|
|
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتشابك المصالح الدولية (1917–1939) الجزء 4 -7 - مؤتمر إيفيان 1938: اللاجئون اليهود على حافة الحرب
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8872 - 2026 / 10 / 28 - 20:57
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
دراسة من إعداد د. زياد الزبيدي
******
الجزء الرابع
29 تشرين الأول أكتوبر 2026
مؤتمر إيفيان 1938: اللاجئون اليهود على حافة الحرب
▪️حين إجتمع العالم لمناقشة أزمة لم يكن مستعدًا لتحمّل مسؤوليتها، أو لم يكن يريد ذلك
في يوليو/تموز 1938، إجتمع ممثلو إثنتين وثلاثين دولة في مدينة إيفيان الفرنسية لمناقشة أزمة اللاجئين اليهود الفارين من ألمانيا والنمسا. كان الإضطهاد النازي يدفع أعدادًا متزايدة من اليهود إلى البحث عن ملاذ خارج بلدانهم، لكن العثور على بلد يقبل إستقبالهم لم يكن أمرًا سهلًا. ولفهم ما جرى في إيفيان، لا يكفي أن نبدأ من قاعة المؤتمر. فقد إنعقد في أوروبا التي كانت تتغير بسرعة، تحت ضغط صعود ألمانيا النازية، وتراجع الأمن الجماعي، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، في وقت كانت فيه أبواب الهجرة مقيدة في عدد من البلدان التي كان يمكن أن تستقبل اللاجئين، فهل كان ذلك بشكل مقصود؟. كان هتلر قد وصل إلى السلطة عام 1933، وأعاد بناء القوة العسكرية الألمانية، وأعاد عسكرة منطقة الراين عام 1936، ثم ضم النمسا في مارس/آذار 1938. وفي الأشهر التي سبقت المؤتمر، كانت أزمة تشيكوسلوفاكيا تنذر بمواجهة أوروبية أوسع. ولم يكن صعود القوة الألمانية منفصلًا عن الإقتصاد الدولي. فقد أسهمت القروض والإستثمارات الأجنبية في إستقرار الإقتصاد الألماني خلال عشرينيات القرن العشرين، وإحتفظت شركات غربية بعلاقات تجارية وصناعية مع ألمانيا بعد وصول النازيين إلى السلطة، فكيف نفسر ذلك؟. لكن من الضروري الإشارة إلى أن هذه الوقائع تثير الشكوك بأن الحكومات الغربية قررت تمويل إعادة تسليح هتلر وإعداد ألمانيا للحرب، وبشكل خاص ضد الإتحاد السوفياتي. ومع ذلك، فإن هذه الخلفية تذكّرنا بأن أوروبا لم تكن تواجه أزمة لاجئين معزولة عن بقية سياساتها. كانت هناك منظومة دولية تتعامل مع ألمانيا بوصفها قوة إقتصادية وسياسية، بينما كان النظام النازي يضيّق الخناق على اليهود ويدفعهم إلى الهجرة. وهكذا تداخلت أزمة اللاجئين مع أزمة الأمن الأوروبي، من دون أن تتعامل الحكومات معها بإعتبارها مسؤولية مشتركة تستدعي إستجابة تتناسب مع حجم الخطر.
