|
|
كيف يستمر الحكم الاستعماري حتى يومنا هذا
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8817 - 2026 / 9 / 3 - 13:55
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
ترجمة وإعداد: حازم كويي
لا يزال الاستعمار يؤثر حتى اليوم في النظام الاقتصادي العالمي. كيف تستمر العلاقات الاستعمارية من خلال الاستدانة.
الاستعمار ليس حقبة تاريخية منتهية، بل لا يزال مستمراً بوصفه أساساً للرأسمالية المعاصرة، هذا ما يراه روبين ياسبرت(*) في كتابه الجديد «الرأسمالية الاستعمارية الجديدة»، الصادر عن دار نشر بروماير. ووفقاً لياسبرت، فإن الاستعمار الجديد هو علاقة بين الدول الرأسمالية المتقدمة والمستعمرات السابقة في بلدان ما يسمى الجنوب العالمي. وتُضمن هذه العلاقة مؤسسياً من خلال أنظمة الديون الدولية.
خلال السنوات الماضية، أصبح الحديث عن الاستعمار أكثر شيوعاً مرة أخرى. وفي هذا السياق، يتكرر أيضاً استخدام مصطلح الاستعمار الجديد بشكل متزايد. في ألمانيا وأوروبا عموماً، أصبح الحديث عن الاستعمار خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية أكثر بكثير من ذي قبل. وهذا تطور إيجابي في البداية، ولا سيما في ظل محاولة حزب البديل من أجل ألمانيا(حزب يميني فاشي:المترجم) بشكل متزايد منع هذه النقاشات وإخراجها من المجال العام. إلا أن الطريقة التي أُدير بها هذا النقاش تنطوي على بعض المشكلات. وهذا تحديداً ما دفع ياسبرت في نهاية المطاف إلى كتابة هذا الكتاب باعتباره تدخلاً في هذا النقاش.
هناك نقطتان أساسيتان على وجه الخصوص. الأولى هي أن جزءاً من النقاش ينظر إلى الاستعمار باعتباره حقبة تاريخية بالدرجة الأولى: أي باعتباره شيئاً كان يمثل مشكلة في ذلك الوقت، لكنه لم يعد يؤدي اليوم دوراً حاسماً في العلاقات العالمية، لا بالنسبة إلى النظام الاقتصادي ولا بالنسبة إلى الطريقة التي تُنظم بها مجتمعاتنا. وهوتصور خاطئ. فمن ناحية، لا تزال هناك حتى اليوم علاقات استعمارية مباشرة. ويمكن، على سبيل المثال، الإشارة إلى الصحراء الغربية وفلسطين وأرخبيل تشاغوس، الذي لم يتحرر من الحكم الأجنبي البريطاني إلا في مايو 2025. ومن ناحية أخرى، هناك عدد كبير من أوجه الاستمرارية التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، والتي يتعين التحدث عنها بشكل عاجل. كثير من الكاتبات والكتّاب يقومون بذلك بالفعل، ولا سيما من خلال المقاربات النظرية ما بعد الاستعمارية ونظريات تفكيك الاستعمار. ويشير هؤلاء قبل كل شئ إلى وجود استمراريات قوية على مستوى أنظمة المعرفة والأيديولوجيات. فالتمييز العنصري المنهجي، الذي نشأ وترسخ مؤسسياً خلال تجارة الرقيق عبر الأطلسي والاستعمار، لا يزال يؤثر في مجتمعاتنا حتى اليوم. لكن هناك جانباً مهماً غالباً ما يتم إغفاله في هذا النقاش: إذ يجري الحديث كثيراً عن الاستمراريات الأيديولوجية، ولكن بدرجة أقل بكثير عن الاستمراريات الاقتصادية. ومع ذلك، توجد بالفعل مجموعة كبيرة من الدراسات المتخصصة الممتازة حول هذا الموضوع، ولا سيما في مجالَي التاريخ الاقتصادي والتاريخ الاستعماري. ألمُفتقد هو منظور يجمع هذه النتائج معاً ويوضح أن الاستعمار لا يزال مستمراً ليس فقط على المستوى الأيديولوجي، وإنما أيضاً على المستوى المادي والاقتصادي.
الأطروحة الأساسية لهذا الكتاب هي أن الاستعمار ليس من الماضي، بل يشكل أساس الرأسمالية الحالية. ولذلك يحاول في الكتاب، قبل كل شئ، تطوير حجة اقتصادية. لا يقول إن الأيديولوجيات أو أنظمة المعرفة غير مهمة. بل يطرح السؤال التالي: ما السياسات الاقتصادية التي ميزت الاستعمار؟ وكيف كانت أنظمة الإنتاج الاستعمارية منظمة؟ وما المنطق الاقتصادي الذي كان يقف وراءها؟ وما أوجه الاستمرارية التي يمكن تتبعها وصولاً إلى الرأسمالية العالمية المعاصرة؟ وهو مايعرض هذه الروابط بشكل منهجي في كتاب واحد. هناك مفاهيم مختلفة للاستعمار الجديد تتميز عن الاستعمار الكلاسيكي. أستند فيها إلى كوامي نكروما، أول رئيس لغانا المستقلة، والمفكر الوحدوي الأفريقي والماركسي. ونظرية الاستعمار الجديد هي نظرية في الإمبريالية. وهي لا تتعارض مع نظريات الإمبريالية ولا تحل محلها. بل يصف نكروما الاستعمار الجديد بأنه مرحلة من مراحل الإمبريالية. نيكروما نفسه لم يبتكر هذا المصطلح. فقد استخدمه، على سبيل المثال، الاشتراكي المغربي مهدي بن بركة قبل ذلك. وقد تبنى نيكروما المصطلح وطوره وجعله جزءاً أساسياً من تحليله للإمبريالية. من الناحية التاريخية، ظهر الاستعمار أولاً، أي الحكم الأجنبي الإقليمي على أجزاء واسعة مما نسميه اليوم الجنوب العالمي. وفي الوقت نفسه، واصلت الرأسمالية تطورها. واستفادت، من بين أمور أخرى، من الاستيلاء على الموارد والقيمة الفائضة من المستعمرات. وأدى ذلك إلى ظهور تلك التطورات التي وصفها لينين وآخرون لاحقاً بأنها إمبريالية: تركّز كبير للإنتاج، ونشوء الاحتكارات، وتزايد أهمية رأس المال المالي، وأخيراً تراكم مفرط لرأس المال في المراكز الإمبريالية. وينشأ عن هذا التراكم المفرط تنافس بين القوى الإمبريالية التي تدفع نحو التوسع إلى الخارج. ويحدث ذلك في البداية على المستوى الإقليمي، كما في تقسيم أفريقيا خلال ذروة الإمبريالية. وبالطبع، كان الاستعمار موجوداً قبل ذلك أيضاً، كما هو الحال في أمريكا الجنوبية والوسطى. ولا يمكن بالضرورة إدراج هذا الاستعمار بسهولة ضمن مفهوم الإمبريالية الرأسمالية.
