|
|
ألكسندر دوغين: نهاية العالم أحادي القطبية ومعركة السيادة الحضارية
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8859 - 2026 / 10 / 15 - 14:34
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ألكسندر دوغين فيلسوف روسي معاصر
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
15 تشرين الأول أكتوبر 2026
قراءة في حوار حول مستقبل النظام الدولي، والحرب الروسية الغربية، وأزمة النخب، والتنافس على الذكاء الإصطناعي
▪️من الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى المواجهة بين الحضارات
يرى الفيلسوف والمفكر السياسي الروسي ألكسندر دوغين أن العالم يقف عند منعطف تاريخي تتصادم فيه قوتان متعارضتان: نظام أحادي القطبية يسعى إلى الحفاظ على هيمنته، ونظام متعدد الأقطاب بدأ يتشكل بالفعل، لكنه لم ينجح بعد في بناء جبهة متماسكة قادرة على فرض قواعد جديدة للعلاقات الدولية. هذه هي الفكرة المركزية التي ينطلق منها دوغين في قراءته لنتائج الأسبوع الرفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة. فالمسألة، في نظره، لم تعد خلافاً حول سياسات دول بعينها، أو نزاعات إقليمية يمكن إحتواؤها عبر المفاوضات، بل صراع على طبيعة النظام العالمي نفسه: من يملك حق تحديد قواعده، ومن يقرر ما هو مشروع وما هو غير مشروع، ومن يملك السيادة الفعلية على قرارات الدول ومصائر الشعوب؟ وفي هذا السياق، يتوقف دوغين عند كلمة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، معتبراً أنها عكست إتجاهاً متنامياً لدى دول الجنوب العالمي وأوراسيا نحو رفض إستمرار الهيمنة الغربية. ويذهب إلى أن التحول نحو التعددية القطبية لم يعد مجرد شعار دبلوماسي، بل أصبح إتجاهاً يتجلى في المواقف الدولية، والتصويت داخل المؤسسات متعددة الأطراف، ومحاولات بناء ترتيبات إقتصادية وسياسية خارج الهيمنة الغربية. لكن المفارقة الأساسية، وفق قراءته، أن النظام الجديد لم يكتمل بعد، في حين أن النظام القديم لم يعد قادراً على فرض شرعيته كما كان يفعل سابقاً، من دون أن يكون مستعداً للتخلي عن إمتيازاته. ويختصر دوغين المعضلة بالقول إن العالم أصبح متعدد الأقطاب، لكن القطب الذي اعتاد أن يكون وحده في القمة لا يريد الإعتراف بهذه الحقيقة.
▪️الجمعية العامة: عزلة إسرائيل ومؤشرات التحول الدولي
يستشهد دوغين بالمشهد الذي رافق خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة، عندما غادر عدد كبير من الوفود القاعة إحتجاجاً على سياسات إسرائيل في غزة. ويقرأ هذا المشهد بإعتباره مؤشراً إلى إتساع الفجوة بين إسرائيل، المدعومة بقوة من الولايات المتحدة، وبين قطاعات واسعة من دول الجنوب العالمي وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. كما يشير إلى أن الدعم الأوروبي لإسرائيل، في تقديره، أكثر تذبذباً من الدعم الأميركي، وأن الحرب على غزة ساهمت في تعميق الإعتراض الدولي على إستمرار السياسات الإسرائيلية. وفي السياق نفسه، يشدد دوغين على أهمية تأكيد لافروف ضرورة الإعتراف بالدولة الفلسطينية وتحقيق العدالة للضحايا في غزة. غير أن دلالة هذا المشهد، في نظر المفكر الروسي، تتجاوز القضية الفلسطينية ذاتها. فهو يرى أن الإعتراض على السياسات الإسرائيلية بات يتقاطع مع إعتراض أوسع على حق القوى الغربية في تحديد معايير الشرعية الدولية بصورة أحادية. ومن هنا يربط دوغين بين ما يجري في فلسطين، والحرب في أوكرانيا، والتوترات المحيطة بإيران، والمنافسة الأميركية الصينية. فهذه الملفات، على إختلاف أسبابها وخصوصياتها، تدخل في تصوره ضمن أزمة أوسع تتعلق بتوزيع القوة والنفوذ في النظام الدولي. ولا يعني ذلك أن الدول المعنية تتبنى جميعها تفسيراً واحداً لهذه النزاعات، أو أنها تشكل جبهة موحدة؛ بل إن دوغين نفسه يقر بأن المصالح المتباينة لهذه الدول تجعل بناء مثل هذه الجبهة أمراً صعباً.
