|
|
من فتنة القراءة إلى فيض الكتابة دراسة في البنية والدلالة في قصيدة «في الليل والكتاب» لعبد الستار نور علي
سهيل الزهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 14:12
المحور:
الادب والفن
مقدمة يحوّل عبد الستار نور علي في قصيدة «في الليل والكتاب» سؤالًا معرفيًا عن العلاقة بين القراءة واليقين إلى أحداث وصور: كتاب ينادي، وفصول تتوالى، ومصباح يمنح مفاتيح، ورأس يسكب ماء العين في كؤوس الكلمات. وتتيح هذه الحركة قراءة القصيدة بوصفها تأملًا في أثر المعرفة على الذات، وفي نشأة الكتابة من الحيرة والانفعال. فالفكرة التي يمكن عرضها في مقالة بصيغة استدلالية تتشكل هنا بالتشخيص والاستعارة والتناص، وتظل دلالتها مرتبطة بما تقوله الصور وما تتركه مفتوحًا للتأويل. تندرج القصيدة في منحى تأملي يجعل المشهد والصورة مجالًا للتفكير في المعرفة. وتعتمد هذه الدراسة قراءة نصية دلالية تتتبع تعاقب الأفعال والصور، وتستعين بالتحليل البلاغي والتناص لبيان وظيفة الإشارات الثقافية في سياقها الشعري. كما تقف عند حدود ما يسنده النص، فتميّز بين دلالة العبارة وما يتيحه تأويلها. وتنطلق من فرضية أن تعذّر العثور على «فصل الخطاب» لا ينتهي بالذات إلى العجز عن القول، بل يفتح طريقًا تتشكل فيه الكتابة من أثر القراءة والحيرة والانفعال. نص القصيدة (1) في الليلِ ناداني الكتابُ وفتَّحَ الأبواب، قالَ: «هيتَ لكْ»! أسرعْتُ.. ملهوفاً إليهِ، دخلْتُ فصلاً.... بعدَ فصلٍ.... بعدَ فصلٍ.... بعد..... لم أجدْ.. «فصلَ الخطابِ»؛ حتى أضعْتُ وفي غيابي بينَ طيَّاتِ الحسابِ رقمَ السُّؤالِ، رقم الجوابِ، لكنَّ «مصباحَ ديوجينوسَ» أهداني القرارَ، وسلَّمَ عنْ طيبِ خاطرِهِ مفاتيحَ الجوابِ، فنمْتُ.... والأبوابُ مُشرعَةٌ، وفي أيدي الليالي.. كانَ رأسي (جَرَّةً)، تسكبُ ماءَ العينِ في كؤوسِ جُلَّاسي: منَ الأقلامِ والأوراقِ والكلماتِ عشّاقِ الشَّرابِ.... أولًا: العنوان وعتبة الدخول إلى التجربة يجمع عنوان «في الليل والكتاب» بين زمن القراءة وموضوعها، لكنه لا يكتفي بتعيينهما. فحرف الجر «في» يربط الليل بالكتاب في علاقة احتواء: توجد الذات في زمن الليل، وتدخل مجازًا في عالم الكتاب. ويسند النص هذا الانتقال المكاني حين يقول الشاعر: «دخلت فصلاً»، فيغدو الفصل حيزًا يُعبر، لا مجرد وحدة من وحدات التأليف. ويتوزع طرفا العنوان في المطلع على وظيفتين واضحتين: الليل ظرف اللقاء، والكتاب فاعل النداء. ثم تتبدل دلالتهما مع تقدم القصيدة؛ فالكتاب يفتح أبوابه لكنه لا يمنح الذات «فصل الخطاب»، والليل لا يظل إطارًا ساكنًا، بل يعود في صورة «الليالي» ذات الأيدي. ويشير الانتقال من المفرد إلى الجمع إلى امتداد التجربة وآثارها، فيما يهيئ اقتران الليل بمصباح ديوجينوس توترًا بين الحيرة وإمكان الاهتداء. وهكذا لا يقوم العنوان على مقابلة جاهزة بين ظلام الليل ونور الكتاب. إنه يضع الذات عند ملتقى زمن التأمل وعالم المقروء، ثم تتيح القصيدة تتبع ما يحدث لها بين الدخول إلى الفصول وتحول أثر القراءة إلى مادة للكتابة. ويغدو العنوان، بهذا المعنى، عتبة