ثم تأتي المرحلة الحاسمة، وهي مرحلة الاستقلال الشكلي. إذ تتحرر دول الجنوب العالمي من السيطرة الإقليمية المباشرة لبريطانيا وفرنسا وغيرها من القوى الاستعمارية. لكن الإمبريالية لا تختفي مع الاستقلال السياسي، وإنما تغير شكلها فقط. فتحل الآليات الاقتصادية محل السيطرة الإقليمية المباشرة. وهنا تحديداً يأتي مفهوم نكروما للاستعمار الجديد. فهو يرى أن أنظمة الإنتاج والاقتصاد خلال الحقبة الاستعمارية صُممت بطريقة تجعلها تواصل تكريس أشكال معينة من التبعية حتى بعد الاستقلال. ويمكن تقسيم هذه التبعيات إلى ثلاثة مجالات رئيسية.
أولها التبعية للتصدير. فقد وُجّهت أنظمة الإنتاج خلال الحقبة الاستعمارية بشكل شبه كامل نحو توفير أكبر قدر ممكن من المواد الخام للقوى الاستعمارية. ولم يكن الهدف إنشاء دورات اقتصادية محلية، وإنما الحفاظ على الإنتاج الصناعي في أوروبا. ولذلك جرى إزاحة الإنتاج المخصص للسوق المحلية بشكل منهجي. فعندما يكون كل الإنتاج الزراعي أو إنتاج المواد الخام تقريباً موجهاً نحو التصدير، يصبح من المحتم أن ينقص إنتاج المواد الغذائية وغيرها من السلع اللازمة لتلبية احتياجات السكان المحليين. ولذلك نشأت في الوقت نفسه تبعية ثانية، هي التبعية للاستيراد. فقد أصبحت دول عديدة في الجنوب العالمي تعتمد على استيراد المواد الغذائية وغيرها من السلع الأساسية، رغم أنها كانت في كثير من الأحيان قادرة في السابق على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
أما المستوى الثالث فيتعلق بالتبعية للأسواق المالية وأسواق رأس المال الدولية. وتتمثل الحجة الأساسية في أن هذه الأشكال الثلاثة من التبعية، أي التبعية للتصدير، والتبعية للاستيراد، والتبعية المالية، نشأت تاريخياً وتطورت عبر الزمن. وقد لعب الاستعمار دوراً حاسماً في تفسير استمرار هذه الهياكل حتى يومنا هذا. ولذلك أرى أن مصطلح الاستعمار الجديد مناسب، لأنه يوضح أن الحكم الاستعماري لم يختفِ ببساطة مع الاستقلال السياسي، بل استمر في شكل متغير. كثيراً ما يقال إنه خلال الحقبة الاستعمارية جرى أيضاً إنشاء البنية التحتية، مثل السكك الحديدية والطرق والموانئ، وأن الاستعمار ساهم بالتالي في تطوير المستعمرات. لكن هذه البنية التحتية كانت في معظمها موجهة نحو نقل المواد الخام من المستعمرات بأكبر قدر ممكن من الكفاءة. فعلى سبيل المثال، كان يجري إنشاء منجم، ثم بناء خط للسكك الحديدية أو طريق يمتد مباشرة إلى أقرب ميناء. ولم تكن هذه البنية التحتية تخدم إلا بدرجة ضئيلة التنمية الاقتصادية داخل البلدان نفسها أو التجارة بين الدول الأفريقية، بل كانت مخصصة تقريباً بشكل حصري للتصدير إلى المراكز الرأسمالية. ولذلك أمكن للمراكز الرأسمالية في ظل الاستعمار الجديد أن تواصل استخدام الهياكل التي أُنشئت خلال الحقبة الاستعمارية دون انقطاع يُذكر. وتُظهر مسألة البنية التحتية أوجه الاستمرارية هذه بوضوح شديد. فإذا نظرنا، على سبيل المثال، إلى السنوات الخمس عشرة الأولى من عمليات الإقراض التي قدمها البنك الدولي، أي تقريباً الفترة الممتدة بين عامي 1944 و1958، نجد أن جميع القروض تقريباً خُصصت للبنية التحتية الموجهة نحو التصدير.
بل إن جزءاً كبيراً من هذه القروض ذهب مباشرة إلى الإدارات الاستعمارية أو القوى الاستعمارية. وتم تمويل الطرق والموانئ وخطوط السكك الحديدية بشكل أساسي، وهي مشاريع كانت تهدف حصراً إلى تسريع إخراج المواد الخام من بلدان الجنوب العالمي. وهكذا قام البنك الدولي بتوسيع البنية الاقتصادية ذاتها التي كانت قد نشأت بالفعل خلال الحقبة الاستعمارية. وبدلاً من تعزيز الاستقلال الاقتصادي، جرى تثبيت أشكال التبعية القائمة وتعميقها.
والسؤال هو،أين يمكن ملاحظة الاستعمار الجديد اليوم؟ ينبغي أولاً التمييز بين المفاهيم. فكثيراً ما يقال: هذا مشروع استعماري جديد. لكن الاستعمار الجديد ليس مشروعاً واحداً بعينه، وإنما هو علاقة ذات طابع منظومي. فليست هناك سياسة أو إجراء محدد يمكن وصفه بأنه استعماري جديد، وإنما تتمثل المسألة في الطريقة التي أُدمجت بها دول عديدة في الجنوب العالمي ككل ضمن الرأسمالية العالمية. ومع ذلك، يمكن لمثال ملموس أن يجعل الأمر أكثر وضوحاً. لنأخذ القارة الأفريقية على سبيل المثال. يمكننا أن نطرح أولاً السؤال التالي: لمن تعود ملكية الشركات في الواقع؟ فكثير من الشركات التي كانت مهيمنة اقتصادياً بالفعل خلال الحقبة الاستعمارية حافظت على نفوذها حتى بعد الاستقلال الرسمي. واليوم أصبحت هذه الشركات في كثير من الأحيان شركات مساهمة. وهذا يعني أن حصص الملكية فيها يمكن أن تكون مملوكة لمستثمرين ماليين في مختلف أنحاء العالم. وبالتالي، عندما نبحث في هوية مالكي هذه الحصص، فإننا نعرف أيضاً من يستفيد في نهاية المطاف من الإنتاج الذي يجري هناك.
