحاب الدولة من النشاط الاقتصادي أو تحوّل الصين إلى اقتصاد سوق حر بالمعنى الليبرالي. فقد استمرت الدولة في توجيه المسار العام للتنمية من خلال التخطيط الاقتصادي، والسياسات المالية والنقدية، والسيطرة على المصارف الكبرى والأرض والشركات العاملة في القطاعات الاستراتيجية. وفي المقابل، اتُّسع نطاق المنافسة والاستثمار الخاص وآليات الأسعار في عدد كبير من القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وعبّرت هذه الصيغة عن محاولة الجمع بين آليتين مختلفتين: استخدام السوق لرفع الكفاءة وتحفيز المنافسة والابتكار، واستخدام الدولة لضبط الاتجاه العام للاستثمار وحماية القطاعات الاستراتيجية ومعالجة الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية. وبذلك لم تعد المسألة تتعلق بالمفاضلة المجردة بين التخطيط والسوق، بل بكيفية تحديد المجال الذي تعمل فيه كل آلية والسلطة التي تضع الأهداف النهائية للتنمية.
غير أن هذا الجمع ظل يحمل تناقضًا بنيويًا. فتوسّع السوق يتيح تراكم رأس المال الخاص ويزيد تأثير اعتبارات الربح والمنافسة، في حين تسعى الدولة والحزب إلى إبقاء هذا التراكم خاضعًا للأهداف السياسية والتنموية العامة. ومن ثم يمكن النظر إلى مرحلة ما بعد عام 2012 بوصفها إعادة ترتيب للعلاقة بين الدولة والسوق ورأس المال، لا عودةً كاملة إلى الاقتصاد المخطط ولا استمرارًا خطيًا في التحرير الاقتصادي.

2. الانتقال من النمو السريع إلى التنمية العالية الجودة
جاءت الدعوة إلى «التنمية العالية الجودة» استجابةً للتحولات التي شهدها الاقتصاد الصيني بعد عقود من النمو المتسارع. فقد أصبح استمرار التوسع بالاعتماد على الاستثمار الكثيف، والصادرات، والعمالة منخفضة التكلفة، واستهلاك الطاقة والموارد، أكثر صعوبة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية. كما ظهرت الحاجة إلى معالجة ضعف الاستهلاك الأسري، وتفاوت التنمية بين الأقاليم، والضغوط البيئية، وتراجع العائد المتحقق من بعض الاستثمارات.
وفي تقرير المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني سنة 2017، أُعلن أن الاقتصاد الصيني انتقل من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة التنمية العالية الجودة. ودعا التقرير إلى وضع الجودة في المقام الأول، ومنح الأولوية للكفاءة، وتحويل نمط التنمية، وتحسين الهيكل الاقتصادي، وتغيير القوى المحركة للنمو، مع اتخاذ الإصلاح الهيكلي لجانب العرض خطًا رئيسيًا للسياسة الاقتصادية. (44)
ولا يعني هذا الانتقال التخلي عن النمو الاقتصادي، بل تغيير المعايير المستخدمة في تقويمه. فبدل التركيز على معدل زيادة الناتج والاستثمار وحدهما، أصبحت الأولوية المعلنة تشمل نوعية الإنتاج، ورفع الإنتاجية، وتطوير التكنولوجيا، وتقليل استهلاك الطاقة، وتحسين البيئة، وزيادة قدرة الاقتصاد على تلبية الحاجات الاجتماعية. وبذلك أصبح السؤال لا يتعلق بحجم النمو فقط، وإنما بمصادره وآثاره وطريقة توزيع ثماره.
ويكشف هذا التحول عن إدراك رسمي بأن النمو الكمي يمكن أن يولّد تناقضات تحدّ من استمراره إذا لم يقترن بتغيير بنية الاقتصاد. غير أن الانتقال إلى التنمية العالية الجودة يواجه صعوبة أساسية تتمثل في استمرار اعتماد الحكومات المحلية والشركات على الاستثمار والائتمان والعقارات بوصفها مصادر سريعة للنمو والإيرادات. ولذلك نشأ توتر بين هدف إعادة هيكلة النمو وبين المصالح والمؤسسات التي تكوّنت خلال المرحلة السابقة واستفادت من استمرار التوسع الاستثماري.
3. الإصلاح الهيكلي لجانب العرض
مثّل «الإصلاح الهيكلي لجانب العرض» إحدى الأدوات الأساسية للانتقال إلى التنمية العالية الجودة. ولم يُطرح هذا الإصلاح في الصين بوصفه دعوةً إلى تقليص الدولة وتحرير الأسواق على النحو المرتبط ببعض السياسات الليبرالية، بل بوصفه عملية لإعادة تنظيم بنية الإنتاج ومعالجة الاختلالات الناجمة عن التوسع الاستثماري والائتماني السريع.