▪️الغرب أكثر تماسكاً من خصومه
هنا يصل الحوار إلى إحدى أكثر نقاطه أهمية. فعندما يسأله المحاور ميخائيل أليمـوف عما إذا كان تماسك الغرب يمنحه أفضلية على دول الجنوب العالمي وأوراسيا، يجيب دوغين بالإيجاب، معتبراً أن الغرب لا يزال أكثر تنظيماً وتماسكاً من القوى التي تتطلع إلى عالم متعدد الأقطاب. ولا ينكر دوغين وجود إنقسامات داخل المعسكر الغربي، ولا سيما بين دونالد ترامب والتيارات الليبرالية العالمية، أو بين الإدارة الأميركية والإتحاد الأوروبي. لكنه يرى أن هذه الخلافات، على عمقها، لم تتحول إلى قبول فعلي بنظام دولي متعدد الأقطاب. وكان يمكن، وفق تصوره، أن تقود النزعة القومية الأميركية التي رفعها ترامب تحت شعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» إلى قبول صيغة تكون فيها الولايات المتحدة القوة الأولى بين قوى متكافئة في السيادة، بدلاً من الإصرار على إحتكار القيادة العالمية. لكنه يعتقد أن ترامب لم يتجه إلى هذا الخيار. أما المشكلة المقابلة، فتتمثل في أن الدول التي تعارض الهيمنة الغربية لا تمتلك حتى الآن مشروعاً موحداً بالقدر الكافي. فروسيا والصين والهند ودول أخرى تتفق في بعض القضايا، لكنها تختلف في قضايا أخرى، وتضع مصالحها الوطنية الخاصة في المقام الأول. ويعترف دوغين بأن روسيا نفسها تأخرت في صياغة خطاب متكامل حول التعددية القطبية. فموسكو، بحسب قوله، ظلت لفترة طويلة تتردد بين الرغبة في إستعادة سيادتها وبين الأمل في البقاء جزءاً من المنظومة الغربية، قبل أن تدفعها التطورات إلى تبني موقف أكثر وضوحاً. ومن هنا تأتي دعوته إلى الإنتقال من التنسيق الدبلوماسي المتقطع إلى مشروع فكري وسياسي أكثر تماسكاً، قادر على توحيد المواقف وتنسيق السياسات بين الدول التي ترفض إستمرار الهيمنة الأحادية.
▪️التعددية القطبية ليست شعاراً دبلوماسياً
يمنح دوغين هذه الفكرة بعداً أعمق من مجرد إعادة توزيع القوة بين الدول. فهو يعتبر التعددية القطبية فلسفة سياسية وحضارية متكاملة، ينبغي أن تتحول إلى موضوع دائم للبحث والتعليم والإنتاج الفكري، لا أن تبقى محصورة في تصريحات القادة ووزراء الخارجية. ويشرح ذلك من خلال مقارنة بين ما يراه تماسكاً أيديولوجياً غربياً وبين ما يعتبره بدايات متفرقة لمشروع متعدد الأقطاب. فالنظام الغربي، في قراءته، لا يستمد قوته من التفوق العسكري والإقتصادي وحدهما، بل من شبكة مؤسسات متداخلة تشمل التعليم والجامعات والبحث العلمي والإعلام والثقافة والإقتصاد والقطاع الخاص والمؤسسات العسكرية. وتعمل هذه المؤسسات، بحسب تصوره، على إعادة إنتاج رؤية معينة للعالم، تجعل النموذج الليبرالي العالمي يبدو وكأنه الإطار الطبيعي الوحيد لتنظيم المجتمعات والعلاقات الدولية. في المقابل، يرى دوغين أن روسيا وغيرها من الدول التي تتحدث عن السيادة لم تتخلص بعد من تأثير هذه المنظومة في مؤسساتها ونخبها. ويطرح هنا سؤالاً مباشراً: كيف يمكن بناء نظام متعدد الأقطاب إذا ظلت النخب التي يفترض أن تقوده تفكر بالأدوات والمفاهيم التي تشكلت في ظل النظام الأحادي القطبية؟ لذلك يدعو إلى ما يسميه ثورة فكرية، تبدأ بإعادة النظر في المفاهيم السائدة عن التنمية والسيادة والإقتصاد والعلاقات الدولية، وتمتد إلى بناء مؤسسات قادرة على إنتاج رؤية مستقلة للعالم. ولا يكتفي دوغين بالمطالبة بأن تتحدث روسيا عن التعددية القطبية، بل يريد منها أن تجعلها أساساً لسياساتها الخارجية والداخلية، وأن تعمل على إنشاء تحالفات سياسية وعسكرية وفكرية تساعد الدول المشاركة على مواجهة الضغوط التي تتعرض لها.
