|
|
تحوّل نمط النمو الصيني واختلالات الاستثمار والاستهلاك والعقارات
سهيل الزهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 14:07
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الفصل السابع:تحوّل نمط النمو الصيني واختلالات الاستثمار والاستهلاك والعقارات
تمهيد تناول الفصل السادس منجزات النموذج الصيني في الصناعة والبنية التحتية وتحسين مستويات المعيشة. وقد قام جانب مهم من هذه المنجزات على ارتفاع الاستثمار، وتوسع التصنيع والتحضر، وتوجيه الائتمان إلى بناء القدرات الإنتاجية. غير أن نجاح هذا المسار غيّر شروط استمراره: فلم يعد توسيع الاستثمار والبناء يكفي، بذاته، لرفع كفاءة الإنتاج أو تعزيز رفاه السكان. يبحث هذا الفصل التحول إلى التنمية عالية الجودة، ثم العلاقة بين الاستثمار والاستهلاك، وأزمة العقارات بوصفها نقطة التقاء السكن والائتمان وإيرادات الأرض. وتمهد هذه القضايا لبحث المالية المحلية في الفصل الثامن. أولًا: الانتقال من النمو الكمي إلى التنمية عالية الجودة الضرورة التاريخية للنمو الكمي اعتمدت المرحلة الأولى من الإصلاح الاقتصادي الصيني على توسيع الاستثمار، وتسريع التصنيع، وتنمية الصادرات، و استيعاب قوة العمل المنتقلة من الريف إلى المدن. وكان هذا المسار متناسبًا مع حاجات بلد عانى نقصًا في رأس المال والتكنولوجيا والبنية التحتية الحديثة، واحتاج إلى بناء قاعدة صناعية قادرة على تلبية الطلب الداخلي والمنافسة في السوق العالمية. ولا ينبغي استخدام تعبير «النمو الكمي» بوصفه حكمًا سلبيًا على هذه المرحلة؛ إذ كان توسيع حجم الإنتاج وتراكم وسائل الإنتاج وإنشاء شبكات النقل والطاقة والاتصالات شرطًا ضروريًا للانتقال من اقتصاد زراعي منخفض الإنتاجية إلى اقتصاد صناعي واسع. ولم يكن من الممكن للصين تطوير الصناعات المتقدمة والبحث العلمي قبل تكوين القاعدة المادية والبشرية التي يقوم عليها هذا التطور. لكن نجاح هذا المسار غيّر تدريجيًا الشروط التي نشأ ضمنها. فلم تعد الصين اقتصادًا يقوم أساسًا على وفرة قوة العمل منخفضة الأجر وإنتاج السلع البسيطة، بل أصبحت قوة صناعية وتكنولوجية كبرى تنافس في قطاعات الآلات والاتصالات والطاقة المتجددة والقطارات السريعة والسيارات الكهربائية والاقتصاد الرقمي. وفي الوقت نفسه ارتفعت تكاليف العمل والإنتاج، وتباطأ نمو قوة العمل، وتشبع جانب من الاستثمار في العقارات والبنية التحتية، وازدادت الضغوط التجارية والتكنولوجية الخارجية. ومن ثم لا يمثل الانتقال إلى التنمية عالية الجودة تخليًا عن المرحلة السابقة أو إنكارًا لإنجازاتها، بل استجابةً لتغير الشروط التي جعلت استمرار آلياتها بالمعدلات نفسها أقل كفاءة وأكثر قدرة على إنتاج الاختلالات. فما كان ضروريًا لبناء القاعدة الصناعية قد يتحول، إذا استمر من دون تعديل، إلى طاقات إنتاجية زائدة وديون واستثمارات ضعيفة العائد. معنى التنمية عالية الجودة انتقل الخطاب الرسمي الصيني تدريجيًا من إعطاء الأولوية المطلقة لسرعة نمو الناتج إلى تبني مفهوم «التنمية عالية الجودة». ولا يعني هذا المفهوم الاستغناء عن النمو الاقتصادي، بل إعادة تحديد مصادره وأهدافه، من خلال رفع الإنتاجية، وزيادة القيمة المضافة للصناعة، وتعزيز الابتكار العلمي والتكنولوجي، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد، وتوسيع الطلب المحلي، وتقليص الاختلالات الاجتماعية والإقليمية. وقد جعل تقرير المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني التنمية عالية الجودة مهمةً أساسية في بناء الدولة الاشتراكية الحديثة. وربطها بتعزيز الاقتصاد الحقيقي، ودعم التصنيع المتقدم، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وتوسيع الطلب الداخلي، وتعميق الإصلاح الهيكلي، وتحسين توزيع الدخل، وتحقيق توازن أفضل بين التنمية والأمن. كما أكد قرار الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية العشرين عام 2024 أهمية إزالة العقبات المؤسسية التي تحد من تطور القوى المنتجة الجديدة وتعوق الانتقال إلى نمط تنموي أكثر كفاءة وتوازنًا. (207) لكن التنمية عالية الجودة لا تمثل وصفًا مكتملًا للواقع الصيني، بل برنامجًا استراتيجيًا لإعادة توجيه الاقتصاد. فوجود صناعات تكنولوجية متقدمة إلى جانب قطاعات تعاني ضعف الكفاءة، واستمرار الاعتماد على الاستثمار والصادرات والعقارات، يدل على أن الصين تجمع في المرحلة الراهنة عناصر من نمط النمو السابق وعناصر من النمط الجديد. وتظهر البيانات الرسمية أن الانتقال يمتلك أساسًا ماديًا حقيقيًا. ففي عام 2025 ارتفعت إنتاجية العمل الإجمالية بنسبة 6.1 في المائة، ونمت القيمة المضافة للصناعات التحويلية العالية التقنية بنسبة 9.4 في المائة، وأصبحت تمثل 17.1 في المائة من القيمة المضافة للمؤسسات الصناعية الكبرى. كما بلغ الإنفاق على البحث والتطوير نحو 3.93 تريليونات يوان، بما يعادل 2.80 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. (208) وتكشف هذه المؤشرات تقدمًا في تحويل المعرفة والتكنولوجيا إلى قوة إنتاجية مباشرة. لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نوعية التنمية؛ إذ يمكن أن ترتفع إنتاجية العمل والإنفاق على التكنولوجيا من دون أن تنمو الأجور والخدمات العامة بالقدر نفسه، أو من دون أن تنخفض ساعات العمل وكثافته. كما قد يتركز التطور التقني في أقاليم وشركات محددة، بينما تتحمل قطاعات ومناطق أخرى كلفة إعادة الهيكلة. الإنتاجية بين التطور التقني والمضمون الاجتماعي عرّف ماركس ارتفاع إنتاجية العمل بأنه تغير في عملية العمل يسمح لكمية معينة من العمل بإنتاج كمية أكبر من القيم الاستعمالية خلال الزمن نفسه. لكنه أوضح أن الغاية الاجتماعية من زيادة الإنتاجية لا تتحدد بالتقنية ذاتها، بل بعلاقات الإنتاج التي تستخدم في إطارها. ففي ظل العلاقة الرأسمالية يتحول رفع الإنتاجية إلى وسيلة لإنتاج فائض القيمة النسبي، من خلال تقليص وقت العمل الضروري لإنتاج ما يعادل قيمة قوة العمل وزيادة القسم الذي يعود إلى رأس المال. كما بيّن ماركس، عند تحليله الآلة والصناعة الكبرى، أن التطور التقني يستطيع تخفيض كلفة السلع وتوفير العمل، لكنه قد يؤدي، عندما يخضع لمنطق التراكم، إلى زيادة كثافة العمل والاستغناء عن قسم من العاملين وتعزيز سيطرة الإدارة على عملية الإنتاج. ولذلك لا يجوز مساواة التقدم التقني بالتقدم الاجتماعي مساواةً تلقائية. (209) ويفيد هذا التمييز في تقويم التنمية عالية الجودة في