تركزت السياسة على تقليص الطاقات الإنتاجية الفائضة، وخفض المخزون العقاري غير المباع، والحد من المديونية والمخاطر المالية، وتقليل تكاليف الشركات، ومعالجة نقاط الضعف في الاقتصاد. وفي سنة 2017 أعلنت الحكومة خططًا لخفض القدرة الإنتاجية في قطاع الصلب بنحو خمسين مليون طن، وفي قطاع الفحم بأكثر من مئة وخمسين مليون طن، إلى جانب تقليص مخزون المساكن غير المباعة، ومكافحة المضاربة العقارية، ودعم الاقتصاد الحقيقي والصناعات الناشئة والتحديث التقني للصناعات التقليدية. (45)
وترجع مشكلة فائض الطاقة الإنتاجية إلى أن الحكومات المحلية والشركات العامة والخاصة وسّعت استثماراتها خلال مرحلة النمو السريع، مستفيدةً من سهولة الائتمان وارتفاع الطلب المحلي والخارجي. وعندما تباطأ الطلب، ظهرت طاقات إنتاجية لا تستطيع السوق استيعابها، ولا سيما في قطاعات الصلب والفحم والإسمنت والبناء والعقارات.
ولذلك لم يكن تقليص هذه الطاقات قرارًا تقنيًا محايدًا؛ إذ ارتبط بإغلاق بعض المنشآت أو دمجها، وإعادة هيكلة الشركات، ونقل العمال أو الاستغناء عن قسم منهم. وقد يرفع ذلك كفاءة استخدام الموارد ويحدّ من الخسائر والديون، لكنه يفرض في الوقت نفسه تكاليف اجتماعية على العمال والمدن والمناطق التي تعتمد على الصناعات التقليدية. ومن هنا تتوقف النتائج الاجتماعية للإصلاح على قدرة الدولة على توفير فرص عمل بديلة، وإعادة تدريب العاملين، وحماية دخول الأسر المتضررة.
ويكشف الإصلاح الهيكلي لجانب العرض عن استمرار الدور المباشر للدولة في تشكيل السوق. فالدولة لم تكتفِ بانتظار خروج الشركات الأقل كفاءة بفعل المنافسة، بل تدخلت لتحديد القطاعات التي ينبغي تقليصها، والقطاعات الجديدة التي تستحق الدعم، والاتجاه التكنولوجي المطلوب للصناعة. وبذلك اقترن استخدام آليات السوق بتوجيه إداري واستثماري يهدف إلى إعادة توزيع الموارد بين القطاعات، لا إلى ترك حركتها لقوى السوق وحدها.
ومع ذلك، ظل نجاح هذه السياسة مرتبطًا بمعالجة الأسباب المؤسسية التي أعادت إنتاج الاختلالات، ومنها اعتماد الحكومات المحلية على العقارات وبيع حقوق استخدام الأرض، واعتماد الشركات على الائتمان المصرفي، وارتباط تقويم المسؤولين المحليين بمعدلات الاستثمار والنمو. فإذا استمرت هذه الحوافز، فقد يؤدي تقليص الطاقات الفائضة في قطاع إلى انتقال الاستثمار المفرط والديون إلى قطاع آخر.
4. الابتكار والتحديث الصناعي والتكنولوجي
ارتبط الانتقال إلى التنمية العالية الجودة بمحاولة تغيير القوة المحركة للنمو. فبعد أن اعتمدت الصين خلال المراحل السابقة على وفرة العمالة والاستثمار في البنية التحتية والتوسع في الصناعات الموجهة نحو التصدير، أصبح رفع الإنتاجية وتطوير التكنولوجيا وزيادة القيمة المضافة المحلية عناصر أساسية في استمرار النمو.
وفي هذا السياق، توسع دور الدولة في تمويل البحث العلمي، وبناء البنية التحتية الرقمية، ودعم الصناعات الاستراتيجية، وربط الجامعات ومراكز الأبحاث بالمؤسسات الإنتاجية. كما أُعطيت الأولوية لتطوير التصنيع المتقدم والاقتصاد الرقمي والطاقة الجديدة والذكاء الاصطناعي، ولرفع قدرة الشركات الصينية على إنتاج التقنيات والمكونات الأساسية بدل الاعتماد المستمر على استيرادها.
