أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سهيل الزهاوي - الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة -ترتيلة اليقين- ليحيى السماوي















المزيد.....



الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة -ترتيلة اليقين- ليحيى السماوي


سهيل الزهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 12:46
المحور: الادب والفن
    


المقدمة:


تُعَدُّ قصيدة «ترتيلة اليقين» للشاعر يحيى السماوي نصًّا يتجاوز حدود البوح الذاتي المباشر، ليتحوّل إلى فضاءٍ تتشابك فيه التجربة النفسية بالتاريخ الجمعي، ويتداخل فيه الوجع الشخصي مع خيبة المشروع السياسي وانكساراته دون أن تتحوّل هذه الخيبة إلى إعلان عن انهيار نهائي. فالقصيدة لا تنطلق من تجربة فردية معزولة، بل تنفتح على أفق إنساني–جمعي أوسع، حيث تُستعاد الغربة بوصفها حالة وجودية، والمنفى كبنية شعورية وفكرية، ويغدو الوطن صورةً مؤجَّلة لا تُستحضَر إلا عبر اللغة والذاكرة والإنشاد الشعري.
تكمن أهمية النص في قدرته على تحويل التجربة القاسية – بما تنطوي عليه من عزلة وقلق وضياع ومجازر سياسية ومرارات تاريخية – إلى خطابٍ شعري ذي طابع ترتيلي، تتجاور فيه النبرة الروحية مع الحسّ النضالي الواقعي؛ بحيث لا يعود الشعر مجرّد تعبير عن الألم، بل ممارسة لإعادة بناء المعنى في عالم فقد كثيرًا من يقيناته، من غير أن يفقد بالكامل إمكان استعادة الفاعلية أو الحلم. ومن هذا المنظور، لا يُحيل عنوان «ترتيلة اليقين» إلى يقين جاهز أو عقيدة مغلقة، بل إلى يقينٍ يُعاد إنتاجه عبر مسار التجربة ذاتها، من خلال المرور بالمذبحة والمنفى والانكسار – الذي تمثّله مرارة «الحنظل» – وصولًا إلى شكلٍ من التصالح الداخلي المؤسَّس على الوعي بالجرح واستثماره، لا على إنكاره أو تجاوزه السطحي.
وعبر صورٍ كثيفة واستعارات متلاحقة، تكشف القصيدة عن ذاتٍ محمَّلة بآثار تاريخ طويل من الخيبات السياسية والاقتلاع النفسي، الأمر الذي يمنح النصّ بُعدًا يتخطّى حدود الفرد ليطال الذاكرة الجماعية، ولا سيّما إذا قُرئ في ضوء تجربة الشاعر الفكرية والنضالية وما ارتبط بها من أحلام كبرى بالعدالة والحرية والتغيير. غير أنّ القصيدة لا تنزلق إلى المباشرة الخطابية، بل تعيد صهر هذه التجربة داخل لغة رمزية تجعل من الوطن، والحزب، والمنفى، والحلم، ومجازات الشهد والحنظل، مكوّناتٍ قابلة لقراءة تأويلية مفتوحة، حيث يُفهَم التراجع والانكسار كتوقّفٍ مؤلم يُمهِّد لإعادة التقييم لا كانتفاءٍ للمشروع.
انطلاقًا من ذلك، تسعى هذه القراءة إلى مقاربة «ترتيلة اليقين» من خلال البعدين النفسي والسياسي، عبر تتبّع الكيفية التي يتحوّل فيها القلق الفردي إلى صورة لوعيٍ جمعي مأزوم، وكيف تُعاد صياغة الخسارة التاريخية داخل بنية شعرية ترتكز على «الترتيل» بوصفه فعلَ مقاومة رمزية ضد التفكّك والعدم، وآليةً لتحويل مرارة الانكسار إلى معنى قابل للوراثة. كما تحاول الكشف عن المسار الذي ينتقل فيه النص من العتمة والاقتلاع إلى بناء شكلٍ من أشكال «اليقين المتحوِّل»، الذي لا يُفرَض من الخارج، بل يتشكّل تدريجيًا داخل اللغة والإيقاع والتجربة والذاكرة.

نص القصيدة

تـرتـيـلـة يـقـيـن
________
أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزن ِ
جَـلـيـسَ الـلا أحَـدْ
//
يـا نـديـمَ الـقـلـق ِ الـوحـشـيِّ ...
نـاطـورَ الأمـانـي ...
ونـزيـلَ الـلا بَـلـدْ
//
يـومـكَ المُـمْـتـدُّ مِـنْ مـذبـحـةِ الأمـس ِ
إلى بُـسـتـان ِ غـدْ
//
دون أنـوار ِ الـتـي بـاتـتْ تـُـسـمـى نـخـلـةَ اللهِ
ونـامـوسَ الـمـرايـا :
خـيـمـة ٌ دون وتـدْ
//
وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ بـحـار ٍ
يُـسْـرُهـا جـزرٌ
وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ
//
مُـطـفـأ الـشـمـس ِ ...
وجـفـنُ الـنـجـم ِ يـشـكـو مـن رَمَـدْ
//
فـاتّـخِـذْ مـن ســعـفِـهـا بـيـتـا ً وظِـلا ً
ومـدَدْ
//
ربَّ شـهْـدٍ في الـهـوى
يُـفـضـي الـى الـحـنـظـل ِ ...
والحـنـظـلُ قـد يُـفـضـي إلـى
شَـهـدْ الـرَّغـدْ
//
أيـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـعـشـق ِ الـبـتـولـيِّ الـتـراتـيـل ِ ...
الـشّـريـدُ الـسّـومـريُّ ...
الـحـاسـرُ الـقـلـبِ :
كـفـى أنـكَ بـتَّ الـيـومَ روحـاً
وتـراتـيـلَ يـقـيـن ٍ
بـعـدمـا كـنـتَ كـؤوسـا ً وسـريـرا ً وجـسـدْ
*****

