|
|
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديب ديار الخفاجي
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8874 - 2026 / 10 / 30 - 08:24
المحور:
مقابلات و حوارات
خارج النص: ديار الخفاجي في مواجهة الحبر والدم
الحوار مع ديار الخفاجي لا يحتاج إلى مقدمات أدبية منمقة عن بابل أو النثر. هو حوار مع شاعر قرر فجأة أن يرمي بالبلاغة جانباً ليكتب بكلمات عادية جداً عن جثث طافية ودموع أمهات، أو ليجلس في زاوية الغرفة متمسكاً بظل امرأة. هذا الحوار يبحث في الخدوش التي تركتها القصيدة على الشاعر قبل القارئ. المحور الأول: فاجعة سبايكر.. حين يتحول الدم العراقي إلى حبر
هناك 1700 شاب غرقوا في النهر والرصاص؛ ألم تشعر بالخوف من أن يحولهم شعرك إلى مجرد "مادة أدبية" تصفق لها الجماهير؟
لأن الحبر في مثل هذه الفواجع ليس حُليَةً للدم، بل عدالةُ الشاعر حين يكشف زيف المتآمرين على الضحايا، ويعرّي الكواليس التي أفضت إلى مأساتهم. إنّ التحدّي الذي أضعه أمام ذاتي ليس أن أحوّل موتهم إلى مادةٍ أدبية تستدرّ التصفيق، بل أن أجعل من الكتابة صرخةً في وجه الأسباب، وأن لا اختزل تلك المآسي في أرقامٍ أو صورٍ عابرة.
• كتبت ونشرت عن هذه المجزرة في جريدة وزارة الثقافة الرسمية.. هل شعرت للحظة أن قصيدتك باتت جزءاً من البروتوكول الحكومي بدلاً من أن تكون صرخة الضحايا؟
إنَّ الجريدة التي أكتب فيها، ليست الكتابة على صفحاتها غايةً منفردة؛ بل إنّها منبرٌ أحاول من خلاله إيصال صوت الضحايا، وكشف ما ينبغي ألّا يظلّ مخبوء تحت طي الكتمان. فالشعر لا يعيد الموتى، لكنّه يستطيع ألّا يترك غيابهم فريسةً للنسيان الجائش.
• الموت في سبايكر كان بشعاً وعارياً؛ كيف تجرأت على إدخاله إلى المختبر الشعري وتزيينه بالاستعارات؟
إنّ الموت في صورته التقليدية هامشٌ يطفو فوقه التراب، أمّا الشعر فخُلِق لخلود الفكرة، والصورةُ معراجُها الحتمي.أنا لا أُدخل البشاعة إلى المختبر الشعري لأُزيّنها، بل لانتزعها من عُريها العابر، وأمنحها صورةً تفضح فداحتها، وتمنعها من التحوّل إلى مشهدٍ يشتهيه الاشمئزاز، ثم يطويه النسيان.ولكيلا تعجز الذاكرة عن تحمل الفاجعة، حمّلنا الشعرَ هذه المسؤولية؛ ليُبقيها شاهدةً على الجريمة ما بقيت أقلام الشعراء تقاوم النسيان.
• هل غسلت قصائدك طين النهر عن وجوه الضحايا، أم أنك شعرت بالذنب لأنك نجوت وتكتب وهم ماتوا؟
لم أكتب لأغسل الطين عن وجوه الضحايا، بل لأكشف زيف النوايا التي توهّمت أنّ الطين يمحو ما أخفاه اللسان من الحدث المراد. إنّ نجاة الشاعر ليست براءةً من الموت، بل هي موتٌ آخر يُدرَّس ليكشف عورة الجريمة؛ ولعلّ الشعر لا يتنفّس هنا إلّا ليحمل صوت الضحايا إلى الجهات التي أرادت ألّا يُسمع وأن تُشيع أثره نحو طينٍ غليظ .
• بعد أن جفت الأقلام وانتهت المناسبات الرسمية، ماذا يتبقى من قصيدتك عندما تجلس وحيداً في الليل؟
مناسباتُ الشاعر تتجدّد بتجدّد تطلّعه إلى الفكرة من زواياها المحبّبة، وحين يزاملني الليل يكتشف فيَّ ما تبقّى من الإنسان القابع خلف القصيدة، ويأخذني إلى عوالم أخرى من الشعر. فكلُّ الأقلام تجفّ إلّا قلم الشاعر؛ يظلّ نهرًا تصبّ فيه المخيّلة سيلها، لئلّا يداهمه نعاسٌ خشنٌ يسلبه فضيلةَ الحلم.
