أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حازم كويي - لماذا ينجذب بعض الألمان من أصول تركية إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، وماذا يكشف ذلك عن المجتمع؟















المزيد.....


لماذا ينجذب بعض الألمان من أصول تركية إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، وماذا يكشف ذلك عن المجتمع؟


حازم كويي

الحوار المتمدن-العدد: 8863 - 2026 / 10 / 19 - 18:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لماذا ينجذب بعض الألمان من أصول تركية إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، وماذا يكشف ذلك عن المجتمع؟

علي يالتشين غويمن(*)
ترجمة: حازم كويي

لماذا أصبح حزب البديل من أجل ألمانيا جذاباً للمنحدرين من أصول تركية، وماذا يكشف ذلك عن المجتمع؟

اتّسم السلوك الانتخابي للمنحدرين من أصول تركية في ألمانيا، لفترة طويلة، بتناقض صارخ. فمن جهة، اعتاد المواطنون الأتراك المقيمون في ألمانيا، ممن يحق لهم التصويت في الانتخابات التركية، التصويت في الغالب للأحزاب المحافظة أو القومية الدينية أو غيرها من الأحزاب اليمينية. فعلى سبيل المثال، صوّت نحو ثلثي المواطنين الأتراك المقيمين في ألمانيا لصالح رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية التركية لعام 2023. أما في الانتخابات الألمانية، فقد أظهر المنحدرون من أصول تركية ممن يحق لهم التصويت في ألمانيا، على مدى عقود، توجّهاً معاكساً، إذ كانوا يدعمون في الغالب التيار الاجتماعي الديمقراطي. وحتى في الانتخابات البرلمانية الألمانية لعام 2017، لم يصوّت تقريباً أي شخص من هذه الفئة لحزب البديل من أجل ألمانيا (AfD).

غير أن أحدث دراسة أجرتها [مؤسسة كونراد أديناور في سبتمبر/أيلول ]2025 أظهرت ارتفاع نسبة التأييد لحزب البديل من أجل ألمانيا بين المنحدرين من أصول تركية إلى ثمانية في المئة. وإذا أخذنا في الاعتبار المكاسب الكبيرة التي حققها الحزب منذ ذلك الحين في استطلاعات الرأي، فمن المعقول الافتراض أن هذه النسبة قد ارتفعت حالياً، وربما بشكل ملحوظ. وهنا تبرز مفارقة تستحق التفسير: لماذا يتزايد التأييد لحزب البديل من أجل ألمانيا بين السكان المنحدرين من أصول تركية، رغم أن هذا الحزب يشكّل تهديداً مباشراً لهم بسبب كراهية الأجانب ومعاداة الإسلام والعنصرية؟

تُثبت دراسة مؤسسة كونراد أديناور، في المقام الأول، أن الارتباط التقليدي للمنحدرين من أصول تركية بالحزب الأجتماعي الديمقراطي الألماني (SPD) قد بدأ يتراجع. فبعد أن كانت نسبة المنحدرين من أصول تركية الذين صوّتوا للاجتماعيين الديمقراطيين تبلغ 56 في المئة عام 2015، انخفضت هذه النسبة إلى 35 في المئة بحلول عام 2025. ووفقاً للدراسة، يرى ما يقرب من نصف الناخبين المنحدرين من أصول تركية أن أي حزب سياسي في ألمانيا لم يعد يمثّل مصالح المهاجرين. وقد أدى ذلك أيضاً إلى تراجع ارتباطهم بالأحزاب السياسية التقليدية.

وفي الفراغ التمثيلي الناجم عن ذلك، بدأ اليمين المتطرف مؤخراً بالتسلل، مستعيناً باستراتيجية تواصل موجّهة. ففي الحملة الانتخابية للبرلمان الأوروبي عام 2024، وصف السياسي في حزب البديل من أجل ألمانيا ماكسيميليان كراه -الانتقادات الغربية لأردوغان بأنها تعبير عن «الغطرسة» ما بعد الاستعمار، وصوّر القيم التقليدية التي يدافع عنها الرئيس التركي على أنها فضائل يزعم أن كثيراً من الألمان يتطلعون عبثاً إلى أن تتبناها حكومتهم. وصاغ كراه العبارة التالية: «لا يمكن للوطنيين أن يكونوا أعداء». وبهذا، ادّعى وجود تقارب أيديولوجي بين النزعتين القوميتين السلطويتين لحزب العدالة والتنمية التركي (AKP) وحزب البديل من أجل ألمانيا.

