|
|
ما بعد السياسة المفرطة: أيّ طريق أمام اليسار؟
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 16:00
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
ترجمة: حازم كويي
أثار كتاب أنطون ياغر(*) «السياسة المفرطة» نقاشات واسعة عبر مختلف أطياف المشهد السياسي. فهو يردّ على منتقديه، ويكتب أن «استراتيجية الصبر» قد تساعد اليسار على الخروج من «مستنقع السياسة المفرطة».
بحلول نهاية هذا العام، ستكون الولايات المتحدة قد سجّلت رقمين قياسيين في المجال السياسي. فبحسب تقديرات المنظّمين، شكّل يوم «لا للملوك» في 28 آذار، أكبر تحرّك احتجاجي ليوم واحد في التاريخ الأمريكي الحديث. وفي الوقت نفسه، لم يسبق لأي رئيس أمريكي أن حقّق ثراءاً شخصياً خلال فترة تولّيه منصبه بقدر ما حقّقه دونالد ترامب؛ ومن المرجّح أن يكون عام 2026 الأكثر ربحاً له حتى الآن في مسيرته.
إن مفهوم «السياسة المفرطة» هو محاولة لتفسير تزامن هاتين الظاهرتين. فهو يصف عملية إعادة تسييس من دون إعادة بناء المؤسسات، وهي عملية طالت جميع طبقات المجتمع في أعقاب الأزمة المالية عامي 2008 و2009. فقد شهدنا ارتفاعاً في مستوى النشاط السياسي، لكنه كان متفاوتاً من الناحية التنظيمية، ويصعب مقارنته بسوابق تاريخية، والأكثر إثارة للقلق أنه لم تكن له آثار مضمونة وواضحة على الإطلاق في موازين القوى بين النخب والجماهير. استخدمتُ هذا المصطلح للمرة الأولى بصيغته الحالية »، حيث أثار نقاشاً حيوياً. وبعد ذلك، صدر كتابي «السياسة المفرطة» بعد بضع سنوات. ومرة أخرى، جاءت ردود الفعل متباينة من كاتبات وكتّاب ينتمون إلى مختلف أطياف المشهد السياسي، بين النقد والإشادة. وحتى التأويلات الخاطئة كانت مثمرة. أودّ العودة إلى هذه الانتقادات، لأسباب منها أن النقاشات التي أثارها الكتاب لا تقتصر أهميتها على الجانب الأكاديمي البحت، بل إن لها أهمية استراتيجية بالنسبة إلى اليسار. ففي نهاية المطاف، اختُتم الكتاب بسؤال جوهري: ما الذي يمكن أن يسهّل إعادة بناء القوة الطبقية في القرن الجديد؟ ولماذا لا يزال اليسار عالقاً حتى الآن في مستنقع السياسة المفرطة؟
التعميم والتجريد انطلق كتاب «السياسة المفرطة» من ملاحظة عَرَضية، تحوّلت لاحقاً إلى أساس لنظرية أكثر شمولاً. وقد حاولتُ في الكتاب تقديم وصف وتفسير وتقييم عام لمشكلة عامة، وعلى مستوى يتناسب مع طبيعتها العامة. ومن الطبيعي أن ينطوي مثل هذا التعميم على خطر الانزلاق إلى المبالغة، سواء في التجريد أو في تقديم عمل ينظر إلى الواقع الاجتماعي من مسافة بعيدة إلى درجة لا تتيح له قول أي شئ ذي أهمية على