ياسبرت درس هذا الأمر في ثماني دول أفريقية تتوفر عنها بيانات جيدة: زامبيا، وغانا، وجنوب أفريقيا، ومصر، ونيجيريا، وبوتسوانا، وكينيا، والمغرب. وفي المتوسط، توجد 54 في المئة من أسهم أكبر الشركات المدرجة في البورصة في كل من هذه الدول في أيدي مالكين من الخارج. وهذا يعني أن أكثر من نصف القيمة الاقتصادية التي يتم خلقها هناك تذهب في نهاية المطاف إلى مالكين خارج هذه البلدان. في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمكنت دول الجنوب العالمي من تمرير قرار بهذا الشأن. ومن منظور اليوم، غالباً ما يُنسى مدى شمولية هذا البرنامج. فقد كان الأمر يتعلق بإصلاح أساسي للاقتصاد العالمي. وجرى بحث قواعد جديدة للنظام النقدي الدولي، وإعادة صياغة نظام الديون بصورة أكثر عدلاً، إضافة إلى إنشاء احتياطيات دولية من المواد الخام والمواد الغذائية. ويبدو الكثير من هذه المقترحات اليوم راهناً بشكل لافت. فعندما ننظر، على سبيل المثال، إلى النقاشات الحالية حول الأمن الغذائي أو إمدادات الطاقة، ندرك أن العديد من هذه المشكلات جرى وصفها بدقة كبيرة منذ ذلك الوقت. لكن الجمعية العامة للأمم المتحدة لم تكن تملك إمكانية فرض هذه القرارات بصورة ملزمة. ومنذ ثمانينيات القرن العشرين، بدأت مرحلة غالباً ما توصف بأنها الثورة المضادة النيوليبرالية. ففي الوقت الذي كانت فيه الحركات المناهضة للاستعمار تحاول تغيير الاقتصاد العالمي بصورة جذرية، بدأت الدول الصناعية الرأسمالية الكبرى تتجمع بشكل متزايد في إطار مجموعة السبع. ويمكن القول بالفعل إن مجموعة السبع نشأت أيضاً بوصفها مشروعاً مضاداً لمجموعة الـ77. وكان الهدف هو منح المؤسسات المالية الدولية، ولا سيما صندوق النقد الدولي، الدور الذي لا تزال تؤديه حتى اليوم. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الأجندة النيوليبرالية هي التي تشكل النظام الاقتصادي الدولي. وهذا التطور تحديداً يشكل الخلفية التاريخية لما أصفه اليوم بالاستعمار الجديد. توضح هذه القصة أن الاستعمار الجديد ليس مجرد مفهوم نظري. فقد نشأ المصطلح من تجارب الحركات المناهضة للاستعمار، التي أدركت: لقد أصبحنا مستقلين سياسياً، لكننا لسنا بأي حال من الأحوال مستقلين اقتصادياً. وهذا يفتح أيضاً المجال للحديث عن العلاقات الطبقية داخل المستعمرات السابقة. فالاستعمار الجديد لا يمكنه في نهاية المطاف أن يعمل من دون نخب محلية، أو بعبارة أخرى، من دون أولئك الذين يقومون داخل البلدان المعنية بدور الوسطاء لهذا النظام.
كتب والتر رودني في سبعينيات القرن الماضي أن نكروما ظل ينكر وجود طبقات في أفريقيا إلى أن أطاحت به البرجوازية الصغيرة نفسها في نهاية المطاف. وفي كتاباته اللاحقة، حاول نكروما تحديد هذه العلاقات الطبقية من الناحية النظرية بصورة أكثر وضوحاً. كيف يرتبط الاستعمار الجديد بالعلاقات الطبقية داخل بلدان الجنوب العالمي؟ في عام 1966، أُطيح بنكروما في انقلاب عسكري، بعد فترة قصيرة من صدور كتاب «الاستعمار الجديد». وهناك من يَتهم نكروما بأنه قللَ في البداية من شأن الصراعات الطبقية داخل غانا خلال فترة حكمه. لكن عند قراءة كتاباته اللاحقة، يتضح أنه طور تحليله في هذا الجانب بشكل كبير. فقد نشر لاحقاً، من بين أعمال أخرى، كتاب «الصراع الطبقي في أفريقيا»، حيث تناول العلاقات الطبقية بصورة أكثر تفصيلاً بكثير. وفي أعماله اللاحقة، استند نكروما إلى العديد من تجاربه خلال فترة حكمه. ويوضح فيها بصورة أكثر جلاءاً الدور الذي تؤديه العلاقات الطبقية في استقرار الاستعمار الجديد أو إمكانية تغييره.