الصين. فارتفاع الإنتاجية يمثل شرطًا ضروريًا لتحسين المعيشة وتقليص العمل الضروري وتوسيع الخدمات العامة، لكنه لا يضمن هذه النتائج بذاته. ويتوقف المضمون الاجتماعي لزيادة الإنتاجية على توزيع مكاسبها بين الأجور والأرباح والضرائب والاستثمار العام، وعلى مقدار ما يعود إلى العاملين في صورة دخل وأمن اجتماعي ووقت حر وقدرة على المشاركة في القرار. وفي الشركات الخاصة قد يستخدم الابتكار لزيادة القدرة التنافسية والأرباح وخفض تكاليف العمل. أما المؤسسات العامة فتملك، من حيث المبدأ، إمكان توجيه المكاسب إلى الاستثمار طويل الأجل والخدمات والحاجات الاستراتيجية. لكن هذا الإمكان لا يتحقق تلقائيًا؛ إذ قد تعمل المؤسسة العامة أيضًا وفق مؤشرات الربح والتوسع والمنافسة من دون مشاركة مؤثرة من العاملين في تحديد أولوياتها. ومن ثم لا تتحدد جودة التنمية بملكية المؤسسة القانونية وحدها، بل بالعلاقة بين الكفاءة الاقتصادية والوظيفة الاجتماعية. فالمؤسسة التي تحقق إنتاجية مرتفعة، لكنها تعتمد ساعات عمل طويلة أو تنقل كلفة إعادة الهيكلة إلى العمال، لا تحقق المعنى الاجتماعي الكامل للتنمية عالية الجودة، سواء كانت خاصة أم عامة. لينين: الإنتاجية والمحاسبة والمشاركة منح لينين مسألة إنتاجية العمل موقعًا أساسيًا في بناء الاقتصاد الجديد، لكنه لم يفصلها عن تنظيم الإنتاج والمحاسبة والرقابة. ففي المهمات المباشرة أمام السلطة السوفييتية أوضح أن الانتقال إلى الاشتراكية لا يتحقق بالاستيلاء القانوني على وسائل الإنتاج وحده، بل يحتاج إلى رفع إنتاجية العمل، وتنظيم المحاسبة والرقابة على الإنتاج والتوزيع، وتحويل الملكية العامة إلى إنتاج اجتماعي فعلي. وربط لينين هذه المهمات بمشاركة أغلبية العاملين في بناء العلاقات التنظيمية الجديدة، لا بإدارة جهاز الدولة للاقتصاد بالنيابة عنهم بصورة دائمة. كما رأى أن ارتفاع الإنتاجية ينبغي أن يتيح، في النهاية، تقليص يوم العمل وتوسيع قدرة المنتجين على المشاركة في إدارة المجتمع. (210) ولا تعني الاستفادة من هذا التحليل المطابقة بين روسيا السوفييتية عام 1918 والصين المعاصرة؛ فالصين تمتلك قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، وتعمل ضمن اقتصاد عالمي شديد الترابط، وتجمع بين الملكية العامة والخاصة وأشكال متعددة من السوق والتخطيط. لكن القيمة المنهجية لتحليل لينين تكمن في رفضه اختزال الاشتراكية في الملكية القانونية أو القرارات السياسية، وفي تأكيده أن الكفاءة الاقتصادية والرقابة والمشاركة الاجتماعية عناصر مترابطة. وبناءً على ذلك، لا يكفي أن تستثمر الدولة في الصناعات المتقدمة أو أن ترفع الشركات العامة إنتاجيتها، بل ينبغي معرفة من يحدد اتجاه الاستثمار، وكيف تقاس كفاءته، ومن يراقب الإدارة، وكيف توزع المكاسب والخسائر. فإذا اقتصرت المحاسبة على المؤشرات المالية والإنتاجية التي تضعها الأجهزة الإدارية، من دون رقابة العاملين والمجتمع، بقيت عملية تحويل الإنتاج إلى نشاط اجتماعي واعٍ غير مكتملة. التناقضات التي يثيرها الانتقال يواجه الانتقال إلى التنمية عالية الجودة تناقضًا بين رفع الكفاءة والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي. فقد يقتضي التخلص من الطاقات الزائدة تقليص بعض الاستثمارات أو إغلاق مؤسسات ضعيفة الإنتاجية، لكن ذلك قد يؤدي إلى فقدان وظائف وانخفاض إيرادات الحكومات المحلية وتراجع قيمة أصول المصارف والشركات. وقد يكون المشروع غير مجدٍ من الناحية المالية، لكنه يمثل مصدر العمل والدخل الأساسي لمدينة أو منطقة كاملة. ولهذا لا يمكن معالجة ضعف الكفاءة وفق منطق الإفلاس والمنافسة وحدهما. فإذا تحمّل العمال والأسر والمناطق القسم الأكبر من كلفة إعادة الهيكلة، تحولت زيادة الكفاءة إلى وسيلة لنقل الخسائر إلى المنتجين. أما إذا اقترنت بإعادة التدريب، وتأمين الدخل، وتوفير وظائف بديلة، وتنمية المناطق المتضررة، فإنها تستطيع تحرير الموارد من الاستخدامات غير المنتجة وإعادة توجيهها من دون إحداث تدهور اجتماعي واسع. وقد يخلق الانتقال التكنولوجي تفاوتًا جديدًا داخل الطبقة العاملة نفسها. فالصناعات المتقدمة تحتاج إلى مهارات علمية وتقنية مرتفعة، بينما قد تؤدي الأتمتة والرقمنة إلى الاستغناء عن بعض الأعمال التقليدية أو تحويلها إلى وظائف مؤقتة وغير مستقرة. ومن ثم لا ينبغي تقويم التحول بعدد الصناعات الجديدة فقط، بل بنوعية فرص العمل التي يوفرها، ومستوى أجورها واستقرارها، وقدرة العمال على الانتقال إليها. كما أن رفع القيمة المضافة الصناعية لا يضمن وحده توسيع السوق الداخلية. فإذا تركزت مكاسب الإنتاجية في أرباح الشركات والتراكم، وظلت حصة دخول الأسر والخدمات الاجتماعية محدودة، استمر ضعف الاستهلاك واحتاج الاقتصاد إلى تعويضه بالمزيد من الاستثمار والصادرات. ولذلك ترتبط التنمية عالية الجودة بإعادة توزيع الدخل والفائض، لا بالتحديث التقني وحده. ويمثل البعد البيئي جزءًا آخر من هذا الانتقال. فزيادة الإنتاج المادي لا تعد تقدمًا نوعيًا إذا اقترنت بهدر الطاقة والموارد وتلوث الهواء والمياه وارتفاع الانبعاثات. ولا يكفي إنشاء صناعات خضراء إذا ظلت بقية البنية الاقتصادية تعتمد على التوسع الكمي والاستهلاك المرتفع للطاقة. فالجودة هنا تعني إعادة تنظيم العلاقة بين الإنتاج والحاجات الاجتماعية والطبيعة، لا مجرد استبدال سلعة تقنية بأخرى. ثانيًا: اختلال العلاقة بين الاستثمار والاستهلاك أدّى ارتفاع الادخار والاستثمار دورًا حاسمًا في تحول الصين من اقتصاد زراعي محدود القدرة الإنتاجية إلى قاعدة صناعية واسعة. فقد أتاحت تعبئة المدخرات وتوجيه الائتمان عبر المصارف العامة والحكومات المحلية والمؤسسات المملوكة للدولة تمويل المصانع والطاقة والنقل والإسكان والبنية التحتية والقدرات التكنولوجية. ولذلك لا يمكن النظر إلى ارتفاع الاستثمار بوصفه اختلالًا في ذاته؛ إذ كان تراكم رأس المال الثابت شرطًا ضروريًا لرفع إنتاجية العمل وتوسيع السوق الداخلية وتغيير موقع الصين في الاقتصاد العالمي. لكن العلاقة بين الاستثمار والاستهلاك تتغير مع تقدم التصنيع. فما يكون ضروريًا في مرحلة تعاني نقص المصانع والطرق والطاقة قد يصبح أقل فاعلية عندما تتشبع بعض القطاعات، وتنخفض العوائد الإضافية للمشروعات، وتتراكم طاقات إنتاجية أو عقارات لا يقابلها طلب كافٍ، ويعتمد استمرار الاستثمار على التوسع في الائتمان والديون. ومن هنا لا يتمثل التحدي الصيني في وقف الاستثمار، بل في الانتقال من الاعتماد الكثيف على زيادة الأصول المادية إلى علاقة أكثر توازنًا بين الاستثمار المنتج، واستهلاك الأسر، والاستهلاك الاجتماعي الذي توفره الدولة في صورة خدمات عامة. ما الذي تكشفه الأرقام؟ تشير بيانات عام 2025 إلى حدوث تغير جزئي في مصادر النمو. فقد أسهم الإنفاق الاستهلاكي النهائي بنحو 2.6 نقطة مئوية من نمو الناتج البالغ 5 في المائة، مقابل 0.8 نقطة لتكوين رأس المال الإجمالي و1.6 نقطة لصافي الصادرات. وبذلك كان الاستهلاك النهائي أكبر مساهم منفرد في نمو ذلك العام. لكن هذه النتيجة السنوية لا تعني زوال الاختلال البنيوي؛ لأن الإنفاق الاستهلاكي النهائي يشمل استهلاك الحكومة إلى جانب استهلاك الأسر، ولأن مساهمة أحد المكونات في نمو سنة معينة تختلف عن حصته المستقرة من الناتج. ووفق بطاقة إعادة التوازن التي أعدها صندوق النقد الدولي، بلغت حصة الاستهلاك الخاص نحو 40.1 في المائة من الناتج خلال عام 2025 حتى الربع الثالث، بينما بلغت حصة الاستثمار نحو 38.8 في المائة. ويمثل ذلك تحسنًا نسبيًا قياسًا إلى سنوات كان فيها الاستثمار يتجاوز الاستهلاك الخاص بوضوح، لكنه لا يلغي استمرار انخفاض حصة استهلاك الأسر وارتفاع الادخار واعتماد النمو على الصادرات والسياسات التحفيزية. كما أن انخفاض حصة الاستثمار في 2025 ارتبط جزئيًا بانكماش الاستثمار العقاري وتراجع الاستثمار في الأصول الثابتة، وليس كله نتيجة انتقال منظم للفائض نحو دخول الأسر والخدمات الاجتماعية. (211) ولهذا لا ينبغي تعريف الاختلال بأنه تفوق الاستثمار حسابيًا على الاستهلاك في كل سنة، بل بوصفه بنيةً طويلة الأجل تُوجَّه فيها حصة كبيرة من الدخل والمدخرات والائتمان إلى تكوين رأس المال، بينما تبقى قدرة الأسر على الاستهلاك مقيدةً بتوزيع الدخل وعدم اليقين وكلفة السكن والتعليم والصحة والشيخوخة. وقد يستطيع الاقتصاد المحافظة على النمو مدةً طويلة ضمن هذه البنية، لكنه يصبح أكثر احتياجًا إلى التصدير أو الاقتراض أو تكرار المشروعات الاستثمارية لتعويض ضعف الطلب الأسري. ماركس: الاستثمار والاستهلاك في إعادة الإنتاج الاجتماعي يفيد تحليل ماركس لإعادة إنتاج رأس المال الاجتماعي في تجنب تفسير مبسط يجعل الاستهلاك الشخصي المصدر الوحيد للطلب. فقد قسّم ماركس الناتج الاجتماعي إلى قسمين كبيرين: قسم ينتج وسائل الإنتاج، مثل الآلات والمعدات والمواد الأولية والمنشآت، وقسم ينتج وسائل الاستهلاك التي تستخدمها الأسر والأفراد. كما ميّز بين الاستهلاك الشخصي للسلع والخدمات، والاستهلاك الإنتاجي الذي تُستخدم فيه الآلات والمواد والطاقة لإعادة تشغيل عملية الإنتاج وتوسيعها. وبذلك تستطيع صناعة وسائل الإنتاج أن تنمو من خلال طلب المؤسسات بعضها على منتجات بعض، حتى من دون ارتفاع مماثل وفوري في استهلاك الأسر. فمصنع الآلات يشتري الفولاذ والطاقة والمكونات، ومصنع الفولاذ يشتري المعدات ووسائل النقل، وتعيد المؤسسات استثمار قسم من الفائض في توسيع قدرتها الإنتاجية. ولذلك يمثل الاستثمار نفسه شكلًا من أشكال الطلب، ولا يجوز اختزال السوق الداخلية في مشتريات المستهلكين الأفراد. لكن ماركس بيّن كذلك أن إعادة الإنتاج الاجتماعي لا تتوقف على تحقيق الربح داخل كل مؤسسة منفردة، بل تتطلب تناسبًا ماديًا وقيميًا بين فروع الإنتاج. فوسائل الإنتاج يجب أن تجد استخدامًا منتجًا، والسلع الاستهلاكية يجب أن تتناسب مع دخول الفئات التي تحتاج إليها، كما ينبغي أن تتوافق القدرة الجديدة على الإنتاج مع إمكان تجديد وسائل الإنتاج وتوسيع الاستهلاك في المجتمع. وإذا اختل هذا الترابط، فقد تظهر طاقات معطلة ومخزونات غير مباعة ومشروعات لا تستطيع استعادة تكلفتها، حتى إذا بدا كل قرار استثماري منفرد معقولًا عند اتخاذه. (212) ولا يعني ذلك أن كل توسع في إنتاج وسائل الإنتاج يجب أن يقابله في اللحظة نفسها توسع مساوٍ في الاستهلاك الشخصي. فالاستثمار في شبكة كهرباء أو مصنع لأشباه الموصلات أو خط للسكك الحديدية قد يحتاج إلى سنوات قبل ظهور كامل أثره في الإنتاج والاستهلاك. إنما يعني أن استقلال الاستثمار عن الاستهلاك استقلال نسبي؛ إذ لا يمكن توسيع القدرة الإنتاجية إلى ما لا نهاية من دون أن ترتبط، في النهاية، بحاجات إنتاجية أو اجتماعية قابلة للتحقق. وتمنح ملكية الدولة للمصارف والأرض والمؤسسات الكبرى الصين قدرةً على إدارة هذا الترابط بصورة تختلف عن اقتصاد يترك تخصيص الائتمان لقرارات رأس المال الخاص وحده. فالدولة تستطيع تمويل مشروع طويل الأجل، أو إبقاء مؤسسة استراتيجية تعمل رغم انخفاض عائدها المالي المباشر، أو نقل الموارد بين المناطق والقطاعات. لكنها لا تستطيع إلغاء القيود المادية لإعادة الإنتاج؛ إذ يظل المشروع الذي لا يرفع القدرة الاجتماعية للإنتاج ولا يلبي حاجةً فعلية استنزافًا للعمل والمواد والطاقة، حتى إذا أمكن تأجيل ظهور خسارته بواسطة الائتمان العام. لينين ونقد تفسير الاختلال بنقص الاستهلاك وحده طوّر لينين هذا الجانب من تحليل ماركس عند بحث تكوّن السوق الداخلية. فقد أوضح أن الإنتاج الرأسمالي لا يتوسع بواسطة نمو السلع الاستهلاكية وحدها، بل ينمو بدرجة كبيرة من خلال إنتاج وسائل الإنتاج والاستهلاك الإنتاجي. ولذلك رفض الاستنتاج القائل إن محدودية استهلاك الجماهير تجعل التراكم أو تحقق الناتج مستحيلًا بصورة تلقائية. لكن لينين لم ينفِ التناقض بين التوسع في الإنتاج ومحدودية الاستهلاك. فقد أكد أن نمو وسائل الإنتاج مستقل عن الاستهلاك الشخصي إلى حد معين فقط، وأن هذا الاستهلاك يظل يرسم في النهاية حدودًا لتوسع رأس المال الثابت. كما ميّز بين القول إن محدودية الاستهلاك تمثل تناقضًا فعليًا في النظام، والقول غير الصحيح إنها التفسير الوحيد للأزمات أو إنها تجعل استمرار الإنتاج الموسع مستحيلًا. (213) ولا يتعارض هذا التمييز مع تحليل ماركس للأزمات؛ فقد أشار ماركس إلى التناقض بين فقر الجماهير ومحدودية استهلاكها من جهة، واندفاع الإنتاج الرأسمالي إلى تطوير القوى المنتجة من جهة أخرى. غير أن وجود هذا التناقض لا يعني إمكان تفسير كل أزمة بنقص الاستهلاك وحده، بمعزل عن اختلال التناسب بين فروع الإنتاج والائتمان والتراكم وحركة الربح. (214) ويساعد هذا التمييز على فهم التجربة الصينية. فقد كان تفوق نمو الاستثمار على الاستهلاك خلال مراحل التصنيع قادرًا على توسيع السوق الداخلية، لأنه أنشأ طلبًا على الآلات والإسمنت والفولاذ والطاقة والنقل والعمل، ورفع القدرة الإنتاجية المستقبلية. ولم يكن من الصحيح آنذاك الحكم على كل استثمار بأنه زائد لمجرد أن استهلاك الأسر لم يرتفع بالمعدل نفسه. غير أن هذا الحكم يتغير عندما تصبح زيادة الإنتاج مشروطةً باستمرار بناء طاقات جديدة في قطاعات تعاني أصلًا ضعف الاستخدام، أو عندما لا تستطيع الأسر شراء قسم كافٍ من السلع والخدمات التي يستطيع الاقتصاد إنتاجها، أو عندما يعتمد تصريف الناتج بصورة متزايدة على الأسواق الخارجية. عندئذ لا تكون المشكلة «نقص الاستهلاك» بوصفه عاملًا مستقلًا، بل اختلال العلاقة بين فروع الإنتاج وتوزيع الدخل والائتمان والطلب الداخلي والخارجي. لماذا تدخر الأسر الصينية نسبة مرتفعة من دخولها؟ لا يمكن تفسير ارتفاع ادخار الأسر بعامل ثقافي ثابت أو بتفضيل فردي مجرد؛ فالادخار استجابة كذلك للبنية الاجتماعية ولمقدار الأمان الذي توفره المؤسسات. ووفق تقرير البنك الدولي الصادر في كانون الأول/ديسمبر 2025، بلغت المدخرات المحلية الإجمالية نحو 43 في المائة من الناتج في عام 2023، وأسهمت الأسر بنحو نصفها، بينما بلغ معدل ادخار الأسر قرابة 31.3 في المائة من دخلها المتاح. ويربط التقرير هذا الارتفاع بالشيخوخة السكانية، والتفاوت في مستويات الحماية التي توفرها أنظمة التقاعد والصحة والبطالة، والفجوات التي يعانيها العمال المهاجرون والعاملون في الوظائف غير النظامية، فضلًا عن النفقات الصحية التي لا يغطيها التأمين بالكامل، وتكاليف التعليم غير الإلزامي والسكن، وعدم المساواة في توزيع الدخل. فمع أن الدولة توفر خدمات صحية وتعليمية واسعة، لا تزال الأسر تتحمل جزءًا من تكاليف العلاج والأدوية والتعليم خارج المرحلة الإلزامية، كما تختلف جودة التغطية وإمكان الحصول عليها بين الفئات والمناطق. ولذلك تحتفظ بعض الأسر بمدخرات احترازية لمواجهة المرض أو البطالة أو الشيخوخة والنفقات الكبيرة غير المتوقعة، في حين تدخر الأسر الأعلى دخلًا عادةً نسبةً أكبر من دخولها بسبب اتساع الفائض المتاح لديها. وزادت التطورات الأخيرة هذه الدوافع. فقد أدى تباطؤ نمو الأجور وعدم اليقين بشأن العمل، إلى جانب انخفاض أسعار المساكن وتراجع الثقة بالقطاع العقاري، إلى إضعاف شعور الأسر بالأمان المالي. ونظرًا إلى أن السكن يمثل قسمًا كبيرًا من ثروة الأسرة الصينية، فإن انخفاض قيمته لا يخفض نشاط البناء وحده، بل يؤثر كذلك في استعداد الأسر للإنفاق. (215) ومن ثم فإن ضعف الاستهلاك لا يعكس بالضرورة غياب الرغبة في شراء السلع والخدمات، بل قد يعكس ضعف القدرة الآمنة على الإنفاق. فالأسرة التي تتوقع نفقات صحية لا يغطيها التأمين بالكامل، أو تكاليف تعليم غير إلزامي، أو لا تضمن معاشًا كافيًا، أو تخشى فقدان العمل، تتصرف بصورة عقلانية عندما تدخر جزءًا كبيرًا من دخلها. وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي هذا السلوك العقلاني لكل أسرة إلى تقييد الطلب الكلي وإضعاف قدرة الاقتصاد على الاستفادة من طاقته الإنتاجية. من تنشيط المبيعات إلى رفع القدرة الاستهلاكية تعكس السياسات الصينية اعترافًا متزايدًا بهذه المشكلة. ففي آذار/مارس 2025 أصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة «خطة العمل الخاصة لتعزيز الاستهلاك»، واشتملت على ثلاثين مهمة موزعة على ثمانية مجالات، من بينها زيادة دخول سكان المدن والأرياف، ودعم القدرة الاستهلاكية، وتطوير استهلاك الخدمات، وتجديد السلع المعمرة، وتحسين بيئة الاستهلاك. كما أكدت الخطة زيادة دخول الفئات المنخفضة والمتوسطة الدخل، وتحسين آليات نمو الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، إلى جانب دعم استبدال السيارات والأجهزة المنزلية القديمة وتوفير الائتمان لبعض أوجه الاستهلاك. (216) وفي عام 2026 اتجهت السياسة خطوةً إضافية نحو الربط بين الاستهلاك وتوزيع الدخل. فقد نص تقرير عمل الحكومة على تنفيذ خطة لزيادة دخول سكان المدن والأرياف، ورفع دخول الفئات المنخفضة، وتحسين أنظمة الأجور والضمان الاجتماعي. وفي الوقت نفسه خُصص 250 مليار يوان من السندات الحكومية الخاصة الطويلة الأجل لدعم استبدال السلع القديمة، وأُعلن إنشاء صندوق للتنسيق المالي بقيمة مائة مليار يوان لدعم الطلب المحلي. كما وضعت الخطة الخمسية الخامسة عشرة هدفًا يتمثل في تحقيق زيادة ملحوظة في حصة استهلاك الأسر من الناتج، ثم أقر مجلس الدولة في تموز/يوليو 2026 خطةً لتوسيع الاستهلاك خلال المدة 2026–2030، تضمنت رفع الدخول وتحسين الضمان الاجتماعي وزيادة الاستهلاك العام وتطوير خدمات رعاية الأطفال وكبار السن والصحة والثقافة والتعليم. (217) وتجمع هذه السياسات بين نوعين مختلفين من التدخل. يتمثل الأول في تحفيز المشتريات بصورة مباشرة، بواسطة الإعانات والخصومات وبرامج استبدال السيارات والأجهزة والقروض المدعومة. ويمكن لهذه الإجراءات تنشيط الإنتاج وتخفيض المخزونات ودعم الطلب خلال التباطؤ، لكنها قد تقدم موعد شراء كان سيحدث لاحقًا بدل أن تنشئ قدرة استهلاكية مستدامة. كما يستفيد منها بدرجة أكبر من يملك أصلًا دخلًا يسمح بشراء سيارة أو جهاز جديد. أما النوع الثاني فيتجه إلى تغيير الشروط التي تحدد سلوك الأسر، من خلال رفع الأجور والدخول، وتقليل النفقات التي تتحملها الأسرة مباشرةً، وتوسيع التقاعد والتأمين الصحي وإعانات البطالة والسكن والتعليم ورعاية الأطفال. وهذا النوع أبطأ أثرًا، لكنه أكثر قدرةً على خفض الادخار الاحترازي وإحداث تحول مستمر في بنية الطلب. شروط إعادة التوازن لا يتحقق الانتقال إلى نمو يعتمد بدرجة أكبر على الاستهلاك بمجرد مطالبة السكان بالإنفاق، بل يحتاج إلى إعادة توزيع قسم من الدخل والفائض لمصلحة الأسر والخدمات العامة. ويشمل ذلك خمسة تحولات مترابطة: رفع دخول العمل: ينبغي أن تواكب الأجور نمو الإنتاجية بصورة تسمح للعاملين بالحصول على حصة أكبر من ثمار التطور التقني، ولا سيما العاملين المهاجرين وفي القطاعات منخفضة الأجر وأشكال العمل المرن والمنصاتي. توسيع الأجر الاجتماعي: يؤدي توفير الصحة والتعليم والتقاعد والسكن ورعاية الأطفال بوصفها حقوقًا وخدمات عامة إلى رفع مستوى المعيشة، حتى من دون تحويل المبلغ نفسه إلى دخل نقدي فردي، كما يقلل حاجة الأسر إلى تكوين احتياط كبير لمواجهة المخاطر. تقليص الفوارق المؤسسية: يقتضي رفع الاستهلاك تعميم قابلية نقل التأمينات والحقوق الاجتماعية وإضعاف ارتباطها بمكان التسجيل الأسري، لأن العامل المهاجر الذي لا يضمن العلاج أو تعليم أطفاله في المدينة يكون أكثر اضطرارًا إلى الادخار. إعادة توزيع الدخل والضرائب: يحقق تحويل الموارد إلى الفئات المنخفضة والمتوسطة الدخل