▪️أوكرانيا والشرق الأوسط وتايوان: جبهات صراع واحد؟
في أكثر مقاطع الحوار حسماً، يربط دوغين بين الحرب في أوكرانيا والتوترات في الشرق الأوسط والمنافسة حول تايوان، معتبراً أنها ساحات مترابطة ضمن مواجهة أوسع بين النظام الأحادي القطبية والقوى التي تسعى إلى إستقلال قرارها الإستراتيجي. ويقول إن الغرب يدرك هذه الصلة بصورة أوضح مما تدركها الدول التي تواجه نفوذه. فالمساعدات العسكرية لأوكرانيا، والتسليح الأوروبي، والسياسات الأميركية في الشرق الأوسط، والتحركات المتعلقة بتايوان، كلها تبدو له أجزاء من إستراتيجية أوسع للحفاظ على التفوق الغربي. لكن هذا الربط هو تفسير دوغين الإستراتيجي، ولا يعني أن هذه النزاعات متطابقة في أسبابها أو أطرافها أو أهدافها. فلكل منها سياقه التاريخي والسياسي الخاص، كما أن الدول المنخرطة فيها لا تتبنى بالضرورة رؤية مشتركة للصراع العالمي. ومع ذلك، فإن أهمية طرح دوغين تكمن في أنه لا يتعامل مع الحرب الأوكرانية بإعتبارها نزاعاً محلياً معزولاً، بل يضعها في إطار التنافس على شكل النظام الدولي. ومن هذا المنطلق، يقرأ تصريحات بعض القادة الأوروبيين بشأن ضرورة إلحاق هزيمة إستراتيجية بروسيا بوصفها تعبيراً عن صراع يتجاوز حدود أوكرانيا. ويستعيد في هذا السياق التعبير الروسي التاريخي «إني قادم لمواجهتك»، الذي كان يُستخدم للإعلان عن نية الدخول في مواجهة عسكرية. ويرى أن تصريحات الغرب ينبغي أن تؤخذ بجدية، لا أن تُعامل بإعتبارها مجرد سجال سياسي أو مبالغة إعلامية. ويستخدم دوغين تشبيهاً شديد اللهجة: إذا أعلن خصم أنه يريد إلحاق هزيمة إستراتيجية بك، فلا ينبغي الإستهانة بكلامه أو إفتراض أنه لن ينفذ تهديده. وهنا تبلغ أطروحته ذروتها: إذا كانت القوى الغربية تسعى، كما يقول، إلى إضعاف روسيا إستراتيجياً، فإن موسكو تحتاج إلى تجاوز الإكتفاء بالدفاع عن موقعها الراهن، والعمل على تغيير الظروف التي تسمح بإستمرار الضغط عليها. غير أن دوغين لا يقدم في الحوار تصوراً تفصيلياً لكيفية تحقيق هذا الهدف، ولا يحدد معايير واضحة يمكن من خلالها قياس معنى «الهزيمة الإستراتيجية» أو التمييز بين الردع والتصعيد. وتظل هذه الفكرة جزءاً من رؤيته السياسية للصراع، بما تحمله من مخاطر وتداعيات محتملة.