لكن نداء كراه لم يكن موجّهاً إلى أنصار أردوغان وحدهم، بل إلى جميع المنحدرين من أصول تركية، بمن فيهم أولئك الذين يتبنون ما يُسمّى «القومية العلمانية»، التي تمثّل رد فعل على التوجه الإسلامي المُحافظ لحزب العدالة والتنمية. ويربط طرح كراه بين الخوف من التراجع في المكانة الاجتماعية لدى المهاجرين المنحدرين من أصول تركية، أي قلقهم من الانحدار الاجتماعي، وبين النزعات الوطنية لديهم. لكن لماذا يبدو أن حساباته بدأت تحقق نجاحاً متزايداً؟

من العمل الصناعي إلى الهشاشة الاجتماعية
تعود جذور الاضطرابات الراهنة إلى فترة بعيدة. فقد تأثرت عملية اندماج المهاجرين المنحدرين من أصول تركية في المجتمع الألماني باستراتيجيات تراكم رأس المال المتغيرة في ظل الرأسمالية الألمانية. وتقف وراء هذه العملية تحوّلات عميقة ومؤلمة غيّرت بصورة جوهرية المكانة الطبقية الاجتماعية لأبناء هذه الجالية وهوياتهم.

بدأ تشكّل الجالية المنحدرة من أصول تركية في ألمانيا مع اتفاقية استقدام العمال عام 1961، التي جاءت لتلبية الاحتياجات المُلحّة إلى الأيدي العاملة في إطار «المعجزة الاقتصادية» في ألمانيا الغربية. وعلى الرغم من التنوع الثقافي للجالية، فقد اتسمت بالتجانس النسبي من الناحية الاجتماعية والاقتصادية خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين؛ إذ كان جميع أفرادها تقريباً من العمال الصناعيين غير المهرة أو ذوي المهارات المحدودة، المعروفين باسم «العمال الضيوف»، الذين كانوا يؤدون أصعب الأعمال اليدوية وأكثرها اتساخاً وأقلها أجراً في صناعات الفحم والصلب والسيارات والكيمياويات. وكانوا يعيشون بالقرب من المصانع، في أحياء عمالية مكتظة ومهملة في كثير من الأحيان، مثل كرويتسبيرغ في برلين، وماركسلوه في دويسبورغ، وويلهلم سبورغ في هامبورغ، وإهرنفيلد في كولونيا.