المحور الثاني: "مُتعلِّقٌ بكِ".. فخ الخوف والضعف الإنساني
• في قصيدتك "متعلق بك"، تظهر كعاشق مهزوم ومستسلم؛ ألا ترى أن هذا النوع من الشعر يكرس ضعفاً لم يعد يطيقه إنسان هذا العصر؟
إنّ الشاعر لا يهزمه إلّا قلبه؛ وما الانهزام في قصيدة (متعلّق بكِ) إلّا محاولةٌ لإعلان انتصار الحب. فمن لم يهزم قلبه، لم يعرف العشق في أقصى تجلّياته. ..إنّ هذا النوع من الشعر لا يكرّس الضعف، بل يكشف عن صورة العشق المستترة خلف مظهر الانكسار، غير أنّ القارئ الذي يكتفي بظاهر النص، قد يرى في الانتصار هزيمة...فليس كلُّ انحناء انكسار، ولا كلُّ هزيمةٍ خسارة، قد ينتصر الشاعر في اللحظة التي يتوهّم فيها القارئ أنّه هُزِم من خلال إعلان قصيدته.
• عندما تقول "متعلق بك"، هل المرأة هنا حقيقية من لحم ودم، أم أنها مجرد فكرة تهرب إليها من رعب الشارع العراقي؟
المرأة فكرةٌ من لحم المعنى، ودمٌ ينساب من فُوّهة القلم. ومَن لا يفر نحوها من رعب المكان، أو يجعل من رائحة ذكراها حين يدوّنها معراجًا لأخيلةٍ فاز الدخان به، فالأنثى هنا ليست امرأةً من لحمٍ ودمٍ فحسب، بل حياةٌ تستردّ بها الروح قدرتها على التنفّس؛ إذ لا تحيا النفس ما لم تتعلّق بقيمةٍ تُدرُّ فيها معنى الوجود. والمرأة هنا تتقاسمها الفكرة والحقيقة، لكنّها في الشعر تتجاوز صورتها التقليدية؛ بل تصبح ملاذًا من رعب الخارج.
• التعلق مرض نفسيّ قبل أن يكون حالة شعرية؛ هل كنت تكتب لتشفى منه أم لتغري القارئ بمشاركتك الوجع؟
الكتابة بوصلةُ المراد وما يبحث عنه القارئ في كتابات الآخرين يجعل من المكتوب مرآةً لعينه وما يدور في خلجاتها. فالكاتب لا ينكشف ليعرّي نفسه من وجعها، بل ليتقاسم مع الآخرين أوجاعه عبر مراده المكتوب، لعلّهم يجدون فيه ما عجزوا عن البوح به.أمّا التعلّق فمآله التجاذب بين ما نريد وما يعجزنا الوصول إليه؛ فإذا كان التعلّق في عين الرائي مرضًا، فكيف له أن يفسّر حبلَ الوصال حين ينقطع!
• ألا تخاف أن تتحول نصوصك الوجدانية إلى "كليشيهات" يتبادلها المراهقون على منصات التواصل الاجتماعي؟
تيقّن أنّ المراهق حين يلتفت إلى ما يُكتب، قد يجد في الأدب ملاذًا آمنًا؛ فمن يعي قيمة المكتوب وينفذ إلى معناه يصبح سيدًا لنفسه، لا أسيرًا لبعض ما يُقرأ. فالكتابة وسيلةُ صونٍ للوعي، لا طريقٌ إلى الانحدار. والمراهق لا يبحث بالضرورة عن ذاته في قصائد الآخرين، بل قد يعثر فيها على ما يعينه على فهمها. فالأدب في جوهره لا يُلقي به في قاع المحظور، بل ينتشله من طيش الفكرة إلى مساحة من التأمّل؛ أمّا تحوّل النص إلى كليشه، فإن ما يُتداول بلا وعي عند المنصات لا خشية لي فيه على ما أكتب، بل الخشية تقع عند من لايعي؛ فيستحيل ذلك صدى للآخرين.