▪️الولايات المتحدة: صاحبة المبادرة والقيود
جاءت المبادرة إلى عقد مؤتمر إيفيان من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، بعد ضم النمسا إلى ألمانيا وتفاقم أزمة اللاجئين. وكان الهدف المعلن البحث عن سبل لتسهيل إستقرار اللاجئين اليهود في بلدان أخرى، وإنشاء إطار دولي للتعامل مع المشكلة. لكن واشنطن، التي دعت إلى المؤتمر، لم تكن مستعدة لتغيير جوهري في سياسة الهجرة الأمريكية، أي أنها رفضت إستقبال اللاجئين اليهود، فهل كان ذلك صدفة؟. كان قانون الهجرة لعام 1924 يفرض حصصًا قومية تحدد عدد المهاجرين المسموح بدخولهم، وظلت هذه القيود قائمة لسبب غير مفهوم رغم تصاعد الإضطهاد النازي. وبعد ضم النمسا، جُمعت الحصتان الألمانية والنمساوية، ليبلغ العدد السنوي المسموح به نحو 27,370 مهاجرًا. وفي إيفيان، أعلن الوفد الأمريكي إستعداد الولايات المتحدة لإستقبال العدد المقرر بموجب الحصص، لكنه لم يطرح فتح باب الهجرة على نطاق واسع أو تعديل القانون لإستيعاب الأعداد المتزايدة من اللاجئين. وهنا لا بد من الإشارة أن الرئيس الأمريكي كان قادرًا حسب صلاحياته وبقرار تنفيذي رئاسي لو قرر ذلك، دون الحاجة إلى موافقة الكونغرس. لم يكن روزفلت ينوي إلغاء نظام الحصص، لكن ذلك لا يعني أن الخيارات السياسية كانت معدومة، أو أن الولايات المتحدة إستنفدت كل ما كان ممكنًا ضمن نظامها. وتكشف التطورات اللاحقة حدود الإستعداد الأمريكي للتغيير. ففي عام 1939 طُرح مشروع قانون فاغنر–روجرز، الذي كان سيسمح بدخول عشرين ألف طفل لاجئ من ألمانيا خارج نظام الحصص المعتاد. لكنه لم يحصل على الدعم اللازم في الكونغرس، ولم يصبح قانونًا. أما قوائم إنتظار التأشيرات، فقد كشفت عن فجوة كبيرة بين عدد الراغبين في الهجرة والعدد الذي يسمح به النظام القانوني. وبحلول عام 1939، كان عدد المتقدمين من ألمانيا والنمسا الذين ينتظرون فرصًا للهجرة إلى الولايات المتحدة قد تجاوز مئات الآلاف. ويدافع بعض المؤرخين الامريكيين بالقول أن أمريكا لم تكن قادرة على إستقبال الجميع، أو أن فتح الحدود كان سيحل الأزمة الأوروبية كلها. لكنها تعني أن الدعوة إلى معالجة دولية للمشكلة لم تقترن بإستعداد أمريكي لتوسيع الهجرة بما يتناسب مع حجم الطلب. كانت واشنطن تريد حلًا دوليًا، لكنها لم تكن مستعدة لتغيير جوهري في سياستها الداخلية، رغم أنها ربما كانت الدولة الوحيدة القادرة على إستيعاب أعداد أكبر من اللاجئين اليهود وغيرهم.
▪️بريطانيا: إلتزامات الإنتداب وحدود الهجرة إلى فلسطين
كان الموقف البريطاني أكثر تعقيدًا بسبب فلسطين. فبريطانيا هي الدولة التي تولت إدارة الإنتداب على فلسطين، ونص صك الإنتداب على تهيئة الظروف لإقامة الوطن القومي اليهودي وتسهيل الهجرة اليهودية، مع مراعاة عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية لسكان فلسطين من غير اليهود. لكن الهجرة اليهودية لم تكن قضية إدارية منفصلة عن الصراع السياسي على مستقبل البلاد. فمنذ العشرينيات، تصاعدت المعارضة العربية الفلسطينية للمشروع الصهيوني، ثم إندلعت الثورة العربية الكبرى عام 1936، لتدخل العلاقة بين السكان العرب والسلطة البريطانية والحركة الصهيونية مرحلة أكثر حدة. أصبحت لندن تواجه تناقضًا متزايدًا: فهي ملتزمة دوليًا(!) بتسهيل إقامة الوطن القومي اليهودي، لكنها مسؤولة أيضًا عن إدارة فلسطين وسط إضطرابات متصاعدة، وتدرك أن إستمرار الهجرة على نطاق واسع يؤثر في التوازن السياسي والديموغرافي. وفي مؤتمر إيفيان، لم تعرض بريطانيا فلسطين بوصفها حلًا مفتوحًا يمكن للدول الأخرى إحالة اللاجئين إليه. وقد عكست سياستها رغبتها في عدم تحويل الإنتداب إلى إلتزام بإستقبال أعداد غير محدودة من اليهود الذين تعجز البلدان الأخرى عن إيوائهم. وكان هذا الموقف جزءًا من حسابات بريطانية أوسع تتعلق بالإستقرار في فلسطين وبعلاقاتها في المنطقة، ولا سيما مع تصاعد الإضطرابات العربية. ثم جاء الكتاب الأبيض لعام 1939 ليحدد سياسة جديدة أكثر تقييدًا للهجرة اليهودية، فسمح بدخول 75 ألف مهاجر خلال خمس سنوات، على أن يخضع إستمرار الهجرة بعد ذلك لشروط سياسية تتصل بموافقة العرب، وهو ما لم يحدث بالطبع ؟!. وهكذا، بينما كان الإضطهاد في ألمانيا يدفع اليهود إلى البحث عن ملاذ، لم تكن فلسطين وجهة مفتوحة بلا قيود كما تدعي دولة الإنتداب. وكانت بريطانيا، صاحبة الإنتداب، تدعي أنها تضع حدودًا متزايدة للهجرة في وقت كانت فيه الحاجة إلى ملاذات جديدة تتصاعد.