لحركة النص لا خلاصة مسبقة لنتيجتها. ثانيًا: تشخيص الكتاب وفتنة الدعوة تتجسد العلاقة التي يقترحها العنوان منذ المطلع؛ إذ يحتضن الليل اللقاء بين الذات والكتاب، بينما يتقدم الكتاب بوصفه الطرف المبادر إلى إنشائه: «في الليلِ ناداني الكتابُ وفتَّحَ الأبواب، قالَ: "هيتَ لكْ"!» يتقدم الكتاب في هذا المشهد بوصفه فاعلًا؛ فهو الذي ينادي ويفتح ويتكلم، بينما تظهر الذات أولًا في موقع المتلقي. ويؤدي التشخيص هنا وظيفة تتجاوز الزينة البلاغية، إذ يعيد توزيع المبادرة بين القارئ والمقروء: ليست الذات وحدها من يختار الكتاب، بل يبدو الكتاب كأنه يختار قارئه ويستدعيه إلى عالمه. وهكذا تتحول القراءة من فعل تمارسه الذات على موضوع صامت إلى علاقة تفاعلية يكون فيها للمقروء حضور مؤثر. وتنسجم صيغة «فتَّح» مع جمع «الأبواب»، بما توحي به من تعدد المداخل واتساع حركة الفتح. وتحوّل هذه الصورة الكتاب إلى فضاء قابل للدخول والاستكشاف، ممهدةً لقول الشاعر لاحقًا: «دخلت فصلاً». غير أن تعدد الأبواب لا يثبت بمفرده موقفًا فلسفيًا من الحقيقة، وإنما يكتسب دلالته من مسار القصيدة، حيث تتكاثر الفصول ويصعب الوصول إلى القول الحاسم. ويبلغ تشخيص الكتاب ذروته حين يُمنح صوتًا يقول «هيت لك»؛ فتكتسب دعوته طاقة الانجذاب التي تكشف عنها استجابة الذات. أما تحول العبارة من سياقها القرآني إلى سياق القراءة فيُبحث في مبحث التناص. وتأتي استجابة الذات متوافقة مع قوة النداء: «أسرعْتُ.. ملهوفاً إليهِ،» يجمع الفعل «أسرعت» والحال «ملهوفًا» بين الحركة والانفعال، فتخرج القراءة من صورتها الإجرائية إلى تجربة يحكمها الشغف. ويؤسس هذا الاندفاع للتوتر الذي ستطوره القصيدة بين الرغبة في بلوغ المعرفة وصعوبة الوصول إلى جواب حاسم؛ فما يبدأ بانفتاح الأبواب لا يفضي بالضرورة إلى وضوح الطريق، بل قد يكون بدايةً لمغامرة تتداخل فيها لذة الاكتشاف بقلق السؤال. ثالثًا: من تتابع الفصول إلى أزمة السؤال والجواب يتجسد الدخول إلى عالم الكتاب في قول الشاعر: «دخلْتُ فصلاً.... بعدَ فصلٍ.... بعدَ فصلٍ.... بعد.....» تحوّل الاستعارة المكانية الفصلَ من وحدة كتابية إلى حيز تعبره الذات. ويسهم تكرار «بعد فصل» في تمثيل تتابع القراءة وامتدادها، بينما يترك انقطاع العبارة عند «بعد» الحركة معلّقة من دون تعيين محطة تالية. وتشارك الوقفات والنقاط المتتابعة في تشكيل هذا الأثر؛ فهي تمنح التتابع زمنًا محسوسًا، وتتيح قراءة الانقطاع بوصفه علامة على الاستغراق أو الإنهاك أو استمرار المسار خارج حدود العبارة. ولا يقتضي هذا التكرار حركة دائرية بالضرورة؛ فالأقرب أنه يصوّر تعاقبًا تتأخر نهايته. وتنشأ الأزمة حين لا يفضي تراكم الفصول إلى ما تنتظره الذات: «لم أجدْ.. "فصلَ الخطابِ"» تنبني المفارقة على إعادة توظيف لفظ «الفصل»: فهو أولًا جزء من الكتاب، ثم يصبح في تركيب «فصل الخطاب» دالًا على التمييز والحسم. وبين الاستعمالين تتكشف المسافة بين كثرة المقروء والقدرة على بلوغ قول يفصل في السؤال. ويمنح الصدى القرآني للعبارة هذا الطلب ثقلًا إضافيًا، من غير أن يحصرها