• متى تتحول هذه القصيدة من اعتراف صادق إلى عبء نفسي تمنيت لو أنك لم تنشره؟
حين يصبح المآل عُرضةً للتأويل يغدو الاعتراف الصادق عبئًا نفسيًّا؛ إذ يحاول بعض النقّاد استعراض عضلات عُقدهم النفسية من خلال النصّ، لا النفاذ إلى تجربته. وما دمت تكتب قصيدة النثر فأنت تدرك أنّها حجرٌ في عين كلّ من يرى أنّ النثر لا يكون شعرًا، وإن كان شعرًا فهو ليس بشعر بل جمع من الخواطر المشتتة.وشتّان بين ناقدٍ يعي قيمة الكلمة فيقرأ النصّ من داخله، ومن يحاول أن يُقصيها إلى الزاوية التي يشتهيها؛ ليُخضعها لمقاساته المنغلقة لا لمقتضياتها الجمالية. المحور الثالث: قصيدة النثر.. هل هي عجز عن الوزن أم تمرد؟
• بصراحة، هل اخترت قصيدة النثر لأنك لا تجيد ضبط البحور الخليلية والموسيقى التقليدية، أم أنك تجدها فعلاً أكثر حرية؟
إنّ صاحب الموهبة لا يعجز عن جنسٍ أدبيّ أمام آخر، بل يجد نفسه في الجنس الذي اختارته تجربته الإبداعية، وانسجمت معه رؤيته الفنية. فالمسألة ليست عجزًا عن الوزن بقدر ما هي قدرةٌ الشاعر على خلق نصٍّ أدبيّ مختلف تتآزر فيه الصورة والفكرة والبنية.ومن هنا فإنّ كاتب قصيدة النثر لا يقلّ مقدرةً عن شاعر العمود؛ إذ لا تُقاس الموهبة بالشكل الذي تكتب بل بقدرتك على استثمار أدواته وابتكار ما يمنح النصّ فرادته. فالوزن على أهميته الموسيقية لا ينقل القصيدة بالضرورة إلى مرحلة الانصهار في اللغة؛ فقد يكون النصّ موزونًا لكنه خارج السياق.فيما تستطيع قصيدة النثر أن تبلغ بالاشتغال على الصورة والإيقاع الداخلي والانزياح مرحلةً يتوحد فيها الشكل والمضمون.لذلك لا أرى قصيدة النثر عجزًا عن الوزن؛ بل إنّها اختيارٌ جمالي تفرضه طبيعة التجربة ويمنحه الشاعر مشروعيته بقدر ما يمتلك من وعيٍ باللغة وأدوات الكتابة.
• تكتب بلغة بسيطة جداً؛ ألا تخشى أن يسألك قارئ عابر: "ما الفرق بين كلامك هذا وكلامي اليومي؟" أين الشعر هنا؟
موهبة الشاعر لا تقتصر على أن يكتب بلغةٍ متعالية ومفرداتٍ منمّقة، بل تتجلّى في قدرته على أن يجعل النص بسيطًا في لغته، عميقًا في فكرته، ومؤثّرًا في إيصال صوته.فالشعر لا يستمدّ قيمته من غرابة المفردة أو تعقيد العبارة.أمّا القارئ الذي يسأل عن الفرق بين لغة الشاعر ولغته اليومية، فإنّ ذلك لا يكمن في المفردات وحدها، بل فيما تصنعه التجربة من اللغة، وما تمنحه الصورة من أبعاد، وما تتركه الفكرة في الوعي من أثر. كما أنّ البساطة في طرح الفكرة لا تنتقص من شعريّة النص.
• النثر يمنح الشاعر حق الثرثرة؛ كيف تفرمل قلمك وتمنع نفسك من قول كلام زائد لا قيمة له؟
من يجد في نفسه إنسانًا يعي مسؤولية الكلمة لا يحتاج إلى الثرثرة. فالفكرة لا تبحث عمّن يُكثر الكلام فيها بقدر ما تبحث عن قلمٍ يعرف قيمتها، وكيف يصوغها، وإلى أين يمكن أن تفضي مآلاته. فالإسهاب حين لا تضيف الكلمات فيه شيئًا إلى المعنى ليس إلا إفلاسًا كتابيًا ومعرفيًا،وإنّ صاحبه يقف عند خارج قوس الموهبة
• هل تشعر بالإهانة عندما يقول لك شخص من الحرس القديم للشعر إن ما تكتبه ليس إلا خواطر عاطفية؟
لا يعنيني ما يُقال بل يهمّني ما أراه في كتابتي. فبعض النفوس لا تبحث عن قيمة ما تكتب بقدر ما تريد أن تتصيّدَ في الماء العكر، لعلّها تتسيّد المشهد بما ارتأته، أو تجد مَن يصفّق لأحكامها. فصاحب هذا المنحى لا ينشغل بقيمة ما تكتب بقدر ما يسعى إلى وضع كتاباتك في زاوية مظلمة، يُحسن تصنيف أصحابها، ثم ينسبك إليها.
