|
|
الحركة الإبداعية اللبنانية المعاصرة :مع الأديبة اللبنانية باسمة السيد
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8880 - 2026 / 11 / 5 - 08:59
المحور:
مقابلات و حوارات
:في محراب المجاز المتمرد ونبض الحداثة الشاعرية
في فضاء الكتابة الممتد، لا تعدو الكلمات أن تكون مجرد حروف مسطورة ما لم تنبثق من عين التجربة الصادقة، وتغتسل بفيض المشاعر الحية التي تمنح الصمت صوتًا، وتمنح العابر ديمومة وأثرًا. إن فعل الكتابة الحقيقي هو حالة من التماهي المطلق بين النبض الداخلي والروي الخارجي؛ حيث لا يخضع الإبداع لقوالب جاهزة أو أثواب تُفصَّل مسبقًا، بل يترك للفكرة حريتها الكاملة في تشكيل قوامها، واختيار سمائها، وارتداء اللباس الذي يشبه جوهرها دون تكلّف أو افتعال. بين النثر المفتوح الذي يتنفس في فضاءات حرية التعبير، وبين الشعر الوجداني الذي يضبط نبضه إيقاعٌ داخليّ خفي، تتجلى خصوصية هذا الحوار الأدبي الممتع، الموزع بين محاور تقرأ سر الصورة والمجاز الشريد، وتستنطق أسرار الموسيقى الداخلية في قصيدة النثر، لتصل في مداها إلى تفاصيل المخاض الإبداعي وأثر الجغرافيا والذاكرة اللبنانية الحية. هنا، تلتقي عذوبة السهل الممتنع برباطة الحداثة الرشيقة، وتغدو اللغة جسرًا ممدودًا بين قلب الكاتب ووجدان المتلقي؛ يراقب موج الكلمات وهو يرتمي على شواطئ السطور، حاملاً معه عنفوان الانتماء للوطن، وسكينة الوقفات التي تختزن بين ظلالها ما عجزت الحروف عن احتوائه. إنه بوح يستدرج المعاني من مكامنها، ويُسقط تقلبات الطبيعة على خلجات النفس، ليقدم شهادة إبداعية تنحاز للعفوية، وتحمي النص من مطبات الصنعة ومصايد التأنّق الزائف، حافرة اسم "باسمة السيد" بوصفه نبضًا يعبر إلى قلوب الآخرين ليجد كل قارئ فيه مرآة ذاته. المحور الأول: بناء الصورة والمجاز الشريد
نصوصكِ مليئة بالصور المرئية؛ كيف تلتقطين خيط الصورة المشحونة بالعاطفة دون أن تقعي في الغموض الذي يعزل القارئ؟ أجمل ما يقوم به الكاتب، أنه يكتب إحساسه، وما يتدفق من مشاعره يجسده على الورق؛ فترجمة انفعالاته الحسية هي صورة يقرؤها المتلقي ويندمج بها حتى النهاية، مثل الذي يراقب الموج ليرى ارتماءه على الشاطئ.
متى تشعرين أن الكلمة العادية تحولت في يدكِ إلى مجاز يدهشكِ أنتِ شخصيًّا قبل القارئ؟ فعلاً، أحيانًا حين تأتي الفكرة تتزاحم الكلمات، وتسبق بعضها بعضًا؛ فكلما تبلورت الفكرة، ارتدت الكلمة لباسًا مميزًا. الانتقال بين النثر المفتوح والشعر الوجداني يحتاج لذكاء لغوي؛ كيف تختارين ثوب النص المناسب للفكرة قبل بدء الكتابة؟ لا أختار ثوب النص بقدر ما أترك الفكرة تختار شكلها، فهناك مشاعر لا تحتمل قيود الوزن والقافية، وتحتاج إلى مساحة حرة تتنفس فيها، فتولد على هيئة نثر مفتوح. وهناك مشاعر أخرى تنبض بإيقاع داخلي، وتستدعي لغة أكثر كثافة وشاعرية، فتقترب من القصيدة الوجدانية. بالنسبة إليّ، الكتابة حالة من الإصغاء العميق لما يتحرك في داخلي؛ أترك الشعور يقودني، وأمنح الكلمات حرية اختيار إيقاعها وصورتها، فالنص الحقيقي لا يبدأ من القالب, بل من صدق التجربة، ومن القدرة على العثور على اللغة التي تشبهها دون تكلّف. في نصوصكِ ملامح من القصيدة الوجدانية؛ كيف تطوعين المفردات لتبدو حديثة ورشيقة وتناسب العصر؟ أؤمن أن المفردة الجميلة ليست بالضرورة مفردة غريبة أو معقدة، بل هي الكلمة التي تصل إلى القلب بأقل قدر من التكلّف، وتترك أثرها بأكبر قدر من العمق. أحاول أن أحرر اللغة من الزخرفة الزائدة، وأن أمنح الكلمات القديمة روحًا جديدة من خلال الصورة والإحساس والسياق؛ فالعصر لا يحتاج إلى لغة تتخلى عن جمالها، بل إلى لغة قادرة على التعبير عن إنسانه وأسئلته ومخاوفه وتناقضاته. لذلك، أبحث عن الرشاقة في الاختزال، وعن الحداثة في الصورة، وعن الشعرية في التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تختزن مشاعر وتجارب إنسانية واسعة. وأرى أن أجمل نص هو الذي يجمع بين عمق المعنى وعذوبة التعبير، فيلامس القارئ دون أن يضطر إلى فك شفرات لغوية معقدة؛ ولهذا السبب يقولون عن أسلوبي بأنه "السهل الممتنع". متى يضيق النص عن اتساع الفكرة، وكيف يتصرف قلمكِ حين تعجز الكلمات عن مجاراة فيض المشاعر؟ المشاعر حين تتدفق بصدق تتجاوز قدرة الكلمات على احتوائها، وعندها لا أستعجل الكتابة، بل أترك للشعور وقته كي يهدأ ويتشكل، فبعض المعاني تحتاج إلى الصمت أكثر مما تحتاج إلى الكلام. وقد أكتفي بصورة واحدة، أو جملة قصيرة، أو نهاية مفتوحة تترك للقارئ مساحة ليُكمل ما عجزت الكلمات عن قوله. أؤمن أن الصمت في الكتابة ليس فراغًا، بل قد يكون أبلغ أشكال التعبير، وأن ما لا تقوله الكلمات يمكن أن يصل عبر الإيحاء والظل وما بين السطور. وحين يضيق النص عن احتواء الفكرة، لا أحاول أن أحمّله المزيد من الكلمات، بل أبحث عن الكلمة الأصدق؛ لأنني أرى أن الكتابة ليست أن نقول كل شيء، بل أن نمنح الشعور ما يكفي من اللغة ليُرى ويُحَسّ.
المحور الثاني: الإيقاع الداخلي وجرس الكلمات
قصيدة النثر لا تعتمد على القوافي المعروفة؛ ما هي طريقتكِ الخاصة لضخ نغمة دافئة تجعل النص ينساب بسلاسة عند القراءة? يتميز كل كاتب أو شاعر بأسلوبه الخاص في الكتابة فتخرج القصيدة بقالب مميز. الموسيقى في قصيدة النثر لا تحتاج إلى قافية ظاهرة كي تُسمَع، فهي تنبع من إيقاع الكلمات، وتناسق الجمل، وتدفّق الصور والمشاعر بين السطور. أحاول أن أصنع للنص موسيقاه الداخلية من خلال اختيار المفردات التي تتآلف في نبرتها وظلالها؛ فبالنسبة إليّ، النغمة الدافئة تولد حين تتصالح الكلمة مع الإحساس، وحين لا تبدو اللغة مصنوعة بقصد الإبهار، بل منبثقة بعفوية من القلب. وأحب أن يكون النص سلسًا عند القراءة، لكنه يترك في الروح صدى يستمر حتى بعد انتهاء الكلمات؛ فالموسيقى الحقيقية لقصيدة النثر ليست فيما نسمعه فحسب، بل فيما نشعر به ونحن نقرأ.
