|
|
ألكسندر دوغين - عندما يصبح الحاكم تجسيداً لإستمرارية الدولة
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 14:15
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
12 تشرين الأول أكتوبر 2026
▪️دوغين يرى في بوتين أكثر من رئيس يدير دولة: شخصية تتقاطع عندها السلطة مع التاريخ، والحكم مع فكرة المستقبل
ليس من السهل قراءة ألكسندر دوغين بالطريقة التي تُقرأ بها التصريحات السياسية المعتادة. فحين يتحدث الفيلسوف الروسي عن فلاديمير بوتين، فإنه لا يكتفي بتعداد صفاته كرئيس أو بتقييم قراراته السياسية، وإنما يضع شخصيته داخل تصور أوسع عن الدولة والحاكم والتاريخ. وفي حديث إلى موقع «نيوز.رو»، ذهب دوغين إلى أن مهمة الحاكم الأعلى للدولة تتجاوز بكثير صفاته الشخصية، لأن المسألة، في نظره، تتعلق بالدور الذي يؤديه القائد في مسار الدولة وفي قدرتها على النظر إلى المستقبل. يقول دوغين: «يجب أن يقود إلى الأمام، وأن يكون ثابتاً ومتسقاً، وأن يغرس الإيمان بالمستقبل وأن يصنع هذا المستقبل». هذه العبارة تختصر المدخل الذي ينطلق منه. فالحاكم، وفق هذا التصور، لا تكون وظيفته الأساسية مجرد إدارة مؤسسات الدولة أو إصدار القرارات، وإنما منح الدولة إتجاهاً وإحساساً بالإستمرارية والقدرة على الوصول إلى المستقبل. وهنا يستخدم دوغين مفهوماً فلسفياً سماه «الحضور». لكن المقصود ليس الحضور الإعلامي أو السياسي بالمعنى المعتاد، وإنما وجود الحاكم بوصفه محوراً ثابتاً تتجمع حوله إستمرارية الدولة وإرادتها السياسية. ويقول إن هناك «محوراً رأسياً» يمر عبر بوتين، وإن هذا الحضور هو الذي يجعل صفاته الشخصية، من الثبات والحزم والإستمراربة، فاعلة ومؤثرة.
▪️من صفات الحاكم إلى دوره التاريخي
هنا ينتقل دوغين من السياسة إلى فلسفة التاريخ. فلو كان الحديث عن رئيس دولة بالمعنى التقليدي، لكان ممكناً أن نسأل عن سياساته وقراراته ونتائجها، وأن نقارن بينها وبين أداء أسلافه أو خصومه. لكن دوغين يضع السؤال في مستوى آخر: ما الذي يمثله وجود هذا الحاكم بالنسبة إلى الدولة؟ إنها نقلة مهمة في التفكير السياسي. فالحاكم، بحسب هذه الرؤية، لا يكتسب أهميته فقط من شخصيته الفردية، بل من قدرته على أن يصبح تجسيداً لإستمرارية الدولة. أي أن وجوده السياسي يصبح مرتبطاً بفكرة أوسع من شخصه: الحفاظ على الإتجاه التاريخي للدولة، ومنع إنقطاع مسارها، وربط حاضرها بما يراه أنصار هذا التصور مستقبلاً خاصاً بها. ولهذا لا يتحدث دوغين عن بوتين بإعتباره شخصاً يتمتع بمجموعة من الصفات الإيجابية فحسب، وإنما يرى أن هذه الصفات نفسها تكتسب معناها من موقعه داخل مرحلة تاريخية يعتبرها حاسمة بالنسبة إلى روسيا. وهذا هو الفارق بين الحاكم الإداري والحاكم الذي يُنظر إليه بوصفه شخصية تاريخية.