• متى تشعر أن قصيدة النثر خذلتك ولم تستطع استيعاب الفكرة التي تدور في رأسك؟
تخذلني قصيدة النثر حين تنحرف عن فكرتها الجوهرية، وتتحول إلى كلامٍ مسترسل لا يمتلك من الشعر ما يشفع له بالكتابة. وحين يفقد الشاعر قدرته على ضبط إيقاع النص وبنائه يغدو الاسترسال جسدًا بلا روح بدل أن يكون أداةً لخدمة الفكرة. فليست حرية قصيدة النثر أن تقول كل ما يخطر في البال، بل أن تعرف ما يستحق أن يُقال وكيف يُقال. المحور الرابع: النشر والمسابقات.. السقوط في فخ الانتشار
• شاركت في مسابقات أدبية ونشرت في مجلات عربية؛ هل كنت تبحث عن اعتراف بموهبتك من لجان تحكيم، أم كنت تحتاج فقط إلى شهادة تثبت أنك شاعر؟
من البديهي أن يبحث الشاعر عن ذاته في المسابقات الكبرى وغيرها، وأنا أحد هؤلاء، لا بحثًا عن شهادة تصنع مني شاعرًا، بل تثمينًا لذاتي وللقيمة التي أحملها، وسعيًا إلى تقديم تجربتي إلى المجتمع الأدبي والأوساط الثقافية، وإيصال صوتي الذي قد يظل مهمّشًا محليًا بفعل بعض المحسوبيات أو الأنا التي تطغى على بعض النفوس.فالشاعر لا يحتاج إلى شهادة تمنحه صفة الشاعر، بل إلى منبرٍ يتيح لنصّه أن يصل، وتجربةٍ تضعه في فضاء أوسع من محيطه. فشهادة الشاعر لا تبدأ من لجنة تحكيم، ولا تنتهي عند جائزة؛ إنما تتشكّل في قيمة ما يكتب، وما يتركه من أثر في ذاكرة الأدب والقرّاء.
• بعض المجلات الثقافية تنشر لأي شخص مجاملةً؛ كيف تثق أن نصوصك نُشرت لأنها عظيمة وليست لملء الفراغ في صفحة الأدب؟
الأديب الحقيقي الذي يعي قيمة ما يكتب يدرك قيمة المنبر الذي ينشر نصّه، ويعرف أن النشر ليس غايةً بحد ذاته، بل مسؤولية تتقاسمها جودة النص ومكانة المنبر الذي يحتضنه.فإذا كان المكان لا يميّز بين نصٍّ يستحق النشر وآخر لا يضيف إلى المشهد الأدبي شيئًا ويمنح صفحاته لكل من كتب حرفًا دون وعيٍ بقيمته ومآلاته، فعلينا أن نعيد النظر في جدوى النشر فيه؛ لأننا حين نضع أقلامنا في أماكن لا تمنح النص حقّه، نكون قد أسهمنا في الانتقاص من قيمتها . • هل تضبط إيقاع كلمتك لتعجب المتلقي العربي في المجلات الخارجية، أم أنك تكتب بلهجة وروح بابلية خالصة لا يفهمها إلا ابن بلدك؟
أنا أكتبُ وفق ما أراه وما تتيحه لي ثقافتي وإمكاناتي اللغوية، لا وفق ما يُرضي المتلقي أو يستجيب لأفق انتظاره. وله حق النقد والتحليل أيًّا كانت لغة النص أو بيئته الثقافية؛ فخصوصية التجربة لا تعني انغلاقها، والانتماء إلى روح بابل لا يحول دون وصولها إلى قارئ بعيد عنها. فالشاعر يمتلك ذائقته المنفردة ورؤيته الخاصة، فيما يمتلك القارئ أفقًا متّسعًا للتأويل والتلقي، ومن هذا الاختلاف تتعدد القراءات وتتجدد دلالات النص.
