|
|
جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8883 - 2026 / 11 / 8 - 00:36
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
الحلقة الثالثة عشرة من سلسلة جون ميرشايمر "الواقعية الهجومية"
إعداد وترجمة: د. زياد الزبيدي
8 تشرين الثاني نوفمبر 2026
▪️مقدمة
يتحمل الرئيس دونالد ترامب مسؤولية ثلاث حروب مستمرة: * الحرب في أوكرانيا، التي ورثها عن جو بايدن، لكنه أصبح اليوم المسؤول عن إدارتها وصاحب القرار فيها. * الحرب على إيران، التي شنّها بالإشتراك مع إسرائيل في 28 شباط/فبراير 2026. * الحرب بين الحوثيين والسعودية، التي شجّع السعوديين على إشعالها في 13 تموز/يوليو 2026. تنطوي كل واحدة من هذه الحروب على مخاطر كبيرة لتصعيد خطير، كما تهدد الحروب الثلاث مجتمعة بإلحاق أضرار جسيمة بالإقتصاد العالمي. ومما يزيد الأمور سوءاً أن ترامب لا يمتلك إستراتيجية لإنهاء هذه الحروب بشروط تصب في مصلحة الولايات المتحدة، ناهيك عن تحقيق سلام دائم. وحتى بعد توقف القتال، من المرجح أن تتحول الحروب الثلاث إلى صراعات مجمّدة.
▪️ترامب وحروبه: من السنة الأولى إلى السنة الثانية
مرحباً، أنا جون ميرشايمر. أود أن أتحدث في حلقة اليوم عن الرئيس ترامب والحروب التي تورط فيها منذ عودته إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2025. في الواقع، سيكون قد مضى غداً واحد وعشرون شهراً على عودته إلى البيت الأبيض. الحجة الأساسية التي أود طرحها هي أن ترامب حقق نتائج جيدة إلى حد ما خلال سنته الأولى في البيت الأبيض، الممتدة من 20 كانون الثاني/يناير 2025 إلى 20 كانون الثاني/يناير 2026، فيما يتعلق بالحروب التي كان مسؤولاً، إلى حد كبير، عن إدارتها. لكن خلال سنته الثانية، التي لم يمضِ منها حتى الآن سوى تسعة أشهر، وجد نفسه، منذ 20 كانون الثاني/يناير 2026، متورطاً في سلسلة من الحروب الكارثية؛ وهي حروب يتحمل هو مسؤوليتها. دعوني أستعرض بإيجاز ما حدث في السنة الأولى، وأقارنه بما جرى حتى الآن في السنة الثانية.
▪️السنة الأولى: أوكرانيا، وحرب الأيام الاثني عشر، وفنزويلا
في السنة الأولى، لم يكن هناك شك في أن ترامب ورث الحرب الأوكرانية عن جو بايدن، ولم يكن مسؤولاً عنها إلى حد كبير في البداية. ففي المرحلة الأولى من وجوده في البيت الأبيض، كانت تلك حرب بايدن، وكان إهتمام ترامب منصبّاً على وضع حد لها. وقد بذل جهوداً كبيرة طوال سنته الأولى لإنهاء الحرب، لكنه فشل إلى حد بعيد، وإستمرت الحرب رغم ذلك. ومع هذا، يمكن القول إنها لم تكن حرب ترامب في تلك المرحلة. ثم خاض حرباً ضد إيران بالإشتراك مع الإسرائيليين في حزيران/يونيو 2025. وكانت تلك هي حرب الأيام الإثني عشر، التي إمتدت من 13 إلى 25 حزيران/يونيو 2025. كانت حرباً سريعة؛ فالولايات المتحدة قصفت إيران ليوم واحد فقط، وإنتهى الصراع بعد اثني عشر يوماً، وتمكن ترامب من إعلان النصر. وهكذا أُسدل الستار على ذلك الصراع. وقد يذهب البعض إلى القول إن الولايات المتحدة خاضت أيضاً حرباً ضد فنزويلا في مطلع كانون الثاني/يناير 2026، لكن ما حدث هناك لم يكن حرباً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل كان عملية إختطاف، وإن كانت ناجحة. وبصورة أعم، فإن ما تجنّبه ترامب خلال سنته الأولى في منصبه هو الدخول في حرب جديدة طويلة الأمد، من النوع الذي لا نهاية له. ويعود ذلك، إلى حد كبير، إلى إبتعاده عن محاولة تغيير الأنظمة. قد يسأل البعض: ألم تكن فنزويلا حالة من حالات تغيير النظام؟ والجواب هو لا. فما فعله ترامب هو اختطاف مادورو وإستبداله بنائبته. وبالتالي، لم يحدث تغيير للنظام في فنزويلا، وإن حدث تغيير في القيادة بالتأكيد. لكن النقطة المهمة هي أن ما جرى لم يكن حرباً بأي معنى حقيقي للمصطلح، بل كان عملية إختطاف. وهكذا، عندما نصل إلى 20 كانون الثاني/يناير 2026، أي مع بداية السنة الثانية من ولايته، يبدو ترامب في وضع جيد نسبياً. فهو لم يورّط نفسه في أي مأزق خطير، ويبدو أنه حقق إنتصاراً في كل من فنزويلا وإيران. أما الحرب الأوكرانية، فيستطيع حتى ذلك الوقت أن يقول إنها حرب بايدن، وإنه ورثها عنه، وإن بايدن هو الذي بدأها، وبالتالي لا يمكن تحميله مسؤولية ما يجري فيها.
▪️لماذا أصبحت الحرب الأوكرانية حرب ترامب؟
لكن هذا الوضع تغير بعد 20 كانون الثاني/يناير 2026، مع بداية هذا العام. فأولاً، أصبح من الصعب الإستمرار في القول إن الحرب الأوكرانية هي حرب بايدن. لقد أمضى ترامب عاماً كاملاً في البيت الأبيض، وأصبح هو الذي يدير هذه الحرب، أو لنقل بصيغة أكثر وضوحاً: إنه هو الذي يخوضها. وأعتقد أن الحرب أصبحت مسؤوليته بمجرد إنتهاء سنته الأولى في الحكم. وهناك مثال تاريخي مماثل يوضح هذه النقطة، وهو ما حدث في فيتنام. لا شك في أن الرئيس ليندون جونسون هو الذي بدأ الحرب في ربيع عام 1965. وقد غادر البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 1969، ليحل محله ريتشارد نيكسون. لم تكن الحرب حرب نيكسون فور وصوله إلى الرئاسة، لكن مع مرور الوقت أصبحت كذلك، وأصبح جونسون ونيكسون مسؤولين عنها معاً. وهذه هي الكلمة الأساسية: المسؤولية. فكلاهما كان مسؤولاً عما حدث في فيتنام. صحيح أن جونسون هو الذي أدخل الولايات المتحدة في الحرب، وأن نيكسون لم يكن صاحب قرار البدء بها، لكن نيكسون تسلّم إدارة الحرب، وأصبحت حربه بالقدر نفسه الذي كانت فيه حرب جونسون. والأمر نفسه حدث مع أوكرانيا. لقد ورث ترامب هذه الحرب عن بايدن. ولم تكن حربه في البداية، حسب رأيي، لكنها أصبحت الآن، وبالتأكيد منذ كانون الثاني/يناير من هذا العام، حربه هو. إنه يتحمل مسؤوليتها.
▪️ الحربان الثانية والثالثة: إيران والسعودية في مواجهة الحوثيين
أما الحرب الثانية التي بدأها ترامب بمبادرة منه، فهي الحرب على إيران، التي إندلعت في 28 شباط/فبراير من هذا العام. ففي ذلك اليوم، هاجمت إسرائيل والولايات المتحدة إيران وأشعلتا حرباً لا تزال مستمرة حتى الآن. أما الحرب الثالثة التي يتحمل ترامب قسطاً من المسؤولية عنها، فهي الحرب بين الحوثيين والسعودية. ما حدث هو أن السعوديين كانوا يفكرون في مهاجمة الحوثيين. وينبغي أن نتذكر أن السعودية والحوثيين خاضوا حرباً كبيرة بين عامي 2015 و2022، وانتهت تلك الحرب في عام 2022، لكن العلاقات السيئة بين الطرفين ظلت قائمة. بعد ذلك، قرر السعوديون شن هجوم على الحوثيين. وقبل الهجوم، طلبوا من الرئيس ترامب إعطاءهم الضوء الأخضر، وقد وافق على ذلك. بل إن ترامب كان متحمساً لفكرة قيام السعوديين بمهاجمة الحوثيين. وبالفعل، شن السعوديون هجومهم، وسرعان ما شهدت الحرب تصعيداً كبيراً. وهكذا أصبحت هذه الحرب، بصورة مهمة، الحرب الثالثة التي يتحمل ترامب مسؤوليتها. إذن، ما نراه الآن هو أن ترامب أصبح مسؤولاً عن الحرب الأوكرانية، وهو بالتأكيد مسؤول عن الحرب على إيران، كما يتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية عن الحرب السعودية ـ الحوثية. إنه مسؤول عن هذه الحروب الثلاث، وكل واحدة منها تمثل كارثة؛ كوارث لترامب شخصياً، وللولايات المتحدة، ويمكن القول بسهولة إنها كوارث للعالم أيضاً.
▪️لماذا تمثل الحروب الثلاث كوارث؟
هناك أربعة أسباب رئيسية تجعلني أصف هذه الحروب بأنها كوارث، إضافة إلى نقطة خامسة مكملة.
▪️أولاً: الإحتمالات الكبيرة للتصعيد الخطير
تنطوي كل واحدة من هذه الحروب على إمكانات واسعة للتصعيد، ونحن نتحدث هنا عن تصعيد خطير. وعندما نتحدث عن التصعيد، ينبغي التمييز بين نوعين: التصعيد الأفقي والتصعيد العمودي. التصعيد الأفقي يعني دخول دول أخرى إلى الصراع. ونرى ذلك بوضوح في الحرب بين الحوثيين والسعودية؛ إذ إنضمت باكستان وتركيا، والآن مصر، إلى جانب السعوديين في مواجهة الحوثيين. كما أن الولايات المتحدة تساعد السعوديين من وراء الكواليس. وهذا مثال واضح على التصعيد الأفقي، أي دخول أطراف ودول أخرى إلى النزاع. أما التصعيد العمودي، فهو التصعيد الذي يحدث داخل الصراع نفسه، من خلال زيادة مستوى العمليات العسكرية وحدّتها. ونرى ذلك بصورة لافتة في الحرب الأوكرانية، حيث شهدنا مؤخراً تصعيداً عمودياً كبيراً، كما أن إحتمالات حدوث المزيد من التصعيد في المستقبل تظل مرتفعة للغاية. وبالمناسبة، هناك أيضاً إحتمالات لتصعيد عمودي في الحرب بين السعوديين والحوثيين، وسأتحدث عن ذلك لاحقاً. إذن، تمثل هذه الحروب كارثة أولاً بسبب مخاطر التصعيد.