المستويين المتوسط أو الجزئي. لقد أثار هذا الطابع التعميمي الواضح في كتاب «السياسة المفرطة» انزعاج فئة من القرّاء. فبما أن الكتاب ليس دراسة صارمة في العلوم الاجتماعية، ولا نقداً ثقافياً خالصاً، فقد بدا لهم وكأنه لا ينتمي إلى أيٍّ من المجالين. ولعلّ الردّ الماركسي الأكثر إقناعاً على ذلك هو: «إذا لم تعجبكم مبادئي، فلديّ مبادئ أخرى». وأخشى أن يظل الكتاب، في المقام الأول، عملاً موجّهاً إلى جمهور القرّاء غير المتخصصين. فسائقو الشاحنات لا يستخدمون الخرائط نفسها التي يستخدمها المتنزّهون. لذلك، يقدّم كتاب «السياسة المفرطة» نظرية عامة لاتجاه عام، بكل ما ينطوي عليه هذا التعميم من مزايا وعيوب. وغالباً ما يرتبط هذا الانتقاد الأول لدى كثير من النقّاد بانتقاد ثانٍ، يتمثل في الاستعداد للاستناد إلى أفكار كتّاب ينتمون إلى اليسار واليمين على حدّ سواء. ويمكن أن يكون الردّ البسيط على هذا الانتقاد هو الردّ الذي قدّمه عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس ذات مرة، عندما سُئل عن سبب استشهاده بأفكار جان جاك روسو: «على الرغم من أنني لا أميل كثيراً إلى فكره السياسي، فإن جمال نثره يأسرني [...] فهو يقول في خمس كلمات ما أحتاج أنا إلى خمس عشرة كلمة لقوله». غير أن مثل هذا الردّ يظلّ سطحياً. فهناك سبب أعمق يجعل اليمين أكثر قدرة من اليسار على تحليل انحدار الطبقة البرجوازية: فكثيراً ما يمتلك الرجعيون إحساساً أكثر حدّة بتكاليف التقدّم الرأسمالي مقارنة باليسار الليبرالي. وقد فضّل كارل ماركس وفريدريش إنجلز أنفسهما، في تصويرهما للقرن التاسع عشر، كتابات رجعي متشدّد مثل أونوريه دي بلزاك على الترهات الوعظية للأدب البروليتاري. وكما كتب إنجلز: «إن اضطرار بلزاك إلى التصرف على خلاف تعاطفه الطبقي وأحكامه المسبقة السياسية، وتصويره النبلاء على أنهم أناس لا يستحقون مصيراً أفضل [...] أعدّ ذلك واحداً من أعظم انتصارات الواقعية، وإحدى أروع السمات في بلزاك العجوز». فكثيراً ما يعجز اليسار المتمسّك بالعقيدة الليبرالية عن امتلاك ذلك النوع من الانفتاح الفكري والفضول المعرفي اللذين اعتبرهما ماركس وإنجلز فضيلتين فكريتين.
المزايا غير المتكافئة لليمين يتمثّل انتقاد آخر في أن الكتاب لا يقدّم تفسيراً لسبب تفوّق اليمين الراديكالي، على ما يبدو، على اليسار في المرحلة الجديدة من السياسة المفرطة. فمن أين تأتي هذه الأفضلية غير المتكافئة؟ هناك ثلاث حقائق تناولها الكتاب، لكنه لم يتوسّع في شرحها، ومن الجدير التطرّق إليها مجدداً هنا؛ اثنتان منها ذات طبيعة بنيوية، والثالثة أقرب إلى كونها ظرفية.