استند نموذج الاندماج الرسمي، بحكم الواقع، إلى سياسة «عدم الاندماج». فقد كان يُنظر إلى العمال باعتبارهم قوة عمل مؤقتة قابلة للاستبدال، ولم تكن دورات تعلم اللغة الألمانية أو لمّ شمل الأسر أو المشاركة السياسية ضمن الخطط المطروحة لهم. غير أن الواقع القاسي الذي عاشوه معاً على خطوط التجميع في المصانع وفي مناجم الفحم أسهم، مع مرور الوقت، في نشوء وعي طبقي لديهم. ومن خلال مشاركتهم في النقابات العمالية ونضالهم المشترك من أجل تحسين الأجور وظروف العمل، أقام هؤلاء العمال صلات بالحركة النقابية والحزب الاجتماعي الديمقراطي الألماني (SPD). وخلال هذه المرحلة الأولى، تراجعت الانقسامات السياسية والإثنية والدينية التي جاؤوا بها من تركيا إلى خلفية المشهد، أمام واقع التضامن اليومي داخل قاعات المصانع. وعلى الرغم من أن «العودة» إلى تركيا كانت هدفهم الأساسي، فإن العمال المُنحدرين من أصول تركية كانوا ينظرون إلى أنفسهم، في جوهر الأمر، بوصفهم جماعة عمالية موحّدة تخوض النضال ضد المستغِلّ نفسه.
بعد وقف استقدام العمال إثر أزمة النفط عام 1973، اختار العمال الذين كانوا موجودين بالفعل في ألمانيا اللجوء إلى لمّ شمل الأسر، خوفاً من عدم تمكنهم من العودة إلى ألمانيا إذا غادروها. ومع وصول الزوجات والأطفال، تضاعف عدد السكان المنحدرين من أصول تركية خلال سبع سنوات فقط، ليصل إلى 1.4 مليون نسمة. ونتيجة لذلك، بدأ التجانس النسبي للجالية من الناحية الاجتماعية والاقتصادية بالتلاشي تدريجياً. ومع انتشار جمعيات المساجد، وتنظيم حركة الحزب القومي المتطرف «حزب الحركة القومية» (MHP)، المعروف باسم «الذئاب الرمادية»، وانقسام اليسار، تفككت الهوية الطبقية المشتركة للجالية، وبرزت الاختلافات الدينية والإثنية والأيديولوجية بصورة أكبر.

المرحلة النيوليبرالية متعددة الثقافات والتمايز الطبقي
بدأت في تسعينيات القرن العشرين مرحلة جديدة، أعادت فيها الرأسمالية الألمانية تشكيل نفسها في سياق العولمة، وتغيّر معها توجّه سياسة الاندماج. وكانت السمة الأيديولوجية المُميزة لهذه المرحلة هي التعددية الثقافية. وسرعان ما جرى توظيف هذا النموذج، الذي نشأ في الأصل بوصفه مطلباً تقدمياً، لخدمة منطق السوق النيوليبرالي. فلم يعد الاندماج يُعرَّف على أساس المساواة في الحقوق، أو التمكين السياسي الجماعي، أو التضامن الطبقي، بل أصبح يُختزل في «إدارة التنوع» والتكيّف الفردي مع متطلبات السوق. وأفضى هذا العصر الجديد إلى تغييرات عميقة في البنية الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية للجالية المنحدرة من أصول تركية.
اقتصادياً، حلّ التمايز الطبقي القائم على الاختلافات في الملكية والمهن محل البنية المتجانسة للطبقة العاملة الصناعية. وفي مطلع تسعينيات القرن العشرين، كان هذا التمايز الطبقي لا يزال محدوداً نسبياً. أما من حيث المستوى التعليمي، فقد كانت نسبة الحاصلين على شهادة الثانوية العامة المؤهلة للالتحاق بالجامعة منخفضة للغاية، وكانت الغالبية العظمى من أبناء الجالية من الحاصلين على الشهادة الابتدائية أو شهادة المدارس الإعدادية والمهنية، أو ممن أتمّوا التدريب المهني. وفي المهن الأكاديمية، لم يكن هناك سوى عدد قليل من الكفاءات الأجنبية، باستثناء بعض الأطباء والمهندسين. وانعكس ذلك أيضاً على تفضيلات الجالية في مجال الاستثمار والادخار؛ إذ كانت نسبة امتلاك المساكن أقل من عشرة في المئة، وكثيراً ما كانت المدخرات تُستثمر في تركيا، في ظل استمرار «حلم العودة». ومع ذلك، تعزّزت الأنشطة التجارية أيضاً داخل جمهورية ألمانيا الاتحادية، وارتفع عدد الشركات التركية إلى نحو 35 ألف شركة، بحجم مبيعات سنوي بلغ نحو 25 إلى 30 مليار مارك ألماني.

