أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - نبيل عبد الأمير الربيعي - سناء عبد السادة عثمان.. امرأة واجهت المشنقة بشجاعة، وغابت جثتها عن ذاكرة العدالة















المزيد.....

سناء عبد السادة عثمان.. امرأة واجهت المشنقة بشجاعة، وغابت جثتها عن ذاكرة العدالة


نبيل عبد الأمير الربيعي
كاتب. وباحث

(Nabeel Abd Al- Ameer Alrubaiy)


الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 09:39
المحور: الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية
    


أربعة أشقاء أُعدموا.. وقبور مجهولة تنتظر الحقيقة
ليست مأساة سناء عبد السادة عثمان، مجرد حكاية امرأة أُعدمت في زمن الدكتاتورية، بل هي فصل مؤلم من تاريخ القمع السياسي في العراق، وشهادة على ما تعرض له المعارضون السياسيون وأصحاب الرأي من اعتقال وتعذيب ومحاكمات جائرة وأحكام بالإعدام، فضلاً عن حرمان عائلاتهم من معرفة مصير جثامين أحبّتهم.
إن استعادة سيرة سناء وأفراد أسرتها ليست استذكاراً لمأساة عائلية فحسب، وإنما محاولة لإعادة أسماء الضحايا إلى الذاكرة الوطنية، وإنصاف الذين غُيبوا قسراً، وبقيت قبورهم مجهولة رغم مرور عقود على إعدامهم.
ولدت سناء عبد السادة عثمان في مدينة الحلة عام 1956، وتخرجت في معهد التكنولوجيا. كانت متزوجة ولديها طفل، قبل أن تنقلب حياتها وحياة أسرتها إلى مأساة إثر اعتقالها عام 1986، بتهمة إعادة تنظيم منظمات الحزب الشيوعي العراقي.
وتشير المعلومات التي وردتنا إلى أن سناء كانت في كردستان، ثم توجهت إلى الداخل العراقي عن طريق منطقة سوران، برفقة شقيقتها وفاء عبد السادة. وقد اعتقلتا عام 1986 إثر وشاية من شخص تبين لاحقاً، وفق الرواية المتداولة، أنه كان وكيلاً للأمن، وكان يسكن في منطقة الوزيرية ببغداد. وفي خريف عام 1988 نفذ حكم الإعدام بحقهما، بعد محاكمتهما أمام محكمة الثورة سيئة الصيت، التي كان يرأسها عواد البندر.
لم تكن المأساة مقتصرة على الشقيقتين؛ إذ امتدت لتطال شقيقيهما إبراهيم وأحمد، اللذين أُعدما أيضاً. وهكذا فقدت الأسرة أربعة من أبنائها، في واحدة من صور القمع السياسي الأكثر قسوة، فيما بقي مصير جثامينهم مجهولاً، ولم تتمكن العائلة، وفق المعلومات المتاحة، من معرفة أماكن دفنهم أو زيارة قبورهم حتى اليوم.
من الشهادات المهمة التي توثق أجواء المحاكمة وما جرى داخل محكمة الثورة، شهادة الناشط سربست مصطفى رشيد آميدي، الذي كان موجوداً مع المعتقلين أثناء المحاكمة، وقد نشر روايته في موقع (الحوار المتمدن).
يقول في شهادته: (وبعدها وبدون إجراء أية مداولة أصدرت المحكمة قرار الحكم، والذي كان الإعدام شنقاً حتى الموت لنا جميعاً، وأسند الحكم إلى عدد من مواد قانون العقوبات. وأثناء تلاوة القاضي للقرار نزعت الشهيدة سناء عبد السادة فردة من نعالها وصوبته نحو المجرم عواد البندر رئيس محكمة الثورة سيئة الصيت، وأصابته في رأسه، علماً أن الشخصين الجالسين على يمينه ويساره خفضا رأسيهما تحت الطاولة).
إن هذه الشهادة ترسم صورة استثنائية عن لحظة المواجهة، وتكشف عن رفض الإذلال والاستسلام حتى في اللحظات الأخيرة. فقد واجهت وفاء عبد السادة عثمان، رئيس المحكمة بتصرف جسّد احتجاجاً غاضباً على حكم الإعدام الذي صدر بحقها وبحق رفاقها. ومن الضروري هنا التمييز بين الشهيدتين في توثيق هذه الواقعة؛ فالشهادة المذكورة تنسب موقف رمي النعل إلى وفاء عبد السادة، وليس إلى شقيقتها سناء عبد السادة. وهذا التمييز مهم لحفظ الأسماء والوقائع من الاختلاط، وصون الذاكرة من الأخطاء التي قد تتكرر عند تداول الروايات.