عنوان القصيدة: «ترتيلة يقين»

يأتي عنوان القصيدة «ترتيلة اليقين» بوصفه بنية دلالية مكثَّفة تؤدي وظيفة المفتاح التأويلي للنص، إذ يجمع بين لفظتين تُنشئان علاقة إنتاج وتوليد، لا مجرد علاقة وصف خارجي.
أولًا، تحيل كلمة «ترتيلة» إلى فعل طقسي‑إنشادي يقوم على التدرّج والتمهّل والتكرار، أكثر مما يقوم على التصريح المباشر بالمعنى. فالترتيل، في بعده الثقافي، ليس مجرد لفظة ذات خلفية دينية، بل ممارسة لغوية وإيقاعية يمكن أن تنفتح على النشيد الجماعي والخطاب النضالي والبيان الشعري المبطَّن، بما يجعل من القول نفسه فعلًا لإعادة تشكيل الوعي والذاكرة.
ثانيًا، لا يحضر «اليقين» في العنوان كحقيقة ناجزة أو عقيدة مغلقة، بل كحصيلة لمسار من التجربة والألم والانكسار. إنه يقين لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُنتَج من داخلها عبر فعل الترتيل ذاته؛ أي عبر المرور بالجرح والمنفى والخيبة وصولًا إلى نوع من التسالم الداخلي. بهذا المعنى يغدو اليقين في القصيدة يقينًا متحوّلًا، يتشكّل داخل اللغة والتجربة لا خارجَهما.
ثالثًا، يكشف التركيب الإضافي «ترتيلة يقين» عن علاقة سببية ضمنية: فاليقين هنا هو ما يُرتَّل، وما يتكوَّن عبر الترتيل، لا ما يُفترَض سلفًا. العنوان لا يقرّر يقينًا، بل يعلن منذ البدء أن النص حركةٌ ترتيلية في اتجاه يقينٍ يُصاغ ويُختبَر، لا نقطةُ وصولٍ مضمونة.
ومن الناحية النحوية، يتكوّن العنوان من مضاف ومضاف إليه: «ترتيلةُ» (مبتدأ أو اسم مرفوع في سياق العنوان) و«يقينٍ» مضاف إليه مجرور، وهو تركيب إضافي يُعمِّق الدلالة على أن موضوع الترتيل هو اليقين نفسه؛ أي يقين لا يُمتلك مباشرة، بل يُعاد إنتاجه عبر الإنشاد واللغة.
خلاصة:
يعمل عنوان «ترتيلة اليقين» بوصفه إعلانًا عن مسار لا عن حالة نهائية؛ فهو يربط بين الترتيل كفعل لغوي‑طقسي جماعي، وبين اليقين كأثر متحوّل ينجم عن إعادة تأويل التجربة داخل فضاء الشعر والذاكرة.
تحليل الابيات
تحليل مقطعي افتتاحية القصيدة:
النداء الافتتاحي وبناء صورة الذات المنفية
«أيُّـهـا الـطّـاعِـنُ بـالـغـربـةِ والـحـزْنِ / جَـلـيـسَ الـلا أحَدْ»
النداء ووظيفته التأسيسية
يفتتح الشاعر النص بنداءٍ مرتفع النبرة «أيُّها»، وهي صيغة استدعاء تُسند إلى المخاطَب مكانة تتجاوز حدود المخاطَب العابر، لتمنحه ملامح كيان رمزي يُستدعى ليشغل مركز الفضاء الشعري. بهذا المعنى، لا يعمل النداء وظيفة بلاغية شكلية فحسب، بل يؤدّي دورًا تأسيسيًا؛ إذ يعلن دخول شخصية محورية تحمل أبعادًا وجودية وجمعية، ويهيّئ المتلقي لقراءة القصيدة باعتبارها حوارًا مع حالة أو نموذج رمزي، لا مع فرد محدّد في سياق عرضي.
«الطاعن بالغربة والحزن» بين الدلالة والنفسية
يعيد الشاعر تشكيل تركيب مألوف هو «الطاعن في السنّ» بنقله من حقل الزمن البيولوجي إلى حقل التجربة الوجودية، فيصبح معيار التقدّم في العمر هو الغربة والحزن لا السنوات. هكذا تتحوّل الغربة من كونها ظرفًا مكانيًا إلى كينونة زمنية متراكمة؛ فهي خبرة طويلة تُراكِم الانفصال عن الوطن والآخرين حتى تصبح جزءًا من هوية المخاطَب. وبالمثل، لا يظهر الحزن كحالة انفعالية عابرة، بل كرسوب كثيف في الوجدان والذاكرة، يُثقِل الكائن بزمن عاطفي ممتد. النتيجة أن المخاطَب يُقدَّم كذات «مُسنّة» في ألمها واغترابها، ما يضفي على النص منذ البدء طابعًا تأمليًا وجوديًا.
«جليس اللا أحد» قراءة وجودية ولغوية
يقوم الشطر الثاني على مفارقة دقيقة: لفظة «جليس» تفترض حضور رفقةٍ وأُنس، غير أن المضاف إليه «اللا أحد» ينقض هذا الافتراض بتحويله إلى نفيٍ راديكالي للحضور الإنساني. لسنا أمام «وحيد» بمعناه المتعارف، بل أمام ذاتٍ تجلس في حضرة الفراغ، حيث يغدو العدم شريكًا صامتًا. بهذه الصياغة، تتحوّل العزلة من مجرّد نقص في العلاقات إلى علاقة حميمة مع الغياب نفسه، وتفتح عبارة «جليس اللا أحد» أفق قراءة وجودية تجعل من الوحدة نمطَ كينونةٍ لا مجرد حالة اجتماعية.
البعد التداولي والتمهيد السردي للمطلع
من منظور تداولي، يحدّد هذا المطلع أفق التلقّي منذ اللحظة الأولى؛ إذ يدعو القارئ إلى مواجهة ذاتٍ مشروخة، منفيّة على مستوى الوجود لا الجغرافيا فقط، ويضعه في موقع الشاهد على معاناتها. كما ينهض بدور تمهيدي لمسارٍ تحويلي سيتخذه النص لاحقًا: فما يُقدَّم هنا ليس حالة منجزة بل نقطة بداية لمسار ينتقل فيه المخاطَب من «الطاعن بالغربة والحزن» و«جليس اللا أحد» إلى كائنٍ تتكثّف هويته في «تراتيل يقين»، أي من تفكّك الهوية إلى إعادة بنائها لغويًا وروحيًا.