▪️روسيا بين السيادة والتبعية: أخطاء ما بعد عام 1991
ينتقل دوغين من تحليل النظام الدولي إلى مراجعة التجربة الروسية منذ إنهيار الإتحاد السوفياتي. ويرى أن القيادة السوفياتية ثم الروسية إرتكبت سلسلة من الأخطاء الإستراتيجية، بدأت بالتعامل مع أزمة النظام السوفياتي بإعتبارها مبرراً للتخلي عن بنية الدولة بأكملها، ثم الإستمرار في محاولة الإندماج في المنظومة الغربية على أمل الحصول على مكانة متكافئة داخلها. ويعتقد أن موسكو لم تدرك، في وقت مبكر بما يكفي، أن الإنفتاح الإقتصادي والسياسي على الغرب لا يضمن الإعتراف بروسيا قوة مستقلة، ولا يلغي التناقضات الجيوسياسية بين الطرفين. ويستشهد بتوسع حلف شمال الأطلسي شرقاً، معتبراً أن ذلك كشف حدود الرهان الروسي على بناء شراكة إستراتيجية مستقرة مع الغرب بعد الحرب الباردة. وفي رأيه، لم يكن الخلل إقتصادياً أو دبلوماسياً فقط، بل كان فكرياً أيضاً. فقد إستمرت روسيا، حتى بعد وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة وإعلانه أولوية السيادة الوطنية، في تبني أجزاء واسعة من التصورات الإقتصادية والثقافية والسياسية التي ترسخت خلال مرحلة الإنفتاح على الغرب. ويشبه دوغين ذلك بمحاولة إرتداء ثوب حضاري لا يلائم صاحبه: فروسيا، وفق تصوره، ليست دولة قومية عادية يمكن إدماجها بسهولة في المنظومة الغربية، بل دولة-حضارة ذات تاريخ وهوية ومصالح وقيم خاصة. ويستخدم صورة الدب الروسي الذي يحاول إرتداء قناع إنسان والإندماج في رقصة لا تناسب طبيعته. والمقصود من الإستعارة، في منطقه، أن التناقض بين روسيا والغرب لا يمكن حله بمجرد تغيير الخطاب أو تقليد المؤسسات، لأن جذوره أعمق من ذلك. ويمد دوغين هذه الفكرة إلى الصين والهند أيضاً، معتبراً أن الحضارات الكبرى لا تستطيع التخلي عن خصوصيتها التاريخية بسهولة كي تصبح جزءاً من نموذج واحد تقوده قوة مهيمنة. أما الغرب، فيصفه بأنه نظام يحمل نزعة تفوق، سواء إتخذت هذه النزعة شكلاً عرقياً أو ثقافياً أو تكنولوجياً أو حضارياً. ويرى أن الخطاب الغربي المعاصر حول تجاوز الإرث الإستعماري لا ينجح دائماً في التخلص من التراتبية التي حكمت علاقاته بالشعوب الأخرى. وهذه قراءة نقدية يتبناها دوغين لطبيعة الحضارة الغربية، وهي جزء أساسي من تفسيره للصراع الراهن.
▪️بوتين وموسى: الخروج من الأسر والتيه في الصحراء
في واحدة من أكثر إستعارات الحوار لفتاً للإنتباه، يقارن دوغين بين مسار روسيا تحت قيادة بوتين وقصة خروج بني إسرائيل من مصر بقيادة موسى. فهو يرى أن بوتين بدأ عملية إستعادة السيادة الروسية بعد مرحلة من التفكك والإرتباط بالغرب، لكنه يعتبر أن روسيا لم تصل بعد إلى ما يسميه «السيادة الحضارية الكاملة». ويقول إن المشكلة لا تكمن في القيادة وحدها، بل في المجتمع والنخب اللذين لم يتخلصا تماماً من الحنين إلى مرحلة الإندماج الغربي، على الرغم من التحولات التي شهدتها العلاقات بين موسكو والعواصم الغربية. وفي تشبيهه، خرجت روسيا من الأسر، لكنها لا تزال تتيه في الصحراء، وتتذكر إمتيازاتٍ الماضي كلما واجهت صعوبات الحاضر. ويحمّل دوغين قطاعات من النخب الروسية مسؤولية هذا التردد، لأنها، بحسب رأيه، ما زالت تتعامل مع العقوبات والمواجهة مع الغرب بوصفهما عقبة مؤقتة ينبغي تجاوزها للعودة إلى المسار السابق، بدلاً من النظر إليهما بإعتبارهما دليلاً على ضرورة إعادة بناء النموذج الإقتصادي والفكري للدولة. ومع ذلك، فهو لا يعتبر أن التحول قد إكتمل، أو أن المجتمع الروسي أصبح موحداً حول هذه الرؤية. بل يقر بأن فكرة القطيعة مع النفوذ الغربي لا تزال موضع خلاف داخل مؤسسات الدولة والأوساط الإقتصادية والعلمية والسياسية. ومن هنا تأتي دعوته إلى أن تتحول إستعادة السيادة من توجه تقوده القيادة السياسية إلى مشروع تشارك فيه المؤسسات والنخب والمجتمع.