▪️ثانياً: الأضرار التي تلحق بالإقتصاد العالمي
أنا واثق من أن الجميع يدرك تماماً عواقب الحرب على إيران والأضرار التي ألحقتها بالفعل بالإقتصاد العالمي. لكن من المهم أيضاً أن نفهم أن الحرب بين الحوثيين والسعودية تؤثر بدورها في الإقتصاد العالمي، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحرب بين روسيا وأوكرانيا. وهذا أحد الأسباب التي تدفع الرئيس ترامب إلى العمل ليل نهار من أجل إنهاء الحرب الأوكرانية، وتهيئة الظروف التي تسمح بعودة المزيد من النفط والغاز الروسيين، وكذلك الديزل، إلى الأسواق العالمية. ما نراه، إذن، هو أن الصراع المتعلق بإيران، والصراع بين الحوثيين والسعودية، والصراع بين روسيا وأوكرانيا، تؤثر جميعها مجتمعة تأثيراً كبيراً في الإقتصاد العالمي. وبالتالي، فإن الحروب الثلاث التي يتحمل ترامب مسؤوليتها ليست خطيرة بسبب إحتمالات التصعيد فحسب، بل إنها خطيرة على نحو خاص بسبب الأضرار التي يمكن أن تلحقها بالإقتصاد العالمي.
▪️ثالثاً: غياب أي حل يصب في مصلحة الولايات المتحدة
ستكون الولايات المتحدة الطرف الخاسر في الحالات الثلاث جميعها. وسأتناول هذه المسألة بمزيد من التفصيل عندما أبحث كل حرب على حدة. لكن الولايات المتحدة لا تمتلك إستراتيجية تمكّنها من الإنتصار في أي من هذه الحروب: لا في مواجهة الروس في أوكرانيا، ولا في مواجهة الإيرانيين، ولا في مواجهة الحوثيين في صراعهم مع السعوديين.
▪️رابعاً: هذه الحروب ستنتهي على الأرجح إلى صراعات مجمّدة
من الواضح أن هذه الحروب لن تستمر إلى الأبد، بل ستنتهي في مرحلة ما. لكن ما سنحصل عليه، على الأرجح، في كل حالة من الحالات الثلاث، هو صراع مجمّد. وكل واحد من هذه الصراعات المجمّدة سيكون محفوفاً بمخاطر التصعيد؛ ليس فقط إحتمال إستئناف الحرب من جديد، بل أيضاً إحتمال إمتدادها إلى مناطق أخرى، وإندلاع صراعات إضافية في أعقاب تجميد هذه الحروب.
▪️خامساً: خلفية الصراع بين القوى الكبرى
أما النقطة الخامسة، وهي مكملة للأسباب السابقة، فتتعلق بضرورة فهم أن هذه الصراعات الثلاثة تدور في سياق عالم متعدد الأقطاب، تتفاعل فيه المنافسة بين القوى الكبرى داخل النظام الدولي. لقد أصبحنا نعيش في عالم توجد فيه ثلاث قوى كبرى: الصين، وروسيا، والولايات المتحدة. وتنطوي العلاقات بين هذه القوى الثلاث على إمكانات حقيقية لإندلاع الصراعات. فالتنافس الأمني سمة ملازمة للسياسة بين القوى الكبرى، ومن المهم أن ندرك أن كل واحد من هذه الصراعات الثلاثة يرتبط، من جوانب مهمة، بالمنافسة بين القوى الكبرى وإحتمالات نشوب حرب بينها. وهذا الأمر واضح بصورة خاصة في الحرب الأوكرانية. لذلك، ينبغي ألا ننظر إلى هذه الحروب باعتبارها مجرد صراعات محلية أو إقليمية محدودة؛ فهي ترتبط، على نحو وثيق، بمسألة التنافس بين القوى الكبرى في النظام الدولي. والآن، أود أن أنتقل إلى دراسة الصراعات الرئيسية الثلاثة التي يتحمل الرئيس ترامب مسؤوليتها: الحرب على إيران، والحرب بين الحوثيين والسعودية، والحرب الأوكرانية. وسأستخدم الإطار التحليلي الأساسي الذي عرضته للتو في دراسة كل واحد منها. سأبدأ بوصف الوضع الراهن في كل صراع، ثم أتناول إحتمالات التصعيد فيه، والأضرار التي يلحقها بالاقتصاد العالمي، وغياب أي إستراتيجية أميركية قادرة على تحقيق النصر أو الوصول إلى حل يصب في مصلحة الولايات المتحدة. وأخيراً، سأتحدث عن الصراعات المجمّدة التي ستنشأ بعد توقف القتال في كل واحدة من هذه الحروب الثلاث.
▪️الحرب الأولى: إيران
أين وصلنا في الحرب على إيران؟
دعوني أبدأ بالحرب على إيران، وأستعرض الوضع الذي وصلت إليه اليوم. بدأت الحرب في 28 شباط/فبراير، عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران. كنا نعتقد آنذاك أننا سنحقق نصراً سريعاً وحاسماً. أطلقنا حملة قصف إستراتيجي إستهدفت قطع رأس النظام الإيراني، وإحداث تغيير في النظام، بما يؤدي إلى قيام إيران جديدة ترفع الراية البيضاء وتستسلم للولايات المتحدة. وكان الإعتقاد السائد أن ذلك سيتحقق بسرعة، ربما خلال بضعة أيام أو أسابيع قليلة على الأكثر. لكن هذا لم يحدث. وإنتهى بنا الأمر إلى حملة قصف إستمرت أربعين يوماً، من 28 شباط/فبراير وحتى نحو 8 نيسان/أبريل. وبعد توقف حملة القصف، دخلنا عملياً في وقف لإطلاق النار، لكنه إنهار لاحقاً، ثم فرضت الولايات المتحدة حصاراً على إيران. وإستمر هذا الحصار تقريباً من 13 نيسان/أبريل وحتى توقيع مذكرة تفاهم بين الطرفين في 17 حزيران/يونيو. وبدا في تلك اللحظة، عندما وُقّعت مذكرة التفاهم، أن الولايات المتحدة وإيران ستتوصلان إلى نوع من اتفاق السلام، أو على الأقل إلى إتفاق ينهي القتال ويفتح الطريق أمام التفاوض على تسوية نهائية. لكن ذلك لم يحدث. وبدلاً من ذلك، أستؤنف القتال، ودخل الطرفان في حملتين متبادلتين من الضربات، رداً على بعضها بعضاً. وكانت هاتان الحملتان الجويتان محدودتي المستوى. ينبغي أن نتذكر أننا بدأنا بحملة قصف إستمرت أربعين يوماً، وشملت عمليات قصف إستراتيجي مكثفة من الجانبين، لكن تلك الحملة إنتهت في 8 نيسان/أبريل. وبعد إنتهاء الحصار الأول، إنتقلنا إلى حرب من الضربات المتبادلة. إمتدت الحملة الأولى من 8 إلى 29 تموز/يوليو، والثانية من 30 آب/أغسطس إلى 9 أيلول/سبتمبر. وهكذا شهدنا حملتين من الضربات المتبادلة، لكن أياً منهما لم ينجح في إنتاج اتفاق ذي مغزى بين الطرفين. فالولايات المتحدة تعتقد أنها تستطيع إعتماد إستراتيجية الضربات المتبادلة والضغط العسكري المحدود لإجبار الإيرانيين على قبول اتفاق وفق الشروط الأميركية. لكن هذه الإستراتيجية لا تنجح. وما حدث بعد ذلك هو أن الولايات المتحدة عادت إلى فرض حصار جديد على إيران. وعندما لم يحقق الحصار النتائج المطلوبة، قررنا إضافة إستراتيجية أخرى إليه، أُطلق عليها ما أحب أن أسميه «إستراتيجية بيسنت». وتتمثل هذه الإستراتيجية في خطة وضعها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت لخنق إيران إقتصادياً. فهو يعتقد أنه يستطيع دفع دول العالم كلها إلى قطع علاقاتها الإقتصادية والتجارية مع إيران، وبذلك يمكن عزلها إقتصادياً عزلاً كاملاً. والإعتقاد هو أن هذا العزل الإقتصادي، إلى جانب الحصار الذي يسهم بدوره في تعميق العزلة، سيؤدي في النهاية إلى إخضاع الإيرانيين وإجبارهم على الركوع. إذا نظرنا إلى الصورة العامة، نجد أننا بدأنا بحملة قصف إستراتيجي فشلت في تحقيق أهدافها. ثم لجأنا إلى إستراتيجيتين من الضربات المتبادلة، أي حملتين جويتين محدودتين، ولم تنجح أي منهما. بعد ذلك فرضنا حصاراً أول إمتد من 13 نيسان/أبريل إلى 17 حزيران/يونيو، لكنه لم ينجح أيضاً. ثم فرضنا حصاراً ثانياً في 14 تموز/يوليو، ولم يحقق بمفرده النتائج المطلوبة. ولذلك لجأنا، في 24 آب/أغسطس، إلى إضافة إستراتيجية بيسنت. وفي الواقع، فإن ما هو قائم اليوم هو مزيج من إستراتيجية بيسنت والحصار الإقتصادي. ومن المهم جداً أن نفهم أن الولايات المتحدة لم تستخدم القوة العسكرية ضد إيران بصورة ذات مغزى منذ 9 أيلول/سبتمبر، وهو التاريخ الذي إنتهت فيه حملة الضربات المتبادلة الثانية. وبالتالي، فإننا نعتمد في هذه المرحلة على الضغط الإقتصادي لإجبار الإيرانيين على تقديم تنازلات. وأود أن أشير إلى أنه لا يوجد أي دليل على أن إستراتيجية بيسنت تحقق نجاحاً، كما لا يوجد أي دليل على أن الإيرانيين باتوا على وشك الإستسلام. بل إن المؤشرات، إن دلت على شيء، فإنما تدل على العكس تماماً: يبدو أن الإيرانيين أكثر تصميماً من أي وقت مضى على كسب هذه الحرب وهزيمة الولايات المتحدة. إذن، الحرب لا تزال مستمرة بالتأكيد، رغم أن الولايات المتحدة جرّبت كل هذه الإستراتيجيات. وأود أن أضيف سريعاً أن الحديث دار في مراحل مختلفة عن إحتمال لجوء الولايات المتحدة إلى الخيار البري، أي غزو الأراضي الإيرانية بقوات برية. لكن هذا الخيار لم يكن يوماً إحتمالاً جدياً، ولا توجد مؤشرات على أنه أصبح خياراً جدياً في المرحلة المقبلة. هذه، إذن، هي الصورة الأساسية لما حدث في إيران منذ 28 شباط/فبراير.