أثرًا استهلاكيًا أكبر من تركيزها لدى الفئات الأعلى دخلًا، لأن الأولى تنفق نسبة أكبر من أي زيادة تحصل عليها لتلبية حاجاتها غير المشبعة. إعادة توجيه الاستثمار: لا يتطلب رفع الاستهلاك خفض كل استثمار، بل تحويل جانب منه من العقارات والمشروعات المتكررة إلى الإسكان الاجتماعي والصحة والتعليم والرعاية والطاقة الخضراء وتجديد المدن والريف. فمثل هذا الاستثمار يرفع الطلب في المدى القصير، ويخفض كلفة معيشة الأسر ويوسع قدرتها الاستهلاكية في المدى الطويل. ويتضح من ذلك أن الاستثمار والاستهلاك ليسا متعارضين دائمًا. فالاستثمار في مصنع زائد القدرة قد يفاقم الاختلال، بينما يؤدي الاستثمار في مستشفى عام أو شبكة رعاية للأطفال أو سكن ميسر إلى توسيع الاستهلاك الاجتماعي وتحرير جزء من دخل الأسر. والسؤال الحاسم ليس مقدار الاستثمار وحده، بل نوع الأصول التي ينشئها، والفئات التي تستفيد منها، وما إذا كان يوسع القدرة الاجتماعية على إشباع الحاجات أم يضيف طاقةً لا تجد استخدامًا كافيًا. ثالثًا: أزمة العقارات بين الوظيفة السكنية و منطق التراكم مثّل القطاع العقاري إحدى العقد التي التقت عندها عملية التحضر بالاستثمار والائتمان ومالية الحكومات المحلية وثروة الأسر. فقد وفّر بناء المساكن والمناطق الحضرية طلبًا واسعًا على الصلب والإسمنت والآلات والأثاث والخدمات، واستوعب أعدادًا كبيرة من العاملين، وأسهم في إعادة تشكيل المدن وربطها بالتوسع الصناعي. وفي الوقت نفسه أصبح المسكن أصلًا ادخاريًا، وأصبحت مبيعات حقوق استخدام الأرض مصدرًا ماليًا مهمًا للسلطات المحلية، واعتمد مطورو العقارات على الاقتراض والبيع المسبق لتمويل دورة بناء متزايدة الاتساع. ولهذا لا تمثل الأزمة العقارية تراجعًا في قطاع منفرد، بل تصحيحًا لنمط ربطَ استمرار البناء بارتفاع المبيعات والأسعار وقيمة الأرض وتدفق الائتمان. كما تكشف الأزمة التناقض بين وظيفتين مختلفتين للمسكن: فهو شرط أساسي للحياة وإعادة إنتاج قوة العمل، لكنه يؤدي كذلك وظيفة الأصل المالي الذي يُشترى توقعًا لارتفاع قيمته أو الحصول على الريع منه. من تلبية الحاجة السكنية إلى دورة تراكم عقارية لا يصح تفسير التوسع العقاري الصيني كله بوصفه مضاربةً أو إهدارًا. فقد رافق هذا التوسع انتقال مئات الملايين إلى المدن، وزيادة عدد الأسر الحضرية، وتحسن نوعية المساكن، وهدم مبانٍ قديمة، وإنشاء أحياء جديدة مرتبطة بالمصانع والجامعات وشبكات النقل. وكان لا بد لعملية التحضر السريعة من استثمار ضخم في السكن والمرافق والخدمات. لكن البناء تجاوز في مناطق وفترات معينة حدود الطلب السكني المباشر، وأصبح جزءًا من آلية أوسع للتراكم. فقد حصل المطورون على حقوق استخدام الأرض، واقترضوا لبدء المشروعات، وباعوا مساكن قبل اكتمالها، واستخدموا الدفعات المقدمة وتمويلات جديدة لتغطية البناء وشراء أراضٍ أخرى. واعتمد استمرار هذه الدورة على قدرة الشركات على زيادة المبيعات، وعلى ثقة المشترين بأن المساكن ستُنجز وأن قيمتها ستستمر في الارتفاع. كما استفادت الحكومات المحلية من إيرادات منح حقوق استخدام الأرض لتمويل الطرق والمترو والمناطق الصناعية والمرافق العامة. وأدى تحسين البنية التحتية بدوره إلى رفع قيمة الأراضي المحيطة بها، فصار من الممكن منح حقوق استخدامها بأسعار أعلى وتمويل دورة جديدة من الاستثمار. وفي ظل هذا الترابط لم تعد الأرض مجرد موقع للبناء، بل أصبحت أداةً لتعبئة الإيرادات وضمانًا للائتمان ومكوّنًا من مكونات المنافسة بين السلطات المحلية على النمو والاستثمار. أما الأسر فوجدت في ملكية المساكن وسيلةً للادخار والحماية من التضخم وتكوين الثروة ونقلها بين الأجيال، ولا سيما في ظل محدودية بعض البدائل الادخارية والاستثمارية. وأدى توقع ارتفاع الأسعار إلى زيادة الإقبال على الشراء، بينما أدى توسع الائتمان العقاري إلى تمكين الطلب الحالي من الاعتماد على الدخول المستقبلية. وهكذا تشكلت حلقة مترابطة: ارتفاع المبيعات يسمح للمطورين بالتوسع، والتوسع يرفع طلبهم على الأرض، وإيرادات الأرض تموّل الاستثمار المحلي، والاستثمار في البنية التحتية يرفع قيمة المواقع العقارية، وارتفاع القيمة يشجع الأسر والمصارف على مواصلة الشراء والإقراض. لكن هذه الحلقة تصبح معرضةً للاضطراب عندما تتباطأ الهجرة وتكوين الأسر، أو يتراكم مخزون المساكن، أو تنخفض توقعات الأسعار، أو تتشدد شروط التمويل. الملكية العامة للأرض وحدودها الاقتصادية تتميز الصين عن الاقتصادات الرأسمالية التقليدية بأن الأرض الحضرية مملوكة للدولة، بينما تعود ملكية معظم الأرض الريفية إلى الجماعات الريفية. ويجيز النظام القانوني نقل حقوق استخدام الأرض وفق شروط ومدد محددة، كما يتيح لحامل حق استخدام أرض البناء الانتفاع به ونقله ورهنه ضمن الحدود القانونية. (218) وتمنح هذه البنية الدولة قدرةً مهمة على تحديد استعمالات الأرض، وتخطيط توسع المدن، واسترداد قسم من الزيادة في قيمتها، وتوفير مواقع للمساكن المدعومة والمرافق العامة. ولذلك لا يمكن مساواة النظام الصيني بنظام تكون فيه الأرض الحضرية ملكيةً خاصة مطلقة موزعةً بين ملاك مستقلين. إن بقاء الأرض في إطار ملكية الدولة أو الملكية الجماعية لا يحول دون اكتساب حقوق استخدامها قيمةً تبادلية وسعرًا سوقيًا. فهذه الحقوق يمكن منحها ونقلها ورهنها، وبذلك تدخل في عمليات الاستثمار والائتمان والمضاربة بوصفها أصولًا مالية. وتعتمد الحكومات المحلية على عائدات منحها، ويحسب المطورون أرباحهم المتوقعة على أساس أسعار المساكن، فيما تقبل المصارف الأرض والعقارات ضمانًا للقروض. وهكذا تدخل حقوق استخدام الأرض في دورة التراكم المالي والعقاري، على الرغم من بقاء ملكية الأرض الأصلية للدولة أو للجماعات الريفية ويظهر هنا مجددًا الفرق بين الملكية القانونية والوظيفة الاجتماعية. فالملكية العامة توفر أداةً تسمح بتوجيه الأرض إلى الحاجات العامة، لكنها لا تضمن هذا الاتجاه تلقائيًا. وقد تتحول السلطة العامة على الأرض إلى وسيلة لتمويل الخدمات والتنمية المتوازنة، كما يمكن أن تولد حافزًا لزيادة أسعار المواقع والتوسع العمراني وانتزاع الريع من المشترين والمستأجرين. ماركس: ريع الأرض وسعر الأصل العقاري يوضح ماركس في تحليله للريع أن الأرض ليست ناتجًا للعمل، ومن ثم لا تحمل قيمةً بالمعنى نفسه الذي تحمله السلع المنتجة. لكن احتكار الانتفاع بموقع معين يسمح بالحصول على ريع، ويظهر هذا الريع في السوق كما لو كان عائدًا طبيعيًا تولده الأرض ذاتها. ويتكون ما يسمى «سعر الأرض» من رسملة الدخل المتوقع منها؛ أي إن المشتري يدفع مبلغًا حاليًا مقابل حقه في الحصول على ريع أو منفعة مستقبلية. ولهذا يتأثر سعر الأرض بمقدار العائد المتوقع، وبسعر الفائدة، وبالطلب على الموقع، وبالبنية التحتية والخدمات المحيطة به. ولا يعني ارتفاع السعر أن الأرض أصبحت أكثر إنتاجًا للقيمة من تلقاء نفسها، بل إن توقعات الحصول على دخل مستقبلي أصبحت أعلى. (219) ويساعد هذا التحليل على فهم ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات في المدن الصينية. فالاستثمار العام في المترو والطرق والمدارس والمراكز التجارية يزيد منفعة الموقع ويرفع قيمته السوقية، لكن هذه الزيادة قد تظهر في صورة ارتفاع في ثمن حقوق استخدام الأرض والمساكن. وبذلك يمكن أن تتحول منفعة أنشأها المجتمع والدولة إلى مكسب يحققه مطور أو مستثمر أو مالك مسكن يقع في موقع ارتفعت قيمته. ولا تنطبق نظرية الريع على الصين بصورة آلية؛ لأن الدولة تملك الأرض الحضرية وتستطيع نظريًا الاحتفاظ بجانب من الزيادة في قيمتها واستخدامه للمصلحة العامة. غير أن تداول حقوق الاستخدام وتسعيرها وربطها بالائتمان يسمحان بعمل آليات تشبه رسملة الريع داخل شكل قانوني مختلف. ومن هذا المنظور، لا تمثل الأزمة العقارية مجرد انخفاض في عدد المساكن المباعة. إنها كذلك انخفاض في التقديرات السابقة للدخول والأسعار المستقبلية التي بُنيت عليها قيمة الأرض وديون المطورين وضمانات المصارف وثروة الأسر. وعندما تتراجع هذه التوقعات يصبح من الصعب تجديد القروض أو بيع المشروعات الجديدة بالأسعار اللازمة لتغطية الالتزامات القديمة. إنجلز: السكن بين الحاجة والملكية المرهونة بيّن إنجلز في مسألة السكن أن أزمة السكن لا تُفسر بعدد المباني وحده، بل بعلاقة المسكن بالأرض والدخل والملكية وموقع العمل. فقد توجد مساكن كثيرة من دون أن تكون متاحةً لمن يحتاجون إليها، لأن قدرتهم على الحصول عليها تتحدد بالأجر والإيجار والسعر ومكانها بالنسبة إلى فرص العمل والخدمات. كما انتقد إنجلز الاعتقاد بأن تحويل كل عامل إلى مالك فردي لمسكنه يحل المسألة الاجتماعية بذاته. فقد يصبح العامل مالكًا قانونيًا للمنزل، لكنه يظل مضطرًا إلى بيع قوة عمله، وقد تقيده الديون والموقع الجغرافي وتجعله أقل قدرة على تغيير مكان العمل. (220) ولا يجوز نقل هذا الحكم حرفيًا من المدن الأوروبية في القرن التاسع عشر إلى الصين المعاصرة. فقد أدى انتشار ملكية المساكن في الصين إلى تحسين حقيقي في أمن كثير من الأسر وتكوين أصول لها، كما تختلف البنية القانونية للأرض ونطاق تدخل الدولة. لكن المبدأ المنهجي يبقى صالحًا: ملكية الأسرة للمسكن لا تلغي علاقة العمل المأجور، ولا تجعل الدين العقاري محايدًا اجتماعيًا. فالأسرة التي تلتزم بقرض يمتد سنوات طويلة تخصص قسمًا من دخلها المستقبلي لخدمة الدين، وقد تضطر إلى زيادة الادخار وتقليص الاستهلاك خوفًا من البطالة أو المرض أو انخفاض قيمة المسكن. وإذا كانت قد اشترت منزلًا قبل اكتماله، فإنها قد تتحمل عبء القرض بينما يظل التسليم متوقفًا على قدرة المطور على مواصلة البناء. وهنا تنقل آلية البيع المسبق جزءًا من مخاطر التطوير من الشركة إلى الأسرة. فالمشتري لا يدفع مقابل مسكن مكتمل فقط، بل يموّل عملية البناء مقدمًا ويتحمل خطر التأخير أو التعثر. ولذلك لا يتعلق إصلاح القطاع بحماية المصارف والمطورين وحدهم، بل بحماية الحق السكني للمشترين الذين دفعوا مدخراتهم وربطوا دخولهم المستقبلية بمشروعات لم تُنجز بعد. مؤشرات التصحيح و استمرار الانكماش تكشف البيانات أن التصحيح العقاري لم ينتهِ مع الإجراءات المتخذة لدعم السوق. ففي عام 2025 انخفض الاستثمار في التطوير العقاري بنسبة 17.2 في المائة، وتراجعت المساحات التي بدأ بناؤها بنسبة 20.4 في المائة، والمساحات المكتملة بنسبة 18.1 في المائة. كما انخفضت مساحة المباني التجارية الجديدة المبيعة بنسبة 8.7 في المائة، وقيمة المبيعات بنسبة 12.6 في المائة، في حين ارتفعت المساحات الجاهزة المعروضة للبيع بنسبة 1.6 في المائة. واستمر الاتجاه خلال النصف الأول من عام 2026؛ إذ انخفض الاستثمار العقاري بنسبة 18 في المائة مقارنةً بالمدة نفسها من العام السابق، وتراجعت المساحات الجديدة التي بدأ بناؤها بنسبة 23.4 في المائة، والمساحات المكتملة بنسبة 23.7 في المائة، ومساحة المبيعات بنسبة 11.6 في المائة، وقيمتها بنسبة 13.6 في المائة. وانخفضت الأموال المتاحة لمؤسسات التطوير بنسبة 20.2 في المائة، بما في ذلك القروض المحلية والدفعات المقدمة والرهون العقارية الفردية. (221) ولا ينبغي تفسير انخفاض الاستثمار في ذاته بوصفه فشلًا؛ فقد يكون تقليص البناء الجديد ضروريًا في المدن التي تراكم فيها فائض من المساكن أو تباطأ نمو السكان. كما أن استمرار الاستثمار بالمعدلات السابقة كان سيزيد المخزون والديون ويؤجل التصحيح. لكن تزامن انخفاض الاستثمار مع تراجع المبيعات والتمويل والمساكن المكتملة يدل على أن الانتقال إلى توازن جديد لم يكتمل. فالمشكلة ليست في إنتاج وحدات أقل فحسب، بل في كيفية إنجاز المشروعات القائمة، وتسوية ديون المطورين، والتصرف في المخزون، ومنع تراجع الثقة من التحول إلى حلقة تخفض المبيعات والتمويل والبناء معًا. كما تختلف المشكلة بين المدن. فالمدن الكبرى التي تستمر في جذب السكان والعمل قد تواجه نقصًا في المساكن الميسورة رغم ارتفاع الأسعار، بينما تواجه مدن أخرى مخزونًا زائدًا وضعفًا في الطلب. ولذلك قد يؤدي تطبيق سياسة وطنية واحدة إلى توسيع العرض في أماكن لا تحتاج إليه، أو تقييده في أماكن ما زالت تعاني ارتفاع تكاليف السكن. تدخل الدولة وحماية تسليم المساكن اتجهت السياسة الصينية إلى خفض معدلات الفائدة وبعض متطلبات الدفعة الأولى، وتعديل القيود على الشراء بحسب أوضاع المدن، ودعم تجديد الأحياء القديمة، وتوسيع آلية «القائمة البيضاء» للمشروعات المؤهلة للحصول على التمويل. كما أعطيت الأولوية لاستكمال المساكن المبيعة مسبقًا وتسليمها إلى المشترين. وبحلول أيار/مايو 2025 كانت القروض المعتمدة للمشروعات المدرجة في القوائم البيضاء قد بلغت نحو 6.7 تريليونات يوان، وأسهمت الآلية، وفق البيانات الحكومية، في دفع بناء وتسليم أكثر من ستة عشر مليون مسكن. كما خُفضت فوائد قروض صندوق الادخار السكني لتخفيف كلفة التمويل على الأسر. (222) ويكشف هذا التدخل عن قدرة لا تتوافر بالدرجة نفسها في اقتصاد تهيمن عليه المصارف الخاصة والقرارات المنفصلة. فالدولة الصينية