أولاً، يمنح المجتمع القائم على السوق اليمين عدداً من المزايا الأساسية، كما سبق أن أوضح رالف ميليباند في تحليله لما سمّاه «المنافسة غير الكاملة» في الديمقراطيات الليبرالية. وأولى هذه المزايا ذات طبيعة أيديولوجية. فقد وضع ماركس ذات مرة «حزب التقدّم» في مقابل «حزب النظام»: فالأول يسعى إلى تغيير الأوضاع الاجتماعية القائمة، في حين لا يسعى الثاني سوى إلى الحفاظ عليها وترسيخها. ومن الأسهل بكثير تحقيق النجاح عندما يكون المعيار هو الإبقاء على الوضع القائم وضمان استمرار علاقات الملكية السائدة. وثمة عامل ثانٍ مرتبط بذلك، يتمثّل في إمكانية الوصول إلى مصادر التمويل الخاص. فسواء أُنفق المال على حملات التعبئة الجماهيرية المصطنعة التقليدية، أو على المؤثّرين في الفضاء الرقمي، يظلّ المال أداة فعّالة لتعبئة اليمين، في حين لا يتوافر منه إلا القليل لدى اليسار، إلا إذا أدرجنا ضمنه بعض فاعلي الخير الليبراليين الذين يسعون إلى صياغة اشتراكية صديقة للسوق. وبسبب افتقار المشاريع اليسارية إلى ممولين طبيعيين في أجهزة الدولة أو الأوساط الرأسمالية، اضطرت في الغالب إلى الاعتماد على تبرعات متفرقة ومحدودة من الناحية المالية. أما اليمين، فإن توافر الأموال الخاصة لديه يمنحه قدرة على التعبئة لا مثيل لها.(أنفق أيلون ماسك في الحملة الأنتخابية النصفية 500 مليون دولار لدعم الجمهوريين .المترجم) ويُضاف إلى ذلك اختلال أساسي في موازين القوى داخل المجتمع عموماً، كما أشار بيري أندرسون. فبحسب رأيه، تتمتع جميع الطبقات الحاكمة تقريباً بأفضلية على الطبقات الخاضعة لهيمنتها في مجال العمل الجماعي، وذلك بفضل قلة عدد أفرادها ووفرة مواردها. فشبكات التواصل الداخلية بين الطبقات الحاكمة أكثر تماسكاً، وثرواتها توفّر لها أداة هائلة للسلطة يمكن تحويلها إلى أشكال متعددة من الهيمنة، كما أن أجهزتها الاستخباراتية ترصد المشهد السياسي من موقع أعلى وأكثر شمولاً. أما الطبقات الدنيا، التي يفوق عدد أفرادها عدد أفراد النخب، وتعاني من التشتت وضعف الإمكانات المادية وقلة التماسك الثقافي، فإنها تميل باستمرار إلى أن تُهزم تنظيمياً، على حد تعبير عالم الاجتماع مايكل مان.
لكن هناك عاملاً ثالثاً ينبغي أخذه في الاعتبار، وهو عامل ظرفي إلى حدّ كبير. فقد بدأ داخل صفوف اليمين الراديكالي نقاش أكثر جرأة بشأن أزمة الليبرالية، حتى إن بعض أوساط اليمين تتبنّى عمداً موقفاً «ما بعد ليبرالي». وفي المقابل، يرتبط اليسار اليوم اجتماعياً بالليبرالية ارتباطاً وثيقاً، بسبب الفئات الاجتماعية التي يتكوّن منها، وبسبب التحوّل الأكاديمي الذي شهده اليسار في السنوات الأخيرة، الأمر الذي يبطئ حدوث قطيعة أيديولوجية مع الليبرالية. غير أن هذا التفاوت يعود إلى ما قبل عصر السياسة المفرطة.
التسييس وإضفاء الطابع المؤسسي هناك جانب آخر لم يتناوله الكتاب بالتفصيل، ويتعلق بالعلاقة بين المحورين التحليليين: السياسي والمؤسسي. وكما أشار بعض النقّاد، فإن هذين المحورين لا يسيران بمعزل أحدهما عن الآخر. فقد أوضح جاسبر بيرنز، على سبيل المثال، بصورة مقنعة أن إضفاء الطابع المؤسسي خلال القرن العشرين كان يتمّ غالباً على حساب نزع الطابع السياسي، في حين أدّت إعادة التسييس في كثير من الأحيان إلى تقويض الهياكل المؤسسية القائمة. وهو يطرح، في جوهر الأمر، معضلة بين أخلاق القناعة وأخلاق المسؤولية عند ماكس فيبر. فقد يجعل إضفاء الطابع المؤسسي السياسة اليسارية أكثر استمرارية وثباتاً، لكنه قد يجعلها أيضاً أقل ثورية. وفي المقابل، قد تكون السياسة قصيرة العمر مُرضية على المستوى العاطفي والرغائبي، لكنها قد تعجز عن إسقاط هياكل السلطة القائمة فعلياً.
