|
|
الدين المحلي والتحول الديموغرافي والبيئي في الصين
سهيل الزهاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8858 - 2026 / 10 / 14 - 16:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الفصل الثامن:
تمهيد أظهرت التحولات التي تناولتها الفصول السابقة أن التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني لم تعد تقتصر على التقلبات الدورية في معدلات النمو أو السوق العقارية، بل أخذت تمس بصورة متزايدة الشروط التي قام عليها نموذج التوسع السريع نفسه. فقد أتاح الاستثمار واسع النطاق في الصناعة والبنية التحتية والتحضر بناء قاعدة إنتاجية ضخمة، ورفع مستويات المعيشة، وتعزيز القدرة المادية والتكنولوجية للاقتصاد؛ غير أن هذه العملية أفرزت في الوقت نفسه اختلالات تراكمت عبر عقود من النمو الكثيف، وظهرت آثارها بوضوح في مالية الحكومات المحلية، وفي البنية الديموغرافية، وفي علاقة الإنتاج بالطاقة والموارد الطبيعية. ولا تمثل ديون الحكومات المحلية والشيخوخة السكانية والتحول البيئي ثلاث مشكلات مستقلة يمكن تحليل كل منها بمعزل عن الأخرى، بل تكشف، على مستويات مختلفة، حدودًا تواجه عملية إعادة إنتاج الاقتصاد والمجتمع. فالدين المحلي يجسد العلاقة بين التوسع الاستثماري الراهن والمطالبات المترتبة على الإيرادات المستقبلية، والتحول الديموغرافي يعيد طرح مسألة إنتاج قوة العمل وتجديدها ورعايتها، بينما يكشف التحول البيئي الحدود الطبيعية التي يعمل ضمنها الإنتاج المادي، وما يترتب على استنزاف الموارد والتلوث والانبعاثات من تكاليف اجتماعية واقتصادية. وتنبع أهمية النظر إلى هذه القضايا ضمن إطار واحد من أن معالجة إحداها تؤثر مباشرة في المشكلات الأخرى. فتخصيص موارد متزايدة لخدمة الدين قد يضيّق الحيز المالي المتاح للصحة والتعليم والمعاشات والرعاية الاجتماعية، في الوقت الذي تؤدي فيه الشيخوخة إلى زيادة الحاجة إلى هذه الخدمات. كما أن إعادة توجيه الاستثمار بعيدًا عن العقارات والبنية التحتية التقليدية تطرح سؤال المجالات التي ينبغي توجيه الموارد إليها، وهنا تبرز الطاقة النظيفة والصحة والرعاية والتكنولوجيا والخدمات العامة بوصفها مكونات محتملة لمرحلة مختلفة من التنمية. ومن هذا المنظور، لا يبحث الفصل في ما إذا كان النمو الصيني قد وصل إلى نهاية حتمية، وإنما في الشروط التي يتطلبها انتقاله من مرحلة كان التوسع الكمي في الاستثمار والطاقة وقوة العمل أحد محركاتها الأساسية، إلى مرحلة تصبح فيها نوعية الاستثمار، وإنتاجية العمل، والحماية الاجتماعية، وكفاءة استخدام الموارد، والقدرة على تجديد الشروط الاجتماعية والطبيعية للإنتاج أكثر حسمًا لاستدامة التنمية. أولًا: ديون الحكومات المحلية ومنصات التمويل وحدود التوسع الاستثماري الدين المحلي بوصفه نتاجًا لمسار التنمية لا يمكن فهم قضية الدين المحلي في الصين إذا عولجت باعتبارها خللًا ماليًا مستقلًا عن مسار التنمية الذي اتبعته البلاد خلال العقود الماضية. فقد أدت الحكومات المحلية دورًا أساسيًا في تمويل الطرق وشبكات المترو والطاقة والمياه والمناطق الصناعية والإسكان والمرافق الاجتماعية، وأسهمت هذه الاستثمارات في ربط الأسواق، وتوسيع المدن، وتطوير القاعدة الإنتاجية، وتحسين شروط الحياة. ولذلك لا يصح النظر إلى كل دين محلي بوصفه عبئًا غير منتج، لأن جزءًا منه موّل أصولًا عامة أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في رفع الإنتاجية الاجتماعية والاقتصادية. غير أن الآلية التي ساعدت على تسريع التصنيع والتحضر بدأت تكشف حدودها مع تغير البيئة الاقتصادية. فقد اقترن التوسع الاستثماري بالاعتماد على الاقتراض وإيرادات منح حقوق استخدام الأرض، في حين تراكمت التزامات متفاوتة من حيث طبيعتها وجدواها وقدرتها على توليد الإيرادات. ومع تراجع السوق العقارية وانخفاض إيرادات الأرض، أصبحت الحكومات المحلية مطالبة في الوقت نفسه بتمويل الخدمات العامة، والمحافظة على النشاط الاقتصادي والاستثمار، وخدمة رصيد متزايد من الديون. وهكذا لم تعد قضية الدين منفصلة عن كيفية توزيع الموارد داخل الاقتصاد. فكل مورد يخصص لخدمة دين نشأ عن استثمار ضعيف الاستخدام يقلل، في الظروف نفسها، المجال المتاح للتعليم والصحة والرعاية والمعاشات وحماية دخول الأسر. ومن ثم لا تمثل معالجة الدين مجرد تسوية محاسبية، بل ترتبط بإعادة توجيه الموارد بين الاستثمار المادي والخدمات العامة والاستهلاك الاجتماعي. جذور التوسع في الاقتراض المحلي تتحمل الحكومات المحلية مسؤوليات واسعة في مجالات التعليم والصحة والنقل والإسكان والتنمية الحضرية والخدمات الاجتماعية، من دون أن تتوسع مواردها الضريبية المستقرة دائمًا بالمقدار نفسه. ومع تسارع التحضر والتصنيع أصبح الاقتراض وسيلة لتمويل أصول طويلة الأجل تتجاوز كلفتها قدرة الموازنات السنوية. ولا يمثل ذلك مشكلة في ذاته ما دامت هناك علاقة معقولة بين كلفة التمويل وعمر الأصل وعائده الاقتصادي أو الاجتماعي وقدرة الجهة المقترضة على تحمل الالتزام. لكن الضغوط ازدادت عندما اقترن الاستثمار المحلي بأهداف مرتفعة للنمو، ودخلت المقاطعات والمدن في تنافس لجذب المشروعات وتوسيع البنية التحتية والقطاعات ذات الأولوية. وقد يؤدي هذا النوع من المنافسة إلى تكرار بعض الاستثمارات أو انخفاض استخدامها وعوائدها، وإلى توجيه موارد إضافية إلى مشروعات لا تتناسب منافعها الفعلية مع كلفتها. كما جعل الاعتماد على إيرادات منح حقوق استخدام الأرض مالية الحكومات المحلية شديدة الارتباط بدورة العقارات. فعندما كانت أسعار الأراضي ومبيعاتها ترتفع، أمكن تمويل جانب من الإنفاق وخدمة الالتزامات من هذه الإيرادات. لكن تراجع السوق العقارية قلص هذا المورد، في حين ظلت الديون والالتزامات القائمة مستحقة. ولا تنفصل معالجة هذه المشكلة عن إصلاح العلاقة المالية بين الحكومة المركزية والمستويات المحلية. وقد شملت الإصلاحات المعلنة تحسين نظام التحويلات، وزيادة الموارد المتاحة للحكومات المحلية، وتحويل جانب من إيرادات ضريبة الاستهلاك تدريجيًا إلى المستوى المحلي، وتحسين تقاسم الضرائب، إلى جانب إصلاح النظام المالي دون مستوى المقاطعات. (225) منصات التمويل ونشوء الديون الخفية عندما كانت قدرة الحكومات المحلية على الاقتراض المباشر مقيدة، أنشأت كثير منها شركات عُرفت باسم «منصات تمويل الحكومات المحلية». وتملك السلطات المحلية هذه المنصات أو تسيطر عليها، وتزودها بأراض وأصول وحقوق تشغيل، ثم تستخدمها للحصول على القروض أو إصدار السندات لتمويل البنية التحتية والتنمية الحضرية. وأتاحت هذه الآلية تنفيذ مشروعات تتجاوز الإمكانات السنوية للموازنات، لكنها أبعدت في الوقت نفسه قسمًا من الاقتراض عن الحسابات الحكومية المباشرة. فالدين يسجل قانونيًا على الشركة، بينما قد يتوقع المقرض أن تتدخل الحكومة المحلية إذا عجزت المنصة عن السداد. وبهذا نشأت منطقة مؤسسية رمادية بين الدين التجاري والدين الحكومي. ومن هنا برز مفهوم «الديون الخفية»، أي الالتزامات التي تنشأ خارج القنوات والسقوف القانونية للدين الحكومي، مع وجود مسؤولية حكومية صريحة أو ضمنية عنها. ومع ذلك لا ينبغي اعتبار كل دين تتحمله منصة تمويل دينًا حكوميًا خفيًا، لأن بعض المنصات تمتلك أنشطة تجارية وأصولًا وإيرادات تستطيع من خلالها خدمة جانب من التزاماتها. ويقتضي التقدير الدقيق، لذلك، التمييز بين التزامات الشركات القابلة للخدمة من مواردها الخاصة والالتزامات التي تعتمد فعليًا على المالية العامة. (226) ولهذا فإن جمع جميع ديون منصات التمويل مع الدين الحكومي القانوني، من دون فحص طبيعة الالتزامات أو استبعاد التداخل بينها، قد يؤدي إلى تضخيم الخطر، بينما يؤدي تجاهل الالتزامات الحكومية الضمنية إلى التقليل منه. وتتمثل المسألة الأساسية في تحديد الجزء الذي يمثل مسؤولية تجارية حقيقية والجزء الذي تتحمل المالية العامة مسؤوليته الفعلية. وبحسب التقرير الحكومي، بلغ الدين القانوني للحكومات المحلية في نهاية عام 2024 نحو 47.5 تريليون يوان، في حين بلغ رصيد الديون المحلية الخفية نحو 10.5 تريليونات يوان. (226) ويكشف ظهور الرقمين معًا أن المشكلة لا تتعلق بحجم الدين وحده، وإنما كذلك بالفجوة بين الالتزامات المسجلة رسميًا وتلك التي نشأت خارج القنوات الاعتيادية للموازنة. ومن هنا تصبح الشفافية جزءًا من إدارة المخاطر المالية نفسها. الدين العام والرأسمال الوهمي يعبر الدين عن علاقة زمنية بين موارد تستخدم في الحاضر وإيرادات ينتظر تحققها في المستقبل. فالاقتراض يسمح بتنفيذ استثمارات تتجاوز قدرة الموازنة السنوية على تمويلها دفعة واحدة، لكنه ينشئ في المقابل مطالبة على الإيرادات المقبلة. ولذلك لا تتحدد سلامة الدين بحجمه المجرد، بل بطبيعة الاستخدام الذي موّله وبقدرة الاقتصاد أو المالية العامة على تحمل خدمته. حلل ماركس الدين العام والسندات في المجلد الثالث من رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي ضمن بحثه في الرأسمال المدر للفائدة والرأسمال الوهمي. فالدائن الذي يقرض الدولة يكتسب حقًا في دخل دوري، ويمكن أن تتحول هذه المطالبة إلى ورقة مالية قابلة للبيع والتداول. وبهذه العملية تظهر المطالبة على الإيرادات المستقبلية كما لو كانت رأسمالًا قائمًا بذاته، مع أنها لا تمثل بذاتها مصنعًا أو آلة أو عنصرًا جديدًا من عناصر رأس المال