▪️مخاطر التصعيد في الحرب على إيران
والآن، دعوني أطبق الإطار التحليلي الذي عرضته سابقاً على مسألة المخاطر، ولنبدأ بإحتمالات التصعيد. إذا نظرنا إلى ما حدث منذ 28 شباط/فبراير، أي منذ انتهاء الحرب الجوية في 8 نيسان/أبريل، فسوف نلاحظ أن هناك تراجعاً تدريجياً في مستوى العمليات العسكرية. لم يحدث تصعيد من حيث إستخدام القوة العسكرية. فبعد انتهاء حملة القصف الإستراتيجي التي إستمرت أربعين يوماً، لجأنا إلى حملتين من الضربات المتبادلة. وهذا لا يُعد تصعيداً، بل هو، من ناحية مهمة، تراجع في مستوى التصعيد، لأننا أصبحنا نستخدم قدراً أقل من القوة العسكرية. وقد فشلت الحملتان المتبادلتان في تحقيق أهدافهما، وانتهت كلتاهما. وإنتهت الثانية، كما ذكرت، في 9 أيلول/سبتمبر. وفي الوقت الراهن، لا تكاد تقع إشتباكات تُذكر بين القوات العسكرية الأميركية والقوات العسكرية الإيرانية. لذلك، إذا عدنا إلى 28 شباط/فبراير، وتابعنا تطورات الحرب حتى اليوم، فسوف نرى أن المسار لم يكن مسار تصعيد، بل مسار خفض تدريجي للتصعيد. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في خطر التصعيد مستقبلاً، وفي إحتمال أن تقرر الولايات المتحدة أنها وصلت إلى وضع يائس، وأنها لم تعد تملك خياراً سوى تصعيد المواجهة. وكما أكدت مراراً في مناسبات سابقة، أعتقد أن الولايات المتحدة لا تملك خياراً عسكرياً حقيقياً، وأن العودة إلى إستخدام القوة العسكرية ضد إيران ليست أمراً منطقياً. فالتصعيد العسكري الأميركي لن يوفر حلاً يضمن الإنتصار في الحرب. ومع ذلك، يمكننا أن نرى شواهد كثيرة على أن إدارة ترامب تعتقد أن اللجوء، في مرحلة ما، إلى مغامرة عسكرية جديدة ضد إيران قد يكون خياراً مجدياً في محاولة لإنقاذ الموقف. وينبغي أن نتذكر ما أقوله هنا: إن الضغط الإقتصادي الذي تمارسه الولايات المتحدة على إيران يُلحق بالفعل أضراراً كبيرة بالإقتصاد الإيراني، ويعاقب السكان المدنيين بصورة واضحة. لكن هذا الضغط لا يدفع الإيرانيين إلى الإستسلام. وقد تخلص الولايات المتحدة، ونعني هنا إدارة ترامب بالطبع، إلى أنها مضطرة للعودة إلى إستخدام القوة العسكرية. صحيح أن هذا الخيار لا يُرجح أن ينجح، لكن هناك إحتمالاً ضئيلاً بأن يحقق النجاح. وقد تقول الإدارة الأميركية: نحن في وضع يائس، ولذلك سنغامر ونرمي النرد. وإذا إستمعتم إلى تصريحات الرئيس ترامب ومستشاريه، فستجدون أنهم يتحدثون كثيراً عن إستخدام القوة العسكرية بعد إنتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر. بل إن هناك حديثاً عن إحتمال إستخدام القوة العسكرية قبل تلك الإنتخابات، حتى يتمكن الرئيس ترامب من توجيه رسالة إلى الشعب الأميركي والعالم والإيرانيين، مفادها أن الولايات المتحدة جادة في تحقيق النصر في هذه الحرب. إذن، هناك إحتمال أن تصعّد الولايات المتحدة الموقف عسكرياً. لكن هناك أيضاً إحتمال أن يصعّد الإيرانيون بدورهم. لماذا أقول ذلك؟ لا شك في أن الولايات المتحدة تلحق أضراراً جسيمة بالإقتصاد الإيراني، وهي مصممة على تدمير ذلك الإقتصاد وتخريب إيران. ومن الصعب الجزم بما إذا كانت هذه الإستراتيجية ستنجح في تحقيق نتائج ذات مغزى، لكن دعونا نفترض أنها نجحت. ولنفترض أن الضغوط الإقتصادية الأميركية على إيران بلغت من الشدة حداً جعل الإيرانيين يشعرون بأنهم لم يعودوا يملكون خياراً سوى التصعيد. بمعنى آخر، يدرك الإيرانيون أن إقتصادهم يتعرض للتدمير، ولن يقبلوا بأن يستمر ذلك دون رد. ونظراً إلى إمتلاكهم قدرات للضربة الثانية، وإلى قدرتهم على مهاجمة دول الخليج الأخرى وإلحاق أضرار هائلة بها، فضلاً عن الإضرار بالإقتصاد العالمي، وبالتالي بالولايات المتحدة نفسها، فقد يجد الإيرانيون أنفسهم مضطرين إلى التصعيد لأنهم يشعرون بأن التهديد الذي يواجهونه في الداخل بات خطيراً للغاية. إذن، النقطة الأساسية التي أريد التأكيد عليها هي أنه رغم أننا نشهد مساراً لخفض التصعيد منذ إنتهاء حملة القصف التي إستمرت أربعين يوماً، فإن ذلك لا يعني أن التصعيد لن يحدث في المستقبل. ولا يعني أيضاً أن دونالد ترامب لن يعيد إشعال الحرب، أو أن الإيرانيين لن يجدوا أنفسهم، تحت وطأة الضغوط الإقتصادية الشديدة، مضطرين إلى رفع مستوى المواجهة، من خلال تصعيد عملياتهم ومهاجمة دول الخليج وإلحاق أضرار كبيرة بها وبالولايات المتحدة، بما يجبر واشنطن في نهاية المطاف على التراجع. لذلك، من المهم للغاية أن نفهم أن إحتمالات التصعيد في الحرب على إيران حقيقية تماماً.
▪️الأضرار التي تلحق بالإقتصاد العالمي
نصل الآن إلى النقطة الثانية في إطاري التحليلي، وهي تأثير الحرب في الإقتصاد العالمي. لا شك في أن الحرب على إيران تُحدث تأثيراً هائلاً في حالة الإقتصاد العالمي، وهو تأثير سلبي بصورة واضحة. تؤكد الولايات المتحدة منذ بضعة أشهر أننا بدأنا نغيّر مسار الحرب لمصلحتنا، وأننا نتغلب تدريجياً على الإيرانيين. لكن إذا نظرنا إلى ما حدث خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر، فسوف يتضح أن الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز، وفي مياه الخليج العربي نفسها، وكذلك في خليج عُمان، قد تصاعدت بصورة ملحوظة. وأقدّر أن الإيرانيين تمكنوا، على الأرجح، منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر، من مهاجمة نحو ثلاثين سفينة شحن وناقلة نفط وإصابتها بنجاح. وهناك شواهد كثيرة على وجود صعوبات حقيقية تواجه السفن في مغادرة الخليج العربي. وفضلاً عن ذلك، ارتفعت تكاليف إخراج السفن من الخليج بصورة كبيرة. ففي 27 شباط/فبراير، كانت تكلفة نقل برميل النفط عبر السفن الخارجة من مضيق هرمز تبلغ نحو ثلاثة دولارات للبرميل. أما اليوم، فقد إرتفعت إلى ثلاثين دولاراً للبرميل. وهذا يعني أن شركات الشحن باتت تتحمل تكاليف باهظة للغاية لنقل النفط والغاز والديزل إلى خارج الخليج العربي. إن العواقب الاقتصادية هنا خطيرة للغاية، ولا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات على أنها آخذة في التراجع.
▪️لا سبيل إلى إنتصار الولايات المتحدة في الحرب
نصل الآن إلى السؤال الأساسي: هل تستطيع الولايات المتحدة الإنتصار في هذه الحرب؟ بعبارة أخرى، هل تمتلك الولايات المتحدة إستراتيجية أو حلاً يتيح لها تحقيق النصر؟ الجواب هو لا. الولايات المتحدة ستخسر هذه الحرب. وأعتقد أن أوضح دليل على ذلك يتمثل في مذكرة التفاهم التي وُقّعت بين إيران والولايات المتحدة في 17 حزيران/يونيو. إذا قرأتم تلك المذكرة بعناية، فستجدون أنها، في جوهرها، وثيقة إستسلام. لقد إنتصر الإيرانيون، وهذا ما تعكسه مذكرة التفاهم الموقعة في 17 حزيران/يونيو. ومن الواضح أن الولايات المتحدة تراجعت عن تلك المذكرة، رغم أن الرئيس ترامب وقّعها في 17 حزيران/يونيو، ولم يلتزم بالإتفاق. والسبب، بطبيعة الحال، أنه كان يدرك تماماً أن تلك المذكرة تمثل وثيقة إستسلام، ولم يكن قادراً على حمل نفسه على قبولها، خصوصاً في ظل القوى السياسية التي كانت تصطف ضده داخل واشنطن. لذلك تراجعنا عن الإتفاق. لكن النقطة المهمة هي أن ترامب وقّع المذكرة لأنه كان يدرك أن الإيرانيين هم الطرف الذي يمسك بزمام المبادرة. وقد يجادل البعض بأن وضعنا تحسن منذ إنسحابنا من ذلك الإتفاق. لكن، كما أوضحت في ملاحظاتي الأولية بشأن الوضع الراهن في إيران، فإن هذا ليس صحيحاً. فنحن لسنا اليوم في وضع أفضل مما كنا عليه عندما وقّعنا مذكرة التفاهم في 17 حزيران/يونيو. بل إنني أذهب إلى أبعد من ذلك، وأقول إن الرئيس ترامب كان سيحقق نتيجة أفضل لو إلتزم بمذكرة التفاهم، وإنه سيحصل في نهاية المطاف على إتفاق أسوأ مما كان يستطيع الحصول عليه آنذاك. إذن، النقطة الرئيسية التي أؤكدها هي أن الولايات المتحدة ستخسر هذه الحرب، وأننا لا نملك بأي حال من الأحوال الوسائل أو القدرة على إنقاذ هذا الموقف.