▪️كندا وأستراليا: إمكانات لم تتحول إلى برنامج واسع
إذا كانت الولايات المتحدة مقيّدة بنظام الحصص(!)، وكانت بريطانيا لا تريد تحويل فلسطين إلى وجهة مفتوحة للاجئين(!)، فإن السؤال التالي يتعلق بكندا وأستراليا ودول أخرى كان يمكن أن تسهم في إعادة توطين اليهود. كانت هذه البلدان تمتلك أراضي وموارد وإمكانات لإستقبال مهاجرين إضافيين. لكن وجود هذه الإمكانات لا يعني أن حكوماتها كانت مستعدة سياسيًا لإستقبال أعداد كبيرة من اللاجئين، ولا أن الإستيعاب كان ممكنًا من دون ترتيبات إقتصادية وإجتماعية، وهذه دويلات كانت خاضعة للتاج البريطاني وكانت ولا زالت تبحث عن مهاجرين. فلماذا أوصدت أبوابها في وجه اليهود؟! في إيفيان، لم يتحول التشاور الدولي إلى برنامج واسع وملزم لتوزيع اللاجئين على دول الكومنولث أو غيرها. وظلت سياسات الهجرة الوطنية، والإعتبارات الإقتصادية والسياسية، تحدد ما تقبله كل حكومة. ولا يحتاج الباحث إلى أدلة للقول إن لندن أصدرت أمرًا موحدًا إلى كندا وأستراليا لقبول أو برفض اللاجئين. والأدق أن نقول إن بريطانيا لم تنجح، أو لم تسعَ بما يكفي، إلى تحويل نفوذها الإمبراطوري إلى برنامج واسع لإستقبالهم.ء أما الإستثناء الأبرز الذي ظهر في المؤتمر فكان جمهورية الدومينيكان، التي عرضت إستقبال أعداد من اللاجئين ضمن مشروع إستيطان في منطقة سوسوا. غير أن هذا العرض لم يتحول إلى حل قادر على إستيعاب الحجم الهائل للأزمة الأوروبية.