عناصر بلاغية دالّة على أفق القصيدة
النداء بوصفه آلية لرفع المخاطَب إلى مستوى الرمز.
الاشتقاق التصويري في «الطاعن بالغربة» الذي يربط بين الزمن البيولوجي والزمن الوجداني.
المفارقة بين «جليس» و«اللا أحد» كوسيلة لإبراز تناقض التجربة الوجودية.
الإيقاع والوقفة بين الشطرين، بما تعكسه من شعور بالفراغ والتعليق.
خلاصة
يفتح المطلع بوابة القصيدة على ذاتٍ مثقلة بالغربة والحزن، ويحوّل العزلة إلى علاقة حميمة مع العدم. النداء والتراكيب التصويرية لا يقدّمان حالة ثابتة، بل يمهّدان لمسار ترتيلي تحوّلي: من «الطاعن بالغربة» و«جليس اللا أحد» إلى حاملٍ لتراتيل قد تصوغ يقينًا جديدًا داخل اللغة والذاكرة.
بورتريه المنفى بين القلق والأماني واللا‑بلد
يا نديمَ القلقِ الوحشيِّ، ناطورَ الأماني، ونزيلَ اللا بلدِ
يمكن قراءة هذا البيت استكمالًا لبناء صورة المخاطَب عبر سلسلة ألقاب تشكّل معًا بورتريهًا وجوديًا مركّبًا.
أولًا: يا نديمَ القلقِ الوحشيِّ — يمنح الشاعر المخاطَب صفة الألفة (النديم)، لكنه يقترن هنا بـ«القلق الوحشي» فتتحول الألفة إلى علاقة مع اضطراب مفترس؛ القلق لا يبقى حالة عابرة بل شريك حياة، فتتبدّل رغبة الأنس إلى تعايش دائم مع اضطراب لا يهدأ.
ثانيًا: ناطورَ الأماني — ينتقل الخطاب من الحقل النفسي إلى حقل التوق والانتظار؛ الناطور حارس لا مالك، وبذلك يُصوَّر المخاطَب كحارسٍ لأحلامٍ مؤجلة أو مهدَّدة، يقظ لكنه عاجز عن التملك، ما يعمّق إحساس الحرمان والأمل المعلّق.
ثالثًا: ونزيلَ اللا بلد — ينقل اللقب الأخير الصورة إلى بعدٍ مكاني ووجودي؛ النزيل ضيف طويل الإقامة لا يصبح صاحب بيت، و«اللا بلد» تشير إلى فراغ الانتماء ذاته، فتتضاعف حالة الاغتراب إلى إقامة في «لا-مكان» بينيّ لا وطن فيه ولا بديل.
بهذا التتابع (نديم القلق → ناطور الأماني → نزيل اللا بلد) يبني الشاعر سلمًا دلاليًا يتحرك من الداخل إلى الخارج، ومن النفسي إلى الوجودي: ذات تؤانس قلقها الوحشي، تحرس أمانيها المؤجلة، وتقيم في فضاء بلا وطن. هذه الصورة لا تظل حالة نفسية فردية فحسب، بل تُعرض كبنية للمنفى الوجودي التي ستسعى القصيدة لاحقًا إلى تأويلها أو تجاوزه عبر فعل الترتيل وإنتاج يقينٍ جديد.
الزمن المعلَّق بين «مذبحة الأمس» و«بستان غد»
«يـومـكَ المُـمْـتـدُّ مِـنْ مـذبـحـةِ الأمـسِ إلى بُـسـتـانِ غـدْ»
البنية الزمنية والدلالية
لا يَرِد «اليوم» هنا كوحدة زمنية عابرة، بل كزمنٍ وجوديٍّ ممتد يستوعب الماضي والمستقبل معًا. فصفة «الممتد» تلغي الحدود التقليدية بين الأزمنة، وتحيل الحاضر إلى حالةٍ معلّقة بين قطبين: جرحٍ مؤسِّس ووعدٍ متخيَّل. بذلك يتحوّل اليوم إلى فضاءٍ توتُّري، تنعقد فيه صلةٌ حادّة بين ذاكرة العنف وأفق الأمل.
«مذبحة الأمس» كدلالة تاريخية وتوثيقية
تكتسب عبارة «مذبحة الأمس» بُعدًا توثيقيًا وسياسيًا واضحًا؛ فهي تشير إلى عنفٍ جماعي سابق يشكّل أساسًا لوعيٍ جريح. اللفظة لا تعمل كاستحضارٍ عاطفي فحسب، بل كمرجعٍ تاريخي يثبّت الجرح في الذاكرة الجمعية، ويمنح الحاضر ثقلًا أخلاقيًا وسياسيًا لا يمكن تجاوزه بسهولة، خاصة إذا قُرئت في ضوء المذابح التي استهدفت اليساريين والديمقراطيين في التاريخ العراقي الحديث.
«بستان غد» كاستعارة للأمل والتحقق
في المقابل، تأتي «بستان غد» كاستعارة مركَّزة للخصب والتحقّق؛ فهي ليست مجرد مكانٍ طبيعي، بل صورة مكثّفة لأفقٍ إنساني–سياسي يعد بالاكتمال والعدل والكرامة. البستان هنا رمز لما يمكن أن يولد عن إعادة البناء، ولأملٍ يحتاج إلى رعايةٍ وحراسة كي يغدو واقعًا.
التوتّر الدلالي ووظيفة القصيدة
بين هذين الحدّين — المذبحة الواقعية وبستان الحلم — يتموضع «اليوم» بوصفه حالةَ انتظارٍ ونضالٍ معًا. هذا التوتّر هو ما يبرّر حاجة النص إلى فعلٍ لغوي‑طقسي (الترتيل) لتنظيم المسافة بين الجرح والتحقّق؛ إذ يغدو الترتيل آلية لإنتاج يقينٍ متحوّل أو أملٍ مؤسَّس على الوعي بالألم لا على إنكاره.
ملاحظات أسلوبية
يعمل التركيب المضاد (مذبحة ↔ بستان) كآلية تضادّ دلالي يضخّ طاقة تأويلية في البيت.
الإيقاع والوقفة بين شقّي البيت يسهمان في توليد إحساسٍ بالامتداد والانتظار.
على الرغم من صيغة الخطاب الفردي «يومك»، فإنّ سياق القصيدة يتيح قراءة هذا «اليوم» بوصفه زمنَ جماعةٍ وتيارٍ وتاريخٍ بأكمله، ما يربط بين ذاكرة الشاعر وذاكرة الأمة.