المنتج، وإنما حقًا ماليًا في قسم من الإيرادات العامة المستقبلية. (227) ولا يعني وصف هذا الشكل بأنه «رأسمال وهمي» أن السند غير حقيقي أو أن الفائدة التي يتلقاها مالكه وهمية من الناحية القانونية والنقدية. إن الطابع الوهمي يتعلق باستقلال المظهر المالي للمطالبة عن الأساس الذي يولد الدخل الذي تستند إليه. فالورقة المالية تتخذ في التداول صورة قيمة رأسمالية قائمة بذاتها، بينما تعتمد قدرتها على تحقيق الدخل في النهاية على تدفقات مستقبلية مصدرها النشاط الاقتصادي والاجتماعي. ويفيد هذا التمييز في تحليل الدين المحلي الصيني. فالاقتراض الذي يمول شبكة نقل أو مستشفى أو بنية تحتية منتجة يستطيع توسيع القدرة الاجتماعية والإنتاجية، لكن الأداة المالية الصادرة لتمويله تبقى مطالبة مالية منفصلة عن الأصل المادي نفسه. ولذلك لا يكفي وجود أصل مادي خلف الدين للحكم على استدامته، بل ينبغي النظر إلى مقدار استخدام ذلك الأصل، ومنافعه الاقتصادية والاجتماعية، ومصدر الإيرادات التي ستتحمل خدمة الالتزام. ويتطلب ذلك التمييز أيضًا بين العائد المالي والعائد الاجتماعي. فالمدرسة والمستشفى وشبكة المياه قد لا تولد تدفقًا نقديًا مباشرًا يكفي لسداد الدين، لكنها تحقق منافع اجتماعية واقتصادية واسعة من خلال تحسين التعليم والصحة والإنتاجية. ولا يكمن الخلل في تمويل هذه الخدمات من الضرائب أو التحويلات، وإنما في تمويلها كما لو كانت مشروعات تجارية مستقلة تستطيع تغطية كلفتها كاملة من إيراداتها الخاصة. كذلك قد يظهر الأصل نفسه في النظام المالي بأشكال متعددة: بنية تحتية تخدم السكان، وضمانًا لقرض مصرفي، ومصدرًا متوقعًا لإيرادات سند، وعنصرًا في تقييم أصول منصة التمويل. غير أن تعدد المطالبات المرتبطة بالأصل لا يخلق في ذاته ثروة مادية إضافية. وعندما تتراجع إيرادات المشروع أو قيمة الأرض أو قدرة الحكومة المحلية على السداد، تنكشف الفجوة بين الأصل المادي والمطالبات المالية المتراكمة عليه. حجم الدين ودلالة ارتفاع الأرقام الرسمية بلغ رصيد الدين القانوني للحكومات المحلية في نهاية عام 2025 نحو 54.82 تريليون يوان، منه قرابة 17.51 تريليون يوان من الديون العامة و37.31 تريليونًا من الديون الخاصة بالمشروعات، وفق التصنيف الحكومي. (228) وفي نهاية حزيران/يونيو 2026 ارتفع الرصيد إلى 58.7706 تريليون يوان، توزعت على 17.8413 تريليونًا من الديون العامة و40.9293 تريليونًا من الديون الخاصة. وبلغ متوسط الأجل المتبقي لسندات الحكومات المحلية 10.8 سنوات، بينما بلغ متوسط سعر فائدتها 2.74 في المائة. (228) ولا يعني ارتفاع الدين القانوني المسجل بين عامي 2024 و2026 أن الزيادة كلها تمثل اقتراضًا جديدًا أو تدهورًا مماثلًا في المركز المالي. فقد نتج جزء من الزيادة عن تحويل ديون خفية مرتفعة الكلفة وقصيرة الأجل إلى سندات حكومية رسمية أطول أجلًا وأقل كلفة. وهكذا أصبح جزء من الالتزامات التي كانت قائمة من قبل ظاهرًا في الحسابات الرسمية. وتفسر هذه العملية إمكان ارتفاع رقم الدين الرسمي بالتزامن مع تحسن بعض جوانب إدارته. فتحويل الالتزام من خارج الموازنة إلى داخلها يزيد الشفافية وقد يقلل مخاطر إعادة التمويل، لكنه لا يلغي الدين الاقتصادي الذي كان موجودًا قبل تحويله. ولذلك لا يدل ارتفاع الدين القانوني وحده على زيادة مساوية في الأعباء الجديدة، مثلما لا يعني عدم تسجيل الالتزام رسميًا أنه لم يكن موجودًا. وخلال النصف الأول من عام 2026 بلغ مجموع سندات الحكومات المحلية المصدرة 5.8706 تريليونات يوان، منها 2.4475 تريليون يوان من السندات الجديدة و3.4231 تريليونات من سندات إعادة التمويل. (228) وتوضح هذه الأرقام أن إدارة الالتزامات القائمة وتجديدها مثلت جانبًا مهمًا من النشاط التمويلي، ولم تكن الإصدارات كلها موجهة إلى استثمارات إضافية. ومن ثم لا يكفي إجمالي الدين للحكم على درجة المخاطرة، بل ينبغي تحليل تركيب الدين، ومقدار الاقتراض الجديد، والدين المعاد تمويله أو المحول من الصيغة الخفية، وآجال الاستحقاق، وأسعار الفائدة، وتوزيع الالتزامات بين المناطق، وطبيعة المشروعات التي مولتها. ويكتسب التفاوت الإقليمي أهمية خاصة. فقد تستطيع مقاطعة ذات اقتصاد متنوع وإيرادات مستقرة تحمل مستوى مرتفع نسبيًا من الدين، بينما تواجه مدينة أصغر مخاطر أكبر عند مستوى أقل إذا كانت تعتمد بدرجة واسعة على مبيعات الأراضي أو سوق عقارية متراجعة أو مجموعة محدودة من المشروعات. ولهذا لا ينبغي أن تحجب المؤشرات الوطنية المتوسطة الفروق الكبيرة بين القدرات المالية المحلية. استبدال الديون: خفض الكلفة من دون إلغاء الالتزام وافقت الصين في عام 2024 على برنامج لاستبدال جانب من الديون المحلية الخفية من خلال زيادة سقف ديون الحكومات المحلية بستة تريليونات يوان موزعة على ثلاثة أعوام، بمقدار تريليوني يوان سنويًا. ويسمح البرنامج للحكومات المحلية بإصدار سندات رسمية تحل محل التزامات خفية كانت في الغالب أعلى كلفة وأقل شفافية. (229) وأسفرت السندات الصادرة في عام 2024 ضمن البرنامج عن خفض متوسط كلفة الفائدة بأكثر من 2.5 نقطة مئوية، وقدرت الجهات الرسمية أن يؤدي ذلك إلى توفير يزيد على مئتي مليار يوان من مدفوعات الفائدة خلال خمس سنوات. وفي عام 2025 صدر مبلغ تريليوني يوان المخصص لذلك العام من سندات الاستبدال. (229) ويحقق الاستبدال منافع واضحة؛ إذ يستطيع خفض كلفة التمويل، وإطالة آجال الاستحقاق، وتقليل مخاطر إعادة التمويل القريبة، ونقل الالتزامات إلى حسابات أكثر شفافية. كما يخفف الضغوط التي قد تدفع الحكومات المحلية إلى تقليص الإنفاق بصورة مفاجئة من أجل مواجهة التزامات قصيرة الأجل. لكنه لا يطفئ الدين ولا يولد في ذاته إيرادًا اقتصاديًا جديدًا، ولا يحول مشروعًا ضعيف الجدوى إلى مشروع منتج. فهو يغير الشكل القانوني والمحاسبي للالتزام وكلفته وأجل استحقاقه، لكنه لا يلغي الخسارة الاقتصادية التي قد تكون نتجت عن استثمار لم يحقق منفعة مالية أو اجتماعية تتناسب مع كلفته. وإذا انتقلت التزامات منصة متعثرة إلى الموازنة العامة من دون مراجعة أصولها وإدارتها ومشروعاتها، فقد تتحول خسارة الشركة أو المقرض إلى عبء تتحمله المالية العامة. وقد يؤدي توقع الإنقاذ الحكومي كذلك إلى إضعاف الانضباط المالي إذا أصبح المقرضون والمقترضون يتصرفون على أساس أن السلطة العامة ستتحمل الالتزامات في نهاية المطاف. لذلك ينبغي أن يقترن استبدال الديون بتقييم المشروعات والأصول، وتحديد المسؤوليات، والتمييز بين الوظائف العامة والأنشطة التجارية. وحماية مدرسة أو مستشفى أو شبكة نقل لا تستلزم بالضرورة ضمان القيمة الكاملة لكل مطالبة مالية مرتبطة بالجهة التي مولتها. فمن الممكن حماية الخدمة العامة مع إعادة هيكلة الكيان المالي الذي تولى تمويلها. السندات الخاصة وإشكالية العائد تستخدم الحكومات المحلية السندات الخاصة لتمويل مشروعات محددة يفترض أن تمتلك مصادر واضحة للسداد. وقد أسهمت هذه السندات في تمويل النقل والطاقة والمياه والمناطق الصناعية والتجديد الحضري وغيرها من الاستثمارات طويلة الأجل. غير أن اشتراط وجود إيرادات للمشروع قد يشجع أحيانًا على الإفراط في تقدير التدفقات النقدية المستقبلية أو الزيادة المتوقعة في قيمة الأراضي المحيطة به. فقد تُبنى الخطة المالية لمشروع نقل أو منطقة صناعية على افتراض ارتفاع أسعار الأراضي وزيادة النشاط العقاري، ثم تتغير ظروف السوق أو السكان فلا تتحقق هذه التوقعات بالمستوى المفترض. ولا ينبغي أن يقود ذلك إلى رفض المشروعات التي لا تحقق أرباحًا تجارية مباشرة. فجزء كبير من البنية التحتية العامة ينتج منافع موزعة على المجتمع والاقتصاد لا تستطيع الجهة المنفذة تحويلها كلها إلى دخل نقدي. فالطريق قد يقلل زمن النقل، والمدرسة ترفع المهارات، وشبكة الصرف تحسن الصحة العامة، من دون أن تحقق هذه المرافق إيرادًا ماليًا يعادل منفعتها الاجتماعية. ولهذا يمكن التمييز بين ثلاثة أنماط من المشروعات: مشروعات تولد إيرادات مباشرة تكفي لخدمة الدين؛ ومشروعات لا تحقق تدفقًا نقديًا كافيًا لكنها تولد منافع اجتماعية واقتصادية تبرر تمويلها من الضرائب والتحويلات؛ ومشروعات ضعيفة الاستخدام لا تحقق عائدًا ماليًا ولا منفعة اجتماعية تتناسب مع كلفتها. ولا تكمن المشكلة في النمط الثاني، وإنما في تمويله كما لو كان من النمط الأول. فإذا كانت المدرسة أو المستشفى أو شبكة المياه خدمة عامة، ينبغي إظهار كلفتها ومسؤولية تمويلها داخل المالية العامة، بدل بناء خطة السداد على إيرادات تجارية غير مؤكدة. أما المشروعات التي لا تحقق منفعة مناسبة، فالأجدى تعديلها أو وقفها أو إعادة هيكلتها بدل الاستمرار في تمويلها لتأجيل الاعتراف بالخسارة. خصوصية الدين الصيني وحدود المقارنة بأزمات الدين الخارجي تختلف طبيعة الدين المحلي الصيني عن أزمات الدين التي تنشأ حين تعتمد دولة بدرجة واسعة على الاقتراض الخارجي أو بالعملة الأجنبية. ويشير تقييم صندوق النقد الدولي لاستدامة الدين العام الصيني، المنشور عام 2024، إلى أن نحو 95 في المائة من الدين الذي يتناوله التقييم كان في حيازة مقيمين محليين، وأن جزءًا صغيرًا منه كان مقومًا بعملات أجنبية، في سياق نظام مالي يتمتع فيه القطاع العام بحضور واسع. (230) وتحد هذه البنية من بعض قنوات انتقال أزمات الدين الخارجي التقليدية، كما تمنح السلطات أدوات واسعة للتعامل مع