في معنى واحد. ومن المهم التمييز بين حدود التجربة ونتيجة فلسفية عامة؛ فقول الذات «لم أجد» يثبت تعذّر العثور في رحلتها، ولا يثبت بذاته استحالة الحقيقة أو انتفاء اليقين على نحو مطلق. وتنبع قوة المقطع من إبقاء هذا التوتر مفتوحًا، لا من تحويله إلى تقرير نظري محسوم. ثم يتعمق الاضطراب في قول الشاعر: «حتى أضعْتُ وفي غيابي بينَ طيَّاتِ الحسابِ رقمَ السُّؤالِ، رقم الجوابِ،» لا تعود المشكلة غياب الجواب وحده، بل فقدان العلامات التي تنظّم العلاقة بين السؤال والجواب. ويمكن فهم «الرقم» هنا بوصفه وسيلة للتعيين والترتيب، يصبح ضياعها دليلًا على تعثر الاهتداء داخل المقروء. أما «طيّات الحساب» فتجمع بين صورة الانثناء والاحتجاب وبين مجال يوحي بالضبط والتقدير؛ وبذلك ينشأ توتر بين نظام مفترض وتجربة لا تتمكن الذات من السيطرة عليها. ولا يلزم من هذا التصوير أن تكون القصيدة إدانة للرقم أو للعقل الحسابي؛ فالأوضح نصيًا أنها تمثل أزمة الذات في متابعة مسارها. ويضاعف تعبير «في غيابي» هذه الأزمة، إذ يحتمل الاستغراق في القراءة بقدر ما يحتمل انحسار الوعي بما يحيط بها. هكذا تنتقل اللهفة الأولى إلى تجربة تفقد فيها الذات وضوح الطريق، وربما وضوح الغاية التي انطلقت نحوها. رابعًا: التناص الديني والفلسفي وإعادة توجيه الدلالة تنتظم الإشارات الثقافية في القصيدة داخل شبكة تناصية تؤثر في حركة المعنى. فعبارة «هيت لك» تستدعي قول امرأة العزيز في قصة يوسف، حيث ترد في سياق تغليق الأبواب؛ أما في القصيدة فينطق بها كتاب «فتّح الأبواب».(2) تستدعي العبارة نبرة الدعوة والإغراء في مرجعها القرآني، ثم يعيد السياق الشعري توجيهها نحو الانجذاب إلى الكتاب والقراءة. ويقلب النص صورة الأبواب المغلقة في الآية إلى أبواب يفتّحها الكتاب؛ فتتغير وظيفة العبارة بتغير المتكلم والمخاطَب وفضاء الدعوة. وتستدعي عبارة «فصل الخطاب» ورودَها في القرآن، في قوله: «وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَاب ».(3) ويمنحها تجاورها مع فصول الكتاب في القصيدة ازدواجًا دلاليًا بين الجزء المقروء والقول الحاسم، كما بيّن تحليل حركة الفصول. أما «مصباح ديوجينوس» فيحيل إلى الحكاية التي تروي إيقاد ديوجينوس قنديلًا في النهار بحثًا عن إنسان.(4) وتتحدد وظيفة هذه الإحالة في القصيدة حين يتدخل المصباح في مسار الذات من الضياع إلى «القرار». خامسًا: مصباح ديوجينوس وحدود الاستبصار تدخل القصيدة منعطفها التالي بأداة الاستدراك: «لكنَّ "مصباحَ ديوجينوسَ" أهداني القرارَ، وسلَّمَ عنْ طيبِ خاطرِهِ مفاتيحَ الجوابِ،» تكتسب الحكاية، بعد انتقالها إلى ليل القصيدة، وظيفة جديدة: فالقنديل الذي ارتبط بالبحث عن الإنسان في وضح النهار يغدو علامةً تساعد الذات على فحص حيرتها وطلب وجهة للسؤال. وهذا توجيه شعري للإحالة، لا تقرير عن فلسفة ديوجينوس بمجملها. ولا تكمن فاعلية الإحالة في التعريف بشخصية الفيلسوف، بل في إدخال نمط آخر من البحث إلى التجربة. فبعد تعاقب الفصول واضطراب السؤال والجواب، يظهر المصباح بوصفه وسيطًا يمنح الذات «القرار». وتحتمل