من فقدان الأنوار إلى «الخيمة بلا وتد»: العالم بوصفه فضاءً منزوَع المرجعيات
«دونَ أنوارِ التي باتت تُسمّى نخلةَ اللهِ
وناموسَ المرايا:
خيمةٌ دونَ وتدْ»

يقدّم هذا المقطع صورةً لعالمٍ تزعزعت مرجعياته الصلبة وتضاءلت فاعلية أنواره، فصار الحاضر فيه فضاءً هشًّا معلّقًا. يفتتح الشاعر بالتركيب «دون أنوار»، فيضع الذات في حالة حرمان من مصادر نورٍ مخصوصة هي تلك التي «باتت تُسمّى نخلة الله». الفعل «باتت» يحيل إلى صيرورةٍ رمزية رُفِعت فيها هذه الأنوار، عبر الزمن والخطاب، إلى مرتبة «نخلة الله»؛ أي إلى رمزٍ جمعي متعالٍ يجمع بين جذور النخلة العراقية وثباتها وعطائها، وبين بُعدٍ قيمي يجعل منها مرجعًا أخلاقيًا/سياسيًا مرفوعًا في الوعي، لكنه متراجع الفاعلية في الواقع.
في المقابل، يجمع تركيب «ناموس المرايا» بين «الناموس» بوصفه قانونًا أو نظامًا ضابطًا، و«المرايا» التي تشتغل على الانعكاس والتكاثر. النتيجة هي قانون يقوم أكثر على الصور والتمثّلات منه على أصلٍ ثابت؛ نظام من الخطابات يعيد انعكاس ذاته بدل أن يستند إلى مرجع يقيني فعّال، ما يفضي إلى تشتّت المعنى واضطراب الثقة بالمصدر دون أن يعني بالضرورة انعدامه التام.
تأتي الجملة الختامية «خيمةٌ دون وتد» بوصفها خلاصةً مكثّفة لهذا الوضع: فالخيمة، رمز السكن المؤقّت، لا تستقيم بلا وتد، وغياب الوتد يحوّل المأوى إلى بنية معلّقة بلا ضمان. هكذا تتجسّد حالة اغترابٍ عميقة يتعذّر فيها الاستقرار؛ إذ يعيش الكائن في عالم خفتت فيه الأنوار المرجعية، وتصدّع ناموسه، وتهاوى مأواه الثابت.
وإذا قُرئ هذا المقطع في ضوء ما سبقه من ألقاب («يا نديم القلق الوحشي… ناطور الأماني… نزيل اللا بلد»)، اتّضح أن القصيدة تصعد من رسم بورتريه لذاتٍ مشروخة تعايش قلقها وتحرس أمانيها وتقيم في «اللا بلد»، إلى تشخيص مشهدٍ أوسع لعالمٍ متصدّعة مرجعياته: ذاتٌ بلا وطن مستقرّ في عالمٍ خفتت أنواره وتراجعت فعالية قانونه وتهاوى فيه البيت الآمن. بهذا يتكامل البناء الدلالي من الداخل النفسي إلى الخارج الرمزي، ومن سيرة الفرد إلى صورة كونٍ معلَّق.
في هذا الموضع تحديدًا تتّضح الحاجة إلى فعلٍ ترتيليٍّ قادم: فـ«الخيمة دون وتد» تمثّل لحظة ما قبل الترتيل، أي اللحظة التي يستدعي فيها الفراغ والتصدّع فعلًا لغويًا‑طقسيًا يعيد تثبيت المعنى ويعيد توظيف الرموز المخفوتة. ومن هنا سيظهر «الترتيل» في القصيدة كضرورة لإنتاج يقينٍ جديد، لا عبر إنكار الجرح أو إعلان موت المرجعيات، بل عبر تحويل الجرح ذاته إلى مادة للإنشاد والذاكرة والوعي.
من متاهات البحار إلى جزر اليسر: قراءة في صور الضياع واليقين
وضَـيـاعٌ في مـتـاهـاتِ بـحـار ٍ
يُـسْـرُهـا جـزرٌ
وأمّـا الـعُـسْـرُ والـخُـسْـرُ فَـمَـدّْ