إعادة التمويل وإعادة هيكلة الالتزامات داخل النظام المالي. غير أن القدرة على إدارة التعثر لا تلغي الخسارة الاقتصادية التي قد تكون نشأت بالفعل. فإذا مُدد قرض غير قابل للسداد سنوات طويلة، فقد يستمر في ميزانية المصرف أصلًا اسميًا لا يحقق عائدًا اقتصاديًا مناسبًا. وإذا تحملت المؤسسات المصرفية الخسائر، فقد يؤثر ذلك في قدرتها على تخصيص الائتمان لاستثمارات أخرى. وإذا انتقلت الخسارة إلى المالية العامة، أصبحت التزامًا أوسع. أما إذا تمت المعالجة عن طريق خفض الإنفاق المحلي، فقد تنتقل الكلفة إلى التعليم والصحة والأجور والخدمات الاجتماعية. ومن ثم تستطيع المؤسسات المالية والإدارية تغيير توقيت ظهور الخسارة وتوزيعها بين المصارف والمنصات والحكومات المحلية والمركزية، لكنها لا تستطيع إلغاء الخسارة الاقتصادية الناتجة عن استثمار لا يحقق منافع تتناسب مع موارده. وتمثل هذه القدرة التنظيمية ميزة حين تستخدم لمنع الاضطراب وحماية الخدمات وإتاحة الوقت لإعادة الهيكلة، لكنها قد تطيل سوء تخصيص الموارد إذا استخدمت للإبقاء على جميع المشروعات والمنصات دون تمييز. بين الانضباط المالي والتقشف المحلي تؤكد السياسة الصينية ضرورة منع نشوء ديون خفية جديدة، وضبط العلاقة بين مسؤولية الحكومة ومسؤولية الشركات، وتجريد منصات التمويل من وظائف الاقتراض الحكومي غير النظامي، وتحويل الكيانات القابلة للاستمرار إلى مؤسسات تعمل استنادًا إلى مواردها وعوائدها الفعلية، مع تعزيز الرقابة على الدين المحلي. (231) ويعد هذا الانضباط ضروريًا لمنع تحول الضمان الحكومي الضمني إلى افتراض دائم، لأن اعتقاد المقترض والمقرض بأن جميع الالتزامات ستُضمن في النهاية قد يشجع على تجاهل المخاطر. غير أن الانضباط المالي لا ينبغي أن يتحول إلى تقشف محلي شامل. فإذا حاولت الحكومات المحلية استعادة التوازن المالي بسرعة من خلال خفض جميع أشكال الإنفاق، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الطلب، وتقليص الخدمات العامة، وتأخير الالتزامات، وإيقاف مشروعات اجتماعية ضرورية. وعندئذ تنتقل كلفة تصحيح اختلالات التمويل إلى العاملين والأسر والسكان، بمن فيهم من لم يكن طرفًا في قرارات الاقتراض السابقة. ومن الضروري التمييز، لذلك، بين تقليص الاستثمار ضعيف الجدوى وتقليص الوظائف الاجتماعية للدولة. فإلغاء مشروع قليل الاستخدام يختلف نوعيًا عن خفض تمويل مدرسة أو مستشفى، مثلما تختلف إعادة هيكلة منصة لا تمتلك وظيفة اقتصادية قابلة للاستمرار عن وقف خدمة عامة لأنها لا تحقق عائدًا تجاريًا. الإصلاح البنيوي للمالية المحلية وإعادة توجيه الحيز المالي لا يمكن تسوية مشكلة الدين المحلي بعملية استبدال مالي واحدة، لأنها تعكس اختلالًا أوسع في توزيع الموارد والمسؤوليات والحوافز بين المستويات الحكومية. فالحكومات المحلية تتحمل مهامًا واسعة في التعليم والصحة والنقل والرعاية والتنمية، بينما ظلت أجزاء من مواردها مرتبطة بدورة العقارات وإيرادات الأرض. وقد اتجهت الإصلاحات المعلنة إلى تحسين العلاقة المالية بين الحكومة المركزية والمستويات المحلية، وزيادة الموارد المتاحة محليًا، وتطوير نظام التحويلات، وتحسين تقاسم الإيرادات الضريبية، وتحويل جانب من إيرادات ضريبة الاستهلاك تدريجيًا إلى المستوى المحلي. (225) ويمثل ذلك محاولة لبناء قاعدة مالية أكثر استقرارًا بحيث لا تبقى الخدمات العامة شديدة الارتهان لازدهار سوق الأرض والعقار. ويتطلب الإصلاح المستدام إدخال الالتزامات العامة الفعلية في الحسابات الرسمية، وتوفير موارد منتظمة تتناسب مع المسؤوليات المحلية، وتقييم المشروعات على أساس منافعها الاقتصادية والاجتماعية خلال دورة حياتها، وإعادة هيكلة منصات التمويل وفق وظائفها، وتوسيع الشفافية والرقابة على الاقتراض واختيار المشروعات واستخدام الموارد. كما ينبغي أن يفضي خفض كلفة الدين وإعادة هيكلة المنصات إلى تحرير موارد يمكن توجيه جزء منها إلى الصحة والتعليم والرعاية والمعاشات والإسكان والحماية الاجتماعية. ولهذه السياسة وظيفة مزدوجة: فهي تحد من تحميل الأسر كلفة التصحيح المالي، وتسهم في الوقت نفسه في إعادة التوازن بين الاستثمار والاستهلاك. وبذلك لا تصبح إعادة هيكلة الدين إجراءً دفاعيًا يهدف إلى منع التعثر فحسب، بل عنصرًا في التحول نحو نموذج يعطي وزنًا أكبر لدخول الأسر والخدمات العامة ونوعية الحياة. ويقود ذلك مباشرة إلى البعد الديموغرافي للمشكلة، لأن الحاجة إلى إعادة تنظيم المالية المحلية تتزامن مع ارتفاع متطلبات الرعاية والصحة والمعاشات الناجمة عن الشيخوخة وتراجع المواليد. ثانيًا: التحول الديموغرافي وإعادة إنتاج قوة العمل من العائد الديموغرافي إلى الشيخوخة السكانية استفادت الصين خلال مرحلة التصنيع السريع من توافر قوة عمل كبيرة وشابة ومن انتقال ملايين العاملين من الريف إلى المدن والمناطق الصناعية. وقد ساعد ذلك على توسيع الإنتاج وجذب الاستثمار ورفع القدرة التنافسية وتسريع تراكم رأس المال. غير أن الشروط الديموغرافية التي رافقت هذه المرحلة أخذت تتغير مع انخفاض المواليد، وتراجع العدد الإجمالي للسكان، وارتفاع نسبة كبار السن. ولا تتمثل الدلالة الاقتصادية لهذا التحول في تناقص عدد السكان وحده، بل في تغير العلاقة بين السكان في سن العمل، والأجيال التي تدخل سوق العمل، والفئات التي تحتاج إلى المعاش والرعاية. ومن ثم تتحول الشيخوخة من مؤشر ديموغرافي إلى مسألة في الاقتصاد السياسي، لأنها تؤثر في توزيع وقت العمل والدخل والضرائب والإنفاق الاجتماعي بين الأجيال. بلغ عدد سكان البرّ الرئيسي للصين في نهاية عام 2025 نحو 1.40489 مليار نسمة، بانخفاض قدره 3.39 ملايين عن العام السابق. وسجل العام 7.92 ملايين ولادة مقابل 11.31 مليون وفاة، فبلغ معدل النمو الطبيعي سالب 2.41 في الألف. وبلغ عدد السكان الذين تراوحت أعمارهم بين 16 و59 عامًا نحو 851.36 مليون نسمة، أي 60.6 في المائة من السكان، بينما بلغ عدد من كانوا في سن الستين فأكثر 323.38 مليونًا، أي 23 في المائة، ومن بلغوا 65 عامًا فأكثر 223.65 مليونًا، أي 15.9 في المائة. (232) وتشير هذه البنية إلى انتقال الصين من مرحلة كان فيها ارتفاع نسبة السكان في سن العمل مكونًا مهمًا من مكونات النمو، إلى مرحلة تتزايد فيها نسبة كبار السن وينخفض فيها تدفق الداخلين الجدد إلى سوق العمل. غير أن ما يعرف بالعائد الديموغرافي لم يكن نتيجة آلية لكثرة السكان؛ فما حول الكتلة السكانية إلى قدرة إنتاجية كان الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية والتصنيع وتكوين سوق عمل وطنية أكثر اتساعًا. وبالمثل، لا يؤدي تراجع السكان آليًا إلى الركود. فقد يستطيع عدد أقل من العاملين إنتاج كمية أكبر من السلع والخدمات إذا ارتفعت الإنتاجية وتطورت المهارات والتكنولوجيا والتنظيم. لكن سرعة التحول تفرض على المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية التكيف مع انخفاض أعداد الطلاب والعمال الجدد ومشتري المساكن، بالتزامن مع ارتفاع الحاجة إلى المعاشات والصحة وإعادة التأهيل والرعاية طويلة الأجل. ويتفاوت أثر التحول بين المناطق. فالمراكز الاقتصادية الكبرى تستطيع جذب الشباب من مناطق أخرى، في حين قد تواجه المدن الصغيرة والمناطق الريفية تراجعًا أسرع في السكان وقاعدة الضرائب والطلب. وقد يؤدي خروج الشباب إلى زيادة نسبة المسنين في المناطق المرسلة في الوقت الذي تكون قدرتها المالية على توفير الرعاية أضعف. وهنا يظهر الترابط المباشر بين التحول الديموغرافي والدين المحلي والتفاوت الإقليمي. إعادة إنتاج السكان بوصفها علاقة إجتماعية ربط ماركس وإنجلز في الأيديولوجية الألمانية بين إنتاج الحياة المادية بواسطة العمل وإنتاج الحياة الجديدة بواسطة الإنجاب، وعدّا العمليتين وجهين مترابطين لاستمرار المجتمع. ويتيح هذا الربط فهم الأسرة والإنجاب وتربية الأطفال ضمن العلاقات الاجتماعية والمادية التي تتأثر بالعمل والأجور والسكن وتقسيم العمل والخدمات المتاحة للأسر. (233) وطور ماركس في المجلد الأول من رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي تحليل قيمة قوة العمل وإعادة إنتاجها. فقوة العمل لا تستمر تلقائيًا، وإنما تتطلب وسائل للمعيشة والسكن والملبس والصحة والراحة والتكوين، إلى جانب الشروط اللازمة لتجدد أجيال العاملين. (234) وبذلك لا تجري إعادة إنتاج قوة العمل داخل المصنع وحده، بل في فضاء اجتماعي تشترك فيه الأسرة والدولة والمدرسة ومؤسسات الصحة والتأمين والرعاية. وما يبدو إنفاقًا خارج عملية الإنتاج المباشرة، كالإنفاق على التعليم والعلاج والحضانة ورعاية المسنين، يشكل في الواقع جزءًا من الشروط التي تسمح باستمرار المجتمع وقدرته الإنتاجية. ويساعد هذا المنظور على فهم انخفاض الخصوبة في الصين من دون اختزاله في تغير القيم الفردية. فقد رافق الانتقال من المجتمع الريفي إلى المجتمع الحضري ارتفاع مدة التعليم وتكاليف السكن والحضانة والرعاية، بينما أصبحت الأسر مطالبة بتخصيص وقت وموارد أكبر لتربية الطفل وتعليمه. ويضيف عدم استقرار بعض الوظائف وطول ساعات العمل والمنافسة التعليمية أعباء أخرى إلى قرار تكوين الأسرة. وتتحمل النساء قسمًا غير متكافئ من أعمال الرعاية، إذ قد يجتمع العمل المأجور مع مسؤوليات المنزل والأطفال وكبار السن. كما يمكن أن يصبح توقع الانقطاع المرتبط بالإنجاب مصدرًا محتملًا للتمييز