▪️الصراع المجمّد وسؤال السلاح النووي
تتعلق نقطتي الرابعة بما سيحدث عندما تتوقف الحرب. أعني بذلك أننا سنشهد نشوء صراع مجمّد في إيران، وعندما يحدث ذلك، سنجد أنفسنا أمام وضع محفوف بالمخاطر. لماذا أقول ذلك؟ أولاً، من المهم للغاية أن نفهم أن إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها عدواً وجودياً، وأنها ملتزمة بشدة ببذل كل ما في وسعها لتدمير إيران وإدخالها في أزمات ومشكلات خطيرة للغاية. ومن الصعب تصور قيام أي شكل من أشكال التعايش أو التفاهم العملي بين إسرائيل وإيران. وبما أن إسرائيل تتمتع بنفوذ هائل داخل الولايات المتحدة من خلال اللوبي الإسرائيلي، فلن تكون واشنطن قادرة على التوصل إلى أي تفاهم ذي مغزى مع الإيرانيين. ومع مرور الوقت، سيدفع الإسرائيليون الولايات المتحدة نحو إقامة علاقة تصادمية مع إيران. ومن الصعب تصور إمكانية التوصل إلى إتفاق سلام حقيقي بين إيران والولايات المتحدة، ببساطة بسبب الضغوط الإسرائيلية وضغوط اللوبي داخل الولايات المتحدة، التي ستدفع واشنطن إلى المضي خطوة أخرى في إتجاه المواجهة. وهناك أيضاً المسألة النووية برمتها. عندما بدأت الحرب في 28 شباط/فبراير، حظيت القدرات النووية الإيرانية بإهتمام كبير. فإيران كانت تمتلك قدرة كبيرة على تخصيب اليورانيوم، وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل ملتزمتين بشدة بإنهاء هذه القدرة على التخصيب. وبالتأكيد، كان البلدان ملتزمين إلتزاماً راسخاً بمنع إيران من إمتلاك أسلحة نووية. لكن ما أود الإشارة إليه هو أننا لا نملك الآن أي اتفاق نووي مع إيران، ولا يوجد مفتشون نوويون داخل الأراضي الإيرانية. وأعتقد أن الأمل في التوصل إلى إتفاق نووي مع إيران أصبح ضئيلاً للغاية. وفوق كل ذلك، فإن هذه الحرب منحت القيادة الإيرانية حوافز قوية لإمتلاك أسلحة نووية. ونسمع الآن داخل إيران أحاديث كثيرة عن ضرورة إمتلاك السلاح النووي، وهي أحاديث لم تكن موجودة بهذا الشكل قبل 28 شباط/فبراير. لا تزال هناك بالتأكيد أصوات تعارض هذا التوجه، لكننا نسمع أصواتاً كثيرة، خصوصاً بين المتشددين في إيران، تقول إن الوقت قد حان لكي تحصل إيران على أسلحة نووية. ما أريد قوله هو إننا، بمجرد الوصول إلى حالة الصراع المجمّد، سنكون على الأرجح أمام علاقات عدائية بين الولايات المتحدة وإيران في المرحلة المقبلة، حتى وإن لم يكن الطرفان يتبادلان إطلاق النار. ستظل العلاقات بينهما عدائية. وفضلاً عن ذلك، ستبقى المسألة النووية في صدارة المشهد؛ لأن فكرة إمتلاك إيران أسلحة نووية غير مقبولة من وجهة النظر الإسرائيلية، بل ومن وجهة النظر الأميركية أيضاً. لكن هذه الحرب نفسها منحت الإيرانيين حوافز قوية للغاية لإمتلاك السلاح النووي. وهذا ما يجعل الوضع الذي سينشأ بعد تجميد الصراع بالغ الخطورة.
▪️روسيا والصين في الحرب على إيران
تتعلق نقطتي الأخيرة بالسياسة بين القوى الكبرى. ينبغي أن نتذكر أن الولايات المتحدة منخرطة بعمق في هذا الصراع، لكن روسيا والصين تدعمان الإيرانيين. ويجب ألا ننسى أن الولايات المتحدة أصبحت في الوقت الراهن عدواً وجودياً لكل من روسيا والصين. أو لنضع الأمر بصيغة أخرى: الصين وروسيا خصمان للولايات المتحدة، وكلتاهما تخشيان الولايات المتحدة. ولذلك، فإن من مصلحتهما مساعدة إيران على هزيمة الولايات المتحدة. وهذا سبب إضافي يجعل الإيرانيين ينتصرون في هذه الحرب، بينما لن تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق النصر، لأن الصين وروسيا تقدمان المساعدة للإيرانيين. لكن ينبغي أيضاً أن نتذكر أن هذا الوضع ينطوي على خطر نشوب مواجهة بين روسيا والصين من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، بسبب الحرب على إيران. لا أعتقد أن هذا الإحتمال مرجح في الوقت الراهن. لكن عندما نصل إلى حالة الصراع المجمّد، وتظل روسيا والصين ملتزمتين بأمن إيران، فإن إحتمالات الخطر ستبقى قائمة على الدوام. هذه هي الصورة المتعلقة بالحرب على إيران.
▪️الحرب الثانية: السعودية والحوثيون
كيف بدأت الحرب؟
دعوني أنتقل الآن إلى موضوع آخر، وهو الحرب بين الحوثيين والسعودية. كما ذكرت سابقاً، من المهم أن نتذكر أن الطرفين خاضا حرباً بين عامي 2015 و2022، إنتهت بوصول الحوثيين إلى حالة من الصمود والمواجهة المتكافئة مع السعوديين، بحيث لم يتمكن أي طرف من حسم الحرب لمصلحته. فماذا حدث هذا العام؟ في تموز/يوليو، أرسل الحوثيون وفداً إلى إيران للمشاركة في جنازة آية الله خامنئي. وعندما عاد هذا الوفد الحوثي من إيران إلى اليمن، شعر السعوديون بغضب شديد. والسبب أن السعودية كانت تفرض حصاراً على اليمن، ومن وجهة نظر السعوديين، لم يكن من المقبول السماح لطائرة قادمة من إيران، وعلى متنها شخصيات يمنية رفيعة المستوى، بالهبوط في اليمن. لذلك، ما فعله السعوديون في 13 تموز/يوليو هو أنهم قصفوا مطار صنعاء، أو بالأحرى مطار الحوثيين في اليمن. وقبل تنفيذ الهجوم، وتحديداً في 10 تموز/يوليو، طلب السعوديون من الرئيس ترامب، كما ذكرت سابقاً، موافقته على هذه العملية. كان السعوديون يريدون الحصول على إذن ترامب، وقد منحهم موافقته، بل قال لهم إنه يرى أن الهجوم فكرة جيدة. لقد شجّع الرئيس ترامب السعوديين على شن الهجوم، وهو ما فعلوه بالفعل في 13 تموز/يوليو ضد الحوثيين. ومعنى ذلك أن الحرب بين السعوديين والحوثيين قد إستؤنفت من جديد. ومن المهم أن نفهم أن السعوديين، وليس الحوثيين، هم الذين بدأوا هذه الحرب. وقد بدأها السعوديون بتشجيع أميركي، كما أوضحت. ثم ماذا حدث؟ في مطلع أيلول/سبتمبر، وتحديداً في حدود 8 أو 9 أيلول/سبتمبر، رفع الحوثيون مستوى المواجهة وإنتقلوا إلى الهجوم. وبدأوا بالسيطرة على أراضٍ جديدة، وتمكنوا من بسط سيطرتهم الكاملة على مضيق باب المندب. وهذا، بطبيعة الحال، أثار غضب السعوديين بشدة. وفي 5 تشرين الأول/أكتوبر، قرر السعوديون بدورهم رفع مستوى المواجهة. إذن، ما حدث هو الآتي: * بدأت الحرب في 13 تموز/يوليو بمبادرة من السعوديين. * ثم رفع الحوثيون مستوى المواجهة في 8 أو 9 أيلول/سبتمبر. * وبعد ذلك، رفع السعوديون مستوى المواجهة مرة أخرى في 5 تشرين الأول/أكتوبر. وهكذا أصبحنا الآن أمام حرب كبرى تدور رحاها بين الحوثيين والسعودية.
هذا هو الوضع الذي وصلنا إليه اليوم.
▪️التصعيد الأفقي والعمودي
دعوني أستعرض الآن مجموعة العوامل التي أستند إليها في وصف هذه الحرب بأنها كارثة، ولنبدأ بمسألة التصعيد. أولاً، لدينا بالفعل تصعيد أفقي. كما ذكرت سابقاً، دخل كل من الباكستانيين والأتراك، وهما حليفان للسعودية، إلى الحرب إلى جانب الرياض. وإضافة إلى ذلك، إنضم المصريون خلال عطلة نهاية الأسبوع إلى الحرب في صف السعوديين. أما الأميركيون، فقد دأبوا منذ إندلاع الحرب على تقديم الدعم للسعوديين بصورة غير مباشرة، وهذا أمر لا يثير الدهشة، بالنظر إلى أن الولايات المتحدة هي التي شجعت السعوديين على بدء الحرب أصلاً. ومن الصعب تحديد طبيعة الدور الذي ستؤديه باكستان وتركيا، وكذلك مصر، في هذه الحرب، لكن لا شك في أننا نشهد تصعيداً أفقياً كبيراً؛ بمعنى أن ثلاث دول مختلفة أصبحت الآن مشاركة في الصراع إلى جانب السعودية، فضلاً عن الأميركيين الذين يواصلون دعم السعوديين منذ البداية. إذن، لقد شهدنا تصعيداً أفقياً واضحاً. لكن هناك أيضاً خطر بالغ الخطورة يتمثل في إحتمال حدوث تصعيد عمودي في هذا الصراع. ماذا أعني بذلك؟ لقد تجنب الحوثيون، إلى حد كبير، شن هجمات خطيرة على منشآت النفط والغاز داخل السعودية. صحيح أنهم إستهدفوا مطارات عديدة في مختلف أنحاء المملكة، ولا شك في ذلك. كما هاجموا المقر الرئيسي لشركة أرامكو السعودية، واستهدفوا أيضاً العديد من المنشآت والبنى التحتية الإقتصادية الأخرى. لكنهم لم يستهدفوا حتى الآن سوى قدر محدود من منشآت النفط والغاز داخل السعودية. ولو قرروا الإنتقال إلى إستهداف هذه المنشآت، فإن ذلك سيقودنا إلى النقطة الثانية في تحليلي.