يبني هذا المقطع صورةً لذاتٍ تائهة في فضاء هائل متحوّل؛ ضياعٌ يتوزّع داخل «متاهات بحار»، حيث لا مسار واضح ولا ثبات، بل سيولة ممتدّة تُعقِّد إمكان التثبيت والاتجاه.
أولًا: تفصيل دلالي
«ضياعٌ في متاهات بحار»: المتاهة ترمز إلى فقدان الاتجاه، والبحر إلى الاتساع والسيولة؛ والجمع بينهما يخلق فضاءً وجوديًا بلا حدودٍ واضحة، فيغدو الضياع بنية مكانية–وجودية لا مجرّد شعور عابر، وتفقد الذات مرجعها في عالمٍ سائل.
«يُسرُها جزر»: يُختَزل اليسر في لحظات انحسار مؤقتة؛ فالفترات المريحة تظهر كجزر قصيرة تتيح للذات التقاط أنفاسها، لكنها لا ترقى إلى حالة دائمة أو مستقرّة.
«وأما العسر والخسر فمدّ»: المقابلة تُظهر هيمنة الامتداد السلبي؛ العسر والخسر مرتبطان بالمدّ المستمر، أي بزمنٍ طاغٍ يطول ويتكرّر، فيصبح اليسر استثناءً لا قاعدة.
ثانيًا: البنية الزمنية والوجودية
يقدّم الشاعر زمنًا وجوديًا غير متوازن: اليسر مقطعيّ ومحدود، والعسر ممتدّ ومهيمن. هذا التوزيع يرسّخ شعورًا بأن العالم لا يمنح عدالةً في توزيع المصائر، وأن الذات محكومة بنمطٍ من الخسارة المستمرة مع نوافذ ضيّقة من الفرج، ما يعمّق الحاجة إلى إطار معنوي ينظّم هذه الفوضى.
ثالثًا: الربط بما قبله
يتواصل هذا المقطع مع الألقاب السابقة («نديم القلق الوحشي، ناطور الأماني، نزيل اللا بلد») ومع صورة «الخيمة دون وتد» في توسيع المشهد من الداخل النفسي إلى الخارج الكوني. فإذا كانت الألقاب قد رسمت ذاتًا مشروخة تحفظ الأماني وتقيم في لا‑مكان، فإن هذا البيت يرسم عالمًا واسعًا يضاعف ضياعها: فضاء بحري لا حدود فيه، يسْرُه جزر عابرة ومدُّه عسرٌ وخسرٌ ممتدّان. على هذا النحو، يتكامل البناء الدلالي من الذات المنفيّة إلى كونٍ لا يوفّر لها استقرارًا ولا مرجعية ثابتة.
رابعًا: الإيقاع والوقف
يعمل الإيقاع الصوتي في هذا المقطع كمرآة لحركة المدّ والجزر؛ فامتداد المقاطع في «متاهاتِ بحارٍ» و«العسرِ والخسرِ فمدّ» يقابله تقطّع نسبي في «يُسرُها جزرٌ». الوقفات القصيرة بين الشطور، والفواصل الإيقاعية، تخلق إحساسًا بصعودٍ وانحسار موجي: لحظات تنفّس تشبه انكشاف القاع عند الجزر، تتلوها جُمَل ممتدّة تعكس ضغط المدّ وطول زمن العسر. بذلك يتحوّل الإيقاع من عنصر زخرفي إلى آلية دلالية تُجسّد حالة الامتداد والاختناق والفرج المؤقت.
خامسًا: ربط جزر اليسر بتراتيل اليقين
لا تبقى «جزر اليسر» في النص مجرّد لحظات عابرة، بل تتحوّل إلى مقاطع إيقاعية قابلة للتكرار؛ وهذه المقاطع ذاتها هي التي ستغذّي فعل «الترتيل». بالتكرار والوقف المنظّم تصبح لحظات اليسر وحدات ترتيلية، تعمل كعُقدٍ لغوية تُثبّت معنًى جزئيًا وتؤسِّس لبناء يقينٍ متحوّل داخل اللغة والذاكرة.
«تتحوّل لحظاتُ اليسر إلى مقاطع ترتيلية قابلة للتكرار، فتعمل التراتيل كعُقدٍ إيقاعية تُثبّت المعنى وتنتج يقينًا جزئيًا داخل اللغة والذاكرة.»
جدلية الشهد والحنظل: من المرارة إلى شهد الرغد
«ربَّ شـهْـدٍ في الـهـوى
يُـفـضـي إلى الـحـنـظـل ِ...
والحـنـظـلُ قد يُـفـضـي إلـى
شَـهـدِ الـرَّغـدْ»
يقدّم هذا المقطع صياغة مكثَّفة لجدلية التحوّل في التجربة العاطفية والنضالية؛ فما يبدأ بوصفه «شَهدًا في الهوى» – حلاوة أولى مرتبطة بالحب أو بالإيمان بقضية ما – يمكن أن ينقلب، بفعل الاصطدام بالعنف التاريخي والمجازر التي طالت القوى اليسارية والديمقراطية، إلى «حنظل» مرّ. غير أنّ هذه المرارة لا تُطرَح كنهاية مغلقة، إذ يفتح الشاعر أفقًا معاكسًا: «والحنظل قد يفضي إلى شهد الرغد»، أي إنّ الحنظل ذاته يمكن أن يكون معبرًا إلى حلاوة أخرى أوسع وأعمق. هكذا يُعرَض الزمن النفسي–النضالي في هيئة سلسلة دورانية: شهد → حنظل → شهد أوسع، حيث لا ثبات للحلاوة ولا للمرارة؛ فكلاهما قابل لأن يتحوّل إلى ضده عبر المرور بالاختبار والجرح.
دلالات المفردات ووظيفتها في بنية القصيدة
الشهد: يرمز إلى البدايات النقيّة، إلى لذّة الحب الأول أو حماسة الإيمان بالمبدأ، وإلى الوعد الأخلاقي–الوجداني الذي يفتتح التجربة.
الحنظل: يمثّل المرارة والانكسار الناتجَيْن عن مواجهة الواقع العنيف، وعن المجازر والقمع اللذين تعرّضت لهما القوى اليسارية والديمقراطية، لا عن خيانةٍ ذاتية أو شخصية.
شهد الرغد: لا يشير إلى عودة بسيطة إلى الحلاوة الأولى، بل إلى حلاوة ناضجة مقرونة بالوفرة والاكتمال، هي حصيلة اجتياز المراحل الصعبة والقدرة على إعادة تأويلها.
البعد التأويلي في سياق «ترتيلة اليقين»
يمكن قراءة هذا المقطع بوصفه خلاصة مكثّفة لفكرة القصيدة برمّتها: فاليقين لا يولد من تجارب مستقيمة خالية من التناقض، بل من المرور عبر تقاطعات الشهد والحنظل. في هذا الأفق، يغدو «الترتيل» آلية لغوية–طقسية لإعادة تدوير التجربة؛ إذ يجعل من مرارة الانكسار التاريخي مادةً قابلة للتحوّل إلى يقينٍ أكثر نضجًا، ويحوّل أثر المذبحة والمنفى إلى خطوة في طريق ترسيخ معنًى روحي وأخلاقي أعمق. اليقين هنا لا يُحسَم دفعة واحدة، بل يُصاغ بالتكرار والإنشاد والعودة التأويلية إلى الجرح.
بعد أن رسمت المقاطع السابقة ذاتًا مشروخة وعالمًا بلا وتد، يقدّم هذا المقطع نموذجًا مصغّرًا لآلية التحوّل الداخلي: من شهد البداية إلى مرارة الحنظل الناتجة عن العنف التاريخي، ومن ثم إلى شهد أوسع يُنتَج عبر الترتيل.
خاتمة موجزة
لا يقدّم المقطع تأمّلًا وجدانيًا فحسب، بل يرسم خريطة عملية لصيرورة اليقين: طريقٌ يمرّ بشهد الأحلام الأولى وحنظل الانكسار التاريخي على نحوٍ دائري، حيث يصبح الألم شرطًا ممكنًا لصياغة يقينٍ لغوي–روحي أكثر متانة واتزانًا.