إن شجاعة المرأتين لا تختصرها واقعة واحدة، بل تتجلى في مسيرتهما وموقفهما السياسي وما انتهت إليه حياتهما من اعتقال وإعدام، في ظل نظام لم يكن يتسامح مع الاختلاف الفكري والسياسي.
إن إعدام سناء ووفاء وإبراهيم وأحمد لا يمثل خسارة عائلية فحسب، بل يكشف حجم المأساة التي عاشتها أسر عراقية كثيرة في ظل النظام الدكتاتوري. فالعائلة لم تحرم من أبنائها فقط، وإنما حرمت أيضاً من حقها الإنساني في معرفة أماكن دفنهم، وإقامة مراسم الوداع، وزيارة قبورهم واستعادة ذكراهم في مكان معلوم.
ومن الصور التي تحمل دلالة إنسانية مؤثرة، صورة الرفيق (ملازم إبراهيم) في مناسبة عيد ميلاده، وهو يجلس إلى جانب حفيده. وقد اختار هذا الرفيق اسم (ملازم إبراهيم) اسماً حركياً له في حركة الأنصار الشيوعيين، تخليداً لذكرى أخيه الشهيد إبراهيم عبد السادة عثمان. وفي هذه الصورة تتجاور الذاكرة والوجع واستمرار الحياة؛ فالحفيد يمثل جيلاً جديداً، فيما يحمل الاسم ذكرى أخ غاب جسده، لكنه بقي حاضراً في وجدان أسرته. إن الحياة تستمر رغم الفقد، لكن استمرارها لا يعني أن الذاكرة تتنازل عن حقها في السؤال، ولا أن مرور السنوات يسقط حق العائلات في معرفة الحقيقة.
إن قضية سناء ووفاء وإبراهيم وأحمد تطرح أسئلة لا يجوز أن تطويها السنوات: أين دُفنت جثامينهم؟ ولماذا حرمت عائلاتهم من معرفة مصير أبنائها؟ وأين الوثائق والسجلات التي يمكن أن تساعد في تحديد أماكن دفنهم؟ وهل ما زالت هناك سجلات رسمية أو شهادات يمكن أن تكشف الحقيقة وتضع حداً لعقود من الانتظار؟
إن الكشف عن مصير المعدومين والمغيبين، وتحديد مواقع قبورهم، ليس منّة من أحد، بل حق إنساني وأخلاقي وقانوني لأسرهم. ومن واجب المؤسسات المعنية بالعدالة الانتقالية وحقوق الإنسان البحث في الأرشيفات والسجلات الرسمية، وجمع الشهادات، والتحقيق في مصير الذين لم تُسلّم رفاتهم إلى ذويهم. كما أن توثيق هذه القضية يقتضي جمع الوثائق والصور والشهادات العائلية، والاستماع إلى كل من عاصر تلك المرحلة، ومراجعة الروايات المتداولة، بما يضمن عدم الخلط بين الأسماء والألقاب والتواريخ والوقائع.
إن استعادة سيرة سناء عبد السادة عثمان وشقيقتها وفاء وأخويهما إبراهيم وأحمد ليست استعادة لذكريات شخصية فقط، بل هي جزء من مسؤولية الذاكرة الوطنية في توثيق ما جرى، وإنصاف الضحايا، وحفظ أسماء الذين دفعوا حياتهم ثمناً لمواقفهم وأفكارهم.
لقد رحل هؤلاء الأربعة، لكن أسماءهم لا ينبغي أن تبقى معلقة بين الذاكرة والنسيان. فالعدالة لا تكتمل بمجرد الاعتراف بأنهم كانوا ضحايا؛ بل تقتضي معرفة الحقيقة، والكشف عن مصير رفاتهم، وتمكين ذويهم من حقهم في زيارة قبور معلومة.
إن أشد ما يمكن أن يتركه الظلم وراءه ليس الموت وحده، بل أن يحرم الأحياء من معرفة أين يرقد أحبّاؤهم.
ستظل سناء ووفاء وإبراهيم وأحمد جزءاً من ذاكرة العراق، وستبقى قضيتهم مفتوحة ما دامت قبورهم مجهولة، وما دامت عائلاتهم تنتظر جواباً عن سؤال إنساني بسيط وعميق: أين يرقد أبناؤنا؟
إن للضحايا حقاً في الذاكرة، ولذويهم حقاً في الحقيقة، وللوطن واجباً في ألا ينسى.