تستطيع تنسيق المصارف والسلطات المحلية وشركات البناء، وتوجيه التمويل إلى مشروع محدد، ومنع توقفه، وإعادة هيكلة مؤسسة متعثرة أو نقل المشروع إلى جهة أخرى. لكن وجود هذه القدرة لا يحسم المضمون الاجتماعي لاستخدامها. فإذا خُصص التمويل لاستكمال مسكن دُفعت قيمته وحماية الأسرة من فقدان مدخراتها، فإنه يؤدي وظيفةً اجتماعية مباشرة. أما إذا استخدمت الموارد العامة للمحافظة على قيمة أصول المساهمين أو تغطية مضاربات سابقة من دون تحميل أصحاب القرار والمستثمرين الخسائر، فإن التدخل يتحول إلى تعميم للخسائر بعد خصخصة الأرباح. ولهذا ينبغي التمييز بين ثلاثة أنواع من التدخل: تمويل استكمال المشروعات وحماية المشترين الذين دفعوا ثمن مساكنهم. دعم المؤسسات القابلة للاستمرار لمنع تعطل مشروعات سليمة بسبب أزمة سيولة مؤقتة. إنقاذ أصحاب الشركات و الدائنين والمستثمرين من خسائر نتجت من توسع غير قابل للاستمرار. وقد تتداخل هذه الأنواع عمليًا، لكن الفصل بينها ضروري لتحديد من يتحمل تكلفة الأزمة. فحماية الحق السكني لا تستلزم بالضرورة حماية الملكية الرأسمالية للمطور المتعثر، كما أن الحفاظ على الاستقرار المالي لا ينبغي أن يمنع إعادة هيكلة الديون وخروج المؤسسات غير القابلة للاستمرار. من تثبيت السوق إلى تغيير نموذج الإسكان تشير السياسات المعلنة لعام 2026 إلى إدراك أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على إعادة دورة التوسع السابقة. فقد تبنت الحكومة مبدأ التحكم في المعروض الجديد، وخفض المخزون، وتحسين نوعية العرض وفق ظروف كل مدينة. كما شجعت على تنشيط المساكن التجارية القائمة، وشراء قسم منها لاستخدامه في الإسكان المدعوم، وتسريع إصلاح المساكن الخطرة والقديمة. واتجهت السياسة كذلك إلى تشجيع بيع المنازل الجديدة بعد اكتمالها، وتشديد الرقابة على الدفعات المقدمة في المشروعات المبيعة قبل الإنجاز. ويستهدف ذلك تقليص اعتماد المطورين على أموال المشترين وتمييز تمويل البناء عن تمويل المضاربة والتوسع. كما اتجه التنظيم إلى تطوير سوق إيجار أكثر استقرارًا، وبناء نظام سكني يدعم الإيجار والشراء معًا. (223) وتحمل هذه الإجراءات إمكانًا لإعادة تعريف وظيفة القطاع. فتحويل مساكن تجارية قائمة إلى مساكن مدعومة أو إيجارية يحقق غايتين في الوقت نفسه: تقليص المخزون غير المباع وتوسيع الحصول على السكن للفئات التي لا تستطيع شرائه بالسعر التجاري. كما أن الانتقال التدريجي إلى بيع المساكن المكتملة يقلل الخطر الذي تتحمله الأسر ويجبر المطور على إثبات قدرته التمويلية قبل نقل العبء إلى المشتري. لكن نجاح شراء المساكن القائمة يتوقف على السعر والموقع والنوعية والحاجة الفعلية. فإذا اشترت الجهات العامة وحدات مرتفعة الكلفة أو بعيدة عن فرص العمل لمجرد تحسين ميزانيات المطورين، فقد تنتقل الخسارة إلى القطاع العام من دون حل المسألة السكنية. أما إذا اختيرت المساكن وفق حاجات العمال والشباب والمهاجرين وكبار السن، وأديرت بإيجارات مناسبة وربطت بالنقل والخدمات، فإن المخزون العقاري يتحول من أصل معطل إلى وسيلة اجتماعية للاستهلاك. وتظل استعادة الثقة مرتبطةً كذلك بحسم مصير المطورين المتعثرين. فقد رأى صندوق النقد الدولي في تقييمه المنشور في شباط/فبراير 2026 أن توفير تمويل حكومي مركزي لمعالجة المساكن المبيعة مسبقًا وغير المكتملة يمكن أن يساعد على استعادة ثقة المستهلكين. ويصح هذا الاستنتاج بقدر ما يعطي الأولوية للمشترين وإنجاز المساكن، لكنه يحتاج إلى أن يقترن بإعادة هيكلة شفافة للشركات والديون حتى لا تتحول حماية الأسر إلى حماية غير مشروطة للدائنين والمساهمين. (224) التقدير الماركسي للفصل السابع يمثل تطوير القوى المنتجة شرطًا ماديًا لتحسين المعيشة، لكنه لا يحدد وحده كيف تُوزع مكاسب الإنتاجية. وقد أتاح الاستثمار الصيني بناء قاعدة صناعية وسكنية واسعة؛ إلا أن تكرار المشروعات ضعيفة العائد وارتفاع كلفة السكن يحدان من قدرة العاملين على الانتفاع بنتائج عملهم. ولا تعني إعادة التوازن استبدال الاستثمار بالاستهلاك الخاص بصورة آلية. فالأهم توجيه قسم أكبر من الفائض إلى أجور وخدمات عامة وسكن ميسر، وإلى استثمار اجتماعي وإنتاجي يلبّي حاجات فعلية. وتتيح الملكية العامة للأرض والمصارف أدوات لهذا التحول، لكن أثرها يتوقف على طريقة استخدامها وعلى مشاركة العاملين والسكان في تحديد الأولويات ومراقبة النتائج. وتكشف الأزمة العقارية التوتر بين المسكن بوصفه حاجة اجتماعية والمسكن بوصفه أصلًا ماليًا. لذلك لا يُقاس نجاح المعالجة باستقرار الأسعار والمبيعات وحده؛ بل بإنجاز المساكن، وخفض عبء السكن على الأسر، وإعادة توجيه التمويل بعيدًا عن دورة توسع تعتمد على ارتفاع قيمة الأرض. مصادر الفصل السابع (207) شي جين بينغ، رفع راية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية عاليًا والنضال المتضامن من أجل بناء دولة اشتراكية حديثة على نحو شامل: التقرير المقدم إلى المؤتمر الوطني العشرين للحزب الشيوعي الصيني، 16 تشرين الأول/أكتوبر 2022، ولا سيما القسم المتعلق بإنشاء نمط تنموي جديد ودفع التنمية عالية الجودة، النص العربي الكامل؛ واللجنة المركزية العشرون للحزب الشيوعي الصيني، قرار بشأن مواصلة تعميق الإصلاح على نحو شامل ودفع التحديث الصيني، 18 تموز/يوليو 2024، وانظر بيان الدورة الكاملة الثالثة بالعربية. (208) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي لجمهورية الصين الشعبية بشأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025، 28 شباط/فبراير 2026، ولا سيما البيانات المتعلقة بإنتاجية العمل والصناعات التحويلية العالية التقنية والإنفاق على البحث والتطوير، النص الرسمي الإنجليزي. (209) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص 402–412، 465–621، النسخة العربية المصوّرة. (210) فلاديمير إيليتش لينين، «المهام المباشرة أمام السلطة السوفييتية»، ضمن: المختارات في عشرة مجلدات، المجلد الثامن، ترجمة إلياس شاهين، موسكو: دار التقدم، 1977، ص30، النسخة العربية. . (211) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025، 28 شباط/فبراير 2026، ولا سيما بيانات مساهمة الإنفاق الاستهلاكي النهائي وتكوين رأس المال وصافي الصادرات في نمو الناتج، النص الرسمي؛ وصندوق النقد الدولي، جمهورية الصين الشعبية: مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، تقرير الدولة رقم 26/044، شباط/فبراير 2026، ولا سيما الفقرات 48–52 