في نصكِ "وأسدلت السحابة الستار"، هناك وقفات وسكنات مميزة؛ كيف تجعلين الكلام يبدو مترابطًا صوتًا ومعنى دون افتعال؟ في نصّي «وأسدلت السحابة الستار»، أتعامل مع الوقفات والسكنات بوصفها جزءًا من روح النص، لا مجرد فواصل بين الجمل. وأؤمن أن للكلمة صوتًا ظاهرًا نسمعه، وصوتًا خفيًّا نشعر به، وأن الانسجام بينهما هو ما يمنح الكتابة صدقها وانسيابها؛ لذلك أترك المعنى يقود الإيقاع، وأمنح الجملة طولها أو قصرها بحسب ما تحمله من شعور. لا أتعمد صناعة الموسيقى بقدر ما أبحث عن التوازن الطبيعي بين الفكرة وإحساسها، وأعيد قراءة النص بصوت داخلي، لأتلمّس مواضع التعثر وأخفف ما قد يثقل انسيابه. بالنسبة إليّ، الترابط الحقيقي لا تصنعه الكلمات وحدها، بل تصنعه أيضًا المساحات التي نتركها بينها؛ لأن بعض المشاعر تحتاج إلى سكون كي تصل بعمق، وبعض المعاني لا تكتمل إلا بما نتركه للقارئ ليستشعره بنفسه. هكذا يصبح الإيقاع نابعًا من التجربة، لا مفروضًا عليها، وتغدو اللغة أقرب إلى نبض إنساني صادق منها إلى بناء لغوي متكلّف. هل تقرأين نصوصكِ بصوت مرتفع أثناء كتابتها لتسمعي جرس الكلمات، أم أن أذنكِ تضبط الإيقاع وهي صامتة؟ عند الكتابة، نشعر وكأننا في عالم منعزل لا نسمع فيه سوى صوتنا الداخلي، والاعتماد يكون على الحواس وتجنيدها كي تبلور الفكرة وتصبح مادة على شكل كلمات تراها العين وتسمعها الأذن؛ لذلك لا أحتاج للقراءة بصوت مرتفع أثناء الكتابة، بل أترك المهمة لأذني في ضبط الإيقاع أكثر الأحيان. كيف تفصلين في نصوصكِ بين النغمة الوجدانية الهادئة، وبين الصوت القوي والمؤثر عند الكتابة عن الوطن؟ الكتابة عن الوطن تختلف، ولها تأثير كبير على المشاعر؛ فهذا الحب، والانتماء, والوطنية، والعاطفة، والعنفوان، والغيرة، والعز، والمجد، يجتمعون كلهم في اتجاه واحد ليتحرك الإحساس القوي بصرير مندفع على الورق، يملأ السطور بما تكنه النفس تجاه الوطن. متى تشعرين أن الرغبة في موازنة أواخر الكلمات قد تؤذي عفوية النص، وكيف تحمين جملتكِ من هذا المطب؟ أحمي عفوية النص بأن أكتب بإحساسي أوّلاً، ثم أراجع بإحساسي ولغتي معًا، لا بميزان القافية وحده؛ فالكلمة التي تستقر في مكانها لأنها صادقة تكون أقوى من كلمة تتأنّق in غير موضعها. وهذا ما يواجهه الكاتب عندما يكون شاعرًا غنائيًّا في الوقت نفسه، ولكن في أكثر الأوقات يكون هناك دائمًا فصل بوجود أحدهما عند الكتابة، سواء كان المكتوب نصًّا غنائيًّا أو قصيدة نثرية.
المحور الثالث: حالة المخاض ولحظة ولادة النص
كيف تبدأ اللمسة الأولى للقصيدة لديكِ؛ هل تولد من كلمة واحدة تبنين حولها بقية الكلام، أم من حالة نفسية تبحث عن جمل تشرحها؟ لنقل إن هناك دائمًا شرارةً ما لبدء تشكل القصيدة قبل ولادتها، قد تتجسد في كلمةٍ، أو مشهدٍ، أو حالةٍ نفسيةٍ ذاتيةٍ، أو مشاعر فرحٍ أو حزنٍ من تأثيرٍ خارجيّ. لحظة ولادة النص، في تصوّري، هي اللحظة التي يتحوّل فيها الشعور من حالةٍ مبهمةٍ في النفس إلى صورةٍ تستطيع اللغة احتواءها. عندها يبدأ القلم رحلته؛ وقد ينساب الكلام بعفويةٍ، وقد يتعثّر، ويتقدّم ويتراجع، إلى أن تتشكّل ملامح القصيدة. فالقصيدة، في النهاية، قد تبدأ بكلمةٍ تبحث عن شعورٍ، أو بشعورٍ يبحث عن كلمةٍ؛ لكنّها لا تولد حقًّا إلا حين يلتقي الاثنان. في نصوصكِ تدفق عاطفي واضح؛ كيف تحافظين على حرارة النص وعفويته من أول سطر وحتى نقطة النهاية؟ صحيح، هذا التدفق العاطفي ينبع من توجّه المشاعر لترجمتها في هيئة نصٍّ عندما تتملّك النفس إخراج مكوّناتها، والحاجة إلى التعبير. فحرارة النص لا تكمن في شدّة الانفعال وحدها، بل في القدرة على نقل هذا الانفعال إلى القارئ من دون أن يفقد صدقه في الطريق. وأعتقد أن سرّ العفوية هو أن أكتب بحرارة القلب، ثم أراجع بوعي اللغة، وأتوقف حين أشعر أن الكلمات بلغت غايتها، لا حين أستنفد قدرتي على الكتابة. متى تأخذين القرار بأن هذا النص "اكتمل وأصبح جاهزًا للناس"، ومتى تشعرين أنه لا يزال بحاجة إلى شطب وتكثيف؟ اكتمال النص يكون عندما تكتمل الفكرة في الوصول إلى غايتها، فاللمسة الأولى هي الأصدق في التعبير. وأحيانًا نحتاج إلى صقل المعاني وتغيير بعض الكلمات؛ لخدمة النص وإيصاله للمتلقي بطريقةٍ أعمق وأوضح. هل هناك قصائد ولدت معكِ دفعة واحدة دون تعب، وأخرى عاندتكِ طويلًا ولم تخرج إلا بعد مشقة وتفكير؟ فعلاً، هناك قصائد تُكتب دون عناءٍ وكأن الكلمات تكرج وتسابق بعضها بعضًا، وأحيانًا تأتي فكرة ما وتقف عند أول سطرٍ، وهنا تبدأ الرحلة الشاقة، واستحضار المشاعر، وتهيئة الظروف، لتأخذ الوقت الكافي والضائع كي تولد القصيدة. كيف تقاومين الكسل الأدبي وتكرار الأفكار، وما هي مصادركِ اليومية التي تجددين بها طاقتكِ على الكتابة؟ كلما قرأ الإنسان وتنوّع في القراءة، اتسعت دائرة المعرفة وحصل على مفرداتٍ جديدةٍ. بالنسبة إليّ، أحاول كثيرًا أن أبتعد عن التكرار، ولو أن في الكثير من توارد الأفكار دون قصدٍ نجدها في قصائد أخرى دون العلم بها. دائمًا أقول إن كل كاتبٍ أو شاعرٍ له أسلوب مختلف، ولذلك يكتسب هويته الخاصة.
المحور الرابع: العاطفة كمحرك أساسي للكتابة
الحب والشوق في نصوصكِ ليسا مجرد كلمات عابرة؛ كيف تحولين المشاعر الشخصية إلى تجربة إنسانية يجد كل قارئ نفسه فيها؟ الحب الصادق والمشاعر الصادقة حين تُترجم على الورق وحين يقرؤها المتلقي تصل إلى قلبه مباشرةً؛ فالمشاعر الشخصية تتحول إلى كلماتٍ من خلال تحريرها من الداخل إلى الخارج، فتظهر كنصٍّ يحكي عن مشاعر شخصٍ آخر. هنا أقول إن الكلمات بلغت غايتها؛ لأنها لم تعد تعبّر عني بل تعبّر عن مشاعر شخصٍ آخر، فكثيرًا ما أسمع: "كأنكِ تكتبين عني". في قصيدتكِ "إلى عيونك اهتديت"، كيف جمعتِ في الغزل بين الحفاظ على رقي التعبير وبين الصدق العاطفي الجريء؟ في قصيدتي «إلى عيونكَ اهتديت»، لم أتعامل مع الغزل بوصفه وصفًا للجمال فحسب، بل بوصفه حالةً من الانجذاب الروحي والعاطفي، يصبح فيها الحبيب ملاذًا للنفس، ومكانًا تجد فيه الأمان والاكتمال. أما جرأة البوح، فتنبع من صدق المشاعر وعدم التنصّل منها أو إخفائها خلف عباراتٍ متحفّظةٍ؛ فأنا أترك للعاطفة أن تقول ما تريد قوله، لكنني أحرص على أن تمرّ عبر صورةٍ أدبيةٍ تحفظ للكلمة رقيّها، وللشعور حرارته. فليس من الضروري أن نخفّف من صدق الحب كي نحافظ على جمال التعبير، بل يمكننا أن نكون صريحين في العاطفة، رقيقين في العبارة، وعميقين في الدلالة. أين تجدين الصعوبة الأكبر كشاعرة: في صياغة الفرح والبهجة، أم في ملامسة الحزن ورثاء الأيام الراحلة؟ كما تلاحظ، أكثر كتاباتي عن الفرح، ولو كنت حزينةً لا أكتب عن الحزن. أذكر مرةً أنه طُلوِب مني أن أكتب عن الأم وهي متوفاة، وكان العنوان «لقد بكرّتِ الرحيلا»، وفي الواقع أمي حية ترزق، أطال الله في عمرها. بدأت أكتب، وكانت هذه أكثر مرةٍ أحس فيها بالألم الحقيقي في الكتابة لأنني وضعت نفسي في هذا الموقف، فكانت تجربةً صعبةً جدًّا. الإحساس الصادق هو توجيه القلم لانفعال المشاعر. هل يمكن للكاتب أن يقدم نصًّا وجدانيًّا عظيمًا بالاعتماد على خياله فقط، أم أن حبر القصيدة لا بد أن يرتوي من تجربة حقيقية؟ نعم، يستطيع الكاتب أن يكتب بكل حالاته؛ هناك فكرة سواء التمس مكوّناتها عن تجربةٍ شخصيةٍ أو عن تجربة الآخرين، يعيش الدور بأقصى حدوده، ويجنّد مشاعره لتولد القصيدة. لا نُخفي أن التجربة الشخصية تزيد من قوة عناصر القصيدة؛ لأن الإبحار يكون مطولاً في بحر المعاني. كيف توظفين عناصر الطبيعة مثل الغيم، المطر، وتشرين كمرآة تعكس الحالة النفسية لمن تكتبين عنهم؟ الطبيعة تشارك الإنسان إحساسه؛ فعندما يتقاطع المشهد مع الوجدان، يصبح الغيم حزنًا ناطقًا، والمطر اعترافًا صامتًا، وتشرين حكايةً تختبئ بين أوراق الخريف. وأؤمن أن جمال الصورة الشعرية لا يكمن في وصف الطبيعة وحدها، بل في قدرتنا على جعل القارئ يرى المشهد بعينيه، ويشعر به بقلبه، وكأنه عاش تلك اللحظة من قبل.
المحور الخامس: الجغرافيا والذاكرة وأثر المكان
كتبتِ عن فصول لبنان وعن "زهرة آذار ونسمة تشرين"؛ كيف تؤثر طبيعة هذا البلد وأجواؤه على اختياركِ للألوان والكلمات؟ في لبنان، لكل فصلٍ نكهته الخاصة وملامحه التي تستثير إحساسًا مختلفًا؛ فالربيع بأزهاره وألوانه المتجددة يستدعي مفردات الفرح والتفتح والأمل، ومن هنا تأتي صورة «زهرة آذار» بما تحمله من رقةٍ وبداياتٍ واعدةٍ. أما تشرين، بنسماته الهادئة وألوان أوراقه المتبدلة، فيوقظ في داخلي الحنين والتأمل وشيئًا من الشجن الجميل، ولذلك تصبح «نسمة تشرين» أكثر من مجرد وصفٍ لفصلٍ، إنها إحساس عابر بين الدفء والغياب، وبين جمال الحضور وذاكرة الرحيل. كما أن تعاقب الفصول في لبنان يشبه إلى حدٍّ بعيدٍ تقلّبات النفس البشرية؛ ففيه فرح الربيع، ووهج الصيف، وحنين الخريف، وصمت الشتاء. وهذا التنوع يتيح لي أن أستعير من الطبيعة لغتها، وأُسقط عليها ما يختلج في النفس من حبٍّ وشوقٍ وأملٍ ووجعٍ. هل تملكين في ذاكرتكِ مكانًا عتيقًا أو تفصيلاً يوميًّا معينًا ترتبط به أغلب نصوصكِ وتستحضرينه دائمًا؟ التفاصيل اليومية تبدو عابرةً في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة إليّ قد تكون شرارة نصٍّ كاملٍ؛ لأنني أؤمن بأن الذاكرة لا تحتفظ بالأماكن وحدها، بل تحتفظ بما عشناه فيها، وبالأشخاص الذين مرّوا بها، وبالمشاعر التي تركوها فينا. لهذا أجد أن أجمل النصوص تولد من أبسط التفاصيل؛ فثمة أشياء لا تحتاج إلى حدثٍ كبيرٍ كي توقظ القصيدة، يكفي أن تلمس وترًا قديمًا في الذاكرة حتى ينهض الكلام من تلقاء نفسه. الذاكرة اللبنانية مليئة بالقصص الحية؛ كيف تتسرب هذه الحكايات الشعبية إلى نصوصكِ النثرية القصيرة؟ كما يقولون: "الكاتب ابن بيئته"، فلا بد من التأثر بما يحيط بنا من عوامل واقعيةٍ؛ من قصصٍ، ومن شعاراتٍ، ومن أوضاعٍ حياتيةٍ متقلبةٍ. فهذا يثري الذاكرة من مختلف المواضيع، ويؤثر على الكاتب في تنوع كتاباته من قصائد، أو حكمٍ، أو نصائح. كيف توازنين في كتاباتكِ الوطنية بين إبراز الجمال الطبيعي، وبين تصوير الصبر اليومي واليوميات الصعبة للناس؟ لا نختلف في أن الوطن هو طبيعة وإنسان، لذلك لا نستطيع أن نفصل بين التغني بما يملك الوطن من جمال طبيعته، وبين ما يعانيه المواطن في وطنه. أؤمن أن أجمل كتابةٍ وطنيةٍ هي التي تجعل القارئ يعتز بجمال أرضه، ويتأثر بوجع أهلها، ويخرج من النص أكثر تمسكًا بالأمل والمسؤولية تجاه وطنه؛ فأنا أكتب لبنان كما يسكن وجداني: جمالاً لا يُنسى، ووجعاً لا يُتجاهل، وحباً لا تهزمه العواصف. ما هي البصمة والأثر الذي تتمنين أن تتركه كلمات باسمة السيد في قلوب القراء وعلى رفوف الأدب؟ أطمح أن تكون كتاباتي مساحةً يلتقي فيها الحب بالحنين، والوجع بالأمل، والانتماء بالعنفوان، وأن أظل وفيةً للكلمة التي تنبع من القلب، فلا أتخلّى عن عفويتها وصدقها في سبيل الزخرفة اللفظية أو المحسنات الشكلية. وأتمنى أن يأتي يوم أجد فيه أن كلمات باسمة السيد لم تكن حبراً مرّ على الورق فحسب، بل كانت نبضاً صادقاً يعبر إلى قلوب الآخرين، وأن كل من يقرأ كلماتي يقول: "هذا الكلام يمثلني". فالبصمة والأثر الجميل في نفوس القراء هو ما يطمح إليه كل كاتبٍ، وأسعى دائماً إلى التطور والتنوع والاستمرار، وأجتهد لكي أجمع كتاباتي في كتابٍ، وسيكون قريباً -إن شاء الله- الانتهاء من وضع اللمسات لكتابٍ أعدّه.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية اللبنانية المعاصرة:مع الإعلامية اللبنانية م
...
-
الحركة الإبداعية اللبنانية المعاصرة:مع الأديبة عايدة حسن عيد
-
الحركة الإبداعية اللبنانية المعاصرة:مع الأديبة أديبة طنوس ال
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعرة نادرة معمر قا
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعر الأسعد بن عربي
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الكاتب علي غازي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الكاتبة ميرفت الخزاعي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعرة مها المبارك
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعرة إنعام الحمدان
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر حسن العطاوة
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديبة ليلي عيال
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديب ديار الخفاجي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعر عادل عباس الغر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة::مع الأديبة اعتماد حياوي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعر حيدر غراس
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر حمزة فيصل المرد
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديب إبراهيم علي ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الأديبة الجزائرية فت
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة :مع الكاتب الجزائري سناج
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الفنانة التشكيلية ثريا
...
المزيد.....
-
-توقف الآن!-.. مشادة بين النائبين راسكين وكرينشو على الهواء
...
-
حول عبدالرحمن السيد.. ساويرس يرد على مقال -لا علاقة له بمصر-
...
-
بين موقفي -الشاباك- و-النائب العام-.. ما الذي يجري في إسرائي
...
-
الحرس الثوري يستولي على مسيرتين أمريكيتين في هرمز
-
حين يصاب القادة بالنسيان: من رونالد ريغان إلى جاك شيراك
-
الدفاع الروسية: تدمير مركز لوجستي ومحطة كهرباء شرق أوكرانيا
...
-
اتهام عشرة أشخاص بالاحتيال الانتخابي في كاليفورنيا
-
شهيد وجرحى في قصف على غزة وإسرائيل تواصل خروقها
-
الحرس الثوري: حرائق في ناقلتين وقاطرة بحرية بمضيق هرمز
-
من التوافق إلى الانقسام.. انتخابات النواب الأردني تكشف هشاشة
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|