إنها موازَنات معقدة. ولتوضيح ذلك، يمكن الاستشهاد بمثالين: فقد استخدمت حملة ماو تسي تونغ ضد البيروقراطية الحزبية تسييساً راديكالياً بهدف تفكيك المؤسسات القائمة، لكنها مهّدت لاحقاً، في النصف الثاني من القرن، لمرحلة من نزع الطابع السياسي. وعلى العكس من ذلك، فإن ردّ فعل الحزبين الشيوعيين الفرنسي والإيطالي إزاء ما عُرف بـ«1968 الطويلة» في بلديهما، وهي تطورات نظرا إليها باعتبارها تمرّداً مناهضاً للمؤسسات، ينطوي على عواقب سياسية خطيرة، قد أسهم على الأرجح في تسريع تراجعهما بوصفهما حزبين جماهيريين خلال ثمانينيات القرن العشرين. كما جعلهما ذلك أكثر عرضة للهجوم المضاد النيوليبرالي. وكما يوضح بيرنز، فإن هذه الموجات المتعاقبة يمكن أن يؤثر بعضها في بعض: ففي سبعينيات القرن العشرين، تمكّنت الثورة المضادة النيوليبرالية من التغلب على الحركة العمالية بسهولة بالغة، تحديداً لأنها أعطت الأولوية للجانب المؤسسي على حساب الجانب السياسي، ولم تكن قادرة على مواجهة تخلي رأس المال عن توافق ما بعد الحرب بطريقة مقنعة وفعّالة. وهنا نصل إلى التحدي الجوهري الذي يطرحه الكتاب: كيفية إعادة إضفاء الطابع المؤسسي، على نحو مناسب، على الطاقة التي أطلقتها لحظة السياسة المفرطة. وبحسب رأي بيرنز، يمكن النظر إلى عملية إعادة إضفاء الطابع المؤسسي هذه من منظور جماعاتي أو من منظور قائم على المصالح. ففي الحالة الأولى، يضعنا تراجع الحياة المدنية البرجوازية منذ تسعينيات القرن العشرين أمام مهمة يمكن وصفها بأنها سابقة للسياسة أكثر منها سياسية. ويشير بيرنز إلى أن «ما يقترحه ياغر هو سياسة حانات البيرة من دون نشاط نقابي». ويهدف هذا التفسير إلى دعم حدس بيرنز القائل إن «الأوساط اليسارية، على الأقل في حياتي، تحافظ على أشكال من الحياة الاجتماعية والتواصل الاجتماعي التي تختفي بسرعة في أماكن أخرى». وبناءاً على ذلك، تتمثل المهمة الأساسية في «إعادة إحياء الشعور بالانتماء والمجتمع، وفي كثير من الحالات، تلبية الاحتياجات المادية الحقيقية». وعلى طريقة توكفيل، ستكون هذه عملية لإعادة إضفاء الطابع المؤسسي من دون إعادة التسييس، أي إنها بمثابة ترياق لوباء الوحدة الذي نعاني منه اليوم، أو فرصة لإقامة علاقات اجتماعية جديدة. لكن حتى نوادي البولينغ تحتاج إلى المال، ومن غير المرجّح أن يظلّ الأعضاء منتسبين إلى نقابة عمالية إذا لم تتمكن من انتزاع زيادات في الأجور لصالحهم. ويتساءل بيرنز بدوره: «إذا عجزت مثل هذه المؤسسات عن تحسين الأوضاع المادية للأغلبية الساحقة بصورة دائمة، فأي نجاح يمكنها أن تدّعي تحقيقه؟». وفي عصر الانكماش الاقتصادي الطويل، أصبح تحقيق إعادة إضفاء الطابع المؤسسي من خلال الوعد بتقديم مزايا مباشرة للأعضاء أكثر صعوبة بالفعل. لكن، كما قال فلاديمير لينين، لا توجد أوضاع مستحيلة. فقد أظهرت السنوات العشر الماضية أن اليسار، في غياب حركة عمالية قوية، يستطيع أن يفرض حضوره سياسياً، لكنه يفتقر في الغالب إلى أدوات الضغط اللازمة لفرض تغيير سياسي واضح على المجتمع بأسره. وفي هذا السياق، قال سام غيندين إن فرص تحقيق تحسينات مادية للطبقة العاملة قد تكون أقل اليوم، «لكن ماذا تريد أن تفعل بحياتك غير ذلك؟».