من «الطاعن بالعشق» إلى «تراتيل اليقين»: اكتمال التحوّل من الجسد إلى الروح
«أيها الطاعنُ بالعشقِ البتوليِّ التراتيلِ…
الشريدُ السومريُّ… الحاسرُ القلبِ:
كفى أنك بتَّ اليومَ روحًا
وتراتيلَ يقينٍ
بعدما كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»
يختتم الشاعر نصّه بلحظة كشفٍ هُويّاتي تُعلن اكتمال المسار الذي سارت فيه القصيدة. يعود النداء في صيغة «أيها» مثقَّلًا بصفاتٍ تؤسِّس صورةً مركّبة للمخاطَب.
أهم هذه الصفات: «الطاعن بالعشق». هنا لا يدلّ الطعن على التآكل أو الضعف، بل على الاستمرار في العشق رغم مرور الزمن؛ فهو شاهد على حيويةٍ لم تنطفئ، وعلى وفاءٍ طويل الأمد لقضية أو فكرة آمن بها الشاعر وجيله. العمر لا يُضعف العشق، بل يضاعف عمقه وصلابته الأخلاقية.
وصف العشق بـ«البتولي» يمنحه طابعًا نقِيًّا وقيميًّا؛ فهو عشق غير نفعي، متحرر من المصالح المباشرة، أقرب إلى التكرّس المبدئي للفكرة. وإضافة «التراتيل» تجعل من هذا العشق فعلًا طقسيًا‑لغويًا: لا يُعاش فحسب، بل يُنشَد ويُرتَّل، بما يحوِّله إلى ممارسة روحية وجماعية في آن.
تتوالى الألقاب لتثبيت هويّة تاريخية ونفسية: «الشريد السومري» يمدّ الذات بجذور حضارية عميقة؛ فالاغتراب الفردي يُرى امتدادًا لتاريخٍ طويل من النكبات الرافدينية، لا حادثة معزولة في الحاضر. أمّا «الحاسر القلب» فيعلن عن قلبٍ مكشوف بلا درع، مستعدٍّ للجرح والصدق معًا؛ قلبٍ لا يحتمي بالتورية أو البرود، بل يواجه العالم بعرائه العاطفي والأخلاقي.
يتجلّى التحوّل النوعي في المقابلة بين:
«كنتَ كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»
«بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين».
في الشطر الأول، تُختزَل الذات في حقل الحسّ واللذة والجسد:
الكؤوس = بهجة السهر والشراب؛
السرير = الحب الجسدي والحميمية؛
الجسد = الحضور المادّي المباشر.
لا يُبخِّس الشاعر هذه المرحلة، لكنه يضعها في طورٍ كانت فيه التجربة متمركزة حول الجسد ومسرّاته ومشاركه.
في المقابل، يعلن الشطر الثاني انتقال الذات إلى طورٍ روحي‑لغوي:
«روحًا وتراتيل يقين». لا يعني هذا هروبًا من الجسد، بل إعادة ترتيبٍ للأولويات؛ إذ تُستعاد التجربة الجسدية وما انطوت عليه من لذة وألم لتغذّي مستوى أعلى من الوعي، هو مستوى الروح والإنشاد واليقين. «تراتيل اليقين» ليست يقينًا عقائديًا جامدًا، بل حصيلة مسار طويل عبر الغربة والمذبحة والبحر والحنظل والشهد؛ يقين يُصاغ من التجربة لا من الوصفة، ويتجلّى في هيئة تراتيل لا في بيانات.
هذا الختام يربط البنية السابقة كلّها: الذات «الطاعنة بالغربة والحزن»، «نديم القلق»، «ناطور الأماني»، «نزيل اللا بلد»، العالم بوصفه «خيمة دون وتد»، حركة المدّ والجزر، وجدلية الشهد والحنظل. الترتيل هنا ليس ترفًا زخرفيًا، بل آلية تحويلية؛ فـ«جزر اليسر» التي ظهرت كلحظات تنفّس وسط مدّ العسر تتحوّل، عبر التكرار والإنشاد، إلى مقاطع ترتيلية تُثبّت المعنى وتنتج يقينًا لغويًا‑روحيًا. هكذا يُغلق النصّ دائرته بتحوّلٍ من الجسد إلى الروح، ومن التجربة الحسية إلى الترتيل كصيغة لإنتاج يقين ناضج؛ يقينٍ لا يُمنَح من خارج التجربة، بل يُصاغ عبر الوفاء الطويل للعشق والفكرة، وعبر المرور بالشهد والحنظل معًا.
جملة جاهزة للنسخ داخل الفقرة:
«الطاعن بالعشق» عند السماوي لا يعني تراجعًا بفعل الزمن، بل شهادة على حيوية مستمرة ووفاء للفكرة؛ رغم مرور السنين يظلّ المخاطَب متشبّثًا بمبدئه ومؤمنًا به، فيتحوّل العمر إلى تعميقٍ للعشق لا إلى نقيضٍ له.