• الشهرة الرقمية تصنع شعراء وهميين؛ كيف تحمي نفسك من أن تكون واحداً من هؤلاء الذين يعيشون على الإعجابات الوهمية؟
الشاعر الحقيقي ينأى بلغته عن هذا المنحى، فمن كان همّه حصد الإعجابات الوهمية أو التسلق النفعي، فقد خرج عن سياق الأدب ورسالته.فالأديب الحقيقي لا تستميله المصالح؛ بل يفرض حضوره بموقفه ويجعل من الكلمة مسؤوليةً ثقافية وأخلاقية. فمَن يرى في الشعر حياةً، وفي الثقافة ضرورةً، يدرك أن الثبات على الموقف أسمى من التقلّب وفق المصالح، وأن قيمة الشاعر لا تُقاس بما يحصده من إعجابات، بل بما يتركه من أثرٍ أدبي لدى القرّاء.
• لو لم تنشر في أي مجلة، هل كان ديار الخفاجي سيتوقف عن الكتابة، أم أن النشر هو الأكسجين الذي يبقيك شاعرا؟
لا علاقةَ للنشر باستمرارية الكتابة أو انقطاعها؛ فالكتابة ضرورةٌ وليست غرضًا، ولا تتوقف عند اعترافٍ.أمّا النشر فقد تحوّل في وقتنا الراهن إلى غايةٍ لدى كثيرين، حتى باتت الصحف والمجلات تحتضن أقلامًا لمجرد أنها تكتب، لا لأنها تمتلك ما يستحق القراءة بل لأنها تبحث عن مادة أي كانت طبيعتها. وهنا أصبح النشر لايعتمد معايير القيمة الأدبية،وأنني لا أكتب كي أُنشر، بل أكتب لأن الكتابة جزءٌ من وجودي. المحور الخامس: "المسافة الصفرية بين الشاعر والنص" • تصف قصيدتك النثرية بأنها "متعلق بك"، لكنك في نصوص سبايكر تظهر كمن يحاول التخلي والهروب من قسوة المشهد؛ كيف يتعايش في داخلك الشاعر الذي يريد القبض على التفاصيل، والشاعر الذي يتمنى لو يغمض عينيه؟
الكتابة، بكل حالاتها مواجهةٌ للصراعات التي يعيشها الشاعر أيًّا كان المنحى الذي يكتب فيه.فالكتابة بقلم التعلّق والغزل هي محاولة لإيصال الحياة التي تقبع في أعماقنا؛ فالإنسان مهما جاش به الألم يظلّ كائنًا يحبّ ويتمنّى ويعيش تجربته بفرادتها وصدقها. وليس التعلّق انصرافًا عن قسوة الحياة.أمّا الكتابة التي تُعرّي الحرب وساداتها، فهي رسالةٌ إلى العيان بأن الموت لا يمحو ذكر هذه الكوكبة، وأنّ من يريد طمس ملامحها لن يجد في أقلامنا صمتًا يعينه على النسيان، فأقلامنا حيّة، وسهامٌ تثقب عين المتسلّط على تلك الأرواح.لذلك لا أرى تناقضًا بين ما يتعلّق بالحياة وبين الذي يواجه الموت.فكلاهما يحاول انتزاع حقه في الوجود، أحدهما بالحبّ والآخر بالذاكرة.
• في نصوصك المنشورة في "بصرياثا" أو "همسة"، تضع اسمك الصريح "ديار الخفاجي" على كلام شديد الحميمية والخصوصية؛ ألا تشعر أحياناً بـ "العري الفني" وأنك كشفت للغرباء أجزاءً من روحك لا ينبغي لأحد رؤيتها؟
إذا كان الشاعر يخشى من صوته فمن له الحق في إيصال نبرته الخاصة ؟وإذا انغلقت على فكرتك وخيالك فأرى إنَّ هذه الطريقة هي نوع من انواع الموت الذي تقتات عليه ذات الشاعر، أنا لا أرى في البوح ضعفًا ولا في التجرد إثمًا؛ لذا سأكتب
• عندما تكتب عن ضحايا المجازر، هل تشعر أنك تقدم شهادة حية للمستقبل، أم أنك مجرد شخص يحاول تخفيف وطأة الذنب الإنساني لأنه نجا من الموت؟
الكتابة شاهدُ عيانٍ لكلِّ من فاتته المشاهدة، وبوصلةٌ لكلِّ من ضلَّ الطريق، ورسالةٌ عمليةٌ لمن استجهل قيمتها، ودرسٌ في المحاسبة لمن ظنَّ من الجناة أنَّ انتهاء الحدث يعني انتهاء القصة.فما تكتبه عن الضحايا ليس محاولة لتخفيف وطأة الذنب الإنساني بقدر ما هو تثبيت للحقيقة في وجه من يحاول طمسها، والبقاء على فتح هذا الملف أمام ذاكرة الأجيال. فالموت قد يُنهي حياة الضحية، لكنه لا يمنح الجاني حقَّ الإفلات من عدالة التاريخ.