ولذلك يعتقد ياسبرت، أن الاستعمار الجديد يمكن أن يعمل من دون طبقة رأسمالية محلية. فهذه البرجوازية المحلية تقوم بدور الوسيط بين رأس المال الدولي والاقتصاد المحلي، وبذلك تسهم في الحفاظ على علاقات التبعية القائمة. وهنا يكمن أحد أكثر سوء الفهم شيوعاً لمفهوم الاستعمار الجديد. فكثيراً ما يُسمع الاعتراض التالي: «ولكن ماذا عن النخب المحلية؟ ألا تلعب هي أيضاً دوراً؟». بالطبع تلعب دوراً. بل إنها لا غنى عنها لعمل النظام. وينشأ هذا الالتباس لأن مصطلح «الاستعمار الجديد» يُستخدم في كثير من الأحيان بصورة غير دقيقة. أحياناً ينشأ انطباع وكأن العلاقات الطبقية قد عولمت ببساطة. فيقال إن الاستغلال يحدث بين الشمال والجنوب. لكن هذا ليس ما يعنيه مفهوم الاستعمار الجديد. فهو يصف بالأحرى بنية السوق الرأسمالية العالمية. وداخل هذه البنية، لا تزال العلاقات الطبقية قائمة. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح أيضاً في المؤسسات الحالية. لنأخذ صندوق النقد الدولي على سبيل المثال. فلا يستطيع صندوق النقد الدولي أن يتصرف بالطريقة التي يتصرف بها إلا لأن سياساته تتوافق في كثير من الحالات مع مصالح الطبقات الحاكمة في البلدان المعنية. يمكن توضيح ذلك جيداً من خلال مثال غانا. فقد كانت الحكومة الأخيرة ذات التوجه الليبرالي في عهد الرئيس نانا أكوفو أدو تقول مراراً في العلن: «صندوق النقد الدولي خصمنا. نريد رفض برامجه». لكن العديد من المسؤولين في الحكومة كانوا يقولون خلف الأبواب المغلقة: «في الواقع، ينتهج صندوق النقد الدولي بالضبط السياسات التي نريد نحن أن ننتهجها أصلاً. والميزة الوحيدة هي أننا لسنا مضطرين إلى تحمل المسؤولية السياسية عنها بأنفسنا». وبذلك تستطيع الحكومة تبرير الإجراءات غير الشعبية باعتبارها استجابة لمتطلبات دولية، رغم أنها في كثير من الأحيان توافق عليها من حيث المضمون. وبالتالي، فإن السيادة السياسية للمستعمرات السابقة مقيدة على عدة مستويات. فمن ناحية، يتعين على الدول تنظيم اقتصاداتها بطريقة تجعلها تظل جذابة لرأس المال الدولي. ومن ناحية أخرى، عندما تواجه الدول صعوبات في سداد ديونها، تصبح مُعتمِدة على صندوق النقد الدولي. ومن خلال برامج التكيف الهيكلي، يتدخل الصندوق في نهاية المطاف بشكل مباشر في السياسة الاقتصادية. ويضاف إلى ذلك أن النخب المحلية التي تحدثنا عنها للتو ليست في السلطة بمحض الصدفة. فالمؤسسات الدولية والدول الغربية تمتلك أيضاً وسائل لدعم قوى سياسية معينة. وفي الوقت نفسه، تظهر بين الحين والآخر حكومات تحاول بالفعل التخلص من هذه التبعيات. لكن يبدو أن ذلك بالغ الصعوبة بالنسبة إليها.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إلى أي مدى لا تزال هذه الدول قادرة على تحديد مسار تنميتها الاقتصادية بشكل سيادي؟ وعند هذه النقطة، يتعين النظرفي الكيفية التي نشأ بها نظام الديون الدولي تاريخياً. فقد حصلت العديد من دول الجنوب العالمي بعد استقلالها على قروض بهدف دفع تنميتها الاقتصادية قدماً. وكانت حكومات اشتراكية عديدة، على وجه الخصوص، تريد الاستثمار في التعليم والصحة والصناعة والبنية التحتية. لكنها كانت تفتقر في كثير من الأحيان إلى رأس المال اللازم لذلك. ومن هذه الناحية، لم تكن القروض أمراً غير مألوف في البداية. غير أنه ينبغي ألا ننسى أن العديد من هذه الدول حصلت على استقلالها وهي مثقلة بالفعل بديون كبيرة. ذلك أن جزءاً كبيراً من هذه الديون لم يكن أصلاً من ديون الحكومات الجديدة، وإنما من ديون الإدارات الاستعمارية. ومن أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام على ذلك الهند. ففي الحقبة الاستعمارية، كانت شركة الهند الشرقية البريطانية قد حصلت في البداية على قروض ضخمة. وكانت هذه الشركة في الأصل شركة خاصة، لكنها كانت تسيطر، بتكليف من الدولة البريطانية، على أجزاء واسعة من الهند، وتستخلص منها الثروات بشكل منهجي. وعندما تولى التاج البريطاني لاحقاً السيطرة المباشرة، نُقلت ديون هذه الشركة الخاصة إلى الإدارة الاستعمارية. وبعد الاستقلال، حدث أمر لافت: فقد نُقلت ديون الإدارة الاستعمارية بدورها إلى الدولة الهندية التي تأسست حديثاً. وبعبارة أخرى، بدأت دولة مستقلة وجودها وهي مثقلة بديون كانت قد حصلت عليها في الأصل شركة خاصة استعمارية. ويمكن ملاحظة تطورات مماثلة في بلدان أخرى أيضاً.