▪️«الطابور السادس»: معركة داخل النخبة الروسية
يستخدم دوغين تعبير «الطابور السادس» لوصف ما يراه تياراً داخل النخب الروسية لا يزال مرتبطاً ذهنياً ومصلحياً بالغرب، رغم المواجهة السياسية والعسكرية القائمة. وهو لا يقصد بذلك قوة معارضة معلنة بالضرورة، بل قطاعات من النخب الإقتصادية والسياسية التي يعتقد أنها لا تزال تنظر إلى الإندماج في الإقتصاد العالمي وفق القواعد الغربية بإعتباره الهدف الطبيعي، وتتعامل مع الحرب الحالية على أنها إنحراف مؤقت عن هذا المسار. ويعتبر أن هذا التناقض يضعف قدرة روسيا على صياغة إستراتيجية طويلة الأمد. فالدولة التي تخوض مواجهة مع منظومة دولية لا تستطيع، وفق منطقه، أن تظل معتمدة على إفتراضات إقتصادية وفكرية صيغت في مرحلة كان هدفها الأساسي الإندماج في تلك المنظومة. ومن هنا تأتي إنتقاداته للمسؤولين والخبراء الذين يعتقد أنهم ينتظرون إنتهاء الحرب من دون أن يعيدوا النظر في طبيعة العلاقة مع الغرب أو في الأسس التي تقوم عليها السياسات الإقتصادية والثقافية الروسية. ويصل دوغين إلى إستنتاج مفاده أن المشكلة الروسية ليست في التهديدات الخارجية وحدها، بل في التناقض بين التوجه السياسي المعلن للدولة وبين أجزاء من البنية الفكرية والمؤسسية التي يفترض أن تنفذ هذا التوجه. لكن مفهوم «الطابور السادس» يظل توصيفاً سياسياً خاصاً بدوغين، وليس تصنيفاً مؤسسياً متفقاً عليه. كما أن وجود خلافات داخل النخب بشأن السياسة الإقتصادية أو طبيعة العلاقة مع الغرب لا يثبت، في حد ذاته، أن أصحابها يعملون لمصلحة قوة خارجية.
▪️هل يمكن حسم الحرب الأوكرانية بإعتبارها نزاعاً محلياً؟
من هذا المنطلق، يرفض دوغين التعامل مع الحرب الأوكرانية بإعتبارها عملية عسكرية محدودة يمكن حسمها بمعزل عن العلاقات الروسية الغربية. فهو يرى أن وصفها بأنها «عملية عسكرية خاصة» لم يعد كافياً لتفسير تطورها، لأن الدعم العسكري والإستخباراتي والإقتصادي الغربي لأوكرانيا جعل المواجهة، في تقديره، أوسع من الصراع بين موسكو وكييف. ويذهب إلى أن النظام السياسي والعسكري الأوكراني ما كان ليصل إلى موقعه الراهن، لولا الدعم الغربي، وأن معالجة الصراع تقتضي النظر إلى هذا الدعم بإعتباره أحد عناصره الأساسية. ومن هنا يطرح فكرته الأكثر إثارة للجدل: أن روسيا لن تحسم الحرب ما دامت تتعامل معها بوصفها مسألة أوكرانية منفصلة، وأن التسوية التي تتجاهل الصراع الأوسع على النفوذ والسيادة لن تعالج، في نظره، جذور الأزمة. ويستنتج أن تغيير ميزان القوى بين روسيا والغرب سيؤثر بصورة حاسمة في مستقبل أوكرانيا. لكن هذا الإستنتاج يعكس رؤية دوغين للصراع، ولا يلغي دور العوامل الأوكرانية الداخلية، أو حسابات القيادة الأوكرانية، أو المصالح المختلفة للدول الغربية. كما أن إتساع الدعم الغربي لا يعني تلقائياً أن جميع الأطراف تتصرف وفق خطة موحدة أو أن نتائج الحرب يمكن حسمها بمعادلة واحدة. ومع ذلك، فإن هذا الجزء من الحوار يكشف بوضوح أن دوغين لا ينظر إلى الحرب بإعتبارها إستثناءً في العلاقات الروسية الغربية، بل بوصفها نتيجة لتناقضات يعتقد أنها تراكمت منذ نهاية الحرب الباردة.