• اللغة النثرية البسيطة التي تستخدمها تجعل النص يبدو سهلاً، لكن هل حدث وتبرأت من نص لك بعد نشره لأنك شعرت أن البساطة خانتك وبدت أقرب للركاكة؟
لا يتبرّأ الكاتب من نصه، وإن بدا بسيطًا فبساطة النص مرحلةٌ من مراحل نضج التجربة يدين لها الكاتب بما اكتسبه من خبرة. فلا أحد منّا يولد كاتبًا متمرسًا ما لم يخض غمار الكتابة، ويتعلّم من عثراته، ويعيد اكتشاف لغته في كل تجربة.ثم إنّ البساطة ليست ركاكة، كما أنّ فخامة المفردات ليست دليلًا على جودة النص؛ فالكتابة ليست رفعةً في الكلمات بقدر ما هي وضوحٌ في الرؤية، وصدقٌ في التعبير، وقدرةٌ على إيصال صوت الشاعر وفكرته دون أن يفقد النصّ قيمته الفنية.أنا لا أتبرّأ من نصوصي البسيطة، بل أراها شواهد على مراحل النضج التي قطعتها في أشواط تجربتي الكتابية. فما أكتبه اليوم لا ينفي ما كتبتُه بالأمس، وإنما يكشف مقدار خبرتي المكتسبة من خلال تلك التجربة
• كاتب النثر المعاصر يظل يسأل نفسه دائماً عن الهوية؛ هل يرضيك أن يُقال عنك "كاتب نصوص نثري" أم أنك تقاتل في داخلك لتنزع اعترافاً من الجميع بأنك "شاعر" بكامل الأهلية؟
أنا لا أسأل عن هويتي، بل أبصر الخطى التي أنتهجها وأمضي نحوها دون أن ألتفت إلى الخلف. فمن يقاتل في سبيل تجربته إنما ينتصر لذاته ولا يحتاج إلى منّة أحدٍ ليقول له: أنت شاعر.فالتسمية لا تُكتسب بمجرد النطق بها، وإنما تمنحها التجربة، وتثبتها أهليته في الكتابة. أنا لا أقاتل لأنتزع اعترافًا من مسؤول أدبي، ولا أستجدي لقبًا من أحد حواشيه؛ فالشعر ليس لقبًا نتسوّله، بل تجربة نُخلص لها، ورسالة تُخلدها اللغة.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعر عادل عباس الغر
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة::مع الأديبة اعتماد حياوي
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعر حيدر غراس
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر حمزة فيصل المرد
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديب إبراهيم علي ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الأديبة الجزائرية فت
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة :مع الكاتب الجزائري سناج
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الفنانة التشكيلية ثريا
...
-
التجربة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الكاتبة مريم بو شيخ
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الكاتبة مريم بو شيخي
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة:مع الشاعر فضيل حاج بن عد
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعرة روضة بو سليمي
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة:مع الشاعر اليمني معمر السف
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع الأديب اليمني منصور ال
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع المسرحي عمر مكرم عنتر
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع محمد عبد الحفيظ الهادي
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع الشاعر عبده هريش
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة : مع الشاعرة البوسنية ذات
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة:حوارٌ شامل مع الأديبة اليم
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع الشاعر عبده عمران
المزيد.....
-
رواج فيديو رد فعل طالبة مصرية لحظة تكريم محمد بن راشد لها في
...
-
فانس يوضح سبب حديث ترامب عن -مؤخرة- سيناتور ولاية أوهايو
-
الانتخابات الإسرائيلية.. 4 سيناريوهات أمام آيزنكوت ونتنياهو
...
-
العدل الأمريكية: الحكم على سوري بالسجن لاختراقه مؤسسات أمريك
...
-
لافروف يصل إلى الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماع وزراء خار
...
-
البحرية الروسية من التأسيس إلى قوة استراتيجية ضاربة
-
كوريا الجنوبية: سنواصل دعم أوكرانيا رغم استدعاء سفيرنا من كي
...
-
أوكرانيا تعلق هجماتها على مصافي النفط الروسية وإدانات دولية
...
-
من الملفات الورقية إلى المنصات.. هل ينجح السودان في بناء حكو
...
-
واشنطن بوست: فانس يطمئن رضائي بشأن سيادة إيران ويشترط مفاوضي
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|