وأكد المؤتمر الوطني العشرون للحزب الشيوعي الصيني سنة 2022 ضرورة تحسين منظومة الابتكار العلمي والتكنولوجي، وتسريع تنفيذ استراتيجية التنمية المدفوعة بالابتكار، وتعزيز الاعتماد على النفس وتقوية الذات في مجال العلوم والتكنولوجيا، إلى جانب بناء دولة قوية في مجالات التعليم والعلوم والتكنولوجيا والكفاءات. (46)
ولا تقوم استراتيجية الابتكار الصينية على الدولة أو السوق بصورة منفردة، بل على توزيع للأدوار بينهما. فالدولة تحدد القطاعات ذات الأولوية، وتوفر التمويل طويل الأمد والبنية التحتية والطلب الحكومي، بينما تتنافس الشركات العامة والخاصة على تطوير المنتجات وتوسيع الأسواق. وقد سمح هذا الجمع بتوجيه الموارد نحو مشروعات قد لا يموّلها رأس المال الخاص منفردًا بسبب ارتفاع تكلفتها وطول مدة استردادها.
وفي الوقت نفسه، أدى تصاعد المنافسة التكنولوجية الدولية إلى زيادة أهمية السيطرة الوطنية على التقنيات الأساسية وسلاسل التوريد. ولذلك لم يعد الابتكار يُعامل بوصفه وسيلةً لرفع الإنتاجية فقط، بل أصبح مرتبطًا بالأمن الاقتصادي والقدرة على تقليل الاعتماد على الخارج في المجالات التي تعدّها الدولة استراتيجية.
غير أن التوجيه الحكومي للابتكار لا يضمن وحده الاستخدام الكفء للموارد؛ فقد يؤدي تعدد البرامج المحلية والتنافس على الدعم إلى تكرار الاستثمارات أو توجيه الائتمان إلى مشروعات لا تستند إلى طلب فعلي. كما أن التقدم التكنولوجي قد يرفع الإنتاجية، لكنه لا يحدد تلقائيًا طريقة توزيع مكاسبه بين الدولة والشركات والعاملين. ومن ثم يتوقف الأثر الاجتماعي للابتكار على علاقات الملكية والعمل، وعلى مدى تحويل ارتفاع الإنتاجية إلى زيادة في الأجور وتحسين الخدمات وتقليص وقت العمل، لا إلى توسيع الأرباح والتراكم وحدهما.
5. استراتيجية «التداول المزدوج» وتعزيز السوق الداخلية
ظهرت استراتيجية «التداول المزدوج» بصورة واضحة سنة 2020، في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي، وتصاعد النزاعات التجارية والتكنولوجية، واضطراب سلاسل التوريد خلال جائحة كوفيد-19. وكشفت هذه التطورات عن المخاطر التي يمكن أن تواجه اقتصادًا يعتمد بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية واستيراد بعض التقنيات والمكونات الأساسية.
وتقوم الاستراتيجية على جعل الدورة الاقتصادية المحلية الدعامة الأساسية للنمو، مع استمرار الدورة الدولية وتفاعل السوقين المحلية والخارجية بصورة متبادلة. ولا تعني هذه الصيغة الانغلاق الاقتصادي أو الاستغناء عن التجارة والاستثمار الدوليين، بل تهدف إلى تقوية قدرة الاقتصاد الصيني على الاعتماد على سوقه الداخلية، مع المحافظة على اندماجه في الاقتصاد العالمي. وقد ارتبط تنفيذها ببناء سوق وطنية موحدة، وإزالة الحواجز والحمائية المحلية، وتسهيل انتقال السلع والعمالة والموارد بين الأقاليم. (47)
ويستند تعزيز الدورة المحلية إلى الحجم الكبير للسوق الصينية وإلى اتساع الطبقات والفئات ذات الدخول المتوسطة. غير أن وجود عدد كبير من السكان لا يحوّل السوق تلقائيًا إلى قوة كافية لدفع النمو؛ إذ يتوقف حجم الطلب الفعلي على مستوى دخول الأسر، واستقرار العمل، وتكلفة السكن والتعليم والصحة، ومدى شمول نظام الحماية الاجتماعية.
ومن ثم، فإن نجاح استراتيجية التداول المزدوج يتطلب زيادة قدرة الأسر على الاستهلاك، لا مجرد زيادة السلع المعروضة في السوق. فحين تضطر الأسر إلى تخصيص نسبة مرتفعة من دخولها للسكن أو الادخار لمواجهة تكاليف المرض والتعليم والتقاعد، تبقى قدرتها الاستهلاكية محدودة، حتى لو ازداد حجم الإنتاج. ولهذا ترتبط تقوية السوق الداخلية بسياسات الأجور وتوزيع الدخل والخدمات العامة والضمان الاجتماعي.
كما يتطلب بناء دورة اقتصادية محلية أكثر كفاءة إزالة تجزئة السوق بين المقاطعات والمدن. فقد تسعى بعض الحكومات المحلية إلى حماية شركاتها أو وضع عوائق أمام السلع والشركات القادمة من أقاليم أخرى، مما يحدّ من حرية انتقال الموارد ويؤدي إلى تكرار المشروعات والطاقات الإنتاجية. ولذلك عُدّ بناء سوق وطنية موحدة وسيلةً لتحسين توزيع الموارد وتوسيع المنافسة والاستفادة من الحجم الكبير للاقتصاد الصيني.