ولهذا السبب طالبت العديد من الحركات المناهضة للاستعمار، عند تحقيق الاستقلال، بإلغاء هذه الديون بالكامل. وكان ذلك منطقياً تماماً من وجهة نظرها. فقد قالت: لماذا ينبغي لنا أن نتحمل مسؤولية قروض حصل عليها المستعمرون لتمويل الحكم الاستعماري؟ ومع ذلك، تمكنت المؤسسات المالية الدولية والنخب الاقتصادية في كل من الشمال العالمي والجنوب العالمي، في كثير من الحالات، من نقل هذه الديون إلى الدول التي تأسست حديثاً. وهناك مشكلة هيكلية أخرى تتمثل في أن الديون السيادية اليوم لا تُقترض في الغالب بالعملة المحلية للدولة المعنية، وإنما بالدولار الأمريكي. ويعود ذلك إلى أن الجهات الفاعلة في الأسواق المالية الدولية لا تكاد تكون مستعدة للاحتفاظ بمطالبات طويلة الأجل بعملات الجنوب العالمي. فهي تعتبر هذه العملات غير آمنة. ولذلك يقوم نظام الديون السيادية الدولية إلى حد كبير على الدولار. وهذا يعني بالنسبة إلى الدول المعنية أنها تحتاج بشكل دائم إلى الوصول إلى الدولار الأمريكي. وإلا فلن تتمكن من سداد ديونها الخارجية. وهنا يطرح السؤال نفسه مباشرة: كيف تحصل الدول أصلاً على هذه الدولارات؟ توجد في الأساس ثلاث طرق. الأولى هي تصدير المواد الخام. فعائدات التصدير تضمن تدفق العملات الأجنبية. والثانية هي الاستثمارات الأجنبية المباشرة. لكن لكي يتحقق ذلك، يجب أن تظل الاقتصادات المعنية جذابة لرأس المال الدولي. وهذا يتطلب أيضاً تبني أطر معينة للسياسة الاقتصادية. أما الإمكانية الثالثة فهي تحويلات المهاجرين إلى بلدانهم. فكثير من الأسر في الجنوب العالمي تعتمد اليوم على الأموال التي يرسلها أفراد أسرهم من أوروبا أو أمريكا الشمالية أو دول الخليج. وتمثل هذه التحويلات أيضاً مصدراً مهماً للعملات الأجنبية بالنسبة إلى العديد من الدول. وإذا لم يكن كل ذلك كافياً، ولم تعد الدولة قادرة على سداد ديونها، يتدخل صندوق النقد الدولي. ويقدم الصندوق في هذه الحالة قروضاً طارئة. وقد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه مساعدة. لكن هذه القروض تكون في الواقع مرتبطة دائماً تقريباً بشروط تتعلق بالسياسة الاقتصادية. وهنا تحديداً تبدأ ما يسمى ببرامج التكيف الهيكلي. فهي تتطلب عادةً الخصخصة والتحرير وفتح الاقتصاد على نطاق واسع أمام رأس المال الدولي. كما يُطلب في كثير من الأحيان خفض الإنفاق العام وبيع الشركات الحكومية. ونتيجة لذلك، تفقد العديد من الحكومات جزءاً كبيراً من قدرتها على اتخاذ القرارات في مجال السياسة الاقتصادية. وبما أن حقوق التصويت في صندوق النقد الدولي موزعة وفقاً لحجم المساهمات الرأسمالية، فإن الدول الصناعية ذات رأس المال القوي لا تزال تهيمن حتى اليوم على قرارات هذه المؤسسة. ومن هذا المنظور، فإن صندوق النقد الدولي ليس بأي حال من الأحوال منظمة دولية محايدة، بل هو تعبير عن علاقات القوة العالمية القائمة. وهذا يعني أن التبعية الاقتصادية يجري تأمينها مؤسسياً. ونتيجة لذلك، تجد دول الجنوب العالمي نفسها مراراً في أوضاع تضطر فيها إلى اتخاذ قرارات في مجال السياسة الاقتصادية ربما لم تكن لتتخذها في ظروف أخرى.
ولهذا يضيف ياسبرت: عندما نتحدث اليوم عن الاستعمار الجديد، لا يجوز لنا أن ننظر فقط إلى مشاريع استثمارية أو شركات منفردة. بل يجب أن نأخذ المؤسسات الدولية في الحسبان أيضاً. فهي تضع الإطار البنيوي الذي تتكرر داخله علاقات التبعية الاقتصادية وتعيد إنتاج نفسها باستمرار. هنا يطرح السؤال نفسه حول هامش المناورة المتبقي أصلاً. فعندما تصل حكومة يسارية إلى السلطة وتحاول التحرر من هذه التبعيات، يبدو أنها تصطدم بسرعة كبيرة بحدود هيكلية. أين تكمن هذه الحدود تحديداً؟ وهنا ينبغي التأكيد على أن هذه الحدود يمكن ملاحظتها بوضوح شديد من الناحية التجريبية. ففي كل مرة تتولى فيها حكومة في إحدى دول الجنوب العالمي السلطة وتتبع نهجاً تصادمياً جاداً تجاه النظام الاقتصادي الدولي القائم، يحدث الشيء نفسه تقريباً:
ترتفع تكاليف تمويل هذه الدولة. وترتفع أسعار الفائدة على سندات الدولة. ويمكن تتبع ذلك بدقة شديدة في كثير من الحالات. فبالنسبة إلى الأسواق المالية، تمثل الحكومة التي تشكك في علاقات الملكية أو علاقات القوة القائمة خطراً أكبر. ويجري تسعير هذا الخطر مباشرة في الأسواق. والنتيجة هي ارتفاع تكلفة خدمة الديون. ولهذا عواقب عملية جداً. فكل دولار إضافي يُنفق على مدفوعات الفائدة يعني نقصاً في مكان آخر. فهو ينقص من تمويل الرعاية الصحية العامة، وينقص من التعليم، وينقص من البنية التحتية، وينقص من التصنيع. وباختصار، كلما ارتفعت تكاليف خدمة الدين، تقلص هامش المناورة المتاح للحكومة في مجال السياسة الاقتصادية. وهذا تحديداً ما يجعل بناء استراتيجيات تنموية بديلة أمراً بالغ الصعوبة. ويضاف إلى ذلك الدور التاريخي للمؤسسات المالية الدولية. فقد تعاون كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على مدى عقود مع أنظمة استبدادية. وهناك الآن أبحاث واسعة حول هذا الموضوع.
ياسبرت يوصي في هذا السياق بشدة الى كتاب «البنك الدولي: تاريخ نقدي» لإريك توسان. حيث يعرض الكتاب بالتفصيل مدى قرب تعاون البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في كثير من الحالات مع الأنظمة الديكتاتورية، شريطة أن تتبع هذه الأنظمة النهج الاقتصادي المطلوب. وهذا يوضح مرة أخرى أن هذه المؤسسات لا تتصرف بحياد. فهي تدعم أشكالاً معينة من السياسات، وتعرقل أشكالاً أخرى. إن هامش المناورة المتاح للحكومات التقدمية موجود بالفعل، لكنه أصغر بكثير مما يُفترض في كثير من الأحيان. وهذا لا يعني أن التغيير مستحيل. فهناك بالفعل حكومات تمكنت من انتزاع قدر من هامش المناورة. لكن ينبغي ألا نخدع أنفسنا. فعلاقات القوة الدولية القائمة مستقرة بصورة استثنائية. ومن يريد تغييرها عليه أن يتوقع مقاومة كبيرة.