إعادة إضفاء الطابع المؤسسي إن السياسة المفرطة ليست في نهاية المطاف سوى اتجاه واحد من بين اتجاهات عديدة، وهناك بالفعل مؤشرات على أن عملية إعادة إضفاء الطابع المؤسسي قد بدأت. ففي عام 2026، يجد اليسار الغربي نفسه، إذا جاز لنا اعتبار هذا التجمع غير المتجانس من المنظمات والثقافات الفرعية، الذي يُصنّف حالياً تحت هذه التسمية، قوة موحّدة، في وضع متناقض. فكثير من أهدافه تحظى بتأييد شعبي متزايد، لكنه يفتقر إلى القوة المؤسسية اللازمة لانتزاع تنازلات مباشرة من رأس المال. ومنذ عام 2008، انهار التوافق السياسي النيوليبرالي، لكن ذلك لم يسهم إلا قليلاً في تعزيز قوة الطبقة العاملة أو اليسار بوصفه قوة سياسية. فقد أثبتت معظم الحركات الاجتماعية التي نشأت خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين عجزها عن تغيير المسارات السائدة. وقد أفرز هذا الانتعاش غير المتكافئ إلى حدّ كبير تيارين يساريين متنافسين، لكنهما ليسا بالضرورة متعارضين. ويمكن تسمية التيار الأول بـ«الفورية» أو «النزعة الآنية». وتقوم فكرته على أن الطاقات الجديدة التي تنشأ عبر المنصات الإلكترونية يمكن أن تشكّل أساساً للعودة إلى السياسة الجماهيرية؛ أي تنظيم الحشود حول ردود الفعل تجاه مختلف الظواهر الإلكترونية «واسعة الانتشار»، بما يتيح إعادة تسييس جماهير مشتتة، منشغلة بشاشاتها، وتحفيزها على شنّ هجوم على الدولة الرأسمالية. هذا نهج يلقى قبولاً واسعاً لدى بعض الجماعات التروتسكية المنشقة، وكذلك لدى الشيوعيين اليساريين والفوضويين، الذين لم تفترض سياساتهم يوماً وجود حركة عمالية منظّمة تنظيماً راسخاً. وكثير من هذه المقترحات ليس جديداً على الإطلاق، بل يذكّر بانتقاد ألكسندر هيرتسن للثوري الروسي ميخائيل باكونين، الذي كان، بحسب هيرتسن، يميل إلى «اعتبار الشهر الثاني من الحمل هو الشهر التاسع». أما التيار الثاني، فيعترف على الأقل بضرورة إعادة إضفاء الطابع المؤسسي، لكنه يحاول إضفاء طابع شخصي على هذه العملية. وهنا تجدر الإشارة بصفة خاصة إلى الشعبوية اليسارية التي اقترحها شانتال موف وإرنستو لاكلو، والتي سعت من حيث المبدأ إلى تقديم نسخة يسارية من عبادة القائد القائمة على الشخصنة. ويتجلّى تأثير هذه الأفكار في ما يُعرف بـ«الحزب الغازي» (Parti gazeux) الذي أسّسه جان لوك ميلونشون، أو في الاضطرابات التي أحاطت بمشروع حزب «حزبكم» (Your Party) الذي أطلقه جيريمي كوربين. ويشترك النهجان في الرغبة في استحضار شكل من أشكال السياسة بطريقة سحرية، وكأنه يُستخرج من القبعة، رغم أن اليسار احتاج إلى عقود من الزمن لبنائه في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وذلك في ظل غياب طبقة عاملة بالقوة التي كانت تتمتع بها آنذاك. كيف يمكن أن تبدو إعادة إضفاء الطابع المؤسسي بوتيرة أبطأ على أرض الواقع؟ في مقابل نفاد الصبر الذي يميّز السياسة المفرطة، أوصى كثيرون بالعودة إلى «استراتيجية الصبر» الأصلية التي طرحها كارل كاوتسكي قبل الحرب العالمية الأولى. ففي رؤية كاوتسكي، تسير عملية إضفاء الطابع المؤسسي وعملية التسييس على محورين زمنيين متداخلين: أحدهما طويل الأمد والآخر قصير الأمد. فعلى المدى الطويل، يمكن تفعيل المؤسسات ذات الطابع المؤسسي الواضح، مثل التعاونيات والنقابات العمالية والأحزاب، في أوقات احتدام الصراع الطبقي، لكنها مطالبة في غير ذلك بالانتظار والصمود. ومن شأن هذا النهج أن يتيح التوفيق بين العفوية والتنظيم. ويبدو هذا النهج مفيداً في زمننا الذي يشهد تصاعداً متزايداً في التسييس، من دون أن يقابله امتلاك قدرة مؤسسية مماثلة على فرض التغيير. ومن الواضح أن تبنّي نهج نيوكاوتسكي يجب أن يكون مشروطاً بعدد من الاعتبارات. فقد انتهى كاوتسكي نفسه إلى معاداة البلاشفة والعمل على إفشال الإضرابات، وهو ما يبيّن أن الدعوات إلى نبذ التسرّع يمكن أن تنزلق بسهولة إلى الاستعداد لتقديم تنازلات إصلاحية. فإضفاء الطابع المؤسسي، كما نرى هنا، ليس ثورياً بطبيعته بأي حال من الأحوال. وكما ألمح بيرنز، فقد يكون ذلك تحديداً هو السبب الذي حال دون تحقيق اختراق ثوري في بلد كاوتسكي نفسه وفي عصره؛ إذ حاولت قيادة الحركة العمالية كبح جماح القواعد الشعبية، لأنها اعتقدت أن بناء المؤسسات في ظل الرأسمالية أهم من إحداث قطيعة سياسية مع الرأسمالية نفسها. وكانت النتيجة المتوقعة هي الجمود والركود.
التلاعب الجيني لم يصمد حتى يومنا هذا سوى عدد قليل من هذه الأحافير المؤسسية، كما يشير بيرنز أيضاً. فلا تزال هناك بعض الأحزاب الجماهيرية التي تجاوزت مرحلة العصر الجليدي ما بعد السياسي، وكذلك مرحلة الذوبان في عصر السياسة المفرطة، ومن أمثلتها الحزب الشيوعي في اليونان. لكن معظم هذه الأحزاب لم تعد تثير الاهتمام إلا بوصفها بقايا تاريخية غريبة. لا يمكن استنساخ هذه الديناصورات، لكن العلم يثبت إمكانية التلاعب الجيني، وإن كان ذلك يتطلب معرفة دقيقة بطبيعة المادة التي يجري التعامل معها. وكما أشار ديلان رايلي، فإن مهمة اليسار المعاصر تتمثّل، بناءاً على ذلك، في «إنشاء أمير حديث جديد»، يتكيّف مع عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمنشورات واسعة الانتشار والذكاء الاصطناعي، وكذلك مع الثقافة الصناعية السائدة في كل مكان، من دون أن يستسلم فوراً لسيولة العصر الراهن. وهنا يجدر بنا أن نتوقف عند التطورات الأخيرة التي شهدها حزب العمال البلجيكي (PTB/PVDA). فقد بُني الحزب على غرار حزب كوادر ماوي، ويتبنّى حظراً متوقعاً على الانشقاقات باسم «الماركسية اللينينية»، ويعتمد نموذجاً متعدد المستويات للعضوية، كما حقّق أرقاماً قياسية في وسائل التواصل الاجتماعي البلجيكية. ويُعدّ حزب العمال البلجيكي الحزب الوحيد، بين الأحزاب البلجيكية والأوروبية، الذي حقّق خلال السنوات الأخيرة نجاحات ملموسة في توسيع قاعدته الشعبية. كما أقام علاقات أوثق مع النقابات العمالية البلجيكية التي لا تزال تتمتع بقاعدة واسعة. وينظر الحزب إلى دوره البرلماني باعتباره دوراً لـ«ممثل الشعب»، وليس دور قوة تسعى إلى الوصول إلى الحكم في أقرب وقت ممكن. وإضافة إلى ذلك، نجح في إحباط عدة محاولات لحكومات قائمة كانت تهدف إلى استكمال إعادة الهيكلة النيوليبرالية للمجتمع البلجيكي، وهي عملية اكتملت منذ زمن طويل في البلدان المجاورة. وعلى الرغم من جميع نقاط ضعفه، يثبت الحزب أن الصبر يؤتي ثماره. ومن المفيد تاريخياً، بطبيعة الحال، أن نعرف أن حزب العمال البلجيكي سيشعر بالاستياء الشديد من مجرد فكرة وصفه بأنه «كاوتسكي». وهذا