|
|
ألكسندر دوغين - كيف قادت الصهيونية ترامب إلى الإنهيار؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 02:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل: د. زياد الزبيدي
7 تشرين الثاني نوفمبر 2026
▪️«الطابور السادس»... الإختراق الأخطر الذي يضرب السلطة من الداخل
في مقال مثير نشره الفيلسوف والمفكر السياسي الروسي ألكسندر دوغين في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بعنوان «كيف قادت الصهيونية ترامب إلى الإنهيار»، يقدم قراءة حادة للهزيمة الإنتخابية التي مُني بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري في إنتخابات التجديد النصفي. لكن دوغين لا يرى ما حدث مجرد خسارة إنتخابية عابرة، ولا يعزوه إلى أخطاء إنتخابية أو إقتصادية فحسب. إنه يطرح تفسيراً أكثر جذرية: ترامب، وفق قراءته، سقط بفعل إختراق داخل دائرته السياسية نفسها، إختراق يسميه «الطابور السادس»، ويعتبر أن مركزه في الحالة الأميركية هو إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو. وهكذا تتحول الهزيمة الأميركية، في تحليل دوغين، إلى درس سياسي وإستراتيجي يتجاوز واشنطن، ليصل مباشرة إلى موسكو.
▪️أولاً: الطابور السادس... العدو الذي يجلس داخل السلطة
يبدأ دوغين بالتمييز بين ما يسميه «الطابور الخامس» و«الطابور السادس». فالطابور الخامس يعمل من خارج السلطة، ويعارضها علناً، وقد يرتبط بقوى خارجية. أما الطابور السادس فيعمل من داخل مؤسسات الحكم، ويظهر الولاء الكامل للقيادة، لكنه يوجه قراراتها لخدمة مصالح خارجية. ويقول دوغين إن أخطر ما في هذا الطابور أن أفراده يختبئون خلف واجهة من الولاء والإخلاص للحاكم، بحيث يصعب إكتشاف حقيقة إرتباطاتهم وأولوياتهم. ويختصر فكرته بالقول: «داخل النخب دائماً من لا يتوجهون وفق مصالح شعبهم ودولتهم، بل وفق قوة خارجية». وفي الحالة الأميركية، يحدد دوغين إسرائيل، وتحديداً إسرائيل نتنياهو، بوصفها مركز القرار الخارجي الذي إستند إليه هذا الإختراق. وهنا لا يتحدث عن مجرد تأثير حليف على السياسة الأميركية، بل عن تحول القوة الأميركية نفسها إلى أداة لتنفيذ أجندة لا تتطابق بالضرورة مع المصالح الأميركية.
▪️ثانياً: كيف إنقسمت حركة «ماغا»؟
يرى دوغين أن حركة «ماغا» MAGA (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً) كانت تضم منذ البداية تيارين متناقضين. •الأول هو التيار الشعبوي القومي، الذي أراد إعادة الإعتبار للمصالح الأميركية، ورفض التدخلات العسكرية الخارجية، خصوصاً الحرب مع إيران، ورفع شعار مواجهة الدولة العميقة ونفوذ النخب المتحكمة بالسياسة الأميركية. •أما الثاني، فيضم المحافظين الجدد، والصهاينة، والصهاينة المسيحيين، الذين يدعمون التدخلات الخارجية، ويرون في القوة الأميركية وسيلة لتنفيذ مشروع أيديولوجي وإستراتيجي يتجاوز المصالح الأميركية المباشرة. ويذهب دوغين إلى إتهام هذا التيار بالوقوف في صف الدولة العميقة، وبمحاولة التستر على فضيحة إبستين، بإعتبار أن هذه الملفات الثلاثة مترابطة في نظره: التدخلات الخارجية، وملف إبستين، وبنية الدولة العميقة. وبحسب تحليله، كان التياران مواليين لترامب في البداية، لكن الفارق أن الشعبويين كانوا يدافعون فعلاً عن أميركا، بينما تعامل المحافظون الجدد والصهاينة معها بإعتبارها أداة لتحقيق أجندة مختلفة. ويقول إن ترامب إرتكب خطأه الحاسم عندما تخلّى عن التيار الأول، ووضع ثقته بالثاني. والنتيجة، في نظره، كانت هزيمة مدوية، لأن الرئيس أظهر إستخفافاً كاملاً بما يريده الناخب الأميركي: وقف الحروب، ومواجهة نفوذ اللوبيات الخارجية، ومعالجة المشكلات الداخلية.