في التشغيل والترقية. ولذلك لا تنفصل السياسة السكانية عن المساواة في العمل والأجر وعن توزيع مسؤوليات الرعاية بين المرأة والرجل والأسرة والدولة والمؤسسات التي تستخدم قوة العمل. وقد أسهمت سياسة تحديد المواليد في العقود السابقة في تشكيل المسار الديموغرافي، لكن تخفيف القيود ثم السماح بثلاثة أطفال لم يؤديا إلى استعادة معدلات مرتفعة للخصوبة. ويشير ذلك إلى أن تغيير القاعدة القانونية لا يزيل وحده الشروط المادية والاجتماعية التي تؤثر في قرار الزواج والإنجاب. كما أن الطفل المولود اليوم لا يدخل سوق العمل إلا بعد سنوات طويلة يكون المجتمع قد أنفق خلالها على الصحة والتعليم والتكوين. ولهذا لا تمثل زيادة المواليد حلًا سريعًا لتقلص قوة العمل، وإنما خيارًا طويل المدى ترتبط نتائجه بنوعية الخدمات وقدرة الاقتصاد مستقبلًا على توفير عمل منتج ومستقر. تقلص السكان في سن العمل لا يعني اختفاء البطالة لا يؤدي انخفاض عدد السكان في سن العمل بالضرورة إلى اختفاء البطالة أو نقص التشغيل. فالطلب على العمل لا تحدده أعداد السكان وحدها، بل بنية الاستثمار والتراكم والتكنولوجيا والربحية وتوزيع النشاط بين القطاعات والمناطق. ويفيد هنا تحليل ماركس للسكان الفائضين نسبيًا أو «جيش الاحتياط الصناعي». فالتراكم لا يزيد الطلب على العمال بالمعدل نفسه في جميع المراحل؛ إذ يمكن لإدخال الآلات وارتفاع الإنتاجية وتغير التركيب التقني للإنتاج أن يقلل عدد العمال المطلوبين لإنتاج كمية معينة من السلع. وبالاستناد إلى هذا التحليل، يمكن أن يوجد فائض نسبي في قوة العمل حتى عندما يتراجع إجمالي السكان في سن العمل. (235) ولهذا يمكن أن تتزامن الشيخوخة مع البطالة أو نقص التشغيل. فقد تحتاج مؤسسات الرعاية والصحة وبعض القطاعات الصناعية إلى مزيد من العاملين، بينما يواجه خريجون شباب صعوبة في إيجاد وظائف ملائمة. كما يمكن أن يظهر نقص في تخصصات تقنية إلى جانب فائض في تخصصات أخرى، أو نقص في العمال في منطقة مع بطالة أو نقص تشغيل في منطقة ثانية. ولا تستجيب المؤسسات لنقص العمال برفع الأجور دائمًا، فقد تتجه إلى الأتمتة أو إعادة تنظيم الإنتاج أو تكثيف العمل أو استخدام أنماط أكثر مرونة في التشغيل. ولهذا يمكن لتراجع قوة العمل أن يعزز القدرة التفاوضية للعاملين في ظروف معينة، لكنه لا يضمن ذلك بصورة آلية. وفي الصين إمكانات بشرية يمكن استخدامها بكفاءة أكبر من خلال زيادة المشاركة الاقتصادية، وخفض بطالة الشباب، وتطوير المهارات، وتحسين انتقال العمال بين القطاعات والمناطق، واستكمال دمج العمال المهاجرين وأسرهم في المدن. ومن ثم لا تتمثل المسألة في عدد السكان المجرد، بل في كيفية استخدام قوة العمل الموجودة وتنمية قدراتها. رفع سن التقاعد وتوزيع أعباء التحول بدأت الصين في مطلع عام 2025 تطبيق رفع تدريجي لسن التقاعد يمتد خمسة عشر عامًا. ويرتفع بموجبه سن التقاعد للرجال تدريجيًا من ستين إلى ثلاث وستين سنة، وللعاملات اللاتي كان سن تقاعدهن خمسًا وخمسين سنة إلى ثمان وخمسين سنة، وللعاملات اللاتي كان سن تقاعدهن خمسين سنة إلى خمس وخمسين سنة. وابتداء من عام 2030 يرفع الحد الأدنى لمدة الاشتراك المطلوبة للحصول على معاش شهري تدريجيًا من خمس عشرة إلى عشرين سنة، بمعدل ستة أشهر سنويًا، مع إتاحة بعض المرونة في التقاعد وفق الشروط المحددة. (236) ويمكن لهذا الإصلاح أن يبطئ تقلص قوة العمل ويزيد مدة الاشتراك ويتيح الاستفادة من خبرة العاملين الأكبر سنًا، لكنه لا يلغي الحاجة إلى سياسة اجتماعية أوسع، لأن أثر إطالة مدة العمل يختلف باختلاف المهنة والحالة الصحية والدخل. فقد يستطيع موظف في عمل قليل الإجهاد الجسدي الاستمرار مدة أطول من عامل أمضى عقودًا في التعدين أو البناء أو النقل أو العمل الصناعي الشاق. ولهذا قد يخفي متوسط العمر المتوقع تفاوتات في العمر الصحي وفي قدرة الفئات المهنية المختلفة على الاستمرار في العمل. ويقتضي ذلك حماية العامل الأكبر سنًا من التمييز، وإتاحة التدريب وتكييف ظروف العمل، ومراعاة أوضاع العاملين في المهن الخطرة أو المجهدة، وضمان الحماية لمن تمنعهم أوضاعهم الصحية من الاستمرار. وفي المقابل لا ينبغي النظر إلى بقاء كبار السن في العمل بوصفه إزاحة حسابية مباشرة للشباب، لأن عدد الوظائف ليس مقدارًا ثابتًا. لكن إطالة مدة العمل، إذا تزامنت مع ضعف خلق الوظائف، يمكن أن تزيد المنافسة في بعض القطاعات. ولذلك ينبغي ربط إصلاح التقاعد بسياسات التشغيل والتدريب وتوسيع قطاعات الخدمات والرعاية، لا التعامل معه باعتباره تعديلًا ديموغرافيًا حسابيًا فقط. التقاعد والصحة والرعاية طويلة الأجل ترفع الشيخوخة الحاجة إلى المعاشات والعلاج وإعادة التأهيل والرعاية المنزلية والمجتمعية والمؤسسية. ولا تكمن المشكلة في طول العمر ذاته، لأن ارتفاع العمر المتوقع يمثل إنجازًا اجتماعيًا، وإنما في قدرة نظام التوزيع والخدمات على ضمان حياة كريمة خلال السنوات التي تنخفض فيها قدرة الفرد على العمل أو الاعتماد على الذات. وتجاوزت تغطية التأمين الأساسي للشيخوخة في الصين 1.07 مليار شخص في نهاية عام 2024، بزيادة قدرها 6.39 ملايين مشترك عن العام السابق. (237) غير أن اتساع التغطية لا يعني تساوي مستوى المعاشات والخدمات بين جميع السكان، نظرًا إلى الاختلافات في أنظمة الاشتراك وتاريخ العمل والوضع المهني والإمكانات المالية للأقاليم. وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا في المناطق التي يغادرها الشباب، لأن عدد دافعي الضرائب والاشتراكات قد يتراجع بالتزامن مع ارتفاع نسبة كبار السن. ويجعل ذلك تعزيز التنسيق بين المناطق ونقل الموارد وتيسير نقل الحقوق التأمينية مع انتقال العامل عناصر مهمة لمنع تحول المكان إلى محدد حاسم لمستوى الحماية في الشيخوخة. وتشير التقديرات الحكومية إلى احتمال تجاوز عدد من تبلغ أعمارهم ستين عامًا فأكثر 400 مليون نسمة قرابة عام 2035، بما يزيد على 30 في المائة من السكان. واتجهت السياسات إلى تطوير شبكة للرعاية تشمل مستويات المحافظة والبلدة والقرية وتجمع بين الرعاية المنزلية والمجتمعية والمؤسسية. (238) وفي آذار/مارس 2026 صدرت مبادئ توجيهية لتسريع إنشاء نظام وطني لتأمين الرعاية طويلة الأجل. وعند صدورها كان النظام التجريبي يغطي نحو 310 ملايين شخص، وكان أكثر من 3.3 ملايين شخص قد استفادوا من خدماته ومنافعه. (239) وبحسب البيانات المنشورة في 4 أيلول/سبتمبر 2026، تجاوزت التغطية 320 مليون شخص، وحصل أكثر من 4.6 ملايين على خدمات الرعاية، بينما بلغ الإنفاق التراكمي للصندوق 114.2 مليار يوان، مع استهداف إقامة النظام على المستوى الوطني بحلول نهاية 2028. (239) ويمثل تأمين الرعاية طويلة الأجل انتقالًا نحو توزيع أوسع لكلفة المرض والعجز بدل إبقائها مسؤولية أسرية خاصة. ويمكنه تخفيف الإنفاق المباشر وتقليل اضطرار أفراد الأسرة إلى ترك العمل من أجل رعاية قريب مسن. لكنه يتطلب تمويلًا مستقرًا ومعايير واضحة للاستحقاق، وتطويرًا لمهارات العاملين في الرعاية وتحسين شروط عملهم، ورقابة تضمن الوصول إلى الخدمة. ولا تمثل رعاية المسنين إنفاقًا غير منتج من المنظور الاجتماعي؛ فهي تلبي حاجة أساسية وتحافظ على الصحة والكرامة وتتيح لأفراد الأسرة الآخرين مواصلة العمل والمشاركة الاجتماعية. كما أن توسع الصحة والرعاية وإعادة التأهيل يمكن أن يوفر مجالات جديدة للتشغيل. سياسات دعم الإنجاب وحدود الحوافز المالية انتقلت السياسة الصينية تدريجيًا من تقييد المواليد إلى دعم الإنجاب وبناء ما تصفه الوثائق الرسمية بأنه «مجتمع صديق للإنجاب». وحددت إجراءات صادرة في تشرين الأول/أكتوبر 2024 مجالات للدعم تشمل الحمل والولادة والحضانة والتعليم والسكن والتوظيف والإجازات المرتبطة برعاية الأطفال. (240) وتعكس هذه الإجراءات إدراكًا بأن قرار الإنجاب لا يتغير بقرار إداري منفرد، بل يتأثر بالدخل والسكن واستقرار العمل وساعات العمل والتعليم والحضانة وتقسيم واجبات الرعاية داخل الأسرة. وفي عام 2025 أُنشئ برنامج وطني يقدم إعانة مقدارها 3,600 يوان سنويًا عن كل طفل دون سن الثالثة، بصرف النظر عن ترتيبه بين إخوته. وتُعفى الإعانة من ضريبة الدخل الفردية ولا تدخل في حساب دخل الأسرة لأغراض بعض أشكال المساعدة الاجتماعية. (241) ومنذ فصل الخريف لعام 2025، تقرر إعفاء الأطفال في السنة الأخيرة من رياض الأطفال العامة من رسوم الرعاية والتعليم، مع تطبيق تخفيض مقابل للأطفال في المؤسسات الخاصة وفق قيمة الإعفاء المحلي المقرر. (241) وتخفف هذه الإجراءات جزءًا من نفقات الأسرة، لكنها لا تكفي وحدها لتغيير قرارات الإنجاب إذا بقي السكن والتعليم والرعاية مرتفعة الكلفة، أو كان العمل غير مستقر أو طويل الساعات. فالإعانة خلال السنوات الأولى لا تغطي بمجردها الكلفة الممتدة لتربية الطفل، كما أن الإجازات القانونية لا تحقق غايتها بالكامل إذا أدت عمليًا إلى إضعاف فرص التشغيل أو الترقية. ولهذا يرتبط دعم الأسر بتوسيع الحضانات العامة الميسرة، وتحسين المساواة في فرص التعليم، والسكن الملائم، والحماية من التمييز، والإجازات المدفوعة، وإعادة توزيع العمل المنزلي والرعاية. كما ينبغي ألا يتحول القلق الديموغرافي إلى ضغط على النساء أو الأسر، لأن غاية السياسة الاجتماعية ليست الوصول إلى رقم سكاني مجرد، وإنما جعل تكوين الأسرة خيارًا ممكنًا في ظروف اجتماعية ومادية ملائمة. الأتمتة والإنتاجية وإعادة تنظيم وقت العمل تمتلك الصين قاعدة صناعية وتكنولوجية يمكنها أن تعوض جانبًا من تقلص قوة العمل من خلال الأتمتة والروبوتات والذكاء الاصطناعي وتحسين التنظيم، كما يستطيع التعليم والتدريب رفع إنتاجية ساعة العمل وتقليل الاعتماد على الأنشطة المتكررة والشاقة. غير أن ارتفاع الإنتاجية لا يحدد في ذاته كيفية توزيع ثماره. فقد تستخدم الآلات لتعويض نقص العمال وتحسين الأجور وتقليل وقت العمل، كما يمكن أن تستخدم لخفض التشغيل أو تكثيف العمل. ويتوقف الأثر الاجتماعي على تنظيم المؤسسة وتوزيع مكاسب الإنتاجية وعلاقات العمل وسياسات الدولة. ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا ينبغي أن تتمثل الاستجابة لتقلص قوة العمل في مطالبة عدد أقل من العمال بالعمل بكثافة أكبر أو لفترات أطول فحسب؛ فالتقدم التقني يفتح إمكانًا أيضًا لتقصير وقت العمل وتحسين شروطه وتوجيه موارد إضافية إلى الصحة والتعليم والرعاية والثقافة. ويتطلب تحسين استخدام قوة العمل إزالة العقبات التي تحد من استقرار العمال المهاجرين وأسرهم في المدن والوصول المتكافئ إلى التعليم والصحة والسكن والتقاعد. كما يرتبط التحول الديموغرافي بإعادة التوازن في هيكل الطلب؛ فتراجع عدد الأسر الشابة قد يقلل الحاجة المستقبلية إلى بعض أشكال الإسكان والبنية التحتية، بينما يرفع الطلب على الصحة والرعاية والنقل الملائم لكبار السن والخدمات المجتمعية. وقد يشجع القلق من المرض والتقاعد والرعاية الأسر على زيادة الادخار الاحتياطي. ومن ثم فإن توسيع المعاشات والتأمين الصحي والرعاية طويلة الأجل ليس مجرد استجابة للشيخوخة، بل يمكن أن يسهم أيضًا في تخفيف عدم اليقين ودعم الاستهلاك الأسري. وبهذه الصورة يتصل التحول الديموغرافي مباشرة بإصلاح المالية المحلية. فالحكومات المحلية مطالبة بتمويل جزء مهم من الخدمات الاجتماعية في الوقت الذي تواجه فيه ضغوط الدين وتراجع إيرادات الأرض. ولذلك يصعب تحقيق تصحيح مالي مستدام إذا كان يؤدي إلى إضعاف المؤسسات التي تقوم عليها إعادة إنتاج قوة العمل والحياة الاجتماعية. ثالثًا: التحول البيئي وتناقضات الانتقال الأخضر البيئة بوصفها شرطًا لإعادة إنتاج الاقتصاد والمجتمع ارتبط التصنيع الصيني بتوسع كبير في استخراج الفحم وتوليد الكهرباء وإنتاج الحديد والإسمنت والمواد الكيميائية، إلى جانب بناء المدن وشبكات النقل والموانئ والمناطق الصناعية. وقد أتاح هذا التوسع تطوير القوى المنتجة ورفع مستويات المعيشة وربط السوق الوطنية، لكنه استند كذلك إلى استخدام كثيف للطاقة والمواد وولد ضغوطًا على الهواء والمياه والتربة وأسهم في ارتفاع الانبعاثات. ولا تمثل البيئة، من هذا المنظور، قطاعًا منفصلًا يضاف إلى السياسة الاقتصادية بعد تحقيق النمو، بل شرطًا من شروط استمرار الإنتاج والحياة الاجتماعية. فالاقتصاد يعتمد على موارد ونظم طبيعية لا يمكن استنزافها بلا أثر في الصحة والعمل والإنتاج وتكاليف المعيشة. ولهذا يتجاوز التحول البيئي استبدال مصدر للطاقة بآخر، ليصل إلى إعادة تنظيم البنية الصناعية والنقل والاستهلاك واستخدام الأرض ودورة المواد والنفايات. ويتصل ذلك بالدين والتحول الديموغرافي. فإذا كان الدين يرتب التزامات على الموارد المستقبلية، وكانت الشيخوخة تختبر قدرة المجتمع على إعادة إنتاج قوة العمل وتوفير الرعاية، فإن التدهور البيئي يهدد الشروط الطبيعية التي تقوم عليها العمليتان. وقد يحقق المشروع عائدًا ماليًا مباشرًا، لكنه ينقل إلى المجتمع كلفة أكبر إذا استنزف المياه أو لوث التربة أو أضر بصحة العاملين والسكان. ومن ثم ينبغي ألا يقاس التحول الأخضر بعدد المحطات الشمسية أو المركبات الكهربائية وحده، بل كذلك بإجمالي استهلاك الطاقة والمواد والانبعاثات، وبصحة السكان وظروف العمل وتوزيع المنافع والأضرار بين المناطق والفئات والأجيال. من التصنيع الكثيف في الكربون إلى إعادة تنظيم النمو كانت الطاقة الأحفورية والصناعات الثقيلة من الركائز المادية للتصنيع الصيني، إذ وفرت الكهرباء والصلب والإسمنت والمواد الأساسية اللازمة لبناء المصانع والمدن والبنية التحتية. غير أن الآثار المتراكمة لهذا النمط جعلت التحول البيئي جزءًا من السياسة الصناعية وأمن الطاقة والتخطيط طويل الأجل. وتشمل أدوات هذا التحول تطوير الطاقة الشمسية والرياح والطاقة المائية والنووية، وتحديث شبكات الكهرباء والتخزين، وتحسين كفاءة المصانع، وتطوير النقل العام والمركبات الكهربائية، وتعزيز الاقتصاد الدائري والحماية البيئية وتنظيم الانبعاثات. وتشير البيانات الرسمية لعام 2025 إلى انخفاض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل عشرة آلاف يوان من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5 في المائة مقارنة بالعام السابق. كما بلغ توليد الكهرباء من الطاقة المائية والنووية والرياح والشمس 4.2481 تريليونات كيلوواط ساعة، وبلغ إنتاج مركبات الطاقة الجديدة 16.524 مليون مركبة. (242) وسجلت مؤشرات البيئة المحلية تحسنًا؛ إذ بلغت نسبة المدن المشمولة بالرصد التي حققت معيار جودة الهواء 72.6 في المائة، وبلغت نسبة المقاطع المائية السطحية المصنفة ضمن الدرجات الثلاث الأولى 91.4 في المائة. (242) غير أن تحسن المتوسطات الوطنية لا يعني اختفاء التلوث أو تساوي الأوضاع البيئية بين المناطق. ويظل التمييز بين الكثافة والإجمالي أمرًا أساسيًا. فانخفاض الانبعاثات لكل وحدة من الناتج يدل على تحسن الكفاءة الكربونية، لكنه لا يثبت وحده انخفاض الانبعاثات المطلقة؛ إذ يمكن لنمو الإنتاج الكلي أن يعوض قسمًا من مكاسب الكفاءة. ومن ثم ينبغي تقويم الانتقال بالمؤشرات النسبية والمطلقة معًا. الطاقة المتجددة: من زيادة القدرة إلى الإحلال الفعلي بلغت القدرة المركبة لتوليد الكهرباء من الطاقة المتجددة في نهاية عام 2025 نحو 2.337 مليار كيلوواط، أي قرابة 60 في المائة من إجمالي القدرة المركبة لتوليد الكهرباء. وبلغ توليد الكهرباء المتجددة خلال العام نحو 3.99 تريليونات كيلوواط ساعة، بما يعادل 38.5 في المائة من استهلاك الكهرباء، مع إضافة 438 مليون كيلوواط من قدرات الرياح والشمس المتصلة بالشبكة. (243) ويجب التمييز بين القدرة المركبة والتوليد الفعلي واستهلاك الكهرباء، لأنها مؤشرات مختلفة ذات مقامات إحصائية مختلفة. كما لا تتطابق الطاقة المتجددة مع مفهوم الطاقة غير الأحفورية، لأن الأخير يشمل الطاقة النووية أيضًا. ويعكس الفرق بين القدرة المركبة والتوليد الفعلي طبيعة تشغيل المصادر المختلفة. فالرياح والشمس تتأثران بالموقع والطقس والتوقيت، بينما تختلف معدلات تشغيل الطاقة المائية والنووية والمحطات الحرارية. ولذلك لا يكفي تركيب قدرات جديدة؛ إذ يحتاج الانتفاع الكامل بها إلى شبكات نقل وتخزين وإدارة مرنة للطلب وتنسيق بين مصادر التوليد. وتزيد الجغرافيا الصينية أهمية هذه المسألة. فمناطق داخلية وغربية تملك إمكانات واسعة للطاقة المتجددة، بينما يتركز جانب كبير من الطلب السكاني والصناعي في الشرق والمناطق الساحلية. ولذلك تمثل شبكات النقل بين المقاطعات جزءًا أساسيًا من التحول وليست مجرد ملحق تقني. وتسمح سيطرة المؤسسات العامة على جزء مهم من قطاع الطاقة والشبكات بتنفيذ استثمارات طويلة الأجل، لكنها لا تلغي التناقض بين الأولويات الوطنية والمصالح المحلية. فقد تسعى بعض المقاطعات إلى حماية منشآتها وإيراداتها، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكرار بعض الاستثمارات أو إبطاء إعادة هيكلة القدرات القديمة. ومن ثم ينبغي أن يقاس نجاح الطاقة المتجددة بقدرتها على توفير كهرباء مستخدمة فعليًا وإحلال الوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات، لا بحجم القدرة المركبة وحده. استمرار الفحم والتوتر بين أمن الطاقة وخفض الانبعاثات على الرغم من التوسع في المصادر غير الأحفورية، ظل الفحم يمثل 51.4 في المائة من إجمالي استهلاك الطاقة في عام 2025. وانخفضت حصته بمقدار 1.8 نقطة مئوية، بينما ارتفعت الكمية المستهلكة منه بنسبة 0.1 في المائة، بالتزامن مع نمو إجمالي استهلاك الطاقة بنسبة 3.5 في المائة. (244) وتوضح هذه الأرقام أن انخفاض الحصة النسبية لا يساوي بالضرورة انخفاض الاستهلاك المطلق. كما ينبغي الفصل بين حصة الفحم في إجمالي استهلاك الطاقة وحصته في توليد الكهرباء، لأن الفحم يستخدم أيضًا بصورة مباشرة في عمليات صناعية وتطبيقات أخرى. ويرتبط استمرار الفحم بتوافره المحلي وإمكان تخزينه ودوره في استقرار الإمدادات، فضلًا عن استخدامه في بعض الصناعات التي يصعب تحويلها بسرعة إلى بدائل منخفضة الكربون. وفي هذا السياق تبنت الصين مبدأ «إنشاء الجديد قبل التخلص من القديم»، الذي يربط بناء نظام الطاقة الجديد بالحفاظ على أمن الإمدادات خلال الانتقال. (245) غير أن هذا المبدأ قد ينطوي، من منظور الدراسة، على خطر تثبيت جانب من البنية القديمة إذا تحولت القدرات الاحتياطية إلى استثمارات طويلة العمر تتطلب التشغيل المستمر لاسترداد تكلفتها. ولذلك ينبغي التمييز بين الاحتفاظ بقدرات محددة تضمن استقرار النظام وبين توسيع الفحم بصورة تقيد خفض الانبعاثات مستقبلًا. وفي النصف الأول من عام 2026 انخفضت حصة الكهرباء المولدة من الفحم إلى 49.7 في المائة من إجمالي توليد الكهرباء، بينما بلغت حصة الكهرباء المتجددة 41.2 في المائة. (245) ويمثل انخفاض حصة الفحم