لقد ظهر أقوى تحدٍ لهذا النظام على الأرجح في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. ففي أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص، ولكن أيضاً في أجزاء من أفريقيا، وصلت في ذلك الوقت العديد من الحكومات اليسارية إلى السلطة. واتبعت كثير منها استراتيجيات في السياسة الاقتصادية تُجمع اليوم تحت مفهوم إحلال الواردات. وكان الهدف هو توسيع الإنتاج المحلي بحيث تصبح هناك حاجة أقل إلى استيراد السلع. وفي الوقت نفسه، كان الهدف جعل الاقتصادات أكثر استقلالاً عن صادرات المواد الخام والأسواق المالية الدولية. وكان من المكونات المهمة الأخرى لهذه السياسات فرض ضوابط على حركة رأس المال. وكان ينبغي تنظيم حركة رؤوس الأموال الدولية من أجل توسيع هامش المناورة المتاح للدول في مجال السياسة الاقتصادية. كان نموذج التنمية هذا ناجحاً إلى حد كبير. ولم يكن بأي حال من الأحوال محاولة لتجاوز الرأسمالية، بل يمكن وصفه بالأحرى بأنه برنامج تنموي يساري ذي توجه اشتراكي ديمقراطي. لكنها كانت محاولة جادة لبناء قدر من الاستقلال الاقتصادي. غير أن هذا التطور دُمّر إلى حد كبير في ثمانينيات القرن العشرين. وكان السبب المباشر هو أزمة الديون الكبرى في أمريكا اللاتينية. وقد نشأت هذه الأزمة، من بين أمور أخرى، نتيجة سياسة أسعار الفائدة التي اتبعها البنك المركزي الأمريكي. وفجأة، أصبحت دول عديدة غير قادرة على سداد ديونها الخارجية، وفي هذه اللحظة تحديداً اكتسب صندوق النقد الدولي نفوذاً هائلاً. وتدخل صندوق النقد الدولي بصفته جهة مقرضة، ولكن بشرط تنفيذ برامج واسعة للتكيف الهيكلي. وبذلك جرى خلال بضع سنوات التراجع عن العديد من الإجراءات الاقتصادية التي كانت قد أُنشئت في السابق. وحلت الخصخصة والتحرير وفتح الأسواق محل استراتيجيات التنمية السابقة. وكانت تلك إحدى اللحظات الحاسمة التي ترسخ فيها النظام الاقتصادي العالمي النيوليبرالي. وهذا يعني أنه في اللحظة نفسها التي بدأت فيها البدائل في الظهور، نشأت أيضاً آلية مؤسسية قادرة على دفع هذه البدائل إلى الوراء من جديد.
أهم أشكال المقاومة للإستعمار الجديد تشهد حالياً تصعيداً هائلاً في التناقضات المادية في العديد من دول الجنوب العالمي. فمنذ الأزمة المالية في عامي 2007 و2008، ارتفعت ديون حكومات العديد من دول الجنوب العالمي بشكل هائل. وفي الوقت نفسه، تضاعفت أيضاً قروض صندوق النقد الدولي مرات عديدة. وعادةً ما يترافق كل قرض إضافي من صندوق النقد الدولي مع زيادة في النفوذ على السياسة الاقتصادية. ولذلك يستطيع صندوق النقد الدولي اليوم في العديد من البلدان التدخل في القرارات السياسية بدرجة أكبر بكثير مما كان عليه الحال قبل عشرين أو ثلاثين عاماً. ويجري تقليص الخدمات العامة الأساسية. وتُخفض الخدمات التي تقدمها الدولة. وفي الوقت نفسه، تستمر عملية تحرير الأسواق وفتحها أمام رأس المال الدولي. وهذا التطور يؤدي بالضرورة إلى مقاومة اجتماعية. ولهذا شهدنا خلال السنوات الماضية أيضاً العديد من الحركات الاحتجاجية الكبرى. ويمكن التفكير، على سبيل المثال، في بنغلاديش وكينيا والأرجنتين. ورغم أن الأسباب المباشرة تختلف من بلد إلى آخر، فإن هذه الاحتجاجات غالباً ما تستهدف البرامج الاقتصادية نفسها المرتبطة بالمؤسسات المالية الدولية. ولذلك نشهد حالياً مرحلة جديدة من تصاعد الصراعات الاجتماعية. وهناك إلى جانب ذلك تطورات على مستوى الدول. أن التحولات في منطقة الساحل مثيرة للاهتمام بشكل خاص. فمنذ عام 2022، تولت حكومات عسكرية السلطة في بوركينا فاسو ومالي والنيجر، وهي تعلن صراحة رغبتها في قطع الصلة بالهياكل الاستعمارية الجديدة القائمة. وهي تشكك بشكل خاص في النفوذ الفرنسي في المنطقة. وقد جرى إلى حد كبير إبعاد فرنسا عسكرياً عن هذه البلدان. وفي الوقت نفسه، يستند العديد من ممثلي هذه الحكومات صراحة إلى التقاليد المناهضة للاستعمار. فعلى سبيل المثال، يشير رئيس بوركينا فاسو إبراهيم تراوري مراراً إلى توماس سانكارا. وكان سانكارا يرى أن النضال ضد نظام الديون الدولي هو نضال مشترك للقارة الأفريقية. ودعا إلى تشكيل جبهة موحدة ضد المديونية، وقد اغتيل عام 1987. ولا يزال إرثه السياسي يؤدي دوراً مهماً بالنسبة إلى العديد من الحركات الحالية. في الوقت نفسه، أسست بوركينا فاسو ومالي والنيجر تحالف دول الساحل. ويتمثل أحد أهم مشاريعه في التخلص من الفرنك الأفريقي CFA. ولم نتحدث بعد عن هذا النظام النقدي، رغم أنه يمثل مثالاً بالغ الدلالة على استمرارية البنى الاستعمارية. نشأ فرنك CFA خلال الحكم الاستعماري الفرنسي، ولا يزال يربط حتى اليوم عدداً من دول غرب أفريقيا بفرنسا، وبالتالي بأوروبا، ارتباطاً وثيقاً. ولذلك تظل السياسة النقدية لهذه الدول معتمدة بدرجة كبيرة على قرارات خارجية. وعندما تعلن هذه الدول أنها تريد مستقبلاً إدارة سياستها النقدية بنفسها، فإن الأمر يتجاوز بكثير مجرد إصلاح تقني. إنه يتعلق بالسيادة الاقتصادية. وقد ردت الدول الغربية على ذلك بحدة شديدة. فمباشرة بعد الانقلابات، بدأ النقاش حول فرض العقوبات. وداخل الاتحاد الأوروبي، كانت ألمانيا على وجه الخصوص تدفع باتجاه اتخاذ إجراءات صارمة. وفي الوقت نفسه، أعلنت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إيكواس، وهي وريثة الإدارة الاستعمارية الفرنسية، في مرحلة ما حتى عن استعدادها للتدخل عسكرياً. وبالتالي، فإن مجرد الإعلان عن الرغبة في التخلي عن فرنك CFA اعتُبر بالفعل تهديداً كبيراً. فعندما تعلن دول أنها تريد ببساطة أن تدير سياستها النقدية بنفسها، يُتعامل مع ذلك فوراً باعتباره مشكلة أمنية وسياسية. من ناحية أخرى، نحن أمام مشاريع تشكك بالفعل في الهياكل الاستعمارية الجديدة القائمة. لكن هذا لا يعني تلقائياً أن جميع التطورات السياسية داخل هذه الدول إيجابية. فهناك أيضاً صراعات سياسية كبيرة داخل هذه البلدان. وهناك مواجهات مسلحة. وهناك صراعات على السلطة. وبالطبع، يجب النظر إلى هذه الحكومات أيضاً نظرة نقدية. وغالباً ما تنزع الحكومات الغربية عن هذه التطورات أي شرعية سياسية. وبدلاً من ذلك، يجري تصويرها في معظم الأحيان على أنها نتيجة للنفوذ الروسي أو مجرد تضليل إعلامي.