▪️ثالثاً: الحرب على إيران... نقطة الإنفجار
تمثل الحرب على إيران محوراً أساسياً في تفسير دوغين. فالتيار الشعبوي الذي حمل ترامب إلى السلطة كان يعارض التدخل العسكري، بينما دفع المحافظون الجدد والصهاينة باتجاه الحرب. وهنا يظهر التناقض بين شعار «أميركا أولاً» والسياسة التي إنتهى ترامب إلى إتباعها. فبدلاً من توجيه الموارد نحو الداخل الأميركي، وجد المواطن نفسه أمام حرب خارجية مكلفة، إنعكست تداعياتها على أسعار الطاقة والسلع ومستوى المعيشة. وجاءت إنتخابات التجديد النصفي في 3 تشرين الثاني/نوفمبر لتكشف حجم الإستياء الشعبي. فقد تمكن الديمقراطيون من إنتزاع السيطرة على مجلسي الكونغرس، في ضربة إنتخابية قاسية لترامب والجمهوريين. وإرتبطت النتائج بإستياء الناخبين من التضخم وإرتفاع تكاليف المعيشة والفساد والحرب على إيران. وبذلك فقد ترامب السيطرة على المؤسسة التشريعية، وأصبح أمام كونغرس معارض يستطيع تعطيل أجندته، وفتح التحقيقات مع إدارته، وممارسة ضغوط سياسية متزايدة عليه. بالنسبة إلى دوغين، لم تكن هذه النتيجة مفاجأة، بل حصيلة طبيعية لتخلي ترامب عن القاعدة الشعبية التي أوصلته إلى السلطة.
▪️رابعاً: نتنياهو يخسر الإنتخابات أيضاً
يربط دوغين بين الهزيمة الأميركية وما حدث في الإنتخابات الإسرائيلية، ويعتبر أن خسارة نتنياهو تمثل وجهاً آخر للأزمة السياسية نفسها. فقد حصلت الأحزاب المؤيدة لنتنياهو على 53 مقعداً في الكنيست، مقابل 48 للأحزاب المعارضة و19 للقوائم العربية. وبذلك أخفق معسكر نتنياهو في الوصول إلى الأغلبية المطلوبة، وهي 61 مقعداً من أصل 120. صحيح أن الليكود بقي الحزب الأكبر، لكن نتنياهو فقد القدرة على تشكيل حكومة مستقرة إعتمادًا على معسكره وحده. ويطلب دوغين من القارئ النظر إلى الحدثين معاً: هزيمة ترامب في الولايات المتحدة، وتراجع نتنياهو في إسرائيل. فهو يرى أن ما يجري ليس مجرد مصادفة إنتخابية، بل مؤشر على أزمة المشروع السياسي الذي جمع بين اليمين القومي الأميركي واليمين الصهيوني الإسرائيلي.
▪️خامساً: روسيا والطابور السادس
ينتقل دوغين بعد ذلك إلى النقطة الأكثر حساسية في مقاله: روسيا نفسها. ويقول بوضوح إن «الطابور السادس» ليس موجوداً في روسيا فحسب، بل إن وجوده أمر لا مفر منه. فبعد عقود من التأثيرات الليبرالية والموالية للغرب، يعتقد دوغين أن هذا التيار أصبح متجذراً على نطاق واسع داخل النخب الروسية. ومن هنا يوجه تحذيره إلى الدولة الروسية: لا ينبغي النظر إلى المواجهة مع الغرب باعتبارها صراعاً عسكرياً وإقتصادياً وإعلامياً فقط، فهناك أيضاً حرب شبكية تستهدف إختراق مؤسسات الدولة ومراكز القرار من الداخل. ويصف دوغين هذه المواجهة بأنها «حرب شبكية» (Network Warfare)، يكون سلاحها الأشد فاعلية هو الطابور السادس، لأنه لا يهاجم الدولة من الخارج، بل يتمركز داخل آليات الحكم نفسها. ويؤكد ثقته بأن أجهزة مكافحة التجسس الروسية قد إستوعبت مبادئ هذه الحرب، داعياً إلى إستخدام قدراتها على أوسع نطاق. وهنا يتحول المقال من تحليل للهزيمة الأميركية إلى دعوة روسية صريحة لتشديد اليقظة الأمنية والسياسية إزاء الإختراق الخارجي.
▪️سادساً: أوكرانيا... لا تنتظروا نهاية الحرب
يحذر دوغين من أن الهزيمة الإنتخابية لترامب لا تعني أن الوضع في أوكرانيا سيتجه تلقائياً نحو التسوية. بل يرى أن التطورات الأميركية ستمنح كييف والقيادات الأوروبية جرأة أكبر في مواجهة واشنطن وموسكو معاً. ويقول إن زيلينسكي والقادة الأوروبيين كانوا يعتقدون أن ترامب يخدم المصالح الروسية، رغم أن ذلك لم يكن صحيحاً في تقديره. ويشير إلى أن زيلينسكي أخذ خلال الأسابيع الأخيرة يتصرف بوقاحة متزايدة في مخاطبة ترامب وإنتقاده، لأنه كان يتوقع أن يخرج الرئيس الأميركي من الإنتخابات ضعيفاً إلى حد كبير. ومن وجهة نظر دوغين، فإن هذا التطور يجعل الرهان على أن الخلافات داخل المعسكر الغربي ستؤدي وحدها إلى حل الأزمة الأوكرانية أمراً غير مسؤول وغير واقعي.