#نبيل_عبد_الأمير_الربيعي (هاشتاغ)       Nabeel_Abd_Al-_Ameer_Alrubaiy#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- محسن مهدي.. فيلسوف عراقي أنصف التراث العربي وأنصفه العالم وت ...
- عائلة كامل حسين.. حين يصبح الإبداع إرثاً عائلياً وذاكرةً فني ...
- فالح مهدي.. عقلٌ نقديّ في مواجهة الخوف وأسئلة الموروث الديني
- من النيابة إلى الولاية: أسئلة نقدية في تاريخ الفكر السياسي ا ...
- البروفسور ميثم الجنابي ومفهوم المفكر
- سلاماً أيها العالم الجليل سلمان الرواف
- حميد قاسم.. شاعرٌ يعبر بين ضفاف القصيدة وأسئلة السرد
- معركة السفور في العراق: حين تحولت إلى قضية مجتمع
- المدنية في العراق: من هوية الانتماء إلى دولة المواطنة
- مسك محمد المرعب تخطو بثقة نحو عوالم التشكيل في معرضها الأول ...
- سعد مبارك.. الفنان الذي حول شناشيل الحلة إلى ذاكرة من خشب وض ...
- فيصل لعيبي بعد نصف قرن… يا لفرحٍ يشبه البكاء
- بدل رفو.. من ذاكرة المنفى إلى أسئلة الثقافة والإنسان
- سلام إبراهيم.. روائي يكتب في ذاكرة الحرب والاستبداد والمنفى
- الحزب الشيوعي العراقي والحوار المربك: أين الرؤية السياسية؟
- من الشطرة إلى أمريكا.. نقش في الذاكرة
- رفعت الجادرجي.. حين تصبح العمارة ذاكرةً وهويةً وفكراً
- كوكب حمزة.. والكتاب الذي حاول إنقاذ الذاكرة من النسيان
- محمد السعدي.. من جبل كوردستان إلى منفى السويد سيرة مناضل وذا ...
- د. نجاح طاهر العميشي... مثقف يقرأ بوعي


المزيد.....




- جنوب إفريقيا.. هزيمة تاريخية لحزب نيلسون مانديلا في الانتخاب ...
- الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية المغربي يجدد تضامنه مع ...
- سرقة أدوية لعلاج مرضى الأورام من مستشفى جمال عبد الناصر بالإ ...
- India in the Mediterranean
- The Financial and Political Crisis in Paraguay: Yet Another ...
- بسبب -إصابات المتظاهرين-.. فريق قانوني يعتزم ملاحقة وزير داخ ...
- محامون يلاحقون وزير الداخلية الفرنسي قضائياً بتهمة استخدام ا ...
- Hidden in Plain Sight: The Politics Behind the Art You Alrea ...
- The Democratic Party Has to Prove That They Intend to Delive ...
- The U.S. Midterm Elections and the World


المزيد.....

- [كراسات شيوعية]اغتيال أندريه نين: أسبابه، ومن الجناة :تأليف ... / عبدالرؤوف بطيخ
- سلام عادل- سيرة مناضل - الجزء الاول / ثمينة ناجي يوسف & نزار خالد
- سلام عادل -سیرة مناضل- / ثمینة یوسف
- سلام عادل- سيرة مناضل / ثمينة ناجي يوسف
- قناديل مندائية / فائز الحيدر
- قناديل شيوعية عراقية / الجزءالثاني / خالد حسين سلطان
- الحرب الأهلية الإسبانية والمصير الغامض للمتطوعين الفلسطينيين ... / نعيم ناصر
- حياة شرارة الثائرة الصامتة / خالد حسين سلطان
- ملف صور الشهداء الجزء الاول 250 صورة لشهداء الحركة اليساري ... / خالد حسين سلطان
- قناديل شيوعية عراقية / الجزء الاول / خالد حسين سلطان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية - نبيل عبد الأمير الربيعي - سناء عبد السادة عثمان.. امرأة واجهت المشنقة بشجاعة، وغابت جثتها عن ذاكرة العدالة