ومع بداية الألفية الجديدة، أصبح قبول فكرة الاستقرار الدائم في ألمانيا أمراً راسخاً إلى حد كبير. ونتيجة لذلك، تغيّرت أولويات الاستثمار. كما تحوّل النمط المهني من العمل الصناعي إلى الأعمال التجارية الصغيرة والشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، في قطاعات الخدمات والمطاعم وتجارة التجزئة والأكشاك ومحال بيع الخضراوات.
أما اليوم، فقد حلّت جالية متمايزة اقتصادياً واجتماعياً محل المجموعة العمالية التي كانت متجانسة إلى حد كبير. وارتفع عدد الشركات التركية إلى 100 ألف شركة، فيما بلغ حجم مبيعاتها ما بين 50 و60 مليار يورو. وبالتوازي مع ذلك، ازداد نفوذ أصحاب الأعمال داخل الجالية المنحدرة من أصول تركية. كما ارتفعت نسبة امتلاك المساكن إلى ما بين 35 و40 في المئة. وشهد المجال التعليمي قفزة حقيقية؛ إذ يحمل ما يقرب من نصف أبناء الجيل الجديد شهادة الثانوية العامة المؤهلة للالتحاق بالجامعة. ويدرس اليوم عشرات الآلاف من المنحدرين من أصول تركية في الجامعات الألمانية، كما نشأت طبقة وسطى أكاديمية آخذة في التوسع، تضم مهندسين ومحاميات ومتخصصين في تكنولوجيا المعلومات وسياسيين وكوادر إدارية.
غير أن هذه الصورة التي تعكس «ريادة الأعمال والنجاح» لا تمثّل سوى جانب واحد من الواقع. فلا يزال من المثير للجدل ما إذا كان التمايز الطبقي قد أدى إلى تحسّن عام في مستوى الرفاه الاقتصادي. ذلك أن أسطورة الصعود الاجتماعي هذه لا تزال تقتصر على أقلية صغيرة لا تتجاوز نسبتها 10 إلى 12 في المئة من أبناء الجالية، في حين تبقى الغالبية الساحقة ضمن منظومة العمل المأجور. وإضافة إلى ذلك، أدّى إغلاق مناجم الفحم ومصانع النسيج والسيارات إلى القضاء على العديد من الوظائف التي كانت توفر أجوراً جيدة نسبياً. ووجدت هذه الأغلبية نفسها في وظائف خدمية هشة ومنخفضة الأجر، مثل التنظيف والخدمات اللوجستية والأمن والمطاعم، وعانت في كثير من الأحيان من التراجع في مكانتها الاجتماعية.
ونتيجة لهذا التمايز الاجتماعي، تعمّق الانقسام السياسي داخل الجالية المنحدرة من أصول تركية. فقد أدّى المنطق النيوليبرالي إلى فصل الاختلافات الثقافية عن المطالبة بالمساواة الاجتماعية، وأسهم بذلك في تراجع «الوعي الجماعي» المشترك والتضامن الطبقي. فلم يعد يُنظر إلى المنحدرين من أصول تركية باعتبارهم فئة طبقية تناضل من أجل حقوق مشتركة، بل باعتبارهم مجموعات فرعية ثقافية ودينية تتنافس فيما بينها.
وعلى المستوى الأيديولوجي، أصبحت سياسة الاندماج تُعرَّف من خلال قصص النجاح الفردية. فقد أدّت النماذج التي جرى تسليط الضوء عليها في وسائل الإعلام والخطاب السياسي، والتي تصوّر رجال الأعمال الناجحين والأكاديميات، إلى حجب العوائق البنيوية والعنصرية عن الأنظار. وبما أن النجاح، وفقاً للمنطق النيوليبرالي، اختُزل في الجهد الفردي، فقد بدا بؤس الأغلبية التي تراجعت مكانتها الاجتماعية وأصبحت تعيش في ظروف عمل ومعيشة هشة وكأنه نتيجة «فشل فردي»، إن لم يكن نتيجة «عدم الاستعداد للاندماج».
وقد أتاح ذلك لأبناء الجيلين الثالث والرابع الذين حققوا صعوداً اجتماعياً شعوراً بالانتماء، وإن كان مشحوناً بالتوتر، لكنه أسهم في الوقت نفسه بصورة كبيرة في إضعاف روابط التضامن المشترك بين المنحدرين من أصول تركية.