إلى أقل من نصف التوليد الكهربائي تحولًا مهمًا، لكنه لا يعني أن الفحم أصبح يمثل أقل من نصف استهلاك الطاقة في الاقتصاد كله، لأن المؤشرين يقيسان ظاهرتين مختلفتين. وحددت خطة العمل لبلوغ ذروة انبعاثات الكربون خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة هدف خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لكل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 17 في المائة مقارنة بمستوى 2025، ورفع حصة الطاقة غير الأحفورية إلى 25 في المائة من إجمالي استهلاك الطاقة بحلول عام 2030. (246) ويعتمد عمق الانتقال على مدى تحول الزيادة في الطاقة النظيفة من مجرد إضافة تلبي نمو الطلب إلى إحلال فعلي يحد تدريجيًا من الاعتماد المطلق على الوقود الأحفوري. وهنا يصبح التمييز بين إضافة القدرة الجديدة واستبدال القدرة القديمة حاسمًا في تقويم المسار البيئي. الصناعات الخضراء وتناقضات التراكم الصناعي أصبحت الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات والمركبات الكهربائية قطاعات رئيسية في السياسة الصناعية الصينية. وقد ساعد توسيع الإنتاج وتطوير التكنولوجيا وسلاسل الإمداد على خفض تكاليف تجهيزات الطاقة النظيفة وفتح مجالات جديدة للعمل والاستثمار والتصدير. غير أن الصفة البيئية للمنتج لا تعني خلو عملية إنتاجه من الآثار البيئية. فهذه الصناعات تعتمد على المعادن والمواد والطاقة والمياه والأرض، وتختلف احتياجاتها المعدنية بحسب التقنية المستخدمة. وقد تنخفض الانبعاثات خلال مرحلة الاستخدام، بينما تتركز بعض الآثار في التعدين والتكرير والتصنيع. وتبرز تقارير وكالة الطاقة الدولية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة أهمية الإدارة المسؤولة للمعادن المرتبطة بالانتقال الطاقي، وتحسين كفاءة استخدامها، وتوسيع إعادة الاستخدام والتدوير، ومراعاة الآثار الاجتماعية والبيئية للاستخراج والمعالجة. (247) ولهذا ينبغي تقويم التقنيات الخضراء عبر دورة حياتها الكاملة، من استخراج المواد إلى التصنيع والاستخدام والإصلاح ثم إعادة التدوير. ولا يعني وجود آثار سلبية في مرحلة معينة نفي الفوائد البيئية للتكنولوجيا النظيفة، وإنما يعني ضرورة قياس صافي أثرها وتقليل أضرار سلسلة إنتاجها. كما يمكن أن يدفع التنافس على الصناعات المدعومة إلى تكرار الاستثمارات أو توسيع القدرة الإنتاجية بسرعة تفوق نمو الطلب. ولذلك لا ينبغي تقويم الصناعة الخضراء بحجم الإنتاج وحده، بل كذلك بكفاءة استخدام مواردها وآثارها الاجتماعية والبيئية وقدرتها على إحداث خفض فعلي في الانبعاثات. وتكشف هذه النقطة الطبيعة المزدوجة للصناعات الخضراء؛ فهي أدوات للتحول البيئي، لكنها في الوقت نفسه مجالات جديدة للاستثمار والتراكم والمنافسة. ولذلك يتحدد مضمونها الاجتماعي والبيئي بالطريقة التي تنظم بها، وليس بمجرد كون المنتج النهائي يحمل صفة «خضراء». سوق الكربون داخل منظومة التخطيط بدأت السوق الوطنية الصينية لتداول حصص الكربون بقطاع توليد الكهرباء عام 2021، ثم تقرر في آذار/مارس 2025 توسيع نطاقها ليشمل صناعات الحديد والصلب والإسمنت وصهر الألمنيوم. (248) وتستطيع سوق الكربون إدخال تكلفة الانبعاثات في حسابات المؤسسات، وتحسين القياس والإبلاغ والرقابة، وتوفير حوافز لرفع الكفاءة. لكن وجود تبادل حصص الانبعاثات لا يضمن وحده انخفاض إجمالي الانبعاثات، لأن النتيجة تعتمد على قواعد التخصيص، والمعايير المرجعية، ودقة القياس والتحقق، ومستوى سعر الكربون، وقواعد الامتثال. ويكتسب ذلك أهمية في نظام اعتمد في مراحله الأولى على مؤشرات مرتبطة بالإنتاج وكثافة الانبعاثات، إذ يمكن أن تتحسن كفاءة المنشأة بينما يرتفع مجموع انبعاثاتها إذا نما إنتاجها بدرجة أكبر. كما لا تستطيع آلية السعر وحدها إنشاء شبكات الكهرباء، أو مرافق تخزين الطاقة، أو النقل العام، أو حماية العمال والمناطق المتضررة من إعادة الهيكلة. ومن ثم تؤدي سوق الكربون وظيفة أكثر فاعلية عندما تعمل داخل منظومة تجمع التخطيط والاستثمار العام والمعايير التنظيمية والرقابة والحماية الاجتماعية، لا بوصفها بديلًا عنها. الانتقال العادل وتوزيع كلفة التحول لا تتوزع منافع التصنيع وأضراره بصورة متساوية. فقد تتحمل المجتمعات القريبة من المناجم والمصانع جزءًا أكبر من التلوث والمخاطر الصحية، في حين تتوزع منافع الإنتاج على نطاق أوسع. وينطبق الأمر نفسه على التحول الأخضر؛ فقد يؤدي إغلاق منشأة عالية التلوث إلى تحسن بيئي، لكنه قد يخفض في الوقت نفسه دخل العمال وموارد مدينة تعتمد عليها. ويربط مفهوم «الانتقال العادل» لدى منظمة العمل الدولية التحول البيئي بالعمل اللائق والحماية الاجتماعية والحوار الاجتماعي، كما تناول التعاون المتعلق بالصين دور الحماية الاجتماعية ودعم التشغيل في المجتمعات المتأثرة بتحول الصناعات كثيفة الانبعاثات. (249) ويتطلب الانتقال العادل إشراك العمال والسكان في القرارات التي تمس اقتصاداتهم المحلية، وضمان الحماية الاجتماعية خلال التحول، وربط التدريب بفرص عمل فعلية، وتوجيه الاستثمار نحو تنويع الاقتصادات التي تعتمد بشدة على الفحم أو الصناعات الثقيلة. كما ينبغي ألا تكون الوظائف الخضراء الجديدة أقل استقرارًا أو حماية من الوظائف التي تحل محلها، وألا تتحمل الأسر محدودة الدخل حصة غير متناسبة من تغير أسعار الطاقة والنقل. فالانتقال العادل لا يعني تأجيل خفض الانبعاثات إلى أجل غير محدد، وإنما منع معالجة ضرر بيئي بإنتاج ضرر اجتماعي جديد. التخطيط البيئي والعلاقة بين المجتمع والطبيعة تمتلك الصين أدوات واسعة لتوجيه التحول البيئي، تشمل المؤسسات والمصارف العامة والخطط الخمسية والاستثمار في البحث العلمي والبنية التحتية. لكن التنفيذ يواجه اختلافات إقليمية وحوافز محلية ترتبط فيها الإيرادات والتشغيل أحيانًا باستمرار الصناعات ذات الانبعاثات المرتفعة. ولهذا يتطلب التخطيط أهدافًا وطنية واضحة، ومسارات إقليمية تراعي اختلاف البنى الاقتصادية، وموارد تساعد المناطق الأضعف على إعادة هيكلة اقتصاداتها. كما يتطلب بيانات موثوقة ورقابة فعالة، فضلًا عن إشراك العاملين والسكان والباحثين في تقويم الآثار والبدائل. وتقدم كتابات ماركس وإنجلز أرضية نظرية لفهم بعض جوانب العلاقة بين المجتمع والطبيعة من دون أن تشكل برنامجًا جاهزًا للتحول البيئي الصيني المعاصر. فقد ربط ماركس نقد الإنتاج الرأسمالي باستنزاف مصدرَي الثروة، الأرض والعامل، عندما يخضعان لمنطق التراكم من دون تجديد شروطهما. (250) ونبه إنجلز إلى أن تدخل الإنسان في الطبيعة يمكن أن ينشئ نتائج بعيدة تتعارض مع المنافع المباشرة المتوقعة، مؤكدًا ضرورة فهم القوانين الطبيعية التي يعمل الإنسان ضمنها بدل تصور وجوده خارج الطبيعة. (251) كما تناول ماركس في المجلد الثالث من رأس المال تنظيم المنتجين المتشاركين لتبادلهم المادي مع الطبيعة بصورة عقلانية وإخضاعه لرقابتهم الجماعية. (252) وتكتسب هذه الفكرة أهميتها لأنها تنقل السؤال البيئي من الاختيار المجرد بين الإنتاج والطبيعة إلى السؤال عن كيفية تنظيم الإنتاج، والجهة التي تحدد أولوياته، والطريقة التي توزع بها منافع استخدام الموارد وأضراره. ومن هذا المنظور، لا تقاس التنمية بحجم الناتج وحده، بل كذلك بقدرتها على تجديد شروط الحياة والعمل، والمحافظة على الموارد، وتقليل الأضرار التي تنتقل إلى الأجيال والمناطق والفئات المختلفة. رابعًا: إعادة إنتاج النمو بين رأس المال والعمل والطبيعة تكشف الأبعاد الثلاثة التي تناولها الفصل أن حدود نموذج النمو الصيني لا تظهر في مستوى واحد من الاقتصاد. فالدين المحلي يطرح مسألة العلاقة بين الاستثمار الحالي والمطالبات على الفائض المستقبلي، والتحول الديموغرافي يطرح شروط إنتاج قوة العمل وتجديدها ورعايتها، بينما يكشف التحول البيئي حدود الاستخدام الكثيف للموارد والطاقة وما يترتب عليه من أعباء اجتماعية وطبيعية. ولا تمثل هذه المستويات أنظمة مستقلة. فالاستثمار الممول بالدين يحتاج إلى ضرائب وإيرادات مستقبلية، وهذه الإيرادات تتوقف على استمرار الإنتاج وقوة العمل. وإنتاج قوة العمل بدوره يتطلب الصحة والتعليم والسكن والرعاية والخدمات العامة، وهي احتياجات تحتاج إلى موارد مالية. أما الإنتاج والعمل والخدمات جميعها فتقوم على قاعدة مادية وطبيعية من الطاقة والأرض والمياه والمواد الخام. ومن هنا تظهر المسألة بوصفها مشكلة إعادة إنتاج مترابطة. فإذا عولج الدين المحلي بخفض الخدمات الاجتماعية بصورة واسعة، فإن جانبًا من كلفة التصحيح المالي ينتقل إلى إعادة إنتاج قوة العمل والأسر. وإذا عولجت الشيخوخة برفع سنوات العمل فقط، من دون تحسين الإنتاجية والرعاية وظروف العمل، فإن كلفة التحول تنتقل إلى العامل. وإذا عولجت المشكلة البيئية باستبدال التقنيات من دون النظر إلى استخراج المواد والطاقة المستخدمة في تصنيعها وظروف العمل وتوزيع الأضرار، فقد ينتقل العبء البيئي من قطاع إلى آخر أو من منطقة إلى أخرى. ويبين ذلك أن المخاطر لا تكمن في الدين أو الشيخوخة أو التكنولوجيا أو التصنيع في ذاتها، بل في طريقة تنظيم العلاقة بينها. فالدين يستطيع تمويل بنية تحتية منتجة وخدمات ضرورية، مثلما يستطيع تمويل استثمارات ضعيفة الاستخدام. والشيخوخة تستطيع أن تصبح مصدر ضغط على الخدمات، لكنها قد تدفع كذلك إلى تطوير الرعاية والصحة والتكنولوجيا وتحسين الإنتاجية. والتحول