الكلمة معنى الاستقرار والطمأنينة، كما تحتمل معنى الحسم واتخاذ الموقف، ويظل السياق متسعًا لهذه الدلالات من دون ضرورة لاختزالها في واحدة. ويستمر التشخيص في الأفعال والصفات المسندة إلى المصباح؛ فهو يهدي ويسلّم «عن طيب خاطره». وبذلك ينتظم مع الكتاب داخل عالم تتبادل فيه الأشياء أدوار المخاطبة والعطاء. أما «مفاتيح الجواب» فتستعيد شبكة الأبواب التي تأسست في المطلع. والمفتاح ليس مطابقًا لما يفتحه؛ لذلك تتيح الصورة التمييز بين امتلاك جواب مصوغ وامتلاك وسيلة للوصول إليه. لكنها لا تلغي دلالة الانفراج التي يحملها المقطع؛ فالذات تنال ما يعينها على التعامل مع السؤال، من غير أن يكشف النص عن مضمون جواب نهائي. ومن الناحية البنائية يأتي المصباح في موضع التحول: تسبق ظهوره فصول متوالية وضياع علامتَي السؤال والجواب، وتليه «مفاتيح الجواب» والنوم ثم فيض الصورة الختامية. لذلك يتجاوز دوره الإحالة الفلسفية إلى وصل تجربة القراءة المتعثرة بإمكان التعبير عنها. ويمكن فهم «القرار» بوصفه استعادة اتجاه أو قدرة على اتخاذ موقف، لكن القصيدة لا تحدد مضمون هذا القرار، ولا تثبت أن الذات امتلكت جوابًا نهائيًا أو أعادت تنظيم أسئلتها بصورة مكتملة. سادسًا: النوم والأبواب المشرعة يعقب هذا الانفراج قول الشاعر: «فنمْتُ.... والأبوابُ مُشرعَةٌ،» تربط الفاء النوم بما سبقه، فتجعله نتيجة محتملة للقرار الذي نالته الذات. وعلى هذا المستوى، يمكن قراءته بوصفه استراحة بعد لهفة وتيه. لكن الجملة الحالية «والأبواب مشرعة» تمنع الاستراحة من أن تتطابق مع الإغلاق؛ فالعالم الذي فتحه الكتاب يظل مفتوحًا حتى حين تتوقف الذات عن فعل القراءة الواعي. وتحقق عودة الأبواب تماسكًا بين المطلع وهذا الموضع المتأخر من القصيدة. ففي البداية كان الفتح فعلًا أحدثه الكتاب، أما هنا فقد صار حالة مستمرة. وهذه العودة لا تعني تكرار الوضع الأول؛ إذ تغيرت الذات خلال الرحلة، وانتقلت من انتظار المعرفة إلى الاستعداد لتحول آخر يتجسد في الصورة الختامية. كما يتيح النوم قراءة المشهد التالي على تخوم الحلم، من غير الجزم بأنه وصف لحلم فعلي. وتكمن أهميته البنائية في أنه يصل بين مسار القراءة ومشهد الكتابة عبر انتقال لا يخضع تمامًا للمنطق الواقعي. سابعًا: الرأس جرّةً وتحول التجربة إلى كتابة تتجمع صور القصيدة في ختامها حول مشهد مغاير: «وفي أيدي الليالي.. كانَ رأسي (جَرَّةً)، تسكبُ ماءَ العينِ في كؤوسِ جُلَّاسي: منَ الأقلامِ والأوراقِ والكلماتِ عشّاقِ الشَّرابِ....» تستهل الصورة بتشخيص الليالي، إذ يمنحها الشاعر أيديًا تحمل الرأس أو تتصرف به. وينقل الجمع التجربة من «الليل» المفرد في المطلع إلى امتداد زمني أرحب، كأن أثر القراءة يتجاوز لحظته الأولى ويواصل تشكله عبر الليالي. ثم تقوم الصورة على تشبيه الرأس بالجرّة، فيصير مركز التفكير وعاءً قابلًا للامتلاء والسكب. وتكتسب التجربة بذلك جسدًا وحركة بدل أن تظل فكرة مجردة. ويأتي «ماء العين» ليصل هذا الوعاء بمصدر وجداني. فالدمع، الذي يوحي به السياق، هو الدلالة الأقرب للعبارة. أما الرؤية