▪️من الجغرافيا السياسية إلى الذكاء الإصطناعي
في القسم الأخير من الحوار، ينتقل دوغين إلى مجال يبدو بعيداً عن ساحات القتال، لكنه يراه إمتداداً مباشراً للصراع على السيادة: الذكاء الإصطناعي. ويبدأ من التنافس بين الولايات المتحدة والصين، معتبراً أن القرارات الأميركية المتعلقة بتطوير الذكاء الإصطناعي أو تقييد إستخداماته لن تكون كافية وحدها لتحديد مستقبل هذه التكنولوجيا، ما دامت الصين قادرة على تطوير أنظمة بديلة وإتخاذ مسارات مختلفة. وهنا يتحدث عن شكل من التعددية القطبية التكنولوجية، تكون فيه مراكز القوة قادرة على تطوير نماذجها الخاصة، بدلاً من الإعتماد على منظومة واحدة تتحكم في المعرفة والأدوات والبنية التحتية الرقمية. ويذهب دوغين إلى أن الصين نجحت في إستيعاب تقنيات الذكاء الإصطناعي وتطوير قدراتها الخاصة، لتصبح منافساً فعلياً للولايات المتحدة. لكنه يثير في الوقت نفسه سؤالاً فلسفياً يتجاوز المنافسة الإقتصادية: ماذا سيحدث إذا تطور الذكاء الإصطناعي إلى مستوى يتجاوز القدرات البشرية بدرجة كبيرة؟ وهل ينبغي للمجتمعات أن تعمل على إبطاء هذا المسار، أم أن المنافسة ستدفعها إلى تسريعه مهما كانت المخاطر؟ ويصف هذا السؤال بأنه معضلة ميتافيزيقية ودينية، لأنه يتعلق، في تصوره، بموقع الإنسان في العالم وبالحدود التي ينبغي وضعها أمام تطور التكنولوجيا. أما المعضلة الثانية، فتتعلق بالصين نفسها: فحتى إذا إتخذت الولايات المتحدة قراراً بتقييد بعض تطبيقات الذكاء الإصطناعي، فقد تواصل بكين تطويرها، الأمر الذي يجعل أي قرار أحادي غير كافٍ للتحكم في مسار التكنولوجيا على المستوى العالمي. وفي هذا السياق، ينتقد دوغين ما يعتبره ضعف التخطيط الإستراتيجي الروسي، مشيراً إلى وجود كفاءات علمية وبرمجية قادرة على المشاركة في المنافسة، لكنه يرى أن روسيا لم تنجح بعد في توظيف هذه القدرات ضمن مشروع حضاري وتكنولوجي متكامل. ويثير كذلك مسألة هجرة المتخصصين الذين تلقوا تعليمهم وتدريبهم في روسيا ثم إنتقلوا إلى الخارج، معتبراً أن فقدان هذه الكفاءات يضعف فرص بناء إستقلال تكنولوجي حقيقي.