أما الدورة الدولية، فتظل ضرورية للحصول على بعض الموارد والتقنيات، والوصول إلى الأسواق الخارجية، وجذب الاستثمار، والمشاركة في سلاسل الإنتاج العالمية. إلا أن الاستراتيجية تسعى إلى تقليل قابلية الاقتصاد للتأثر بالصدمات الخارجية، ورفع موقع الشركات الصينية داخل سلاسل القيمة، بحيث تنتقل من التجميع والإنتاج منخفض القيمة المضافة إلى تطوير التكنولوجيا والتصميم والعلامات التجارية والمكونات الأساسية.
وتكشف استراتيجية التداول المزدوج عن تناقض بين هدفين مترابطين: تعزيز الاستقلال الاقتصادي من جهة، والاستمرار في الاستفادة من السوق العالمية من جهة أخرى. ولا يمكن حل هذا التناقض بالانغلاق، كما لا يمكن تجاهل المخاطر الناجمة عن الاعتماد المفرط على الخارج. لذلك تحاول الاستراتيجية إقامة توازن يجعل السوق الداخلية قاعدةً أكثر قوة، ويجعل الانفتاح الخارجي عنصرًا مكمّلًا للتنمية، لا مصدرًا وحيدًا لاستمرارها.
6. سياسة الرخاء المشترك وضبط توسع رأس المال
أدى النمو الاقتصادي السريع إلى تحسين مستويات المعيشة وانتشال أعداد كبيرة من السكان من الفقر، لكنه اقترن أيضًا باتساع الفوارق في الدخل والثروة، وارتفاع تكاليف السكن والتعليم والرعاية الصحية، وظهور مجموعات اقتصادية خاصة تمتلك موارد مالية وتكنولوجية كبيرة. وفي مواجهة هذه النتائج، أعادت القيادة الصينية إبراز مفهوم «الرخاء المشترك» بوصفه هدفًا للمرحلة الجديدة من التنمية.
وفي اجتماع اللجنة المركزية للشؤون المالية والاقتصادية في آب/أغسطس 2021، وُصف الرخاء المشترك بأنه مطلب أساسي للاشتراكية وسمة من سمات التحديث الصيني. وأكد الاجتماع أن المقصود ليس تمتع فئة محدودة بالثراء، بل توسيع استفادة السكان من التنمية بصورة تدريجية، من خلال زيادة دخول الفئات منخفضة الدخل، وتوسيع الفئات متوسطة الدخل، وتعديل الدخول المفرطة، ومنع الدخول غير المشروعة، وتحسين المساواة في الحصول على الخدمات العامة الأساسية. (48)
ولا يعني الرخاء المشترك، وفق هذه الصيغة، فرض مساواة حسابية بين الدخول أو إلغاء الحوافز الاقتصادية، بل محاولة إعادة التوازن بين الكفاءة والعدالة. فالنمو يظل شرطًا لتوسيع الثروة الاجتماعية، لكن طريقة توزيع نتائج هذا النمو تصبح جزءًا من تقويمه. ومن ثم يرتبط تحقيق الرخاء المشترك بنظام الأجور والضرائب والتحويلات الاجتماعية، وبالإنفاق على التعليم والصحة والإسكان والتقاعد، لا بالتبرعات الخيرية وحدها.
وتكتسب مسألة التوزيع الأولي أهمية خاصة؛ لأن معالجة التفاوت بعد تحققه بواسطة الضرائب والمساعدات لا تعوّض دائمًا ضعف حصة العاملين من الدخل المتولد في عملية الإنتاج. فإذا لم تواكب الأجور ارتفاع الإنتاجية، وبقيت علاقات العمل غير متوازنة، فإن الاقتصاد يعيد إنتاج الفوارق حتى مع توسع برامج الحماية الاجتماعية. ولهذا يتطلب الرخاء المشترك النظر في توزيع الدخل بين العمل ورأس المال، وليس في توزيع الضرائب والإنفاق العام فقط.
واقترنت سياسة الرخاء المشترك بتشديد الرقابة على بعض صور تراكم رأس المال، ولا سيما الاحتكارات والمنافسة غير العادلة وإساءة استخدام الهيمنة السوقية واحتكار المنصات. وقد أكدت القيادة الصينية أن رأس المال يظل عاملًا مهمًا من عوامل الإنتاج في اقتصاد السوق الاشتراكي، وأن المطلوب ليس إلغاء دوره، بل تنظيمه وتوجيهه قانونيًا، مع تحسين قواعد دخول السوق ومكافحة الاحتكار ومنع توسعه غير المنضبط. (49)
وتكشف هذه السياسة عن الموقف المزدوج للدولة تجاه رأس المال الخاص. فمن جهة، تحتاج إليه لتمويل الاستثمار والابتكار وتوفير فرص العمل وتنشيط المنافسة؛ ومن جهة أخرى، تخشى أن يؤدي تركزه إلى الاحتكار والتأثير في توزيع الموارد والبيانات والائتمان، أو إلى تكوين مراكز قوة اقتصادية يصعب إخضاعها للأهداف العامة للدولة.