والجدول السادس المتعلق بإعادة التوازن، مع ملاحظة أن قيم عام 2025 في الجدول تمتد حتى الربع الثالث، التقرير الكامل. (212) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثاني، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص400–406 و443–590، النسخة العربية المصوّرة. (213) فلاديمير إيليتش لينين، تطور الرأسمالية في روسيا: في عملية تكوّن سوق داخلية للصناعة الكبيرة، ترجمة فواز طرابلسي، ط1، بيروت: دار الطليعة، تموز/يوليو 1979، ص46، النسخة العربية المصوّرة. (214) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص569، النسخة العربية المصوّرة. (215) البنك الدولي، مستجدات الاقتصاد الصيني: دفع الإصلاحات وتحسين الآفاق، كانون الأول/ديسمبر 2025، ولا سيما القسم الخاص بادخار الأسر والوساطة المالية وأثر الشيخوخة والحماية الاجتماعية وتفاوت الدخل والعقارات في الاستهلاك، التقرير الكامل؛ وصندوق النقد الدولي، مشاورات المادة الرابعة لعام 2025، الفقرات 48–52. (216) اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ومجلس الدولة، خطة العمل الخاصة لتعزيز الاستهلاك، 16 آذار/مارس 2025، المتضمنة ثلاثين مهمة في ثمانية مجالات، النص الصيني الرسمي؛ وانظر العرض العربي: «الصين تكشف عن خطة بشأن مبادرات خاصة لتعزيز الاستهلاك»، وكالة أنباء شينخوا، 17 آذار/مارس 2025، النص العربي. (217) «الصين تعتزم تعزيز الاستهلاك ودخل السكان»، وكالة أنباء شينخوا، 5 آذار/مارس 2026، بشأن خطة زيادة دخول سكان المدن والأرياف ومخصصات استبدال السلع وصندوق دعم الطلب المحلي، النص العربي؛ ومجلس الدولة الصيني، خطة توسيع الاستهلاك خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة 2026–2030، تموز/يوليو 2026، ولا سيما ما يتعلق برفع الدخول وتحسين الضمان الاجتماعي وزيادة الاستهلاك العام، العرض الرسمي الإنجليزي. (218) دستور جمهورية الصين الشعبية، المادة العاشرة، بشأن ملكية الدولة للأرض الحضرية وإمكان نقل حقوق استخدامها وفق القانون، النص الإنجليزي الرسمي؛ وقانون الملكية، المواد 135–149، بشأن إنشاء حقوق استخدام أرض البناء ونقلها ورهنها ومددها، النص الإنجليزي الرسمي. (219) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص760 و898–899، النسخة العربية المصوّرة. (220) فريدريك إنجلز، «مسألة السكن»، ضمن: نصوص مختارة، ترجمة وضحى البني، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 1972، ص432–436، النسخة العربية المصوّرة. (221) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، الاستثمار في التطوير العقاري لعام 2025، 20 كانون الثاني/يناير 2026، البيانات الرسمية؛ والمكتب الوطني للإحصاء، الاستثمار في التطوير العقاري من كانون الثاني/يناير إلى حزيران/يونيو 2026، 16 تموز/يوليو 2026، البيانات الرسمية. (222) «وزير: الصين تحافظ على استقرار سوق العقارات بشكل حازم»، وكالة أنباء شينخوا، 9 آذار/مارس 2025، بشأن توسيع القوائم البيضاء وضمان تسليم المساكن، النص العربي؛ ومجلس الدولة الصيني، «الصين تعلن حزمة سياسات جديدة لدعم التعافي الاقتصادي»، 7 أيار/مايو 2025، بشأن قيمة القروض المعتمدة للمشروعات وعدد المساكن التي دُفع بناؤها وتسليمها، النص الإنجليزي الرسمي. (223) «الصين تتعهد بتحقيق الاستقرار في سوق العقارات»، وكالة أنباء شينخوا، 24 كانون الأول/ديسمبر 2025، بشأن ضبط المعروض الجديد وخفض المخزون وتشجيع بيع المنازل المكتملة والرقابة على الدفعات المقدمة، النص العربي؛ ومجلس الدولة الصيني، تقرير عمل الحكومة لعام 2026، بشأن تنشيط المساكن القائمة وشراء قسم منها للإسكان المدعوم وبناء نموذج جديد للتطوير العقاري، النص الإنجليزي الكامل. (224) صندوق النقد الدولي، اختتام المجلس التنفيذي لمشاورات المادة الرابعة لعام 2025 مع الصين، 18 شباط/فبراير 2026، ولا سيما التوصية بتوفير تمويل مركزي لمعالجة المساكن المبيعة مسبقًا وغير المكتملة واستعادة ثقة الأسر، النص
#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
التقدم العلمي والاجتماعي وحدود تعميم التجربة الصينية
-
بناء القاعدة المادية والتحول الصناعي في الصين
-
العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية في اشتراكية السوق الص
...
-
«البُرْدان» لعبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - سيميائية في
...
-
البنية المؤسسية للنموذج الصيني: الحزب والدولة والسوق والملكي
...
-
من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاري
...
-
اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البن
...
-
تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمي
...
-
الومضة عند يحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-نفسية-سياسية
-
لو كنت شجرة * / للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند
-
مرثية إلى ابن المقفّع- لجواد غلوم: من جرح الذات إلى وجع الجم
...
-
قبلة أخيرة على حافة الحرية
-
تمثلات البراءة والفساد في ومضة «إلى سبطي حيدر» ليحيى السماوي
...
-
دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي
...
-
الوعي والتحول في ومضة ليحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-
...
-
الترتيل واليقين: قراءة نفسية‑سياسية في قصيدة -ترتيلة ا
...
-
جماليات الاحتفاء وبنية المعنى: مقاربة بنيوية–سيميائية–نفسية
...
-
الجسد بوصفه ذاكرة: قراءة بنيوية – سيميائية – نفسية في رباعيا
...
-
حين يُحاكَم المخاطَب قبل الإمبراطورية:قراءة نقدية متعددة الم
...
-
حلبجة: صرخة من السليمانية
المزيد.....
-
صاروخ مندفع..لقطة مذهلة لطائر يغوص تحت الماء تفوز بمسابقة مص
...
-
تصاميم عربية تتصدّر إطلالات حفل جوائز MTV للفيديوهات الموسيق
...
-
-لونلي بلانيت- تكشف عن أفضل وجهات السفر لعام 2027
-
بيل غيتس: التعاون العالمي في الذكاء الاصطناعي أصعب من محادثا
...
-
تجربة مفاجئة تعزز قابلية أحد أقمار زحل لاحتضان الحياة
-
بقدرة 580 حصانا.. جرار روسي جديد يدخل فئة الآلات الزراعية فا
...
-
المبادرة المصرية تنتقد استبعاد المتزوجات من السكن الجامعي وت
...
-
مسؤول عراقي: الجيش الأمريكي يستكمل انسحابه من البلاد
-
روسيا.. إدراج -جمعية الديمقراطية الروسية- في بريطانيا على قا
...
-
البرلمان الهنغاري يرفع الحصانة عن رئيس الوزراء بيتر ماغيار ع
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|