والبصيرة فظلال تأويلية تستدعيها صلة العين بالإبصار، وليستا مرادفين مباشرين لـ«ماء العين». وتتيح الصورة، بهذا التداخل، فهم المعرفة بوصفها خبرة تعبر الإحساس وتترك أثرًا في الذات قبل أن تصير كتابة. وتتضح وجهة السكب حين يكشف النص هوية الجلّاس: الأقلام والأوراق والكلمات. فهذه العناصر لا تظهر أدوات محايدة، بل كائنات تشارك في مجلس، وتستقبل شرابًا وتعشقه. ويعيد هذا التشخيص الأخير ترتيب علاقة الذات باللغة؛ فإذا كان الكتاب قد بادر في المطلع إلى النداء وفتح الأبواب، فإن الذات تصبح في الختام مصدرًا يمنح أدوات التعبير مادتها. وتنشأ بذلك حركة تبادل: تدخل الذات عالم الكتاب، ثم تدخل خلاصة تجربتها عالم الكتابة. ويمكن أن تُقرأ الجرّة وهي تسكب الدمع في كؤوس الأقلام والأوراق والكلمات بوصفها صورةً لنشأة النص من الأثر الوجداني للبحث. وما تعذر تحصيله في صورة «فصل الخطاب» يتخذ شكلًا آخر، لا بوصفه جوابًا نظريًا أو معرفة جديدة محددة، بل بوصفه فيضًا شعريًا تتلقاه اللغة وتعيد تشكيله. ثامنًا: البنية والمعنى الفلسفي للتجربة تنتظم القصيدة في مشاهد تتغير معها علاقة الذات بالكتاب: يبدأ الكتاب بالنداء وفتح الأبواب، فتستجيب له الذات وتنتقل بين الفصول بحثًا عن «فصل الخطاب». وحين تفقد رقم السؤال ورقم الجواب، يظهر مصباح ديوجينوس في موضع انعطاف يمنحها «القرار» و«مفاتيح الجواب». ثم يأتي النوم، قبل أن تتشكل صورة الرأس جرّةً تسكب «ماء العين» للأقلام والأوراق والكلمات. ويصل هذا التتابع بين تجربة القراءة ومشهد الكتابة، لكنه يترك طبيعة الصلة بينهما مفتوحة؛ فلا يحدد النص ما فعله المصباح بالذات على وجه الدقة، ولا يجعل فيض الكلمات نتيجة له وحده. ومن خلال هذا المسار يثير النص سؤالًا معرفيًا عن العلاقة بين البحث والجواب. فكثرة الفصول لا توصل الذات إلى القول الحاسم الذي طلبته، لكن «المفاتيح» تشير إلى إمكان متابعة البحث، بينما تُبقي الأبواب المشرعة المعنى قابلًا للاتساع. ويتصل بهذا الانفتاح المشهدُ الأخير، حيث تتحول آثار التجربة الفكرية والوجدانية إلى مادة تتلقاها أدوات الكتابة. لا تقدم القصيدة حكمًا عامًا باستحالة اليقين، ولا تصوغ جوابًا فلسفيًا نهائيًا؛ إنها تجعل الحيرة وما تتركه في الذات جزءًا من نشوء التعبير الشعري. وبهذا يتجسد التأمل في المعرفة في حركة الصور والأفعال، من نداء الكتاب إلى فيض الكلمات. خاتمة تكشف «في الليل والكتاب» عن بناء شعري يحوّل التأمل في المعرفة إلى حركة من النداء والدخول في الفصول إلى الحيرة وطلب الاهتداء. وتكتسب الإشارات القرآنية والفلسفية دلالتها من موقعها في هذه الحركة؛ فمصباح ديوجينوس يأتي عند انعطاف التجربة، لكنه لا يقدّم للقارئ مضمون جواب نهائي. وتنتهي القصيدة إلى صورة تمنح فيها الذاتُ الأقلامَ والأوراقَ والكلماتِ أثرَ تجربتها الفكرية والوجدانية. ومن هنا يتحدد معنى عنوان الدراسة «من فتنة القراءة إلى فيض الكتابة»: لا يُحسم السؤال الذي أطلقته القراءة، لكن الحيرة التي خلّفها تصبح مادةً للتعبير الشعري. الإحالات (1) - عبد الستار نور علي، «في الليل