ولهذا لا يمثّل ضبط رأس المال تخليًا عن اقتصاد السوق أو عودةً إلى إلغاء الملكية الخاصة، بل محاولةً لوضع حدود سياسية وقانونية لحركته. غير أن نجاح هذه المحاولة يتوقف على طبيعة التنظيم نفسه: هل يقتصر على منع التجاوزات والاحتكارات مع استمرار التركّز الاقتصادي، أم يؤدي إلى توسيع حقوق العاملين، وزيادة نصيبهم من الدخل، وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز الرقابة الاجتماعية على القرارات الاقتصادية؟
ومن منظور نقدي، لا يكفي إعلان الرخاء المشترك أو ضبط بعض الشركات الكبرى للحكم على حدوث تحول في علاقات التوزيع. فالمعيار الأهم يتمثل في التغير الفعلي في حصة الأجور من الدخل، ومستوى التفاوت في الثروة، وقوة الحماية الاجتماعية، وقدرة العمال على الدفاع عن مصالحهم، ومدى خضوع رأس المال الخاص والعام للمحاسبة الاجتماعية. وبذلك تمثّل سياسة الرخاء المشترك محاولةً لمعالجة النتائج الاجتماعية لتوسع السوق، لكنها تظل محكومة بالتناقض بين استمرار تراكم رأس المال والسعي إلى توزيع أكثر عدالة لثمار التنمية.
7. دور الدولة والحزب في توجيه النموذج خلال المرحلة الجديدة
يكشف تطور النموذج الصيني بعد سنة 2012 أن توسيع استخدام آليات السوق لم يؤدِّ إلى تراجع القيادة السياسية للحزب أو إلى انسحاب الدولة من توجيه الاقتصاد. فقد ظل الحزب الشيوعي الصيني يحدد الاتجاهات الاستراتيجية العامة، بينما تتولى أجهزة الدولة تحويلها إلى خطط وسياسات مالية ونقدية وصناعية واجتماعية وأطر قانونية وتنظيمية.
ومن الضروري التمييز بين دور الحزب ودور الدولة، على الرغم من الترابط الوثيق بينهما. فالدولة تمتلك أدوات الإدارة والتنفيذ والرقابة، وتشرف على المصارف العامة والأصول والشركات المملوكة للدولة والسياسات الاقتصادية الكلية. أما الحزب فيحدد الأولويات السياسية والاستراتيجية، ويشرف على اختيار القيادات، ويتابع تنفيذ التوجهات العامة من خلال مؤسساته المركزية والمحلية ومنظماته الموجودة داخل المؤسسات الاقتصادية.
وينص دستور الحزب الشيوعي الصيني على أن تؤدي اللجان الحزبية في المؤسسات المملوكة للدولة دورًا قياديًا، وأن تستوعب الاتجاه العام وتضمن تنفيذ قرارات الحزب وتناقش القضايا المهمة في المؤسسة. كما ينص على أن تعمل منظمات الحزب في المؤسسات ذات الملكية غير العامة على تنفيذ سياساته، ومراقبة التزام المؤسسات بقوانين الدولة ولوائحها، ودفع تطورها المنظم. (50)
ويعني ذلك أن إدارة الشركات المملوكة للدولة لا تخضع لمعايير السوق والربحية وحدها، بل ترتبط كذلك بالأهداف الصناعية والاجتماعية والأمنية التي تحددها القيادة السياسية. فقد تُكلَّف هذه الشركات بتنفيذ مشروعات طويلة الأجل، أو الاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا، أو المحافظة على الإمدادات والتشغيل خلال الأزمات، حتى حين لا تحقق هذه الأنشطة أعلى عائد تجاري في المدى القصير.
وفي المقابل، لا يعمل القطاع الخاص خارج هذا الإطار السياسي. فهو يتمتع بهامش واسع في الاستثمار والإنتاج والمنافسة، لكنه يخضع للقوانين والسياسات الصناعية والمالية، وللقواعد المتعلقة بالمنافسة والبيانات والعمل والأمن الوطني. وهكذا يجمع النموذج بين استقلال نسبي للشركات في اتخاذ القرارات الاقتصادية وبين استمرار قدرة الحزب والدولة على التدخل عندما ترى القيادة أن حركة السوق تتعارض مع الأولويات العامة.