▪️الرهانات الإقتصادية: النفط والغاز وخط الأنابيب السعودي
ستكون العواقب الإقتصادية هائلة. فالتداعيات الإقتصادية للحرب التي يشنها الحوثيون ضد السعودية بدأت تظهر بالفعل، ولا شك في ذلك. وينبغي أن نتذكر أن السعودية تمثل مصدراً رئيسياً للنفط في الشرق الأوسط، أو منطقة الخليج العربي. إنها لاعب بالغ الأهمية في سوق الطاقة العالمية. فإذا صعّد الحوثيون هجماتهم وإستهدفوا منشآت النفط والغاز، وعملوا على تعطيل خط الأنابيب السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب، وأغلقوا ميناء ينبع السعودي على البحر الأحمر، وهاجموا أهدافاً أخرى مرتبطة بالبنية التحتية النفطية والغازية، فإن ذلك سيخلّف آثاراً مدمرة على الإقتصاد العالمي. وينبغي أن نفهم ما يجري في الشرق الأوسط على النحو الآتي: لدينا حربان منفصلتان تدوران في الوقت نفسه. الأولى هي الحرب على إيران، والثانية هي الحرب بين السعوديين والحوثيين. وكلتا الحربين تؤثران بصورة عميقة في تدفق النفط إلى الأسواق العالمية من منطقة الخليج. وهذا يترك آثاراً سلبية على الإقتصاد الدولي. وما أقوله هو أنه إذا أقدم الحوثيون على تصعيد خطير، من خلال مهاجمة منشآت النفط والغاز داخل السعودية، وأدى ذلك إلى إنخفاض كبير في كميات النفط والغاز السعودية المتدفقة عبر الخليج العربي والبحر الأحمر، بالتزامن مع ما يفعله الإيرانيون، فإن العواقب ستكون مدمرة. ولا تنسوا أن الإيرانيين يصعّدون الآن هجماتهم على سفن الشحن وناقلات النفط المغادرة للخليج. إن إجتماع هذه العوامل سيؤدي إلى تداعيات إقتصادية بالغة الخطورة. وهكذا، فإن التصعيد والأضرار الإقتصادية يرتبطان إرتباطًا وثيقاً في حالة الحرب بين الحوثيين والسعودية.
▪️السعوديون لا يستطيعون الإنتصار في الحرب
تتعلق النقطة الثالثة بالسؤال الأساسي حول إمتلاك إستراتيجية تتيح تحقيق النصر في الحرب. وهنا نتحدث عن السعوديين، وهم حلفاء مقربون للولايات المتحدة، ونتساءل: هل يمتلكون إستراتيجية تمكّنهم من الإنتصار؟ الجواب واضح: لا. فالسعوديون يواجهون مأزقاً خطيراً، وفقاً لمعظم التقديرات. وإذا نظرنا إلى الطرف الذي يحقق المكاسب في هذه الحرب، فلن يكون السعوديون، بل الحوثيون. ولا يسع المرء إلا أن يتساءل بدهشة: لماذا قرر السعوديون إشعال هذه الحرب في 13 تموز/يوليو؟ ولماذا صعّدوا هجماتهم مرة أخرى في 5 تشرين الأول/أكتوبر؟ إن الأمر لا يبدو منطقياً على الإطلاق. فالطرف الذي يمسك بزمام المبادرة هو الحوثيون. وكما ذكرت قبل قليل، فإن الخطر الأكبر يكمن في إحتمال أن يذهب الحوثيون إلى أبعد من ذلك في التصعيد، وهو ما ستكون له عواقب إقتصادية مدمرة. لذلك، لا توجد وسيلة تمكّن السعوديين من الإنتصار في هذه الحرب. وهذا يعني، بصيغة أخرى، أن دونالد ترامب لا يستطيع الإنتصار فيها أيضاً. الحوثيون هم الذين سينتصرون في هذه الحرب.
▪️الصراع المجمّد: السعودية بين إيران والحوثيين
نصل الآن إلى المسألة التالية: كيف سيبدو الصراع المجمّد عندما نصل إليه؟ وأكرر هنا ما أكدته بشأن الحروب الثلاث جميعها: هذه الحروب ستنتهي في نهاية المطاف، ولن تستمر إلى الأبد. لكن النتيجة ستكون صراعاً مجمّداً. ولن نحصل على إتفاق سلام حقيقي وذي مغزى بين الحوثيين والسعوديين، تماماً كما لن نحصل على اتفاق سلام حقيقي بين الولايات المتحدة وإيران. وكما سأوضح لاحقاً، لن نحصل أيضاً على إتفاق سلام حقيقي بين الأوكرانيين والروس. هذا لن يحدث. ما سنحصل عليه هو صراع مجمّد. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا هو: كيف ستكون طبيعة هذا الصراع؟ أولاً، سيظل السعوديون والحوثيون عدوين لدودين، وسيبقى خطر إستئناف الحرب قائماً في كل لحظة، حتى بعد توقف القتال. لكن هناك مسألة أخرى تتعلق بوضع السعودية نفسها. دعونا نفكر في الوضع الذي ستجد المملكة نفسها فيه اليوم، وفي المرحلة التي تلي تجميد الصراع. لقد تحدثنا عن الحرب على إيران، ونعلم أن السعودية وقفت بوضوح في مواجهة إيران. وإيران ستنتصر في تلك الحرب، ولن يكون ذلك إنتصاراً للسعودية. أما في مواجهة الحوثيين، فإن الحوثيين هم الذين سينتصرون في حربهم ضد السعودية. إذن، ما الوضع الذي ستواجهه المملكة عندما يصبح الصراع مجمّداً؟ أولاً، سيكون لديها عدو وجودي هو إيران. وثانياً، سيكون لديها عدو وجودي آخر هو الحوثيون. وفوق ذلك، لن تعود قادرة على الإعتماد على الولايات المتحدة بصورة حقيقية لحمايتها. ينبغي أن نتذكر أن الولايات المتحدة لم تتمكن من حماية السعودية عندما كانت إيران تهاجمها. كما أن واشنطن لم تهبّ لنجدتها في حربها مع الحوثيين. ولم أتطرق إلى هذه المسألة من قبل، لكن الحقيقة هي أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس ترامب، في ثلاث مناسبات منفصلة، تقديم المساعدة في حربه ضد الحوثيين. حدث ذلك مرتين في 10 أيلول/سبتمبر، ومرة ثالثة في 17 أيلول/سبتمبر. وفي المرات الثلاث جميعها، رفض ترامب طلب المساعدة. وبالطبع، لم يكن ترامب قادراً أيضاً على فعل الكثير لحماية السعودية خلال الحرب مع إيران. وهكذا، ستجد السعودية نفسها في المرحلة المقبلة، إلى حد كبير، وحيدة في مواجهة الأخطار. فلن يكون لديها بلد آخر تستطيع الإعتماد عليه لتوفير الحماية الأمنية لها. كما ستجد نفسها محاطة بجيران معادين. فالحوثيون سيظلون خصوماً لها، ومن المرجح أيضاً أن تجد السعودية أن إيران أصبحت جاراً معادياً. وبالتالي، ستواجه المملكة بيئة أمنية شديدة الخطورة، من دون أن تكون قادرة على الإعتماد على الأميركيين لحمايتها.
▪️هل تتجه السعودية إلى إمتلاك السلاح النووي؟
وهنا يبرز سؤال مهم: هل ستفكر السعودية في الحصول على أسلحة نووية؟ أعتقد أن هناك إحتمالاً جدياً لأن تسلك السعودية الطريق النووي. أما إلى أي مدى ستتمكن من المضي في هذا الإتجاه، فهذه مسألة أخرى. إذ يمكنكم الإطمئنان إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستبذلان جهوداً كبيرة للغاية لمنع السعودية من إمتلاك أسلحة نووية. لكن الظروف ستوفر للسعوديين دوافع قوية للسعي إلى إمتلاك هذه الأسلحة، لأنهم سيعتبرونها، في رأيي، أفضل وسيلة لحماية أنفسهم. وبالمناسبة، إذا عدنا إلى إيران، فقد ذكرت سابقاً أن الحرب دفعت الإيرانيين أيضاً إلى التفكير بجدية أكبر في إمتلاك السلاح النووي. وهناك اليوم أحاديث كثيرة داخل إيران عن ضرورة إمتلاك البلاد رادعاً نووياً. أما السعوديون، فقد أعلنوا بوضوح، قبل 28 شباط/فبراير بوقت طويل، وقبل اندلاع الحرب مع الحوثيين في 13 تموز/يوليو أيضاً، أنهم إذا قررت إيران السير في الطريق النووي ونجحت في إمتلاك أسلحة نووية، فإن السعودية ستفعل الشيء نفسه. إذن، ما نراه هنا هو أن الحرب على إيران، والحرب بين السعودية والحوثيين، ستؤديان كلتاهما إلى صراع مجمّد. وفي كل واحد من هذين الصراعين المجمّدين، ستكون هناك دوافع قوية لامتلاك السلاح النووي: ففي الصراع الأول، ستكون إيران هي الطرف الذي يسعى إلى ذلك، وفي الصراع الثاني، ستكون السعودية هي الطرف الذي يسعى إلى إمتلاك هذه الأسلحة.
▪️الحرب الثالثة: أوكرانيا
أين وصلنا في الحرب الأوكرانية؟
حسناً، دعونا ننتقل إلى أوكرانيا. أين وصلنا في هذا الصراع؟ بدأ النزاع في 22 شباط/فبراير 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم بعدما وقع إنقلاب في أوكرانيا، وأُطيحت الحكومة التي كانت تدير البلاد، والتي كانت موالية لروسيا بصورة أساسية، وحلّت محلها حكومة جديدة أكثر ميلاً إلى الغرب. ثم، بعد ثماني سنوات، وتحديداً في 24 شباط/فبراير 2022، اندلعت حرب كبرى، وهي الحرب الواسعة النطاق التي لا تزال مستمرة حتى اليوم. للحرب بُعدان أساسيان. البُعد الأول هو الحرب البرية. فقد سيطر الروس على نحو خُمس الأراضي الأوكرانية، وهي مساحة شاسعة تقع في الجزء الشرقي من البلاد. ولا تزال روسيا تسعى إلى السيطرة على المزيد من الأراضي الأوكرانية، أما حجم المساحة الإضافية التي ستتمكن من السيطرة عليها، فلا يزال أمراً مفتوحاً على الإحتمالات. لكن المؤكد أن هناك حرباً برية واسعة تدور في شرق أوكرانيا، تتمثل في محاولة روسية للسيطرة على مزيد من الأراضي الأوكرانية. أما البُعد الثاني، فهو الحرب الجوية. تستخدم روسيا الصواريخ المجنحة والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، فضلاً عن القنابل الجوية الموجهة من طراز «فاب» (FAB)، وهي قنابل ذكية تُطلق من الطائرات، لقصف أوكرانيا. في المقابل، يستخدم الأوكرانيون الطائرات المسيّرة بصورة أساسية لمهاجمة مجموعة واسعة من الأهداف داخل الأراضي الروسية. إذن، ما نشهده هو حرب برية وحرب جوية في آن واحد، وقد إستمر هذان المساران منذ إندلاع الحرب في عام 2022. وهناك بُعد آخر بالغ الأهمية ينبغي ألا نغفله، وهو الدور الأوروبي والأميركي. فالأوروبيون والأميركيون، ويمكن وضع الطرفين عموماً تحت مظلة حلف الناتو، يشاركون في هذه الحرب إلى جانب أوكرانيا ضد روسيا. لذلك، لا ينبغي النظر إلى الصراع باعتباره مجرد حرب بين روسيا وأوكرانيا، بل يجب أن نأخذ في الحسبان أيضاً الأوروبيين والأميركيين، أو بصورة أعم، حلف الناتو. والآن، دعونا نتناول مخاطر التصعيد.