عرض حزب البديل من أجل ألمانيا للاعتراف القائم على التراجع
يمكن القول في الوقت الراهن إن المنحدرين من أصول تركية بدأوا بالتخلي عن ارتباطهم التمثيلي بالأحزاب التقليدية، لأنهم لم يعودوا يشعرون بأنها تمثّلهم سياسياً واجتماعياً على النحو المناسب.
إن إعادة توجّه المنحدرين من أصول تركية ليست ظاهرة معزولة، بل تندرج ضمن تطور اجتماعي أوسع. فقد دخلت المسيرة المظفّرة للنيوليبرالية منذ تسعينيات القرن العشرين، واستحواذها على نموذج التعددية الثقافية، في أزمة متعددة الأبعاد مع اندلاع الأزمة المالية عام 2008، تآكل التماسك الاجتماعي في أعقابها. وأسهم ذلك في تعزيز الخطاب السياسي السلطوي. وينبغي فهم مشكلة التمثيل التي سبق ذكرها، والتي يعاني منها اليوم المنحدرون من أصول تركية، على نحو يشبه ما يعانيه الألمان من الأغلبية السكانية، في هذا السياق.

تؤثر هذه الأزمة متعددة الأبعاد في شرائح واسعة من المجتمع، وإن بطرق متفاوتة. فبالنسبة إلى العمال الصناعيين والطبقات الدنيا داخل الجالية المنحدرة من أصول تركية، تتجلى الأزمة في الارتفاع المستمر للإيجارات، والانفجار في تكاليف المعيشة، وتآكل الأجور الحقيقية، وما يرافق ذلك في كثير من الأحيان من هشاشة اجتماعية واقتصادية. أما العاملون بأجر من أبناء الطبقة الوسطى، فتجلب لهم هذه الأزمة الشعور بعدم الأمان وتراجع مستوى المعيشة.
أما أصحاب الأعمال الذين حققوا صعوداً اجتماعياً، فتتمثل الأزمة بالنسبة إليهم في شعور عميق بـ«الإهانة»، يتجلى في العقبات البيروقراطية، وارتفاع تكاليف التشغيل، والعنصرية المؤسسية. ويوضح دوغان آزمان، الأمين العام لاتحاد رجال الأعمال الأتراك والألمان (TDU)، أسباب توجّه هؤلاء الأشخاص نحو حزب البديل من أجل ألمانيا. ويشير إلى شيوع موقف يمكن التعبير عنه على النحو التالي:

> «لقد اندمجنا، وبنينا شيئاً، ونوفّر فرص العمل، ومع ذلك لا نحصل على الاحترام والتقدير اللذين نستحقهما؛ بل يجري وضعنا في سلة واحدة مع الوافدين الجدد الذين لا يريدون الاندماج».
ويرتبط هذا الشعور بالإهانة ارتباطاً وثيقاً بالرغبة في نيل الاعتراف؛ إذ إن الشعور بعدم التقدير يعزّز الحاجة إلى الحصول على تأكيد مجتمعي لقيمة الإنجازات الشخصية والاحتياجات والانتماء.
وهكذا، تؤدي الأزمة متعددة الأبعاد إلى إثارة المخاوف بشأن المستقبل، والشعور بعدم الأمان، والغضب من النظام لدى كل شريحة اجتماعية. وهذا يختزل مشكلة التمثيل في مسألة الاعتراف؛ إذ يطالب هؤلاء بأن يُعترف باحتياجاتهم الملموسة بوصفها مطالب مشروعة، في حين يتراجع اهتمامهم على نحو متزايد بالمطالب الاجتماعية الأوسع نطاقاً.
ويلعب كل من ادعاء حزب البديل من أجل ألمانيا أنه القوة الوحيدة التي تتصدى للنظام القائم، واستراتيجيته في التواصل السياسي القائمة على التمييز بين الصديق والعدو، والدور الذي يؤديه تعريف فئة «المندمجين جيداً» ضمن هذه الاستراتيجية، دوراً مهماً في توجيه الرغبة المشروعة في نيل الاعتراف.
فمن جهة، يعلن الحزب أنه يدافع عن حق المهاجرين «المندمجين جيداً» في البقاء في ألمانيا. ومن جهة أخرى، يؤكد أنه يريد، في إطار استراتيجية «إعادة الهجرة» (Remigration)، ترحيل ملايين المهاجرين من البلاد، ممن يصنّفهم على أنهم «متطفلون على النظام الاجتماعي» و«غرباء ثقافياً».
إن مفهوم «الاندماج الجيد» يمثّل هنا وعداً بالاعتراف يتسم بالتراجع والرجعية، يسعى من خلاله حزب البديل من أجل ألمانيا أيضاً إلى كسب المنحدرين من أصول تركية إلى صفوفها. ولهذا الغرض، يرسم الحزب خطاً فاصلاً حاداً بين «الصديق» و«العدو»: فمن جهة، هناك المهاجرون المندمجون جيداً والمجتهدون والمستقرون، الذين يعملون في ألمانيا منذ عقود، ويدفعون الضرائب، ويربّون أطفالهم، ويسهمون بهذه الطريقة في بناء البلاد؛ ومن جهة أخرى، هناك اللاجئون الذين يُصوَّرون على أنهم خطرون، ويُدَّعى أنهم يشكّلون عبئاً على أنظمة الرعاية الاجتماعية وتهديداً للأمن الداخلي. ويتضمن هذا العرض الرجعي اعترافاً انتقائياً يشمل أيضاً المنحدرين من أصول تركية، إذ يقدّم لهم الوعد التالي:

> «أنت مختلف عن بقية المهاجرين؛ فأنت المهاجر الصالح الذي يستحق التقدير، والذي يختلف عن طالبي اللجوء الجدد».
وهنا يستطيع حزب البديل من أجل ألمانيا بالفعل الاستناد إلى أحكام مسبقة ترسّخت تاريخياً داخل الجالية المنحدرة من أصول تركية، ولا سيما تلك الموجّهة ضد المهاجرين السوريين والعرب، الذين يواجهون أيضاً تحفظات واسعة في تركيا.
وهكذا، يحاول حزب البديل من أجل ألمانيا، وبقدر لا بأس به من النجاح، استغلال حالة انعدام الأمان التي ولّدتها الرأسمالية النيوليبرالية لخدمة مشروعه الرجعي. ويشكّل هذا المشروع تهديداً كبيراً للمجتمع ككل، وكذلك للمنحدرين من أصول تركية. وينبع هذا التهديد، من جهة، من التصورات الاقتصادية والسياسية للحزب، التي تتسم بطابع نيوليبرالي عميق ومعادٍ للنقابات العمالية، والتي تصبّ، وفقاً لما أظهرته الحسابات، في مصلحة أغنى شرائح المجتمع. ولا يقدّم الحزب حلولاً حقيقية للمشكلات الناجمة عن هشاشة الأوضاع المعيشية، وانخفاض المعاشات التقاعدية، وارتفاع الإيجارات. ومن هذا المنطلق، فإن برنامج حزب البديل من أجل ألمانيا مصمّم بما يؤدي إلى تدهور الظروف المعيشية للمنحدرين من أصول تركية الذين يعتمدون على العمل المأجور.
وإضافة إلى ذلك، ينطوي هذا الوعد على خطر آخر: فمن الذي يقرّر مَن يُعدّ «مندمجاً جيداً»؟ تكشف هذه المسألة عن التوتر القائم بين مطالب الأشخاص المنحدرين من أصول تركية بالحصول على الاعتراف، والوعود الرجعية التي يقدّمها حزب البديل من أجل ألمانيا. فمن ناحية، ليس تعريف ما يُعتبر «اندماجاً جيداً» ثابتاً، بل يمكن أن يتغير بالفعل بمرور الوقت. ومن ناحية أخرى، يسعى الحزب إلى تعميم تعريفه الخاص لـ«الاندماج الجيد»، بهدف إحكام سيطرته على الخطاب العام بشأن من يحق له البقاء في البلاد ومن ينبغي ترحيله.
ومع ذلك، فإن الأمر المؤكد هو أن الاهتمام بحزب البديل من أجل ألمانيا بين المنحدرين من أصول تركية آخذ في الازدياد، بصرف النظر عن موقعهم الطبقي المحدد ومواقفهم من السياسة التركية. لكن هذا لا يشكّل في الوقت نفسه دليلاً على تحوّل غالبية المنحدرين من أصول تركية نحو اليمين، إذ لا يزال التصويت لحزب البديل من أجل ألمانيا بين هذه الفئة أقل بكثير مما هو عليه بين غالبية السكان في ألمانيا.
وفي الوقت نفسه، يعزّز ذلك الأمل في أن تحظى سياسة تقدمية، تعترف بالمطالب المشروعة للمتضررين وتقدّم بديلاً عن السياسات القمعية لحزب البديل من أجل ألمانيا، بصدى لدى المنحدرين من أصول تركية. وهنا تحديداً تكمن مهمة اليسار الديمقراطي.