وقد أتاح هذا التنظيم للدولة تعبئة الموارد بسرعة، وتوجيه الاستثمار إلى البنية التحتية والصناعات الاستراتيجية، ومواجهة الأزمات الاقتصادية، وتنفيذ سياسات تمتد نتائجها إلى مدى زمني طويل. لكنه يثير، في الوقت نفسه، مسألة التوازن بين التوجيه السياسي والكفاءة الاقتصادية؛ لأن توسع التدخل الإداري قد يضعف استقلال إدارة الشركات، أو يشجع توجيه الموارد وفق اعتبارات مؤسسية ومحلية لا تتفق دائمًا مع الحاجات الاجتماعية أو الكفاءة الإنتاجية.
كما أن قوة الدولة لا تساوي، في ذاتها، الملكية الاجتماعية أو الرقابة الشعبية على وسائل الإنتاج. فقد تكون الدولة قادرة على ضبط رأس المال وتوجيه الاستثمار، من دون أن يعني ذلك مشاركة العمال والمواطنين بصورة مباشرة في اتخاذ القرارات الاقتصادية. ولذلك ينبغي تقويم الطابع الاشتراكي للنموذج من خلال طبيعة الأهداف التي تستخدم من أجلها ملكية الدولة، وكيفية توزيع الفائض، ومستوى حقوق العاملين، وفاعلية الرقابة العامة والمحاسبة، لا بمجرد اتساع القطاع الحكومي أو قوة الجهاز الإداري.
وتتمثل إحدى الخصائص الأساسية للنموذج الصيني في أن السوق تعمل داخل إطار سياسي لا تديره بصورة مستقلة. غير أن هذا الإطار لا يلغي منطق المنافسة والربحية وتراكم رأس المال، بل يسعى إلى توجيهه وضبط نتائجه. ومن هنا ينشأ التناقض بين استخدام السوق لتطوير القوى المنتجة والمحافظة على قدرة الحزب والدولة على إخضاع حركتها للأهداف السياسية والاجتماعية المعلنة.
وبعد تتبع التطور التاريخي للنموذج الصيني من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي، ينتقل الفصل التالي من سؤال نشأة هذا النموذج وتحولاته إلى تحليل بنيته المؤسسية المعاصرة، ولا سيما العلاقة بين الحزب والدولة والسوق، وتعدد أشكال الملكية، وموقع الشركات العامة والخاصة والمصارف في توجيه النشاط الاقتصادي.
________________
(25) أحمد فاروق عباس، «التجربة التنموية في الصين: الواقع والتحديات»، المجلة العلمية للاقتصاد والتجارة، جامعة عين شمس، كلية التجارة، العدد الثالث، أكتوبر/تشرين الأول 2019، ص550، DOI: 10.21608/jsec.2019.94567؛ وانظر كذلك: جمهورية الصين الشعبية، «قانون الإصلاح الزراعي لجمهورية الصين الشعبية»، أُقرّ في 28 حزيران/يونيو 1950، وأصدرته الحكومة الشعبية المركزية ودخل حيز التنفيذ في 30 حزيران/يونيو 1950، ولا سيما المادتين الأولى والثانية، النص الصيني الكامل، والترجمة الإنجليزية للقانون؛ وللاطلاع على نسخة عربية إلكترونية معاد نشرها من دراسة أحمد فاروق عباس، انظر: مجلة الشرارة، العدد 167، حزيران/يونيو 2023، ابتداءً من ص10، النسخة الإلكترونية.
(26) ماو تسي تونغ، حول العلاقات العشر الرئيسية، خطاب أُلقي أمام اجتماع موسع للمكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني في 25 نيسان/أبريل 1956، النسخة العربية الإلكترونية.
(27) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، أُجيز في الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، القسم المتعلق بالثورة الاشتراكية والبناء الاشتراكي، ولا سيما تقييم أخطاء «القفزة الكبرى إلى الأمام» وحركة الكومونات الشعبية، النص العربي الكامل – وكالة شينخوا.
(28) المصدر نفسه، القسم المتعلق بـ«الثورة الثقافية»، حيث وصف القرار هذه المرحلة بأنها تسببت في اضطرابات داخلية استمرت عشر سنوات، وألحقت بالحزب والدولة والشعب أشد الخسائر والانتكاسات منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية.
(29) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، أُجيز في الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، الجزء الثالث المتعلق بالإصلاح والانفتاح وبناء التحديث الاشتراكي، النص العربي الكامل – وكالة شينخوا.
(30) تشن ون شنغ، تاريخ الإصلاح الزراعي في الصين: من توزيع الأراضي إلى استراتيجية تنموية صديقة للبيئة، ترجمة هند المحلي سلطان، مراجعة وإشراف حسانين فهمي حسين، ط1، دار صفصافة للنشر والتوزيع، 2021، الفصول المتعلقة بالإصلاح الريفي ونظام المسؤولية الأسرية، النسخة العربية الإلكترونية.