▪️تصعيد الحرب الجوية
سنستخدم الإطار التحليلي نفسه الذي إعتمدناه في دراسة الحربين السابقتين، وسنتناول مخاطر التصعيد، والعواقب على الإقتصاد العالمي، وإحتمالات الإنتصار الأميركي، وطبيعة الصراع المجمّد الذي قد ينشأ في النهاية. فيما يتعلق بالتصعيد، يمكن القول إننا نشهد تصعيداً بالفعل. وهذا التصعيد يتعلق أساساً بالحرب الجوية، وليس بالحرب البرية. فالحرب البرية تسير ببطء، ويمكن القول إن الروس يحققون تقدماً ثابتاً، وإن كان بطيئاً. وقد ظل هذا هو نمط العمليات العسكرية، في تقديري، منذ عام 2023. لكننا نشهد في الحرب الجوية تصعيداً كبيراً. وقد بدأ ذلك فعلياً هذا الصيف، عندما قرر الأوكرانيون إطلاق حملة ضغط إستمرت أربعين يوماً، إستخدموا خلالها هجمات الطائرات المسيّرة ضد روسيا، وضد العمق الروسي، بهدف إلحاق أضرار جسيمة داخل الأراضي الروسية وإجبار موسكو على الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى إتفاق جيد مع الأوكرانيين. بدأت هذه الحملة في 26 حزيران/يونيو وإنتهت في 4 آب/أغسطس. ورداً على ذلك، قرر الروس، الذين كانوا يقصفون أوكرانيا منذ فترة طويلة، لكنهم لم يشنوا حتى ذلك الوقت حملة قصف مكثفة حقاً ضدها، زيادة وتيرة قصفهم بصورة كبيرة. لقد قرروا تصعيد حملتهم الجوية بشكل ملحوظ، وكان ذلك إلى حد كبير رداً على حملة الضغط الأوكرانية التي إستمرت أربعين يوماً ضد روسيا. لكن الروس، بعد أن بدأوا تكثيف حملتهم الجوية، أخذوا ينظرون إلى القصف بإعتباره سلاحاً يمكن أن يحقق لهم النصر في الحرب. فهم يواجهون صعوبة في تحقيق إنتصار سريع وحاسم. ولا أريد إستخدام كلمة «حاسم» هنا، لكنهم يواجهون صعوبة في سحق القوات البرية الأوكرانية بسرعة في الجزء الشرقي من البلاد. ولذلك، خلصوا إلى أن الحل الأفضل ربما يكمن في تكثيف حملة القصف بصورة كبيرة؛ أي تدمير مختلف أنواع البنى التحتية الإقتصادية والعسكرية في أوكرانيا، ودفع الإقتصاد الأوكراني إلى حافة الإنهيار، وجعل قدرة أوكرانيا على دعم قواتها المقاتلة على خطوط الجبهة أمراً بالغ الصعوبة. إذن، ما نشهده في أوكرانيا الآن هو تصعيد كبير بالفعل. وبالمناسبة، فإن الأوكرانيين يردون على ذلك أيضاً. فهم يبذلون كل ما في وسعهم لتوسيع نطاق حملتهم الجوية ضد روسيا، في الوقت الذي يبذل فيه الروس كل ما يستطيعون لتكثيف حملة القصف ضد أوكرانيا. وهكذا، فإننا نشهد تصعيداً حقيقياً ومتبادلاً في الحرب الجوية. لكن الخطر الأكبر يتمثل في إحتمال أن يؤدي هذا التصعيد إلى جرّ حلف الناتو إلى القتال بصورة مباشرة. لا شك في أن الناتو يساعد أوكرانيا على خوض هذه الحرب بطرق بالغة الأهمية؛ فهو يزودها بالمعلومات الإستخباراتية، ويوفر لها إمكانات نظام «ستارلينك»، وغير ذلك، كما يساعد الأوكرانيين في التخطيط للعمليات العسكرية. وبالتالي، فإن الناتو منخرط بعمق في هذا الصراع. ومن الإنصاف القول إن ما يجري هو حرب يخوضها الناتو وأوكرانيا ضد روسيا. ومع ذلك، فإن قوات الناتو، بما فيها القوات الأوروبية والأميركية، لم تشارك بصورة مباشرة في القتال حتى الآن، وقد بذلت هذه الدول جهوداً كبيرة لضمان عدم إنخراط قواتها مباشرة في العمليات العسكرية. لكن خطر التصعيد لا يزال قائماً. فمن جهة، هناك ضغوط داخل روسيا تدعو إلى مهاجمة أهداف تابعة للناتو في أوروبا الشرقية.
▪️أطروحة كاراغانوف: التصعيد لإنهاء الحرب
هذه هي الأطروحة الشهيرة التي طرحها المفكر الروسي سيرغي كاراغانوف، والتي تحظى بتأييد واسع داخل روسيا. ولا يعني ذلك أن الرئيس فلاديمير بوتين يؤيد الإستراتيجية التي طرحها كاراغانوف، لكنني أريد أن أوضح أن هناك شخصيات روسية ترى أن الحلول التي يقترحها لمعالجة المشكلات التي تواجهها روسيا في هذه الحرب هي حلول سليمة. فما الذي يدعو إليه كاراغانوف تحديداً؟ يرى كاراغانوف أن روسيا تواجه عدواً لدوداً لا يمكن التوفيق معه، وهو حلف الناتو، وأن هذا الحلف سيواصل بذل كل ما في وسعه لتدمير روسيا. ومن وجهة نظره، فإن الحل الوحيد للتعامل مع هذه المشكلة هو مهاجمة أهداف في أوروبا الشرقية، وربما في أوروبا الوسطى أيضاً، بل قد يصل الأمر إلى إستهداف ألمانيا. ويجادل كاراغانوف بأن إطلاق روسيا عدداً محدوداً من الأسلحة التقليدية على أهداف تابعة للناتو أو أهداف داخل أوروبا قد يدفع الأوروبيين والأميركيين إلى التراجع، وإلى إدراك أن الوضع أصبح بالغ الخطورة. بعبارة أخرى، ما يتحدث عنه كاراغانوف هو تصعيد الحرب بهدف إنهائها. فهو يقول إن الإنتصار في هذه الحرب على الأرض أمر بالغ الصعوبة، كما أن تحقيق النصر من خلال حملة جوية تقتصر على إستهداف الأراضي الأوكرانية وحدها أمر صعب أيضاً. ولذلك، يرى أن على روسيا تصعيد المواجهة من خلال مهاجمة أهداف في أوروبا بإستخدام الأسلحة التقليدية. أما إذا لم تنجح هذه الخطوة، فيقترح كاراغانوف اللجوء إلى إستخدام عدد محدود من الأسلحة النووية. ويعني ذلك أن تستخدم روسيا بضعة أسلحة نووية ضد الأوروبيين والأميركيين، ليس عبر ضرب أهداف داخل الولايات المتحدة نفسها، بل عبر إستهداف حلفاء واشنطن ومواقع تابعة لحلف الناتو.
ويعتقد كاراغانوف أنه إذا أقدمت روسيا على إستخدام أسلحة نووية ضد هذه الأهداف، فإن الولايات المتحدة لن تسمح برد نووي إنتقامي، لأن ذلك قد يؤدي إلى حرب نووية حرارية شاملة. وفي تصور كاراغانوف، فإن ما ستفعله الولايات المتحدة والدول الأوروبية عندئذٍ هو التراجع تلقائياً. فالأوروبيون والأميركيون سيدركون حينها مدى خطورة الوضع. وهذا تحديداً هو سبب دعوة كاراغانوف إلى مهاجمة أهداف في أوروبا، أولاً بالأسلحة التقليدية، ثم بالأسلحة النووية إذا لم تحقق الأسلحة التقليدية النتيجة المطلوبة. إنها رسالة واضحة إلى الطرف الآخر مفادها أن هذا الوضع يجب أن ينتهي، والأمل هو أن تنجح إستراتيجية الإكراه هذه في تحقيق هدفها. أنا لا أقول إن الروس سيتبنون بالضرورة إستراتيجية كاراغانوف، لكن النقطة الأساسية التي ينبغي أن نضعها في إعتبارنا هي أن إحتمالات التصعيد هنا كبيرة. فإذا لم تتمكن روسيا من الإنتصار على أوكرانيا بالشروط التي تراها ملائمة لمصالحها، فإن إغراء اللجوء إلى مزيد من التصعيد سيكون كبيراً للغاية.
والآن، دعونا نتحدث عن الأوروبيين والأميركيين، وخصوصاً الأوروبيين. لا شك في أن الأوروبيين والأميركيين، وحلف الناتو بصورة عامة، ملتزمون بشدة بتحقيق النصر في هذه الحرب. لقد إستثمرنا الكثير في هذا الصراع. وأعتقد أن روسيا ستنتصر في الحرب. ولا أعتقد أنها ستضطر إلى تطبيق عقيدة كاراغانوف أو إستراتيجيته. وآمل أن أكون محقاً في هذا التقدير، لأنني أعتقد أن الروس سيتمكنون من الإنتصار دون الحاجة إلى ذلك. لكن إذا حدث هذا الإنتصار الروسي، فما العواقب التي ستترتب عليه بالنسبة إلى حلف الناتو، أي الأوروبيين والأميركيين؟ وكيف يُحتمل أن يتصرفوا؟ ستكون العواقب كارثية. فإذا إنتصرت روسيا في هذه الحرب، كما أتوقع، فإن ذلك سيمثل هزيمة ساحقة لحلف الناتو. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: كيف سيتصرف الأوروبيون والأميركيون؟ هل سيكتفون بالجلوس وقبول هذه الحقيقة؟ أعتقد أن هذا هو الإحتمال الأرجح. لكنني أرى أيضاً أنه من الممكن جداً أن يلجأ الأوروبيون والأميركيون إلى التصعيد بطريقة أو بأخرى. فقد نقوم بخطوات معينة لمحاولة إنقاذ الموقف والحد من حجم الأضرار الناجمة عن الهزيمة. وهكذا، نرى أن الحرب الأوكرانية تنطوي على إمكانات حقيقية للتصعيد. وكما أوضحت في بداية حديثي عن أوكرانيا، فإن التصعيد يحدث بالفعل. ومن المهم للغاية أن نفهم أنه إذا نظرنا إلى ما يجري في الحرب الجوية منذ 26 حزيران/يونيو وحتى الآن، فسوف نلاحظ تصعيداً واسع النطاق. وما أقوله هو أنه، إضافة إلى هذا التصعيد القائم، هناك خطر حقيقي من حدوث تصعيد أكبر في المرحلة المقبلة. وهنا تبرز إستراتيجية كاراغانوف، وكذلك إحتمال لجوء حلف الناتو إلى إستخدام القوة العسكرية في محاولة للحد من الأضرار.