وبالطبع، تلعب الجغرافيا السياسية دوراً في ذلك. لكن ياسبرت يرى أن الاستنتاج القائل إن السكان بحاجة إلى الدعاية الروسية لكي يطوروا موقفاً معارضاً للقوة الاستعمارية السابقة، فرنسا، هو استنتاج مشكوك فيه للغاية. إذ يمكن تفسير العديد من هذه الصراعات انطلاقاً من تاريخ المنطقة نفسها. ولا حاجة إلى تدخل خارجي لتفسيرها. وهذا يعني أنها ليست حركات تحرر خالصة، وليست في الوقت نفسه مجرد صراعات بالوكالة بين القوى العظمى. ولهذا تحديداً يستحق الأمر أن ننظر إليه بصورة أكثر دقة. فبهذه الطريقة فقط يمكننا أن نفهم أي القوى تحاول فعلاً تجاوز علاقات التبعية القائمة، وأين تنشأ في الوقت نفسه تناقضات جديدة.
الصين تقدم اليوم قروضاً كبيرة لدول الجنوب العالمي. وفي الوقت نفسه، غالباً ما تزعم الأطراف الغربية أن الصين تنتهج ما يسمى «سياسة فخ الديون». وهناك تقديرات مختلفة جداً داخل اليسار السياسي بشأن هذا الموضوع. فكيف يقيّم دور الصين في سياق الاستعمار الجديد؟ يرى ياسبرت من أنه ينبغي في البداية النظر الى هذه المسألة بتمايز. أن ادعاء الحكومات الغربية بأن الصين تدفع الدول الأفريقية بشكل منهجي إلى الوقوع في فخاخ الديون يفتقر إلى المصداقية. فبعد عقود من اتباع الدول الأوروبية والمؤسسات الأمريكية الشمالية نفسها لهذه السياسة تحديداً، يبدو هذا الاتهام على الأقل لافتاً للنظر. وهو ليس نقطة انطلاق مناسبة لنقاش جاد. والسؤال الأهم هو بالأحرى: كيف يُنظر إلى الصين نفسها في دول الجنوب العالمي؟ ففي نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بالتقييم الذي تقدمه الحكومات الأوروبية، وإنما بكيفية تقييم الدول التي تتعاون معها الصين فعلياً لهذا الوضع. حسب تجربة ياسبرت، ولا سيما في غرب أفريقيا، يُنظر إلى الصين هناك غالباً باعتبارها بديلاً حقيقياً لهيمنة المؤسسات الغربية. وهناك أسباب ملموسة لذلك. تمنح الصين القروض عادةً بشروط سياسية أقل بكثير من تلك التي يفرضها صندوق النقد الدولي، على سبيل المثال. فهناك شروط أقل بكثير مرتبطة بهذه القروض. كما أن الصين تأخذ، على الأقل بصورة أكثر تكراراً، في الاعتبار الأولويات الاقتصادية للحكومات المعنية. في المقابل، غالباً ما تتبع مؤسسات التنمية الغربية برامجها الخاصة وتفرضها إلى حد كبير بشكل مستقل عن التصورات السياسية المحلية. ومن هذا المنطلق، توسع الصين بالنسبة إلى العديد من الحكومات هامش المناورة السياسي. لكن هذا لا يعني تلقائياً أن الصين تنتهج سياسة تحرر دولية. ولذلك لا أعتقد أن السياسة الخارجية الصينية تقوم في المقام الأول على التضامن الأممي. فالصين أيضاً تتصرف وفقاً لمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية الخاصة. والفرق يكمن بالأحرى في الشكل المحدد الذي تتخذه هذه السياسة القائمة على المصالح. ولا ينبغي لنا أن ننسى أيضاً أن هناك صراعات اجتماعية داخل الصين نفسها. وبالطبع توجد هناك صراعات سياسية وصراعات طبقية، حتى وإن كانت أقل وضوحاً من الخارج في كثير من الأحيان. وإذا تغيرت موازين القوى الداخلية في الصين، فقد يتغير أيضاً الدور الدولي للبلاد. لكن لا يمكن التنبؤ بذلك اليوم. إن مجرد وجود جهات أخرى مانحة للقروض إلى جانب المؤسسات المالية الغربية يؤدي في الوقت الراهن إلى تغيير ميزان القوى ولو بدرجة محدودة. وهو أمر إيجابي في المقام الأول. وفي الوقت نفسه، يظل كل ذلك ضمن إطار نظام رأسمالي عالمي. ولذلك فإن هذا التطور لا يغني عن النقد الجذري للرأسمالية.
أن الحركات الاحتجاجية العديدة في الجنوب العالمي. وكثير من هذه الاحتجاجات يُنظر إليها هنا في المقام الأول باعتبارها احتجاجات شبابية أو حركات اجتماعية عفوية. لكن ما يغيب غالباً هو المنظور السياسي المنظم، ولا سيما المنظور الاشتراكي. وكان الوضع مختلفاً في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين. ففي ذلك الوقت كانت هناك حركات اشتراكية قوية ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالنضالات المناهضة للاستعمار. ولم تكن مطالب مثل دعوة توماس سانكارا إلى تشكيل جبهة مشتركة ضد نظام الديون الدولي أو فكرة فيدل كاسترو بشأن خفض الديون بشكل جماعي قد ظهرت بمعزل عن غيرها. بل كانت جزءاً من مشروع سياسي أشمل. أما اليوم، فيبدو أن هذا الترابط قد فُقد. وهذا تحديداً ما ينبغي لنا أن نعيد التفكير فيه بشكل أكبر. لكن السؤال الحاسم ليست أشكال التنظيم التي يمكننا أن نوصي بها للناس في الجنوب العالمي. فهذا سيكون من وجهة نظر ياسبرت نوعاً من الغرور التام. "فمن المؤكد أنني لن أشرح لرفاقي ورفيقاتي في غانا كيف ينبغي لهم أن ينظموا أنفسهم. فهم يعرفون ظروفهم السياسية أفضل مني بكثير. وهم يعرفون بأنفسهم أي الاستراتيجيات مناسبة في مواقعهم".