الأخضر يستطيع أن يخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري، لكنه يستطيع أيضًا أن يولد أشكالًا جديدة من الضغط على المعادن والموارد إذا لم تُقرن التكنولوجيا الجديدة بإدارة دورة المواد. ويصبح توزيع الخسائر والمنافع سؤالًا حاسمًا في المستويات الثلاثة. ففي معالجة الدين يبرز السؤال عمن يتحمل كلفة المشروعات الضعيفة: المقرض أم المنصة أم الموازنة أم السكان. وفي التحول الديموغرافي يتعلق الأمر بتوزيع كلفة الرعاية بين الأسرة والدولة والمؤسسة والعاملين أنفسهم. وفي التحول البيئي يتعلق بتوزيع كلفة التلوث والتحول الصناعي بين المؤسسات والمناطق والعمال والأسر. وهنا تتجاوز المسألة الاختيار التقليدي بين الدولة والسوق. فوجود المؤسسات العامة يمنح الدولة إمكانية توجيه الائتمان والاستثمار، وتمويل البنية التحتية، وإعادة توزيع الموارد، وقيادة التحول الصناعي؛ غير أن الملكية العامة وحدها لا تضمن غياب سوء تخصيص الموارد، مثلما لا تضمن آلية السوق وحدها أن يعكس السعر جميع الآثار الاجتماعية والبيئية للقرار الاقتصادي. ومن ثم تتمثل القضية الأساسية في طبيعة المعايير التي توجه الاستثمار والإنتاج. فإذا ظل نجاح المشروع يقاس بمقدار الاستثمار الذي يولده أو بمساهمته الآنية في الناتج فقط، فقد تستمر حوافز الإفراط في البناء والاقتراض واستخدام الموارد. أما إذا أُدخلت في التقويم جودة الخدمات والعائد الاجتماعي وكفاءة استخدام المواد والطاقة وظروف العمل وآثار المشروع طوال عمره، فإن مفهوم الكفاءة نفسه يصبح أوسع من الربحية المالية القصيرة الأجل. ويكتسب الاستهلاك الاجتماعي في هذا السياق أهمية خاصة. فالإنفاق على التعليم والصحة والرعاية والمعاشات لا يمثل مجرد تحويل لموارد من الإنتاج إلى الاستهلاك، بل يسهم في إعادة إنتاج القدرة البشرية الضرورية لاستمرار الاقتصاد. كما أن حماية الأسر من تكاليف المرض والشيخوخة والتعليم تقلل الحاجة إلى الادخار الاحتياطي ويمكن أن تدعم تحولًا أوسع نحو الطلب المحلي. وبالمثل لا ينبغي النظر إلى الاستثمار البيئي بوصفه تكلفة مفروضة على النمو. فشبكات الكهرباء والتخزين والنقل العام وتحسين كفاءة المباني والمصانع وإعادة تدوير المواد تمثل بنية إنتاجية جديدة. غير أن فائدتها تتوقف على أن تحل تدريجيًا محل الأنظمة الأكثر استنزافًا، لا أن تضاف إليها فقط في عملية توسع مادي بلا حدود. وهكذا يكمن التحول المطلوب في الانتقال من منطق يعطي الأولوية لزيادة حجم الاستثمار والطاقة والعمل المستخدم، إلى منطق يركز بدرجة أكبر على إنتاجية الموارد والعمل، ونوعية الخدمات، والاستدامة المالية والاجتماعية والبيئية. ولا يعني ذلك التخلي عن النمو أو الصناعة أو الاستثمار، بل تغيير المعايير التي تحدد نوع الاستثمار والأهداف الاجتماعية التي يخدمها. خاتمة الفصل تكشف دراسة الدين المحلي والتحول الديموغرافي والانتقال البيئي أن الاقتصاد الصيني يواجه مرحلة تختلف في طبيعتها عن المرحلة التي قامت على تسارع التصنيع والتحضر، واتساع قوة العمل، والنمو المرتفع للاستثمار في العقارات والبنية التحتية، والاستخدام الكثيف للطاقة والموارد. فقد أدت هذه الآليات دورًا تاريخيًا مهمًا في بناء القدرة الإنتاجية، لكنها أوجدت في الوقت نفسه التزامات واختلالات لا يمكن استمرار إدارتها بالأدوات نفسها التي أنتجتها. ففي المجال المالي، لم تعد الأولوية تتمثل في توسيع قدرة الحكومات المحلية على الاستثمار فحسب، وإنما في تحسين نوعية المشروعات، وإظهار الالتزامات بوضوح، وتخفيض كلفة الديون القائمة، وإعادة بناء العلاقة بين الموارد والمسؤوليات المالية. ولا يكمن نجاح إعادة الهيكلة في نقل الدين من منصة تمويل إلى الموازنة وحده، بل في منع إعادة إنتاج الممارسات التي قادت إلى تراكم الالتزامات الخفية. وفي المجال الديموغرافي، لا تكفي زيادة المواليد أو إطالة سن العمل باعتبارهما حلين عدديين. فالمشكلة تتعلق كذلك بالسكن والتعليم والصحة والرعاية والأجور وظروف العمل وتوزيع المسؤوليات الأسرية. ومن ثم ينبغي أن يُفهم التحول الديموغرافي باعتباره تحولًا في شروط إعادة الإنتاج الاجتماعي، لا مجرد تقلص في عدد السكان. أما التحول البيئي، فلا يقاس بحجم القدرة المتجددة وحده، بل بمقدار الإحلال الفعلي للطاقة الأحفورية، وانخفاض الانبعاثات، ورفع كفاءة استخدام المواد، والحد من الآثار البيئية لسلاسل الإنتاج نفسها. كما أن إغلاق الأنشطة شديدة التلوث لا يصبح انتقالًا عادلًا إذا نقل كلفته إلى العمال والمدن والأسر التي اعتمدت عليها. وتتقاطع المستويات الثلاثة في سؤال واحد: كيف يمكن للصين أن تعيد تنظيم مواردها بحيث تحافظ على قدرتها الإنتاجية من دون تحميل المستقبل مطالبات مالية واجتماعية وبيئية متزايدة؟ ولا تتوقف الإجابة على معدل النمو وحده، وإنما على تركيب النمو نفسه، والقطاعات التي تتلقى الاستثمار، والجهات التي تتحمل المخاطر، ومدى قدرة السياسات على تحويل مكاسب الإنتاجية والتكنولوجيا إلى تحسن في ظروف الحياة والعمل. ومن منظور الاقتصاد السياسي، لا تتمثل الحدود التي كشف عنها الفصل في نقص مادي مطلق في قدرة الصين على الاستثمار أو الإنتاج أو الابتكار، وإنما في ضرورة إعادة تنظيم العلاقة بين التراكم المالي وإعادة إنتاج قوة العمل وتجديد الأساس الطبيعي للإنتاج. وهذا يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة بدرجة متزايدة بالانتقال من التوسع الكمي إلى تحسين نوعية التنمية وتوزيع منافعها وكلفها. وبذلك لا تصبح استدامة التنمية مسألة مالية أو ديموغرافية أو بيئية منفردة، بل قدرة المجتمع على إعادة إنتاج شروط وجوده المادية والاجتماعية والطبيعية في الوقت نفسه. فمالية عامة مستدامة، وقوة عمل تتمتع بالصحة والتعليم والحماية، ونظام إنتاج أكثر كفاءة في استخدام الطاقة والمواد، ليست أهدافًا متوازية، وإنما شروط مترابطة لاستمرار التنمية ذاتها. الهوامش والمصادر (225) وكالة شينخوا، «الصين تسرّع بناء نظام مالي يتوافق مع التحديث الصيني»، 26 تموز/يوليو 2024، النص الإنجليزي المنشور في موقع مجلس الدولة الصيني: النص الإنجليزي؛ ووزارة المالية الصينية، «النص الكامل للمؤتمر الصحفي بشأن الدعم المالي للتنمية عالية الجودة»، 31 تموز/يوليو 2024، النص الرسمي الصيني: النص الصيني. (226) مجلس الدولة الصيني، تقرير بشأن إدارة الدين الحكومي لعام 2024، قدّمه وزير المالية لان فوه آن إلى اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب في 10 أيلول/سبتمبر 2025، المصدر الرقمي الرسمي: النص الصيني. وترد بيانات الدين القانوني للحكومات المحلية والديون المحلية الخفية في القسم الأول. (227) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث: عملية إنتاج رأس المال ككل، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص 548–549، النسخة العربية المصوّرة، المصدر الرقمي: النسخة العربية. (228) وزارة المالية الصينية، «إصدار سندات الحكومات المحلية ورصيد الدين في كانون الأول/ديسمبر 2025»، 30 كانون الثاني/يناير 2026، النص الرسمي الصيني: النص الصيني؛ ووزارة المالية الصينية، «إصدار سندات الحكومات المحلية ورصيد الدين في حزيران/يونيو 2026»، 27 تموز/يوليو 2026، النص الرسمي الصيني: النص الصيني. ووفق بيانات حزيران/يونيو، بلغ رصيد الدين المحلي 58.7706 تريليون يوان، وبلغت الإصدارات خلال النصف الأول من العام 5.8706 تريليونات يوان، منها 2.4475 تريليون يوان من السندات الجديدة و3.4231 تريليونات يوان من سندات إعادة التمويل، فيما بلغ متوسط الأجل المتبقي 10.8 سنوات ومتوسط سعر الفائدة 2.74 في المائة. (229) وكالة شينخوا، «الصين تعزز مزيج السياسات لضمان النمو المستدام في عام 2025»، 7 آذار/مارس 2025، النص الإنجليزي المنشور في موقع مجلس الدولة الصيني: النص الإنجليزي، بشأن برنامج استبدال الديون البالغ ستة تريليونات يوان، وخفض متوسط الفائدة بأكثر من 2.5 نقطة مئوية، والتوفير المتوقع بأكثر من مئتي مليار يوان خلال خمس سنوات للسندات الصادرة في عام 2024؛ ووزارة المالية الصينية، تقرير تنفيذ موازنتي الحكومة المركزية والحكومات المحلية لعام 2025 ومشروع موازنتيهما لعام 2026، قُدّم في 5 آذار/مارس 2026، النص الرسمي الصيني: النص الصيني، بشأن إصدار تريليوني يوان من سندات الاستبدال خلال عام 2025. (230) صندوق النقد الدولي، جمهورية الصين الشعبية: مشاورات المادة الرابعة لعام 2024: البيان الصحفي وتقرير الخبراء وبيان المدير التنفيذي، تقرير الدولة رقم 24/258، واشنطن: صندوق النقد الدولي، 2 آب/أغسطس 2024، ص 76، النسخة الرقمية الرسمية: النص الإنجليزي. (231) وزارة المالية الصينية، تقرير تنفيذ السياسة المالية الصينية لعام 2025، 17 آذار/مارس 2026، النص الرسمي الصيني: النص الصيني، ولا سيما الأقسام المتعلقة بمنع الديون الخفية الجديدة، وفصل المسؤولية الحكومية عن مسؤولية الشركات، وإصلاح منصات التمويل وتحويل وظائفها، وتعزيز إدارة السندات الخاصة؛ ومجلس الدولة الصيني، تقرير عمل الحكومة لعام 2026، قُدّم في 5 آذار/مارس 2026، النص الإنجليزي المنشور في 13 آذار/مارس 2026: النص الإنجليزي، في ما يتعلق بالمعالجة المنظّمة لمخاطر الدين المحلي. (232) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي لجمهورية الصين الشعبية بشأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025، بكين: المكتب الوطني للإحصاء، 28 شباط/فبراير 2026، المصدر الرقمي الرسمي: النص الإنجليزي. (233) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجية الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2016، ص 47–48، النسخة العربية الرقمية: النسخة العربية. (234) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص 222–224، النسخة العربية المصوّرة، المصدر الرقمي: النسخة العربية. (235) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص 777–787، النسخة العربية المصوّرة، المصدر الرقمي: النسخة العربية. (236) اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، قرار بشأن تطبيق الرفع التدريجي لسن التقاعد القانوني، 13 أيلول/سبتمبر 2024، والملحق: تدابير تطبيق الرفع التدريجي لسن التقاعد القانوني، المصدر الرقمي الرسمي: النص الصيني. (237) وزارة الشؤون المدنية الصينية ومكتب اللجنة الوطنية الصينية للشيخوخة، التقرير المتعلق بتطور قضية الشيخوخة في الصين لعام 2024، بكين، 2025؛ وكالة شينخوا، «التأمين الأساسي للشيخوخة في الصين يغطي أكثر من 1.07 مليار شخص»، 25 تموز/يوليو 2025، النص المنشور في الموقع الرسمي لمجلس الدولة الصيني: النص الإنجليزي. (238) وكالة شينخوا، «الصين تسرّع إصلاح رعاية المسنين في مواجهة شيخوخة السكان»، 10 كانون الثاني/يناير 2025، النص المنشور في الموقع الرسمي لمجلس الدولة الصيني: النص الإنجليزي. (239) المكتب العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني والمكتب العام لمجلس الدولة، مبادئ توجيهية لتسريع إنشاء نظام وطني لتأمين الرعاية طويلة الأجل، آذار/مارس 2026، عرض وكالة شينخوا المنشور في موقع مجلس الدولة في 26 آذار/مارس 2026: النص الإنجليزي؛ ووكالة شينخوا، «تأمين الرعاية طويلة الأجل في الصين يغطي أكثر من 320 مليون شخص»، 4 أيلول/سبتمبر 2026، نقلًا عن الإدارة الوطنية لضمان الرعاية الصحية، النص المنشور في موقع مجلس الدولة: النص الإنجليزي. (240) المكتب العام لمجلس الدولة الصيني، تدابير تسريع تحسين منظومة سياسات دعم الإنجاب وبناء مجتمع صديق للإنجاب، 19 تشرين الأول/أكتوبر 2024، المصدر الرقمي الرسمي: النص الصيني. (241) المكتب العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني والمكتب العام لمجلس الدولة، خطة إنشاء نظام وطني لإعانات رعاية الأطفال، تموز/يوليو 2025، المصدر الرقمي الرسمي: النص الإنجليزي؛ المكتب العام لمجلس الدولة الصيني، آراء بشأن التطبيق التدريجي للتعليم المجاني قبل المدرسي، 5 آب/أغسطس 2025، المصدر الرقمي الرسمي: النص الإنجليزي. (242) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي لجمهورية الصين الشعبية بشأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025، بكين: المكتب الوطني للإحصاء، 28 شباط/فبراير 2026، المصدر الرقمي الرسمي: النص الإنجليزي. (243) إدارة الطاقة الوطنية الصينية، «الاجتماع الوطني المرئي لتنسيق تطوير وبناء قدرات الكهرباء المتجددة (كانون الثاني/يناير)»، 12 شباط/فبراير 2026، المصدر الرقمي الرسمي: النص الصيني. (244) المكتب الوطني للإحصاء في الصين، البيان الإحصائي لجمهورية الصين الشعبية بشأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية لعام 2025، بكين: المكتب الوطني للإحصاء، 28 شباط/فبراير 2026، المصدر الرقمي الرسمي: النص الإنجليزي. (245) المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، بلوغ ذروة الكربون والحياد الكربوني: خطط الصين وحلولها، تشرين الثاني/نوفمبر 2025، المصدر الرقمي الرسمي: النص الإنجليزي؛ وكالة شينخوا، نقلًا عن إدارة الطاقة الوطنية الصينية، «انخفاض حصة الكهرباء المولدة بالفحم في الصين إلى أقل من 50 في المائة للمرة الأولى خلال النصف الأول من عام 2026»، 30 تموز/يوليو 2026، النص المنشور في الموقع الرسمي لمجلس الدولة: النص الإنجليزي. (246) مجلس الدولة الصيني، خطة العمل لبلوغ ذروة انبعاثات الكربون خلال الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026–2030)، 9 تموز/يوليو 2026، المصدر الرقمي الرسمي: النص الإنجليزي. (247) وكالة الطاقة الدولية، التوقعات العالمية للمعادن الحرجة لعام 2025، باريس: وكالة الطاقة الدولية، 2025، النسخة الرقمية: صفحة التقرير؛ برنامج الأمم المتحدة للبيئة، التحولات الحرجة: الدائرية والإنصاف والمسؤولية في السعي إلى معادن الانتقال الطاقي، نيروبي: برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تشرين الثاني/نوفمبر 2024، المصدر الرقمي: صفحة التقرير. (248) وزارة الإيكولوجيا والبيئة الصينية، خطة إدخال صناعات الحديد والصلب والإسمنت وصهر الألمنيوم في السوق الوطنية لتداول حصص الكربون، آذار/مارس 2025، العرض المنشور في الموقع الرسمي لمجلس الدولة الصيني: النص الإنجليزي؛ المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني، بلوغ ذروة الكربون والحياد الكربوني: خطط الصين وحلولها، تشرين الثاني/نوفمبر 2025، المصدر الرقمي الرسمي: النص الإنجليزي. (249) منظمة العمل الدولية، تحقيق انتقال عادل نحو اقتصادات ومجتمعات مستدامة بيئيًا للجميع، التقرير السادس، مؤتمر العمل الدولي، الدورة 111، جنيف: مكتب العمل الدولي، 2023، النسخة العربية الرسمية: النسخة العربية؛ ومنظمة العمل الدولية، «وفد صيني ثلاثي يبحث تبادل سياسات الحماية الاجتماعية مع بولندا وألمانيا لتعزيز الانتقال العادل في قطاع الفحم»، 2 تموز/يوليو 2025، النص الرسمي: النص الرسمي؛ ومنظمة العمل الدولية، «منظمة العمل الدولية وشركاؤها يعززون الحماية الاجتماعية من أجل انتقال عادل في الصين»، 26 نيسان/أبريل 2024، النص الرسمي: النص الرسمي. (250) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الأول، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص 622، النسخة العربية المصوّرة، المصدر الرقمي: النسخة العربية. (251) فريدريك إنجلز، دور العمل في تحول القرد إلى إنسان، ترجمة إلياس شاهين، ط1، موسكو: دار التقدم، د.ت.، ص 17–18، النسخة العربية المصوّرة، المصدر الرقمي: النسخة العربية. (252) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، المجلد الثالث: عملية إنتاج رأس المال ككل، ترجمة فالح عبد الجبار، ط1، بيروت: دار الفارابي، كانون الثاني/يناير 2013، ص 951–952، النسخة العربية المصوّرة، المصدر الرقمي: النسخة العربية. ملاحظة بشأن المصادر: اعتمدنا في توثيق البيانات الإحصائية الواردة في هذا الفصل على المصادر الرسمية باللغتين الإنكليزية والصينية، لعدم توافر مصادر عربية متكاملة لهذه البيانات ضمن المواد التي أمكن الاطلاع عليها؛ إذ تقدم المواد العربية المتاحة غالبًا عروضًا وملخصات لا تتضمن تفاصيل كافية عن الأرقام والمؤشرات وفتراتها الزمنية
#سهيل_الزهاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تطوّر القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزم
...
-
زمة الدولار في العراق: من يدفع ثمن إنقاذ الموازنة؟
-
خرائط الحنين وكريستال الدهشة في هايكو فاطمة الفلاحي: مقاربة
...
-
من فتنة القراءة إلى فيض الكتابة دراسة في البنية والدلالة في
...
-
تحوّل نمط النمو الصيني واختلالات الاستثمار والاستهلاك والعقا
...
-
التقدم العلمي والاجتماعي وحدود تعميم التجربة الصينية
-
بناء القاعدة المادية والتحول الصناعي في الصين
-
العمل وفائض القيمة والتنمية الاجتماعية في اشتراكية السوق الص
...
-
«البُرْدان» لعبد الستار نورعلي: مقاربة بنيوية - سيميائية في
...
-
البنية المؤسسية للنموذج الصيني: الحزب والدولة والسوق والملكي
...
-
من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي: التطور التاري
...
-
اشتراكية السوق الصينية بين النظرية الماركسية والتناقضات البن
...
-
تطور القوى المنتجة في الفكر الماركسي: من الآلة إلى الخوارزمي
...
-
الومضة عند يحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-نفسية-سياسية
-
لو كنت شجرة * / للشاعر النرويجي أرنولف اوفرلاند
-
مرثية إلى ابن المقفّع- لجواد غلوم: من جرح الذات إلى وجع الجم
...
-
قبلة أخيرة على حافة الحرية
-
تمثلات البراءة والفساد في ومضة «إلى سبطي حيدر» ليحيى السماوي
...
-
دراسة في التحليل البنيوي والسيميائي والبعدين السياسي والنفسي
...
-
الوعي والتحول في ومضة ليحيى السماوي: مقاربة بنيوية-سيميائية-
...
المزيد.....
-
رئيس CNN يعلّق على قرار القاضي بشأن حظر ترامب مؤسسات إعلامية
...
-
قاضٍ: حظر ترامب لوسائل إعلام من دخول البيت الأبيض يُرجّح أنه
...
-
تحليل: ترامب حاول خفض الأسعار قبل الانتخابات النصفية.. لكن ل
...
-
من أوكرانيا لهرمز.. الطاقة معضلة ترامب
-
البنتاغون والدفاع الإسرائيلية يوقعان صفقة لتوريد 12 مروحية أ
...
-
رئيس بلدية إسطنبول المسجون يبدأ دفاعه أمام المحكمة في 142 ته
...
-
السيسي يعلق لأول مرة على إمكانية تعديل الدستور وتمديد رئاسته
...
-
روسيا تؤكد أن قرار منح الأسد اللجوء لأسباب إنسانية نهائي ولا
...
-
الحوثيون يعلنون استهداف منشآت لأرامكو ومطار في السعودية بالص
...
-
موسكو تسجّل أكثر من مليار رحلة بوسائل النقل البري منذ بداية
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|