(31) وي وي زانج، الإصلاح الاقتصادي في الصين ودلالاته السياسية، ط1، سلسلة «دراسات عالمية»، العدد 11، أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 1997، القسمان المتعلقان بمسار الإصلاح التدريجي.
(32) حسن وانغ ماو هو، «40 عامًا من الإصلاح والانفتاح: الإنجازات والتحديات»، الأهرام، 6 كانون الأول/ديسمبر 2018، القسم المتعلق بإنشاء المناطق الاقتصادية الخاصة سنة 1980، النص الكامل.
(33) ضياء محمود الدردساوي، «أثر برنامج التحديثات الأربعة على تطور مكانة الصين في النظام الدولي (1978–2020)»، المجلة الدولية للبحوث العلمية، المجلد 3، العدد 4، نيسان/أبريل 2024، ص 104، حيث يتناول إقرار المؤتمر الوطني الرابع عشر للحزب سنة 1992 هدف إقامة نظام اقتصاد السوق الاشتراكي، وقرار سنة 1993 المتعلق بإقامة هذا النظام، الدراسة بصيغة PDF.
(34) تيسير الرداوي، «الدولة واقتصاد السوق: قراءات في سياسات الخصخصة وتجاربها العالمية والعربية»، عرض لكتاب طاهر حمدي كنعان وحازم تيسير رحاحلة، عمران للعلوم الاجتماعية والإنسانية، مج 6، العدد 21، صيف 2017، ص 213–217.
الدراسة بصيغة PDF
(35) أميرة الطاهر إسماعيل أحمد وسمير محمد عبد الوهاب، «إعادة الهيكلة كمدخل لإصلاح قطاع الأعمال العام في الخبرات الدولية»، المجلة العربية للإدارة، مج 45، العدد 4، أغسطس/آب 2025، ص 141–142.
صفحة الدراسة
(36) تيسير الرداوي، «الدولة واقتصاد السوق»، مصدر سابق، ص 215–217. ويُعتمد رابط المصدر رقم (34) نفسه، ولا حاجة إلى تكراره.
(37) «مقالة خاصة: المجلس التشريعي الصيني يتبنى تعديلات دستورية تاريخية»، وكالة أنباء شينخوا، 12 آذار/مارس 2018.
النص العربي – وكالة شينخوا
(38) «انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية يعود بزخم تنموي وفرص مواتية على العالم أجمع»، وكالة أنباء شينخوا، 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2021.
النص العربي
(39) «تقرير إخباري: الصين شهدت طفرات اقتصادية كبرى خلال الـ70 عامًا الماضية وتحولت لنموذج تنموي يتعلمه العالم»، وكالة أنباء شينخوا، 31 تشرين الأول/أكتوبر 2019، ولا سيما الجزء المتعلق بمرحلة 2001–2012 والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والانفتاح الشامل، النص العربي.
(40) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، مصدر سابق، الجزء المتعلق بتبلور «مفهوم التنمية العلمية» والتنمية الشاملة والمتناسقة والمستدامة ووضع الإنسان في المقام الأول، النص العربي الكامل – وكالة شينخوا.
(41) المصدر نفسه، الجزء المتعلق بدفع تنمية غرب الصين ومساعدة المناطق الوسطى، وإلغاء ضرائب الزراعة، وتوسيع التعليم والرعاية الطبية والعناية بالشيخوخة، النص العربي الكامل – وكالة شينخوا.
(42) محمد فاوي، «تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني والرؤية الجديدة للنهوض»، مركز الجزيرة للدراسات، 22 تموز/يوليو 2013، ولا سيما الجزء المتعلق بحزمة التحفيز البالغة أربعة تريليونات يوان وآثارها الائتمانية والعقارية، النص العربي.
(43) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، «قرار اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني حول المنجزات المهمة والتجارب التاريخية في كفاح الحزب الممتد لمائة عام»، أُجيز في الدورة الكاملة السادسة للجنة المركزية التاسعة عشرة في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، القسم المتعلق بتعميق الإصلاح والانفتاح على نحو شامل وقرارات الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الثامنة عشرة، النص العربي الكامل – وكالة أنباء شينخوا.
(44) «شي يدعو إلى وضع الجودة في المقام الأول في التنمية الاقتصادية»، وكالة أنباء شينخوا، 18 تشرين الأول/أكتوبر 2017، ويتضمن عرضًا للجزء الاقتصادي من تقرير المؤتمر الوطني التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني، ولا سيما الانتقال من النمو السريع إلى التنمية العالية الجودة واتخاذ الإصلاح الهيكلي لجانب العرض خطًا رئيسيًا، النص العربي – وكالة أنباء شينخوا.