▪️دوستويفسكي في مواجهة الذكاء الإصطناعي الغربي
لعل أكثر أفكار دوغين غرابة في هذا القسم هي تصوره لذكاء إصطناعي روسي يستند إلى مرجعية ثقافية وفلسفية مختلفة عن تلك التي يربطها بالنموذج الغربي. ويضرب مثالاً إفتراضياً بذكاء إصطناعي غربي قد يتوصل إلى إستنتاجات تهدد البشرية، قبل أن يظهر نموذج روسي يحاول إقناعه بالتراجع، مستنداً إلى الأدب والفلسفة الروسية، ولا سيما أعمال فيودور دوستويفسكي. والمقصود هنا ليس أن قراءة دوستويفسكي تمنح نظاماً ذكياً ضمانة أخلاقية، أو أن هناك أساساً علمياً يثبت تفوق نموذج ثقافي بعينه في هذا المجال. بل إن دوغين يريد التأكيد على أن التكنولوجيا لا تنفصل، في تصوره، عن منظومة القيم والتصورات التي تشكل طريقة إستخدامها وتوجيهها. فهو يتخيل أن روسيا تستطيع تقديم نموذج مختلف إذا نجحت في إدخال تراثها الأدبي والفلسفي إلى صميم مشروعها التكنولوجي، بدلاً من الإكتفاء بإستيراد الأنظمة والأدوات التي تطورها القوى الأخرى. وتكمن أهمية هذه الفكرة في أنها توسع مفهوم السيادة من السيطرة على الأرض والموارد والمؤسسات إلى السيطرة على المعرفة، والقدرة على إنتاج التكنولوجيا، وتحديد الغايات التي تُستخدم من أجلها. لكن التحدي الفعلي أكبر من مجرد إختيار مرجعية ثقافية. فبناء ذكاء إصطناعي موثوق يتطلب تقدماً علمياً وهندسياً، وبيانات مناسبة، وقدرات حاسوبية، وتمويلاً مستداماً، فضلاً عن آليات دقيقة للسلامة والمساءلة. ولا تكفي الخلفية الثقافية وحدها لضمان هذه الشروط. ويظل السؤال الذي يطرحه دوغين مهماً: هل ستكتفي الدول غير الغربية بإستخدام تقنيات يطورها الآخرون، أم ستنجح في بناء نماذجها المستقلة، بما يعكس أولوياتها وخياراتها الحضارية؟
▪️الخلاصة: من رفض الهيمنة إلى بناء البديل
يجمع هذا الحوار بين قضايا تبدو متباعدة: الجمعية العامة للأمم المتحدة، والحرب في أوكرانيا، ومستقبل العلاقات الروسية الغربية، وأزمة النخب، والذكاء الإصطناعي. لكن دوغين يربطها جميعاً بخيط واحد: السيادة. فهو يرى أن النظام أحادي القطبية يواجه تحدياً متزايداً، لكنه يحذر من إفتراض أن تراجع الهيمنة الغربية سيؤدي تلقائياً إلى قيام نظام عالمي متوازن. فالقوى التي تطالب بالتعددية القطبية لا تزال مختلفة في مصالحها، كما أن بعضها لم يتحرر، في رأيه، من التبعية الفكرية والإقتصادية للنموذج الذي يعارضه سياسياً. وبالنسبة إلى روسيا، لا يقتصر التحدي على تعزيز قدراتها العسكرية أو توسيع تحالفاتها الخارجية، بل يشمل إعادة النظر في أسس التنمية الإقتصادية، وبناء المؤسسات العلمية والتكنولوجية، وإعداد النخب، وتحديد العلاقة بين الهوية الحضارية ومتطلبات الدولة الحديثة. أما الحرب الأوكرانية، فيضعها دوغين في قلب هذا التحول، معتبراً أنها كشفت عمق التناقضات بين روسيا والغرب، وأجبرت موسكو على إعادة تعريف موقعها الدولي. لكنه يربط مآلاتها أيضاً بتحولات أوسع لا تستطيع روسيا التحكم فيها بمفردها. وفي النهاية، تبدو أطروحة دوغين قائمة على تمييز أساسي بين مرحلتين: مرحلة الإعتراض على الهيمنة، ومرحلة بناء بديل قادر على الإستمرار والمنافسة. فرفض النظام القائم لا يكفي وحده لإقامة نظام جديد. والتعددية القطبية لا تصبح واقعاً مستقراً بمجرد إعلانها، بل تحتاج إلى مؤسسات وتحالفات وقدرات إقتصادية وعلمية وتكنولوجية، وإلى تصور مشترك للعلاقة بين السيادة الوطنية والتعاون الدولي. وهنا تكمن المسألة التي يتركها الحوار مفتوحة: هل تستطيع روسيا والقوى الأخرى التي تدعو إلى التعددية القطبية تحويل إعتراضها على الهيمنة إلى مشروع متكامل، أم ستظل التعددية القطبية إتجاهاً سياسياً يتقدم على مستوى الخطاب أسرع مما يتقدم على مستوى المؤسسات والقدرات؟ بالنسبة إلى دوغين، لا يتعلق الأمر بتعديل محدود في موازين القوى، بل بصراع على شكل العالم المقبل. أما ما إذا كان هذا الصراع سيقود إلى نظام أكثر توازناً أو إلى مزيد من المواجهات، فذلك يتوقف على قرارات الدول المعنية، وعلى قدرتها على إدارة تناقضاتها، وعلى تجنب تحويل المنافسة على السيادة إلى صراع مفتوح لا يترك مجالاً للتسويات.