▪️«الأهم ليس أن يحكم، بل أن يكون»
تصل الفكرة إلى ذروتها في العبارة التي إختار دوغين أن يختم بها حديثه: «الأهم ليس أن يحكم، بل أن يكون». قد تبدو العبارة للوهلة الأولى غامضة، لكنها تصبح أكثر وضوحاً إذا وضعت في سياق كلامه السابق. فـ«الحكم» هنا هو ممارسة السلطة: إدارة المؤسسات، إتخاذ القرارات، إصدار الأوامر ومتابعة تنفيذها. أما «أن يكون»، فيعني ــ في تصور دوغين ــ أن يمتلك الحاكم وجوداً سياسياً وتاريخياً يتجاوز ممارسة السلطة اليومية؛ أن يصبح رمزاً لإستمرارية الدولة، ومركزاً تستند إليه في مرحلة يعتبرها إستثنائية. ولهذا يضيف دوغين أن بوتين «يكون ويحكم ويدير»، ويجمع في شخصيته بين ما يسميه «الملك المتأمل» و«الملك الفاعل». الأول يتصل بالرؤية والتأمل في مصير الدولة، والثاني بالفعل السياسي والإدارة وإتخاذ القرار. وفي تصور دوغين، تكمن أهمية بوتين في الجمع بين الاثنين: رؤية طويلة المدى مقرونة بالقدرة على الفعل السياسي.
▪️من أين تأتي «المهمة التاريخية»؟
الأكثر إثارة في كلام دوغين هو إستخدامهُ لغة تتجاوز السياسة نفسها عندما يتحدث عن «المهمة التاريخية» لروسيا. فهو يرى أن بوتين يعطي إنطباعاً بأنه رجل تلقى نوعاً من «البركة من قوى عليا»، ثم يستحضر بصورة صريحة في النص المنشور تقليداً روسياً دينياً وثقافياً يتحدث عن القديسين والأسلاف الذين «يصلّون من أجل مصير روسيا». ومن هنا يصل إلى عبارته عن أنهم «إستمطروا بالدعاء» لروسيا رئيساً أخرجها، بحسب وصفه، من طريق الإنحدار وأعدها لما يعتبره مهمتها التاريخية. هذه بالطبع ليست لغة تقرير سياسي، وإنما لغة فلسفة تاريخية ذات بعد ديني وحضاري. ولا يقدم دوغين هنا برهاناً تجريبياً على وجود هذه «القوى العليا»، بل يعبر عن فهمه الخاص لموقع روسيا في التاريخ، وعن إعتقاده بأن ظهور قائد معين يمكن أن يُفهم بإعتباره جزءاً من مرحلة تاريخية أوسع. وهذا مهم عند قراءة دوغين: فالرجل لا ينظر إلى روسيا بإعتبارها دولة قومية عادية فحسب، بل يستخدم منذ سنوات مفهوم «الدولة-الحضارة» لوصف موقعها ودورها. وفي أغسطس الماضي، قال لـ«نيوز.رو» إن روسيا، في نظره، تتصرف بالفعل كدولة-حضارة، وإن المسألة أصبحت مرتبطة بالسيادة والإبتعاد عن إعتبار روسيا مجرد جزء من الثقافة الأوروبية الغربية. ومن هذه الزاوية، يصبح حديثه عن «المهمة التاريخية» إمتداداً طبيعياً لمنظومته الفكرية.
▪️بوتين في فلسفة دوغين
لذلك فإن أهمية التصريح الأخير لا تكمن فقط في كونه إشادة ببوتين، وإنما في أنه يكشف كيف يفكر دوغين في مفهوم القيادة السياسية نفسه. فالرئيس، في هذه الرؤية، ليس مجرد موظف منتخب أو حاكم يدير مؤسسات الدولة لفترة زمنية محددة. إنه يمكن أن يصبح، في ظروف تاريخية معينة، نقطة التقاء بين الدولة وماضيها ومستقبلها. وعندها لا يعود السؤال الوحيد: ماذا فعل الحاكم؟ بل يصبح السؤال: ماذا يمثل وجوده للدولة؟ هذا هو المعنى الذي ينبغي فهمه وراء تعبير دوغين عن «الحضور». فالحضور هنا هو قدرة القائد على أن يكون ثابتاً في مركز الدولة في زمن التحولات، وأن يمنح المجتمع إحساساً بأن للدولة إتجاهاً مستمراً، وأن المستقبل ليس فراغاً مجهولاً، بل مشروعاً يمكن العمل من أجله. ومن هنا نفهم لماذا يضع دوغين «الإيمان بالمستقبل» إلى جانب «صناعة المستقبل». فالقائد، في تصوره، لا يكتفي بإقناع الناس بأن المستقبل سيكون أفضل، وإنما ينبغي أن يشارك في خلق الظروف التي تجعل ذلك المستقبل ممكناً. بين الفلسفة والسياسة قد يختلف القارئ مع هذه الرؤية، وهذا أمر منفصل