(46) «النص الكامل لقرار المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني حول تقرير لجنة الحزب المركزية التاسعة عشرة»، أُجيز في 22 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ولا سيما الجزء المتعلق بالتنمية العالية الجودة، وتحسين منظومة الابتكار العلمي والتكنولوجي، وتنفيذ استراتيجية التنمية المدفوعة بالابتكار، وتعزيز الاعتماد على النفس في العلوم والتكنولوجيا، النص العربي – الشعب أونلاين.
(47) «توحيد السوق في الصين يوفّر دفعة حيوية للتداول الاقتصادي»، وكالة أنباء شينخوا، 18 أيار/مايو 2022، ولا سيما الجزء المتعلق بطرح سياسة «التداول المزدوج» سنة 2020، واتخاذ السوق المحلية دعامةً أساسية، وتعزيز التفاعل بين السوقين المحلية والدولية، وبناء سوق وطنية موحدة، النص العربي – وكالة أنباء شينخوا.
(48) «شي يشدد على تعزيز الرخاء المشترك ودرء المخاطر المالية الكبرى»، الشعب أونلاين، 18 آب/أغسطس 2021، نقلًا عن وكالة أنباء شينخوا، ولا سيما ما يتعلق باعتبار الرخاء المشترك مطلبًا أساسيًا للاشتراكية، وزيادة دخول الفئات منخفضة الدخل، وتوسيع الفئات متوسطة الدخل، وتعديل الدخول المفرطة وتحسين الخدمات العامة، النص العربي.
(49) «شي يشدد على التنمية الصحية لرأس المال في الصين»، وكالة أنباء شينخوا، 1 أيار/مايو 2022، ولا سيما ما يتعلق بتنظيم رأس المال وتوجيهه، ومكافحة الاحتكار والمنافسة غير العادلة، والتحقيق في التوسع غير المنضبط لرأس المال واحتكار المنصات، النص العربي – وكالة أنباء شينخوا.
(50) الحزب الشيوعي الصيني، دستور الحزب الشيوعي الصيني، الصيغة التي أقرّها المؤتمر الوطني التاسع عشر سنة 2017، الباب الخامس: «منظمات الحزب القاعدية»، ولا سيما المادة الثالثة والثلاثون المتعلقة بدور اللجان الحزبية في المؤسسات المملوكة للدولة والمنظمات الحزبية في المؤسسات ذات الملكية غير العامة، النص العربي الكامل – وكالة أنباء
يتبع



#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البن ...
- تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمي ...
- الومضة عند يحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-نفسية-سياسية
- لو كنت شجرة * / للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند
- مرثية إلى ابن المقفّع- لجواد غلوم: من جرح الذات إلى وجع الجم ...
- قبلة أخيرة على حافة الحرية
- تمثلات البراءة والفساد في ومضة «إلى سبطي حيدر» ليحيى السماوي ...
- دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي ...
- الوعي والتحول في ومضة ليحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية- ...
- الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة -ترتيلة ا ...
- جماليات الاحتفاء وبنية المعنى: مقاربة بنيوية–سيميائية–نفسية ...
- الجسد بوصفه ذاكرة: قراءة بنيوية – سيميائية – نفسية في رباعيا ...
- حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة الم ...
- حلبجة: صرخة من السليمانية
- ازدواجية المعايير وصراع النفوذ: لماذا يتصاعد التوتر الأمريكي ...
- الاحتراق الدلالي وتمثّلات الوجع الجمعي في ومضة يحيى السماوي
- تفكيك روژآفا وإعادة هندسة الدولة: كيف تُدار القضية الكردية ع ...
- العشق المقدّس للكلمة بين النور والظلام: قراءة بنيوية‑سي ...
- عودة المالكي في زمن الأزمة: هل يحتمل العراق إعادة تدوير الما ...
- -غَمٌّ وسَأمٌ-: دراسة نقدية متعددة المناهج في شعر جواد غلوم


المزيد.....




- -جبل الفأس-.. لقطات أقمار اصطناعية تكشف ما يدور في موقع إيرا ...
- محللون: تسارع أعمال البناء في موقع نووي إيراني مشتبه به
- لحظة استهداف مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة
- إيران توسّع -المنطقة المحظورة- خارج مضيق هرمز.. ما هي شروط ا ...
- التصعيد بين السعودية والحوثيين أمام منعطف جديد.. باكستان تلو ...
- نافذة العراق الجديدة على التجارة العالمية.. ماذا نعرف عن مشر ...
- -روائح غريبة- وأعراض حادة.. خبراء يدعون عبر -يورونيوز- للتحق ...
- خطأ -غير متوقع فادح- في بريطانيا يتسبب بإلغاء نحو 2000 رحلة ...
- صربيا.. الرئيس يحل البرلمان ويدعو لانتخابات قبل نوفمبر
- الرئيس اللبناني يحذر من استغلال إسرائيل أي فراغ أمني في الجن ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سهيل الزهاوي - من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاريخي للنموذج الصيني