أيضاً دليل على التحولات التي شهدها العالم خلال ما يزيد قليلاً على مئة عام. وفي المقابل، تختلف الكاوتسكية لدى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين (DSA) اختلافاً كبيراً. فمن الناحية الرسمية، لا تُعدّ هذه المنظمة حزباً سياسياً أصلاً، بل «منظمة اشتراكية»، كما يؤكد أعضاؤها مراراً. وقد أوضح جو تود، في دراسة مقارنة، أن حزب العمال البلجيكي ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين يختلفان اختلافاً جوهرياً في عدة جوانب، رغم أنهما كثيراً ما يُذكران معاً. فعلى خلاف هيكل السلطة الأكثر مركزية في حزب العمال البلجيكي، تتوزع السلطة داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين بصورة غير رسمية ومرنة بين الفروع المحلية واللجان الانتخابية. وبسبب غياب المركزية، تواجه المنظمة صعوبة أكبر في رسم حدود واضحة بين النقاشات الداخلية والتواصل الخارجي. وعلى خلاف حزب العمال البلجيكي، فإن نموذج العضوية فيها أكثر تساهلاً وأقل تدرجاً، الأمر الذي يسهّل الانضمام إليها. كما أن قيادتها أكثر مرونة وسيولة نسبياً، في حين تتمتع مجموعات العمل المختلفة بدرجة أعلى بكثير من الاستقلالية مقارنة بالفروع المحلية لحزب العمال البلجيكي. ومن المرجّح أن يكون العداء التاريخي للستالينية داخل المنظمة مسؤولاً عن هذا الغياب النسبي للمركزية. وقد حقّق كل من حزب العمال البلجيكي ومنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين نمواً ملحوظاً خلال السنوات العشر الماضية، سواء من حيث أعداد الأعضاء أو من حيث التأثير الاجتماعي. لكن السؤال الحاسم يظلّ، كما كان دائماً لدى لينين: مَن يقود مَن؟ وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء احتمال ترشّح ألكسندريا أوكاسيو كورتيز للرئاسة. فهل ستتحوّل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأمريكيين في نهاية المطاف إلى أداة انتخابية في خدمة أعضاء الكونغرس ذوي التوجهات اليسارية المعتدلة، الذين يسعون إلى بناء مسيرة سياسية داخل القيادة الوطنية للحزب الديمقراطي؟ أم ستصبح قوة قادرة على فرض الانضباط على السياسيين والسياسيات، وتستخدم الحزب الديمقراطي مجرد منصة لنشاطها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالها السياسي؟
لا تزال الإجابة عن هذا السؤال معلّقة، لكن من المفيد توضيح المخاطر التي ينطوي عليها كل من النموذجين. وكما هو الحال مع أي عمل في مجال العلوم الاجتماعية، فإن كتاب «السياسة المفرطة» ليس دليلاً للمساعدة الذاتية، ولا كتاباً للتنبؤ بمستقبلنا السياسي. فكل ما يمكن فعله هو الإشارة إلى الاتجاهات والاحتمالات؛ إذ لا يوجد قانون حتمي يحدد ما إذا كانت السياسة المفرطة ستستمر اليوم أم ستتراجع على الفور. إن إعادة إضفاء الطابع المؤسسي مهمة صعبة، ولا سيما في الظروف الاقتصادية الراهنة، حيث يتركز النمو في قمة المجتمع، ويتمتع معارضو البرنامج اليساري الداعي إلى تعزيز العدالة الاجتماعية بتمويل وفير، كما أنهم أحكموا اندماجهم في منظومة السلطة. ومع ذلك، فإن السباق نحو إعادة إضفاء الطابع المؤسسي قد بدأ بالفعل. وكان الهدف الأساسي من كتاب «السياسة المفرطة» هو توضيح الفرق بين سبل الخروج من هذا المأزق والطرق المسدودة.