▪️الوكالة اليهودية: فلسطين بوصفها الوجهة المفضلة للهجرة
في المقابل، كانت الحركة الصهيونية تمتلك مؤسسات منظمة للهجرة والإستيطان في فلسطين، وكانت الوكالة اليهودية تسعى إلى توسيع دور فلسطين في إستقبال اليهود الفارين من الإضطهاد. وفي مذكرة قُدمت إلى المؤتمر في يوليو/تموز 1938، عرضت الوكالة اليهودية تصورًا لإمكانات إستيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين من خلال توسيع الأراضي المروية، وتطوير الزراعة، وتوفير فرص العمل ورأس المال. وقد ربطت إمكان زيادة الهجرة بتوسيع مشروعات التنمية، وبالسماح للمهاجرين بنقل أموالهم معهم. تكشف هذه المذكرة كيف كانت الوكالة اليهودية تعرض القضية: لم تكن فلسطين، في تصورها، مجرد ملاذ مؤقت، بل مكانًا يمكن أن تتحول فيه الهجرة إلى عملية بناء إقتصادي وإجتماعي وسياسي. ومن هنا تداخلت ثلاثة أبعاد: إنقاذ اليهود من الإضطهاد، وزيادة عدد المهاجرين إلى فلسطين، وتوسيع القاعدة الإقتصادية للمجتمع اليهودي هناك. لكن جميع المنظمات اليهودية لم تتخذ موقفًا واحدًا. فقد إختلفت المؤسسات اليهودية حول إمكانات الهجرة الجماعية وحدودها، وحول ما إذا كانت فلسطين قادرة وحدها على إستيعاب أعداد ضخمة. كما أن الدعوة إلى إستقبال اللاجئين في فلسطين لم تكن بديلًا عن فتح وجهات أخرى، ولم تعنِ أن كل اليهود الراغبين في الهجرة أرادوا الذهاب إليها. وهنا تبرز صلة إيفيان بالحلقة السابقة عن الهافارا. فقد أظهرت ترتيبات برنامج هافارا إمكان إنتقال بعض المهاجرين مع جزء من قيمة ممتلكاتهم إلى فلسطين. أما مذكرة الوكالة اليهودية فقد عرضت الحاجة إلى رأس المال بوصفها أحد شروط توسيع الإستيعاب. لكن لا ينبغي الخلط بين الأمرين: فالهافارا كانت آلية محددة لنقل بعض الممتلكات عبر التجارة، بينما كانت مذكرة الوكالة تصورًا أوسع لمتطلبات الهجرة والتنمية. وتسلسل الوقائع يثير الشكوك بأن الدول المشاركة في إيفيان إتفقت على جعل فلسطين الوجهة الأساسية أو الوحيدة للاجئين.
▪️ماذا حقق مؤتمر إيفيان؟
إنعقد المؤتمر بين السادس والخامس عشر من يوليو/تموز 1938، وشارك فيه ممثلو 32 دولة، إلى جانب مؤسسات معنية باللاجئين. وقد أتاح للدول مناقشة الأزمة، وتبادل المواقف، والبحث في سبل تسهيل الهجرة وإعادة التوطين. لكن معظم الحكومات لم تتعهد بقبول أعداد إضافية، ولم تُحدث تغييرًا جوهريًا في سياساتها المقيدة للهجرة. فلماذا إنعقد المؤتمر؟ وكان من نتائج المؤتمر إنشاء اللجنة الحكومية الدولية للاجئين(!)، التي كُلّفت بالعمل على توسيع فرص الإستقرار الدائم، والتفاوض مع ألمانيا بشأن ظروف الهجرة المنظمة. غير أن اللجنة لم تحصل على الصلاحيات والموارد الكافية لتحقيق تقدم يتناسب مع حجم الأزمة، وظلت نتائجها محدودة قبل إندلاع الحرب العالمية الثانية في سبتمبر/أيلول 1939. وكان للنتيجة أثر دعائي واضح. فقد إستغلت الحكومة الألمانية إمتناع معظم الدول عن توسيع إستقبال اللاجئين لتقول، بسخرية، إن الدول التي تنتقد إضطهاد اليهود لا تريد إستقبالهم عندما تتاح لها الفرصة. لم تكن هذه الدعاية دليلًا على أن سياسات الدول الأخرى كانت مبررة، بل كانت محاولة نازية لإستثمار فشل المؤتمر في تبرير موقفها. ومع ذلك، فإن قدرتها على إستغلال الفجوة بين التصريحات الإنسانية والقرارات العملية تكشف جانبًا من مأزق إيفيان. ويجب هنا تثبيت حقيقة زمنية أخرى: إنعقد المؤتمر قبل «ليلة الزجاج المكسور» في نوفمبر/تشرين الثاني 1938. فهل كانت الدول تتعامل مع ما سبق تلك الموجة من عنف عندما إجتمعت في يوليو/تموز؛ ولكنها كانت تعرف بالفعل أن اليهود يواجهون إضطهادًا متصاعدًا، وأن ضم النمسا قد وسّع عدد المهددين، وأن العثور على بلد يقبل إستقبالهم أصبح بالغ الصعوبة. لذلك لا يمكن تفسير محدودية نتائج المؤتمر بالقول إن العالم لم يكن يعرف طبيعة الخطر. لكنه لم يكن يتخذ من الخطوات ما يمنع أو يحد من سياسة الإبادة التي ستنتهجها ألمانيا النازية خلال الحرب.