علي يالتشين غويمن(*):عالم في السياسة،يُجري أبحاثه في [المجموعة البحثية الدولية حول السلطوية والاستراتيجيات المضادة] ويُدرّس في جامعة بوتسدام.



#حازم_كويي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من سيدفع الثمن إذا انفجرت فقاعة الذكاء الاصطناعي؟
- لماذا تُحدث احتجاجات الطلاب في فرنسا تأثيراً أكبر من المظاهر ...
- بيرني ساندرز لم يعُد وحيداً
- دور القومية العرقية المتطرفة
- مواجهة صعود اليمين تبدأ من اليسار: نحو استقطاب سياسي جديد
- ترامب والإمبريالية الأمريكية المتراجعة: خطر متزايد على العال ...
- الثورة الاجتماعية في إسبانيا ضد الفاشية
- مالذي يمكن لليسار أن يتعلمه من أسلوب زهران ممداني في التواصل
- السياسة الواقعية الثورية في البلديات
- الشعبويون لا يصنعون أغلبية
- الاشتراكية الديمقراطية أم إدارة النقص
- كيف يستمر الحكم الاستعماري حتى يومنا هذا
- طفرة الذكاء الاصطناعي لم يطلبها أحد: من يدفع ثمن عواقبها؟
- مؤشر مبكر على العواصف السياسية
- لماذا تُعد أطروحة الإقطاع التكنولوجي ماركسية؟
- أكثر من مجرد مقرّ حزبي – لماذا ينبغي لنا أن نفكر إلى ما هو أ ...
- ترامب يستخدم البيروقراطية لمصلحة الأثرياء، وممداني يسعى لتخف ...
- خمسة أوهام تُبقينا أسرى الرأسمالية
- استعمار التكنوقراط
- من هم -حزب الصراصير- الشعبي في الهند، ولماذا يُنظم الاحتجاجا ...


المزيد.....




- مسلحون مجهولون يطلقون النار على تايغر شروف ممثل بوليوود المش ...
- المفوضية الأوروبية ترفض مقترحا أمريكيا لاستئناف شراء الغاز ا ...
- عاصفة مدمرة تجتاح شرق إسبانيا وتخلف قتلى وفيضان الأنهار وتشل ...
- ولية عهد هولندا تحصل على رتبة رقيب في القوات المسلحة
- لافروف يؤكد استعداد روسيا للمساعدة في إيجاد حلول للنزاع بين ...
- تروكيا.. الحلقة الـ65
- -البديل من أجل ألمانيا- يعلق على سير قضية تفجير خطوط غاز -ال ...
- لافروف يكشف الهدف من محاولات دفع القضية الفلسطينية إلى هامش ...
- الدفاع السورية تعلن مقتل جندي بيد مجهولين في ريف دير الزور
- عجمان تحيي الطرب الإماراتي القديم


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حازم كويي - لماذا ينجذب بعض الألمان من أصول تركية إلى حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، وماذا يكشف ذلك عن المجتمع؟