البعدان النفسي والسياسي في ضوء تحليل الأبيات

يكشف تحليل الأبيات، من النداء الافتتاحي: «أيها الطاعن بالغربة والحزن / جليس اللا أحد»، إلى الخاتمة: «كفى أنك بتَّ اليوم روحًا وتراتيل يقين بعدما كنت كؤوسًا وسريرًا وجسدًا»، عن تداخلٍ عميق بين البنية النفسية والبنية السياسية في «ترتيلة اليقين».
على المستوى النفسي، تتشكّل صورة المخاطَب كذاتٍ تعيش منفى داخليًا حادًّا، يتجلّى في مفردات الغربة المزمنة («الطاعن بالغربة والحزن»)، والعزلة القصوى («جليس اللا أحد»)، والضياع في «متاهات بحار»، والعطب الكوني الذي يصيب الشمس والنجوم («مطفأ الشمس… وجفن النجم يشكو من رمد»). هذا العالم يُرى سكنًا هشًّا («خيمة دون وتد») وزمنًا غير متكافئ في توزيع اليسر والعسر («يُسرها جزر وأما العسر والخسر فمدّ»)، وهو ما يرسّخ شعورًا وجوديًا بالقلق واللااستقرار، وحاجةً ملحّة إلى نوعٍ من اليقين ينظّم هذا الاضطراب.
غير أن القصيدة، في مقطع «ربَّ شهدٍ في الهوى / يفضي إلى الحنظل… والحنظل قد يفضي إلى شهد الرغد»، تعيد تعريف الخبرة الشعورية من خلال جدلية الشهد والحنظل. فانتقال الشهد إلى حنظل لا يُقرأ كانتكاسٍ نهائي أو سقوطٍ مطلق، بل كمرحلة انكسار ووجدان حداد؛ الحنظل هنا تمثيلٌ لوعي الجرح والمرارة التي تفرض إعادة تقييم الذات والمشروع، لا إعلانًا عن موت نفسي أو روحي. وعلى المستوى النفسي، يشير ذلك إلى أن الألم – مع شدّته – جزء من مسار نضج الوجدان، وأن المرور بالمرارة شرطٌ لإمكان تبلور يقينٍ أكثر توازنًا.
على المستوى السياسي، تنفتح هذه البنية النفسية على أفقٍ تاريخي واضح المعالم؛ إذ تحيل «مذبحة الأمس» إلى ذاكرة القمع الذي طال القوى اليسارية والديمقراطية في العراق، ويُستعاد المنفى في صيغة «نزيل اللا بلد»، بينما تتجسّد أزمة المرجعيات في صورة «أنوارٍ باتت تُسمّى نخلة الله» و«ناموس المرايا»، بما يشير إلى تحوّل القيم والأحزاب والأحلام الكبرى إلى رموز عليا مهدَّدة بالعجز عن الفعل. في هذا السياق، يمكن قراءة «الحنظل» أيضًا كتعبير عن تراجعٍ مؤلم في الفاعلية السياسية أو في الأمل التاريخي؛ هو لحظة خيبة وانكسار للمشروع لا تعني، في منطق القصيدة، انهياره النهائي، بل طورًا من الضعف يُمَهِّد لإعادة بناء رمزية أو استراتيجية جديدة.
تُسند القصيدة إلى «الترتيل» وظيفة محورية في آلية هذا التحوّل؛ فالتراتيل، بما تنطوي عليه من تكرار وإيقاع وإنشاد جماعي، تعمل كآلية لغوية‑طقسية لتحويل مرارة الحنظل إلى معنى قابل للوراثة، ومن ثمّ إلى «شهد الرغد» بوصفه حلاوةً ناضجة لا تعود إلى براءة البداية بل تتشكّل من داخل التجربة الجريحة نفسها. بهذا المعنى، يتحوّل الشهد→حنظل→شهد أوسع إلى نموذج لصيرورة اليقين: «تحول الشهد إلى حنظل يشير إلى انكسار ووجدان حداد لا إلى انهيار نهائي؛ هو تراجع مؤلم يُجبر على إعادة التقييم، والقصيدة تؤكد أن هذه المرارة قابلة لأن تُستثمر عبر الترتيل لتتحول بدورها إلى شهدٍ أعمق ونضج يقيني.»
في ضوء ذلك، يمثّل المسار الذي ترسمه الأبيات – من «نديم القلق الوحشي» و«نزيل اللا بلد» إلى «الطاعن بالعشق البتولي التراتيل» و«الروح وتراتيل اليقين» – حركة انتقال من طور الحضور الجسدي واليومي للحزب/الذات (الكؤوس، السرير، الجسد) إلى طور الحضور الرمزي–الروحي (الروح، التراتيل، اليقين). وهكذا يتأسّس «اليقين» في القصيدة لا كمعطى عقائدي ثابت، بل كحصيلة لمسار نفسي–سياسي طويل، تُعاد فيه صياغة الجرح والمنفى والخسارة في هيئة ترتيلةٍ قابلة للإنشاد والتوريث، أي بوصفها شكلًا من أشكال المقاومة الرمزية ضد التفكّك والعدم، واستثمارًا للمرارة في إنتاج شهدٍ أوسع وأعمق.