أنطون ياغر(*):كاتب سياسي وأستاذ جامعي بلجيكي.
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
انتخابات التجديد النصفي: هزيمة ترامب وانتصار الاشتراكيين
-
تمرد ضد فاحشي الثراء
-
الحزب الجامع لم يعد له وجود. ماذا سيأتي بعده؟
-
مرشح الرئاسة الفرنسية جان لوك ميلانشون،أمل ألمانيا وأوربا
-
لماذا ينجذب بعض الألمان من أصول تركية إلى حزب البديل من أجل
...
-
من سيدفع الثمن إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
-
لماذا تُحدث احتجاجات الطلاب في فرنسا تأثيراً أكبر من المظاهر
...
-
بيرني ساندرز لم يعُد وحيداً
-
دور القومية العرقية المتطرفة
-
مواجهة صعود اليمين تبدأ من اليسار: نحو استقطاب سياسي جديد
-
ترامب والإمبريالية الأمريكية المتراجعة: خطر متزايد على العال
...
-
الثورة الاجتماعية في إسبانيا ضد الفاشية
-
مالذي يمكن لليسار أن يتعلمه من أسلوب زهران ممداني في التواصل
-
السياسة الواقعية الثورية في البلديات
-
الشعبويون لا يصنعون أغلبية
-
الاشتراكية الديمقراطية أم إدارة النقص
-
كيف يستمر الحكم الاستعماري حتى يومنا هذا
-
طفرة الذكاء الاصطناعي لم يطلبها أحد: من يدفع ثمن عواقبها؟
-
مؤشر مبكر على العواصف السياسية
-
لماذا تُعد أطروحة الإقطاع التكنولوجي ماركسية؟
المزيد.....
-
جنوب إفريقيا.. هزيمة تاريخية لحزب نيلسون مانديلا في الانتخاب
...
-
الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية المغربي يجدد تضامنه مع
...
-
سرقة أدوية لعلاج مرضى الأورام من مستشفى جمال عبد الناصر بالإ
...
-
India in the Mediterranean
-
The Financial and Political Crisis in Paraguay: Yet Another
...
-
بسبب -إصابات المتظاهرين-.. فريق قانوني يعتزم ملاحقة وزير داخ
...
-
محامون يلاحقون وزير الداخلية الفرنسي قضائياً بتهمة استخدام ا
...
-
Hidden in Plain Sight: The Politics Behind the Art You Alrea
...
-
The Democratic Party Has to Prove That They Intend to Delive
...
-
The U.S. Midterm Elections and the World
المزيد.....
-
نقد الخطّ الإيديولوجي و السياسي لعبد الله أوجلان و حزب العمّ
...
/ شادي الشماوي
-
الجانب المظلم ل«الإله الآلي»: خمس حقائق مقلقة عن هوس شركات ا
...
/ نشرة القانون والأخلاقيات في التكنولوجيا
-
من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير
/ رزكار عقراوي
-
التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود
...
/ رزكار عقراوي
-
الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم
...
/ شادي الشماوي
-
الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ
...
/ شادي الشماوي
-
القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري
/ رزكار عقراوي
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
المزيد.....
|