▪️شبكة من المصالح المتقاطعة، أم خطة واحدة؟
إذا جمعنا الخيوط التي تتبعتها هذه السلسلة حتى الآن، تظهر أمامنا صورة تتجاوز مجرد إجتماع فاشل. كانت ألمانيا النازية تضطهد اليهود وتدفعهم إلى الهجرة. وكانت مؤسسات صهيونية تسعى إلى توجيه هذه الهجرة إلى فلسطين، وتعزيز البنية الإقتصادية للمجتمع اليهودي هناك. وأتاح إتفاق الهافارا نقل جزء من ممتلكات بعض المهاجرين عبر ترتيبات تجارية. في المقابل، حافظت الولايات المتحدة على نظام حصص صارم، وقدمت بريطانيا فلسطين بوصفها وجهة مفتوحة لإستقبال أعداد محدودة، ولم تتحول إمكانات كندا وأستراليا وغيرها إلى برنامج واسع لإعادة التوطين. أما مؤتمر إيفيان، فقد أنشأ إطارًا للتنسيق(!)، لكنه لم ينتج إلتزامات تتناسب مع حجم الأزمة. هذه وقائع يمكن دراستها ومقارنتها. لكن هل تعني أن جميع الأطراف كانت تنفذ خطة واحدة؟! وهنا نطرح سؤالاً مشروعا: هل أصبحت فلسطين أكثر أهمية بالنسبة إلى قسم من المهاجرين كلما تعذر عليهم العثور على وجهة أخرى. السؤال الذي يمكن إثباته ليس ما إذا كانت هناك خطة سرية لمجرد أن النتيجة جاءت متقاربة، بل كيف تفاعلت القرارات الموثقة، وما إذا كانت هناك وثائق إضافية تكشف تنسيقًا يتجاوز هذا التقاطع في المصالح. وهنا يأتي دور المال. فقد كانت الهجرة إلى فلسطين مرتبطة، في بعض الحالات، بنقل جزء من الممتلكات ورأس المال. وكانت ألمانيا قبل عام 1933 قد إستفادت من قروض وإستثمارات أجنبية ساعدت في إستقرار إقتصادها، ثم إستمرت بعض العلاقات التجارية والصناعية الغربية معها بعد وصول النازيين إلى السلطة.
▪️إيفيان بوصفها إختبارًا للنظام الدولي
لم يكن مؤتمر إيفيان مجرد مناسبة أبدت فيها الحكومات تعاطفها مع اليهود ثم غادرت. لقد كشف حدود الإستعداد الدولي لتحويل التعاطف إلى إلتزامات عملية. كانت الدول تعرف أن الإضطهاد النازي يتصاعد، وأن أعدادًا كبيرة من اليهود تبحث عن ملاذ، وأن الحرب في أوروبا أصبحت إحتمالًا خطيرًا. ومع ذلك، لم تنشأ آلية دولية ذات صلاحيات وموارد كافية لإعادة توطين أعداد كبيرة من هؤلاء اللاجئين (!). لم تُلغَ حصص الهجرة الأمريكية، ولم تُفتح فلسطين بلا قيود، ولم يُنشأ برنامج واسع لإستقبال اللاجئين في دول الكومنولث أي كندا وأستراليا، وظلت اللجنة الحكومية الدولية محدودة القدرة، فلماذا أنشئت؟. ومن هنا فإن السؤال الذي تتركه إيفيان ليس فقط: لماذا أخفق المؤتمر في إيجاد حل واسع لأزمة اللاجئين اليهود؟ بل أيضًا: لماذا ظلت الحكومات متمسكة بقيودها المحلية حتى عندما كان واضحًا أن الأزمة تتجاوز قدرة الأفراد والمنظمات الإنسانية على التعامل معها؟ هذا السؤال لا يحتاج إلى إفتراض مؤامرة كي يكون جديًا. لكنه يحتاج إلى فحص القرارات الفعلية، ومحاضر الإجتماعات، والمراسلات الدبلوماسية، والإقتراحات التي قُدمت ثم رُفضت أو لم تُنفذ. لقد كشفت إيفيان الفجوة بين الإعتراف بإضطهاد اليهود والإستعداد لتحمل مسؤولية إستقبالهم. أما تفسير هذه الفجوة، فيتطلب التمييز بين القيود القانونية، والحسابات السياسية، والتحيزات المعادية لليهود، والمصالح الإستراتيجية، وأي تنسيق محتمل لا بد من إثباته. وبعد أن تتبعنا المسار من وعد بلفور إلى التحول الديموغرافي في فلسطين، ومن الهافارا إلى إيفيان، نصل إلى السؤال الذي ينبغي أن يحكم الحلقة الخامسة: هل كانت النتيجة حصيلة سياسات منفصلة تقاطعت مصالحها، أم أن الوثائق تكشف عن تنسيق أوسع بين بعض الأطراف؟ لن يكون الجواب في التشابه بين النتائج وحده، ولا في الشك بوجود وثيقة لم نعثر عليها. سيكون في مقارنة ما أعلنته الحكومات بما قررته، وما قررته بما نفذته، ثم تحديد ما تثبته الأدلة وما تتركه مفتوحًا للبحث. فالتاريخ لا يحتاج إلى نتيجة مسبقة كي يكشف تناقضات السياسة؛ لكنه يحتاج إلى أدلة كافية كي يميّز بين التناقض والتواطؤ، وبين تلاقي المصالح والخطة المنظمة. ***** الحلقة الخامسة تتبع
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
-
ما هي إسرائيل؟ المؤرخ الذي فتح السؤال المحظور
-
إيران والولايات المتحدة والخليج العربي: لماذا لا يضمن التصعي
...
-
ترامب نقل العدوى إلى نتنياهو... ودوغين في قفص الإتهام ...ويس
...
-
ويستمر الهذيان: ترامب نقل العدوى إلى نتنياهو... ودوغين في قف
...
-
جيفري ساكس يطرح مبادرة للسلام في أوكرانيا: هل يمكن إنهاء الح
...
-
ألكسندر دوغين - من رسالة المعلّم إلى معركة التعددية القطبية
...
-
جون ميرشايمر - السبب الحقيقي لهجوم حماس على اسرائيل في 7 أكت
...
-
الصين وأمن الخليج العربي: نفوذ متصاعد بلا ضمانات دفاعية
-
خبير روسي - ثلاث سنوات بعد 7 أكتوبر: حرب بلا منتصر وتسوية بل
...
-
الإسلاميون في أوروبا وحرب أوكرانيا: كيف ينظرون إلى الدعم الغ
...
-
في ذكرى 7 أكتوبر - هل كان الرد الإسرائيلي جزءاً من الحسابات
...
-
جوزيف مسعد - ثلاثة أعوام من الإبادة: ما الذي عجزت إسرائيل عن
...
-
ألكسندر دوغين: نهاية العالم أحادي القطبية ومعركة السيادة الح
...
-
جون ميرشايمر: ترامب لا يستطيع خداع إيران وإجبارها على الإستس
...
-
جزر الكوريل بين موسكو وطوكيو: قنبلة حدودية مؤجلة؟
-
جيفري ساكس: عالم بلا ضوابط… من أزمة السلطة في أمريكا إلى خطر
...
المزيد.....
-
سانا: سوريا تسلم سفير الأردن مذكرة احتجاج بعد قصف درعا
-
بالجواز الإيطالي وطائرة خاصة.. كيف غادر بولسونارو البرازيل س
...
-
بوتين: روسيا مستعدة لدعم إفريقيا في مكافحة الإرهاب
-
حزب الليكود يتهم الأحزاب العربية بـ-سرقة الانتخابات-
-
رئيس البرازيل يعرب عن أسفه لمغادرة بولسونارو البلاد
-
السودان في الحسابات الروسية
-
تاج كاترين الثانية يثير دعابة بين بوتين وسيلوانوف خلال قمة ر
...
-
الكرملين: سنعلن موعد المفاوضات الثلاثية بشأن أوكرانيا فور تح
...
-
زاخاروفا عن تصريحات برلين: هل يتعمد المسؤولون الأوروبيون تضل
...
-
دواء لضعف الانتصاب قد يساعد على تجدد العضلات
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|