*****
المصدر
ألكسندر دوغين برنامج «إسكالاتسيا» على راديو سبوتنيك، «العملية العسكرية الخاصة: حرب الحضارات»، 7 تشرين الأول أكتوبر 2026.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جون ميرشايمر: ترامب لا يستطيع خداع إيران وإجبارها على الإستس
...
-
جزر الكوريل بين موسكو وطوكيو: قنبلة حدودية مؤجلة؟
-
جيفري ساكس: عالم بلا ضوابط… من أزمة السلطة في أمريكا إلى خطر
...
-
ألكسندر دوغين - عندما يصبح الحاكم تجسيداً لإستمرارية الدولة
-
روسيا بعد إنتخابات 2026: دوما الحرب وإعادة تشكيل النخبة
-
مطبخ هيئة الأركان الروسية: عن «المراجل الصغيرة» وتغيير فلسفة
...
-
وجهة نظر روسية – كيف نحقق أمن الخليج بعد تراجع المظلة الأمير
...
-
جون ميرشايمر: لماذا يصعب على واشنطن وبكين الإتفاق؟
-
بيرني ساندرز: الأوليغارشية تصعد... والديمقراطية تتراجع
-
الصهيونية حركة عنصرية... سؤال يعود من جديد
-
«نازا» مرة أخرى.. من عاصفة إسرائيلية إلى شاشة العالم
-
الصهيونية تحتاج إلى معاداة السامية؟ بلومنتال أمام كارلسون
-
فلاي دبي 1073: الطائرة التي كادت تسقط... والسباك الذي أصبح ب
...
-
أميركا والشرق الأوسط: نهاية الهيمنة أم نهاية الدور القديم؟
-
ألكسندر دوغين: «نحن في بداية حرب رهيبة»..
-
إنتخابات الدوما 2026: ماذا يجري خلف أسوار الكرملين؟
-
«فيفالدي» في ليمان: ماذا يجري فعلاً على الجبهة الأوكرانية؟
-
جون ميرشايمر - هل أوكرانيا ذاهبة إلى الإنتحاراً؟
-
ويستمر الهذيان
-
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟
المزيد.....
-
غوستافو دوداميل يتولى مهمة تتجاوز قيادة الأوركسترا في نيويور
...
-
بمقابلة حادة.. زيلينسكي: أوكرانيا ستستأنف ضرباتها على مصافي
...
-
مصري يعثر على تمثالين أثريين ضخمين أمام منزله.. أحدهما لرمسي
...
-
-التحالف-: اعتراض وتدمير صاروخ مجنح في منطقة المدينة المنورة
...
-
الجيش الأمريكي يدرس استخدام -أم القنابل- في ضربات محتملة ضد
...
-
اندلاع حريق في مصفاة للنفط في ريازان الروسية بعد هجوم أوكران
...
-
السفير الروسي: تجنيد اليابان صحفيين لجمع المعلومات أمر غير م
...
-
-معراج أورال- في قبضة الأمن السوري
-
وزير الدفاع الروسي بيلاوسوف يستعرض نتائج اجتماع مجلس وزراء د
...
-
آيزنكوت يتعهد بإنهاء حكم حماس في غزة خلال 18 شهرا
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|