▪️أوكرانيا والإقتصاد الدولي
نأتي الآن إلى الإقتصاد الدولي، وهو العنصر الثاني في الإطار التحليلي الذي أعتمده. أنظروا إلى ما يحاول الرئيس ترامب القيام به الآن من أجل إعادة ضخ الديزل والنفط الروسيين في الأسواق العالمية. يدرك ترامب تماماً أن التهديد الذي يواجه الإقتصاد الدولي لا يأتي من إيران والحرب في الخليج فحسب، ولا من الحوثيين والحرب في البحر الأحمر وحدهما. إنه يدرك أيضاً أن ما يحدث فيما يتعلق بالنفط والغاز الروسيين له أهميته. صحيح أن تأثيره لا يبلغ مستوى ما يجري في الشرق الأوسط، ولا شك في ذلك، لكن ترامب يفهم أنه بحاجة إلى ضخ أكبر كمية ممكنة من النفط والغاز في الأسواق العالمية، ويريد من الروس أن يساعدوه في هذا المسعى. وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع ترامب إلى التشدد في التعامل مع الأوكرانيين هذه الأيام، في الوقت الذي يتعامل فيه بلطف مع الروس. كل ما أريد قوله هنا هو أن ثمة خطراً قائماً: فإذا استمرت هذه الحرب، وخصوصاً إذا واصل الأوكرانيون تدمير البنية التحتية الروسية للطاقة والنفط والغاز والديزل، فإن ذلك سيضيف مزيداً من الأعباء إلى المشكلات التي يواجهها الإقتصاد الدولي. إذن، فيما يتعلق بأوكرانيا، أقول لكم إن هناك، أولاً، إحتمالاً جدياً لوقوع مشكلات خطيرة على صعيد التصعيد، ومشكلات خطيرة أيضاً على صعيد الإقتصاد الدولي.
ونصل الآن إلى العنصر الثالث في إطاري التحليلي.
▪️لا إستراتيجية أميركية لتحقيق النصر
هل توجد تسوية ذات مغزى تتيح للولايات المتحدة إنهاء هذا الصراع والخروج منه منتصرة؟ الجواب هو: لا. الولايات المتحدة ستخسر هذه الحرب، تماماً كما ستخسر حربها ضد إيران، وكما سيخسر السعوديون حربهم ضد الحوثيين. ليس لدى الولايات المتحدة أي إستراتيجية تتيح لها الإنتصار في أوكرانيا. أما الروس فسوف يحققون إنتصاراً قاسياً، وإن كان إنتصاراً مشيناً. فهم يسيطرون بالفعل على نحو خُمس الأراضي الأوكرانية، وقد ضمّوا ــ بل ينبغي أن أقول إنهم ضمّوا ــ خُمس الأراضي الأوكرانية، وربما يستولون على أراضٍ إضافية. وفوق ذلك، فإنهم يدمرون أوكرانيا بوصفها مجتمعاً قادراً على العمل والإستمرار. وسوف يحولونها إلى دولة مبتورة، مختلة الوظائف، لا تملك مقومات الدولة الطبيعية. ستكون هذه هزيمة مدمرة لحلف الناتو، كما ستكون هزيمة للولايات المتحدة.
▪️الصراع المجمّد: دولة أوكرانية مبتورة وخصومة مفتوحة
ونصل هنا إلى العنصر الرابع في تحليلي: الصراع المجمّد. ما ستحصلون عليه هو صراع مجمّد. لقد أكدت مراراً، طوال فترة طويلة، أن الروس لن يحققوا نصراً حاسماً. هذا لن يحدث. لن يهزموا أوكرانيا هزيمة نهائية، ولن يحتلوا أراضيها كلها. سوف يسيطر الروس على مساحة شاسعة من الأراضي الأوكرانية، لكن ستبقى هناك دولة مبتورة، مختلة الوظائف. والسؤال الذي ينبغي أن تطرحوه على أنفسكم هو: كيف سيبدو هذا الصراع المجمّد؟ أولاً، ستكون العلاقات شديدة السمية بين الروس من جهة، والأوكرانيين في تلك الدولة المبتورة من جهة أخرى. وستكون العلاقات كذلك شديدة السوء بين الروس من ناحية، والأوروبيين، وربما الأميركيين أيضاً، من ناحية ثانية. وستسود أوروبا علاقات بالغة العداء بين الروس من جانب، والأوكرانيين والأوروبيين من الجانب الآخر. وسيظل هذا الوضع قائماً إلى أمد بعيد، بقدر ما يمكن للمرء أن يتصور. إنها حالة كارثية. لن نحصل على إتفاق سلام حقيقي يعالج هذه الأزمة. وإذا عدنا إلى الصراعين السابقين اللذين تحدثت عنهما، أي إيران، فإنني لا أعتقد أننا سنحصل على إتفاق سلام ذي مغزى هناك أيضاً. ما سنحصل عليه هو صراع مجمّد، ينطوي على إحتمال كبير للتصعيد. وفي حالة إيران، هناك إحتمال كبير لانتشار الأسلحة النووية. ولن نحصل كذلك على إتفاق سلام حقيقي بين الحوثيين والسعوديين؛ بل سنحصل على صراع مجمّد. وحتى في هذه الحالة، هناك إحتمال لإنتشار الأسلحة النووية، إذا أخذنا في الحسبان وضع المملكة العربية السعودية، وهو إحتمال لا يُستهان به.
أما هنا، فنحن نتحدث عن أوكرانيا. وستظل العلاقات شديدة العداء، إلى أجل غير منظور، بين الروس من جهة، وأوكرانيا والأوروبيين والأميركيين من جهة أخرى. وينبغي ألا ننسى أيضاً أن هناك عدداً من بؤر الصراع المحتملة المرتبطة إرتباطًا وثيقاً بالحرب الأوكرانية، والتي يمكن أن تشتعل وتتحول إلى حروب فعلية.
هناك إحتمال لإندلاع مشكلات خطيرة في القطب الشمالي، وبحر البلطيق، وبيلاروسيا، ومولدوفا، والبحر الأسود، وكالينينغراد.
ونسمع هذه الأيام بإستمرار أحاديث عن إحتمال نشوب صراع حول كالينينغراد. وعندما يتحول الوضع إلى صراع مجمّد، سيظل خطر إندلاع المواجهات قائماً في هذه المناطق الست. وهكذا، يبدو المستقبل بالغ الخطورة في الصراعات الثلاثة كلها، بعد أن تتحول إلى صراعات مجمّدة.
▪️الحروب الثلاث في ميزان القوى الكبرى
دعوني أنتقل الآن إلى الحديث عن سياسات القوى الكبرى. لا أعتقد أن هناك تهديداً جدياً بإنخراط القوى الكبرى الثلاث جميعها في الحرب بين الحوثيين والسعوديين. وهذه هي النقطة الإيجابية الوحيدة التي أستطيع الإشارة إليها. من الواضح أن الولايات المتحدة منخرطة بصورة كبيرة فيما يجري بين السعوديين والحوثيين، لكن لا توجد أدلة على أن الروس والصينيين يشاركون في هذا الصراع، أو أنهم على وشك الإنخراط فيه. لذلك، لا أرى أن صراع القوى الكبرى يدخل في حسابات هذه الحرب. أما فيما يتعلق بالصراعين الآخرين، فهناك إحتمال حقيقي لوقوع مشكلات خطيرة. وهذا ينطبق بوضوح على أوكرانيا. فكما قلت سابقاً، هناك الروس من جهة، وأوكرانيا ومن يقف وراءها من جهة أخرى. وهذا يعني أن الولايات المتحدة منخرطة بعمق في الحرب الأوكرانية، وهي تقاتل روسيا. صحيح أنها لا تشارك مباشرة في العمليات القتالية، لكنها منخرطة بعمق في مساعدة أوكرانيا على خوض هذه الحرب. ولولا الدعم الأميركي، ولولا دعم حلف الناتو، لإنتهت الحرب الروسية الأوكرانية قبل سنتين أو ثلاث سنوات. من المهم جداً فهم هذه الحقيقة. وبالمناسبة، هدد الرئيس ترامب مؤخراً بقطع المعلومات الإستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، كما هدد بوقف إتاحة خدمة «ستارلينك» لها. وقد أطلق الأوكرانيون صرخة إستغاثة مدوية إزاء هذا التهديد، وأوضحوا تماماً أنهم إذا فقدوا هذا الدعم فسوف يخسرون الحرب بسرعة. وهذا صحيح؛ إذ سيخسرونها بالفعل في وقت قصير. لكن ما يكشفه ذلك هو مدى أهمية الدعم الأميركي لأوكرانيا في خوض هذا الصراع. أوكرانيا والولايات المتحدة، وأوكرانيا والولايات المتحدة وأوروبا، تخوض هذه الحرب ضد روسيا. وهكذا ترون أن قوتين عظميين، هما روسيا والولايات المتحدة، تخوضان فعلياً حرباً ضد بعضهما بعضاً في الوقت الراهن، حتى وإن كان الأميركيون لا يضغطون على الزناد في ساحات القتال أو في الأجواء. وفوق ذلك كله، تقف الصين بقوة إلى جانب الروس. إذن، لدينا الصين وروسيا. فالصينيون يدعمون الروس في أوكرانيا، والولايات المتحدة تقف مع الأوكرانيين ضد الروس. وهنا يتضح أن إحتمال التصعيد الذي قد يشمل القوى الكبرى في الحرب الأوكرانية إحتمال كبير. أما الصراع الآخر الذي ينبغي أن نقلق فيه بشأن إنخراط القوى الكبرى، فهو الحرب مع إيران. فكما قلت سابقاً، من المهم جداً أن نفهم أن للروس والصينيين مصلحة مباشرة في رؤية إيران تهزم الولايات المتحدة. ولهذا تساعد الصين وروسيا إيران في مواجهة الولايات المتحدة. وبالطبع، فإن الولايات المتحدة منخرطة مباشرة في القتال في هذه الحرب؛ فهي تطلق النار وتضغط الأزرار، ولا شك في ذلك. إذن، الولايات المتحدة تخوض الحرب بالفعل ضد إيران، فيما تقف الصين وروسيا إلى جانب إيران. ولا شك في أن الصين وروسيا زودتا إيران بالمعلومات الإستخباراتية، كما قدمتا لها معدات من أنواع مختلفة ساعدتها في قتالها ضد الولايات المتحدة. وإذا إنتقلنا إلى مستوى أعمّ، فإن ما نراه لا يعود إلى الحرب مع إيران وحدها، وإن كانت هذه الحرب أحد أسبابه الرئيسية. نرى أن الولايات المتحدة، بسبب حروبها المختلفة وسياساتها في أنحاء العالم، دفعت الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية إلى التقارب فيما بينها. وأصبحت هذه الدول تعمل معاً لمواجهة أميركا المعادية. تذكروا أنني لم أتحدث عن هذا الأمر من قبل، لكن الكوريين الشماليين يقاتلون في أوكرانيا إلى جانب الروس. فكروا في ذلك للحظة. لقد طوّر الكوريون الشماليون والروس علاقات ودية للغاية منذ إندلاع الحرب الأوكرانية. ومرة أخرى، يحصل الروس على مساعدات كبيرة من كوريا الشمالية؛ فهم يتلقون صواريخ باليستية، كما يتلقون قوات كورية شمالية. وهكذا ترون أن الكوريين الشماليين والإيرانيين والصينيين والروس قد إجتمعوا في معسكر واحد. ولا ينبغي الإستهانة بإحتمال أن يؤدي هذا التقارب، مع مرور الوقت ــ وليس بالضرورة في الوقت الراهن ــ إلى تصعيد يشمل الصين وروسيا من جهة، والولايات المتحدة من جهة أخرى، في سياق الأزمة الإيرانية.