والكتاب»، صحيفة المثقف، نُشر في 25 أيلول/سبتمبر 2026؛ (2)- القرآن، سورة يوسف، الآية 23. (3)- القرآن، سورة ص، الآية 20. (4)- ديوجينيس اللائرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة محمد حمدي إبراهيم، المجلد الثاني، القاهرة: المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2007، الكتاب السادس، فقرة 41، ص 43. وتورد هذه الترجمة الرواية المتداولة عن ديوجينيس الكلبي وقنديله في رابعة النهار؛ وتُذكر هنا بوصفها حكاية منقولة، لا واقعة مثبتة على نحو مستقل.
#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تحوّل نمط النمو الصيني واختلالات الاستثمار والاستهلاك والعقا
...
-
التقدم العلمي والاجتماعي وحدود تعميم التجربة الصينية
-
بناء القاعدة المادية والتحول الصناعي في الصين
-
العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية في اشتراكية السوق الص
...
-
«البُرْدان» لعبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - سيميائية في
...
-
البنية المؤسسية للنموذج الصيني: الحزب والدولة والسوق والملكي
...
-
من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاري
...
-
اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البن
...
-
تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمي
...
-
الومضة عند يحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-نفسية-سياسية
-
لو كنت شجرة * / للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند
-
مرثية إلى ابن المقفّع- لجواد غلوم: من جرح الذات إلى وجع الجم
...
-
قبلة أخيرة على حافة الحرية
-
تمثلات البراءة والفساد في ومضة «إلى سبطي حيدر» ليحيى السماوي
...
-
دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي
...
-
الوعي والتحول في ومضة ليحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-
...
-
الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة -ترتيلة ا
...
-
جماليات الاحتفاء وبنية المعنى: مقاربة بنيوية–سيميائية–نفسية
...
-
الجسد بوصفه ذاكرة: قراءة بنيوية – سيميائية – نفسية في رباعيا
...
-
حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة الم
...
المزيد.....
-
بقيادة فلسطينية وتقدم مغربي.. قصة المقاتلين العرب بالفنون ال
...
-
-أرض الملائكة- إلى الأوسكار.. سلاف فواخرجي في سباق أفضل فيلم
...
-
تضارب الروايات حول مغادرة الوفد الإيراني لنيويورك: طرد أم مغ
...
-
أوسيب ماندلشتام.. خمسة أسباب للتعرف إلى شاعر تحدى ستالين وتر
...
-
الموسيقى والتراث الأرثوذكسي الروسي يجتمعان في أديس أبابا
-
المصورة الفرنسية جوس دراي.. غزة تتمسك بالحياة رغم الإبادة وا
...
-
بيت المدى والجمعية العراقية العلمية للفنون يناقشان غياب الفر
...
-
أدب الحرب وثقافة المقاومة – 6
-
من القاهرة إلى الشارقة.. ماذا ينقص معارض الكتاب العربية لتصب
...
-
مركز الثقافة والفنون والموروث الشعبي بعدن يختتم دوراته التدر
...
المزيد.....
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|