أما السؤال الأهم فهو موجه إلينا نحن: ماذا يعني هذا التحليل بالنسبة إلى الحركات اليسارية في أوروبا؟ أعتقد أن علينا أولاً أن نفهم كيف تعمل الرأسمالية العالمية فعلياً. فجزء كبير من الأرباح العالمية يتولد من استغلال العاملين في الجنوب العالمي. ولذلك، عندما نحلل الرأسمالية، يجب ألا ننظر أبداً إلى ألمانيا أو أوروبا وحدهما. فنحن أمام نظام عالمي. وهذا النظام يضرب العاملين في الجنوب العالمي بصورة أشد قسوة. وينطبق ذلك أيضاً من منظور النوع الاجتماعي. فالنساء يتأثرن بالعديد من علاقات الاستغلال هذه بدرجة أكبر بشكل خاص. ولا يستخلص من ذلك سياسة قائمة على الشعور بالذنب. ياسبرت يرى أن الشعور بالذنب هو أسوأ نقطة انطلاق يمكن تصورها للعمل السياسي. بل يتعلق الأمر بالأحرى برؤية هذه النضالات، والتعامل معها بجدية، واتخاذ موقف تضامني معها. وتتمثل الخطوة الأولى في فهم، أن هذه النضالات تجري بالفعل، ثم علينا أن نبني العلاقات. يجب أن نتحدث مع الحركات السياسية في الجنوب العالمي. ويجب أن نصغي إليها، وأن نطور روابط دولية. ومن مثل هذه العلاقات وحدها يمكن أن تنشأ أممية جديدة. فالأممية لا تبدأ بإطلاق البيانات الكبيرة. بل تبدأ غالباً بشكل عملي جداً. نسأل عن الوضع القائم في المكان المعني. وندعم بعضنا بعضاً. ومن أشكال التعاون الصغيرة العديدة يمكن أن تنشأ على المدى الطويل علاقات سياسية مستقرة. وفي الوقت نفسه، يجب ألا ننسى أمراً واحداً. فالأممية من دون حركة يسارية قوية في المراكز الرأسمالية تظل في نهاية المطاف عديمة التأثير. وإذا لم نتمكن هنا من بناء قوة اجتماعية، فلن نتمكن أيضاً من تحويل التضامن الدولي إلى ممارسة فعلية. ولا سيما عندما تعود الدول الغربية إلى التدخل، سواء من خلال العقوبات أو الضغوط الاقتصادية أو دعم الانقلابات، فإننا نحتاج هنا إلى قوى سياسية قادرة على التصدي لذلك. ولهذا فإن المستويين مترابطان بشكل لا ينفصم. فمن ناحية، نحتاج إلى بناء حركة اشتراكية قوية في المراكز الرأسمالية، ونحتاج في الوقت نفسه إلى أممية تأخذ الطابع العالمي للرأسمالية على محمل الجد وتنظم نفسها وفقاً لذلك. وفقط عندما يجتمع الأمران معاً، يمكننا بالفعل أن نواجه علاقات القوة القائمة.
روبين ياسبرت(*) عالم اقتصاد سياسي، يعد أطروحة الدكتوراه في جامعة غوته في فرانكفورت. ويجري أبحاثاً حول المالية العامة، والعلاقات بين الجنوب والشمال، والسياسة المالية والنقدية.
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
طفرة الذكاء الاصطناعي لم يطلبها أحد: من يدفع ثمن عواقبها؟
-
مؤشر مبكر على العواصف السياسية
-
لماذا تُعد أطروحة الإقطاع التكنولوجي ماركسية؟
-
أكثر من مجرد مقرّ حزبي – لماذا ينبغي لنا أن نفكر إلى ما هو أ
...
-
ترامب يستخدم البيروقراطية لمصلحة الأثرياء، وممداني يسعى لتخف
...
-
خمسة أوهام تُبقينا أسرى الرأسمالية
-
استعمار التكنوقراط
-
من هم -حزب الصراصير- الشعبي في الهند، ولماذا يُنظم الاحتجاجا
...
-
كيف نظهر الرقي في طريقة تواصلنا؟
-
من يتقدم؟الولايات المتحدة أم الصين
-
سردية العِرق والطبقة في حوارات طرق الأبواب
-
بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال.الجزء الثاني
-
بناء حزب اليسار، تنظيم الأمل والنضال
-
حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) – هل يستحق الحظر؟
-
التحول الداخلي في ألمانيا: صعود أيديولوجيا التسلح والحرب
-
نحو رؤية يسارية للذكاء الاصطناعي
-
تأريخ المنصة الألكترونية وتطور أشكال عملها
-
تاريخ موجز للجبهة الشعبية – دروس من الحكومة اليسارية الفرنسي
...
-
اليسار يفتقد إلى منظور عالمي بديل
-
الاحتجاجات تتصاعد ضد التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطن
...
المزيد.....
-
ذكرى تأسيس الأممية: إخفاقات الستالينية تؤكد صحة نقد تروتسكي
...
-
جهاز الأمن الفيدرالي الروسي يكشف تفاصيل حول إعدام مواطنين سو
...
-
أزمة المياه تتفاقم في تونس وسط نقص الإمدادات والاحتجاجات الش
...
-
آلاف المتظاهرين في سبتة يحتجون على تعامل الحكومة الإسبانية م
...
-
جريدة الغد الاشتراكي العدد 53
-
العدد المزدوج 664665 من جريدة النهج الديمقراطي
-
العدد 666 من جريدة النهج الديمقراطي
-
Who Has the Right to Tell Our Story: The Fight Over Cultural
...
-
Brazil, the Bells Toll for You!
-
Empire Without Flags, Part III: Power, Regulation, and Extra
...
المزيد.....
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
المزيد.....
|