الخاتمة:

تقدّم قصيدة «ترتيلة اليقين» ليحيى السماوي نصًّا يقوم على جدلية دقيقة بين النفسي والسياسي، وبين الفردي والجماعي، بحيث يتعذّر الفصل بين سيرة الذات المنفية وسيرة الحزب/التيار والذاكرة الوطنية المثقلة بالمجازر والانكسارات. فمن خلال بنية تصويرية ترتكز إلى الغربة و«اللا بلد» و«الخيمة دون وتد» و«متاهات البحار» والعطب الكوني («مطفأ الشمس، رمد جفن النجم»)، يرسم الشاعر ملامح عالم فقد جانبًا كبيرًا من استقراره الرمزي والأخلاقي، ويجسّد في الوقت نفسه حالة وعيٍ جمعي مأزوم عاش القمع والمنفى وتعطّل الحلم.
مع ذلك، لا تقف القصيدة عند حدود تشخيص الخراب، بل تنفتح – عبر صور السعف والبيت والظل والمدد، وعبر جدلية الشهد والحنظل – على إمكانية تحويل الخسارة والانكسار إلى رصيد معنوي ورمزي يمكن استثماره في إعادة بناء المعنى. فتحوّل الشهد إلى حنظل لا يُقدَّم كانتكاسٍ نهائي، بل كمرحلة وجعٍ و«وجدان حداد» تفرض إعادة التقييم؛ والحنظل نفسه يُطرَح بوصفه قابلًا لأن يفضي، عبر الترتيل، إلى «شهد الرغد»، أي إلى حلاوة ناضجة تُستخلص من صلب التجربة الجريحة. هكذا تقرأ القصيدة انطفاء الأنوار كنتيجة للمذابح والتاريخ العنيف، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن المبادئ لم تمت، بل يُعاد استثمار مرارة الواقع ترتيليًا لتوليد يقين جديد.
في هذا الأفق، يغدو «اليقين» الذي يَعِد به العنوان يقينًا متحوّلًا لا عقيدة منجَزة؛ فهو ثمرة مسار طويل من التعرّض للجرح وتأويله، ينتقل فيه المخاطَب من طور الحضور الجسدي واليومي («الكؤوس، السرير، الجسد») إلى طور الحضور الرمزي–الروحي («الروح وتراتيل اليقين»)، حيث تتحوّل التجربة الحسيّة والتاريخية – بما فيها من شهدٍ أول وحنظلِ انكسار – إلى مادة للإنشاد والترتيل. وهكذا تنجح القصيدة في أن تحوّل التجربة النفسية الفردية إلى مرآةٍ لوعي سياسي وتاريخي أوسع، وأن تجعل من «الترتيل» فعلًا شعريًا ونفسيًا للمقاومة ضد العدم، ومن «اليقين» أثرًا لغويًا وروحيًا لتجربة نضال لم تستسلم للهزيمة، بل أعادت صوغ ذاتها في هيئة يقينٍ يُرتَّل ويُورَّث ويظل مفتوحًا على التأويل والاستمرار.
«الانكسار هنا مرحلة لا حكمًا؛ والمأساة تُنتِج عبر الترتيل يقينًا متحوّلًا، فتظلّ الفكرة حيّة رغم تراجع البنى السياسية.»



#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جماليات الاحتفاء وبنية المعنى: مقاربة بنيوية–سيميائية–نفسية ...
- الجسد بوصفه ذاكرة: قراءة بنيوية – سيميائية – نفسية في رباعيا ...
- حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة الم ...
- حلبجة: صرخة من السليمانية
- ازدواجية المعايير وصراع النفوذ: لماذا يتصاعد التوتر الأمريكي ...
- الاحتراق الدلالي وتمثّلات الوجع الجمعي في ومضة يحيى السماوي
- تفكيك روژآفا وإعادة هندسة الدولة: كيف تُدار القضية الكردية ع ...
- العشق المقدّس للكلمة بين النور والظلام: قراءة بنيوية‑سي ...
- عودة المالكي في زمن الأزمة: هل يحتمل العراق إعادة تدوير الما ...
- -غَمٌّ وسَأمٌ-: دراسة نقدية متعددة المناهج في شعر جواد غلوم
- الزمن المؤجَّل واكتمال الوجود قراءة نقدية في قصيد -يومان في ...
- -اللحاف المنسوج-: مقاربة سيميائية وبنيوية في بنية الوجع وتمث ...
- الهويّة والمدينة في شعر عبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - س ...
- قصة قصيرة.. فجر في مدينةٍ مخنوقة
- حاجي ژن.. حين تغدو المرأة وطناً يُؤوي الأرواح
- بين الرغبة والتمرد: قراءة بنيوية وسيميائية ونفسية ونسوية لقص ...
- من الغزل إلى الالتزام: الحبيبة كقناع للوطن والفكر: في قصيدة ...
- الشوق والغياب في رباعية الشاعر القدير يحيى السماوي: قراءة نق ...
- قالوا: تدلّل! قلتُ: لا! - الشعر كفعل مقاومة أخلاقية دراسة ما ...
- الألم و العشق والفناء والخلود: مقاربة وطنية وفلسفية لومضة يح ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - سهيل الزهاوي - الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة -ترتيلة اليقين- ليحيى السماوي