▪️خاتمة: نهاية فصل وبداية فصل جديد
يختتم دوغين مقاله بدعوة روسيا إلى قراءة ما حدث في الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا باعتباره تحولاً تاريخياً، لا مجرد سلسلة من الأحداث الإنتخابية المتفرقة. ويقول إن فصلاً معيناً من التاريخ المعاصر قد إنتهى، وإن نهاية مرحلة تعني بداية أخرى. أما ما يهم، بحسب تعبيره، فهو أن تشارك روسيا في كتابة هذا الفصل الجديد بوصفها قوة مستقلة، وفاعلاً نشطاً وحاسماً، لا مجرد طرف ينتظر نتائج التحولات الدولية.
▪️الدلالة الإستراتيجية
تكمن أهمية أطروحة دوغين في أنها تطرح سؤالاً يتجاوز شخص ترامب ونتنياهو: من يحدد فعلياً أولويات الدولة الكبرى؟ وهل يستطيع رئيس منتخب أن ينفذ برنامجه الوطني إذا إصطدمت وعوده بمصالح مراكز النفوذ واللوبيات والتحالفات الخارجية؟ في قراءة دوغين، دفع ترامب ثمن التناقض بين برنامجه الإنتخابي والخيارات التي إنتهى إلى تبنيها، بعدما سمح للمحافظين الجدد والصهاينة بتوجيه مسار سياسته الخارجية. أما بالنسبة إلى روسيا، فالرسالة أكثر وضوحاً: لا يكفي إمتلاك القوة العسكرية والإقتصادية إذا كان القرار الوطني عرضة للإختراق والتوجيه من الخارج. وهكذا لا يقدم دوغين مجرد تفسير لهزيمة ترامب، بل يحولها إلى تحذير إستراتيجي لموسكو، عنوانه أن أخطر الإختراقات ليست تلك التي تأتي من خارج أسوار الدولة، وإنما تلك التي تنجح في الوصول إلى قلب السلطة، وتعمل تحت غطاء الولاء لها.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين - ماسك وترامب وزيلينسكي و«ستارلينك»: هل بدأت م
...
-
ميثاق مكة أمام إختبار إيران: لماذا تسعى تركيا والسعودية وباك
...
-
ألكسندر دوغين - من قمة بوتين وترامب وشي إلى مستقبل النظام ال
...
-
كيف قرأت موسكو نتائج الإنتخابات النصفية الأميركية؟
-
ألكسندر دوغين - أوروبا وجيوش الفوضى (برنامج إيسكالاتسيا على
...
-
جيفري ساكس - الحلّ الذي يقف أمام أعين إسرائيل
-
ألكسندر دوغين - إسرائيل على ساعة هرمجدون*
-
ألكسندر دوغين - من هدنة الديزل إلى الذكاء الإصطناعي (برنامج
...
-
من وعد بلفور إلى غزة: بريطانيا ومسؤوليتها عن المأساة الفلسطي
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اليهود اللاجئون، وفلسطين، وتش
...
-
من وعد بلفور إلى مؤتمر إيفيان: اللاجئون اليهود، وفلسطين، وتش
...
-
ما هي إسرائيل؟ المؤرخ الذي فتح السؤال المحظور
-
إيران والولايات المتحدة والخليج العربي: لماذا لا يضمن التصعي
...
-
ترامب نقل العدوى إلى نتنياهو... ودوغين في قفص الإتهام ...ويس
...
المزيد.....
-
-البوابة الحديدية-.. الجيش الأمريكي يشكل قوة مهام لمنع إيران
...
-
السيسي يعقد اجتماعا طارئا مع قيادات عسكرية
-
وسط انتقادات ومقاطعة .. نجل شاه إيران السابق يتسلم جائزة الح
...
-
بعيداً عن ترامب.. جي دي فانس يشق طريقه لخوض سباق انتخابات 20
...
-
التضامن تحذر من صفحات مزيفة تروج لمعلومات مغلوطة عن برنامج “
...
-
وزيرة الإسكان تلتقي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ وعواقل وشيوخ
...
-
محافظ القليوبية يوجه بتعميم آليات جديدة لتطوير الأداء بالوحد
...
-
التضامن : فريق التدخل السريع بالإسكندرية يُعيد شاباً من ذوي
...
-
لماذا تستهدف بلاغات بوجود قنابل الحركة الجوية في أوروبا؟
-
ما دلالات تعيين ترامب لستيفن ميلر مديرا لمكتبه في البيت الأب
...
المزيد.....
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
المزيد.....
|