عن فهمها. فالنص لا يقدم دراسة موضوعية لشخصية بوتين، ولا يقيس نجاح سياساته، ولا يقدم دليلاً مستقلاً على وجود «مهمة تاريخية» لروسيا. إنه يقدم تفسير دوغين نفسه للقيادة الروسية ولموقع بوتين فيها. لكن قيمة هذا التفسير أنه يكشف عن طبقة أعمق في الخطاب الفكري المحيط بالرئيس الروسي. فبوتين، في قراءة دوغين، ليس مهماً فقط لأنه رئيس قوي أو طويل البقاء في السلطة، وإنما لأنه ــ وفق هذه الرؤية ــ يجسد مرحلة من إعادة بناء الدولة الروسية، ويمنحها إستمرارية وإتجاهاً بعد مرحلة تاريخية يرى دوغين أنها إتسمت بالضياع وفقدان الإتجاه. وهنا تتضح العبارة الأخيرة أكثر من أي وقت مضى: «الأهم ليس أن يحكم، بل أن يكون». أي أن القيمة السياسية للحاكم، في فلسفة دوغين، لا تختزل في مقدار السلطة التي يمارسها، وإنما في قدرته على أن يصبح تجسيداً لإستمرارية الدولة، ومحوراً يربط حاضرها بمستقبلها، وشخصية ترى نفسها ــ أو يراها أنصارها ــ داخل مسار تاريخي يتجاوز عمر الحاكم نفسه. وهذه، في نهاية المطاف، هي الفكرة الأهم في كلام دوغين: الحاكم التاريخي ليس من يدير الدولة فقط، بل من يصبح وجوده السياسي جزءاً من الطريقة التي تفهم بها الدولة نفسها ومصيرها.
****** المصدر: ألكسندر دوغين في حديث إلى موقع «News.ru»، 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
روسيا بعد إنتخابات 2026: دوما الحرب وإعادة تشكيل النخبة
-
مطبخ هيئة الأركان الروسية: عن «المراجل الصغيرة» وتغيير فلسفة
...
-
وجهة نظر روسية – كيف نحقق أمن الخليج بعد تراجع المظلة الأمير
...
-
جون ميرشايمر: لماذا يصعب على واشنطن وبكين الإتفاق؟
-
بيرني ساندرز: الأوليغارشية تصعد... والديمقراطية تتراجع
-
الصهيونية حركة عنصرية... سؤال يعود من جديد
-
«نازا» مرة أخرى.. من عاصفة إسرائيلية إلى شاشة العالم
-
الصهيونية تحتاج إلى معاداة السامية؟ بلومنتال أمام كارلسون
-
فلاي دبي 1073: الطائرة التي كادت تسقط... والسباك الذي أصبح ب
...
-
أميركا والشرق الأوسط: نهاية الهيمنة أم نهاية الدور القديم؟
-
ألكسندر دوغين: «نحن في بداية حرب رهيبة»..
-
إنتخابات الدوما 2026: ماذا يجري خلف أسوار الكرملين؟
-
«فيفالدي» في ليمان: ماذا يجري فعلاً على الجبهة الأوكرانية؟
-
جون ميرشايمر - هل أوكرانيا ذاهبة إلى الإنتحاراً؟
-
ويستمر الهذيان
-
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟
-
لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قل
...
-
من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
-
أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس
...
-
ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر
...
المزيد.....
-
بيل غيتس لـCNN عن الـAI: علينا أن نقرر أي الوظائف يجب أن نحت
...
-
مجلس السيادة السوداني يصدر بيانًا بعد -حادث أليم- على الحدود
...
-
بعد 3 سنوات من الحرب.. مفقودو غزة ما زالوا تحت الركام
-
ناقلة نفط تتعرض لاستهداف في منطقة مضيق هرمز
-
لافروف: روسيا مستعدة دائما لدعم لبنان ومتمسكة بسيادته ووحدته
...
-
دلائل خفية تفضح -المعتلين نفسيا- الذين يعيشون بيننا دون أن ن
...
-
هزات متتالية في جنوب تركيا تثير تساؤلات حول النشاط الزلزالي
...
-
الكرملين: بوتين مستعد لتعليق قصف أوكرانيا يوم الانتخابات إن
...
-
تحايلت على القيود وأخفت سلوكها.. -أنثروبيك- توقف نماذج للذكا
...
-
هولندا: كفى اعتمادا على واشنطن في الدفاع
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|