▪️الخلاصة: ثلاث حروب خاسرة
ما الذي أريد قوله أساساً؟ دعوني ألخّص. خلاصتي هي أن الرئيس ترامب، منذ العشرين من كانون الثاني/يناير من هذا العام، أي منذ بداية السنة الثانية من ولايته الرئاسية الثانية في البيت الأبيض، ورّط نفسه، وبالطبع ورّط الولايات المتحدة معه، في ثلاث حروب. إنها ثلاث حروب يتحمل مسؤوليتها، وكل واحدة منها كارثة. حاولت توضيح ذلك من خلال بحث إحتمالات التصعيد في كل واحدة من هذه الحروب الثلاث، وآثارها على الإقتصاد الدولي، وإمكانية أن تحقق الولايات المتحدة نصراً ذا مغزى في أي منها. وقد بذلت جهداً كبيراً لإثبات أننا سنخسر الحروب الثلاث جميعها. وإضافة إلى ذلك، جادلت بأن ما إنتهينا إليه ــ أو بالأحرى ما سننتهي إليه ــ في هذه الحروب الثلاث هو صراعات مجمّدة، ستكون محفوفة بفرص إندلاع حروب جديدة ومزيد من الإضطرابات. وحاولت أن أوضح بصورة جلية أن تجميد الصراع مع إيران، وكذلك تجميد الصراع بين السعوديين والحوثيين، سيجعلان إحتمال إنتشار الأسلحة النووية كبيراً جداً في كلتا الحالتين. إذا نظرنا إلى هذه الحروب الثلاث التي يتحمل الرئيس ترامب مسؤوليتها، نجد أنه خلق وضعاً كارثياً. وأود أن أضيف هنا أنه من الممكن القول إن من الصعب الجزم بالكيفية التي ستنتهي بها هذه الحروب جميعاً. فنحن نعرف الصورة العامة، لكن تحديد ما سيحدث بالضبط أمر يصعب التكهن به. ومع ذلك، يمكن للمرء أن يجادل بأن الرئيس ترامب، عندما تضع هذه الحروب أوزارها، سيكون قد إنتهى إلى تدمير رئاسته بسببها. تذكروا أن أمامه أكثر من عامين في البيت الأبيض، عامين وثلاثة أشهر، ولا توجد أي مؤشرات على أن هذه الحروب ستنتهي في وقت قريب. قد تنتهي قريباً، وربما تنتهي واحدة منها أو إثنتان، ومن يدري، لعل أياً منها لن ينتهي قريباً. لكن حتى لو إنتهت، فإن ما سنحصل عليه هو صراعات مجمّدة. وسيكون الرئيس ترامب منشغلاً تماماً بالتعامل مع هذه الصراعات، أو مع تداعياتها، بعد أن تتحول إلى صراعات مجمّدة.
▪️هل يلقى ترامب مصير جونسون ونيكسون؟
يمكن القول إن ترامب سينتهي إلى وضع يشبه ذلك الذي وجد الرئيس ليندون جونسون نفسه فيه نتيجة حرب فيتنام. وبالمناسبة، أرى أيضاً أن عواقب إستمرار حرب فيتنام لا يمكن التقليل من شأنها عند النظر إلى ما حدث لريتشارد نيكسون، وإلى سقوطه في نهاية المطاف. وأنا أتحدث هنا عن إستقالته ستقالته في آب/أغسطس 1974. عندما تتورط دولة ما في حرب خاسرة، تكون العواقب عادة بالغة الأهمية. وفي هذه الحالة، ورّط الرئيس ترامب نفسه في ثلاث حروب خاسرة، وهي حروب يتحمل مسؤوليتها. وأعتقد أن هذه الحروب ستكون لها عواقب إستراتيجية كارثية على الولايات المتحدة. وأقول هنا إنها قد تكون لها عواقب كارثية على رئاسة ترامب أيضاً.
▪️لماذا لم أدرج غزة في قائمة الحروب الثلاث؟
هناك نقطة أخيرة أريد التطرق إليها قبل أن أتوقف، وتتعلق بالصراع في غزة. قد يتساءل البعض: لماذا لم أتحدث عن حرب غزة؟ السبب هو أنني لا أعتقد أن ما يجري هناك يُعدّ حرباً. إن القول إن الجيش الإسرائيلي كان يقاتل جيشاً آخر، وإن ما حدث كان حرباً شبيهة بالصراعات الأخرى التي نتحدث عنها، هو، في تقديري، طرح خاطئ تماماً. ما حدث في غزة هو إبادة جماعية، وليس حرباً حقيقية. ولم أتحدث عن غزة لأنني مهتم اليوم بالحديث عن حروب ترامب، لا عن الإبادة الجماعية في غزة. فهذا موضوع آخر ليوم آخر. لكن النقطة الأساسية التي أود تأكيدها هي أن الإبادة الجماعية في غزة، التي ورثها ترامب بالطبع عن بايدن، تذكّروا أن ترامب لم يرث حرب أوكرانيا من بايدن فحسب، بل ورث عنه الإبادة الجماعية أيضاً. ولكي أكون واضحاً، فإن إدارة بايدن كانت متواطئة في الإبادة الجماعية في غزة. ثم ورثت إدارة ترامب هذه الإبادة، وأعتقد أن إدارة ترامب متواطئة فيها الآن أيضاً. لكن ما يجري ليس حرباً. والحجة التي أطرحها هي أن الإبادة الجماعية ليست كارثة إستراتيجية للولايات المتحدة. إنها تمثل كارثة أخلاقية؛ وصمة أخلاقية ستظل عالقة بسمعتنا ولن تزول أبداً. إن حقيقة تواطؤنا في هذه الإبادة الجماعية ستظل تطارد الولايات المتحدة زمناً طويلاً. لكنني أكرر: هذه ليست كارثة إستراتيجية، على النحو الذي تمثله الحروب الثلاث التي تحدثت عنها.
سأتوقف هنا وأختتم حديثي. آمل أن يكون النقاش الذي دار اليوم قد أفادكم، وأتطلع إلى لقائنا المقبل. ▪️ إنتهت الحلقة الثالثة عشرة
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بعد 109 سنوات على ثورة أكتوبر: هل ما زال الجمر الأحمر يتوهج
...
-
ألكسندر دوغين - كيف قادت الصهيونية ترامب إلى الإنهيار؟
-
ألكسندر دوغين - ماسك وترامب وزيلينسكي و«ستارلينك»: هل بدأت م
...
-
ميثاق مكة أمام إختبار إيران: لماذا تسعى تركيا والسعودية وباك
...
-
ألكسندر دوغين - من قمة بوتين وترامب وشي إلى مستقبل النظام ال
...
-
كيف قرأت موسكو نتائج الإنتخابات النصفية الأميركية؟
-
ألكسندر دوغين - أوروبا وجيوش الفوضى (برنامج إيسكالاتسيا على
...
-
جيفري ساكس - الحلّ الذي يقف أمام أعين إسرائيل
-
ألكسندر دوغين - إسرائيل على ساعة هرمجدون*
-
ألكسندر دوغين - من هدنة الديزل إلى الذكاء الإصطناعي (برنامج
...
-
من وعد بلفور إلى غزة: بريطانيا ومسؤوليتها عن المأساة الفلسطي
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
-
ما هي إسرائيل؟ المؤرخ الذي فتح السؤال المحظور
المزيد.....
-
لحظة اصطدام طائرة صغيرة بشاحنة على طريق سريع في فلوريدا
-
سوريا ولبنان بعيون آيزنكوت.. بين إعادة رسم الترتيبات الأمنية
...
-
أضرار في -أرامكو- مع اعتراض 5 صواريخ ومسيّرة واحدة واحدة تست
...
-
بعد الحصار البحري.. واشنطن تشكّل قوة -البوابة الحديدية- لتقي
...
-
مباشر: استهداف مركز الملك عبدالله المالي في الرياض حسب شهود
...
-
انقطاع الكهرباء عن 600 ألف شخص في شرق أوكرانيا إثر هجوم روسي
...
-
التحالف: اعتراض 5 صواريخ أطلقها الحوثيون تجاه الرياض والمنطق
...
-
انقطع صوته في الصلاة على النبي.. نهاية مؤثرة لإمام تركي بملا
...
-
روسيا تضرب شبكة الطاقة الأوكرانية وتستهدف سفينة في البحر الأ
...
-
شهادات تكشف مجازر بحق الرعاة في الرقة خلال حكم النظام السوري
...
المزيد.....
-
جون ميرشايمر - فخ الحروب الثلاثة الذي وقع فيه ترامب
/ زياد الزبيدي
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
المزيد.....
|