|
|
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الشاعر حيدر غراس
عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 00:16
المحور:
مقابلات و حوارات
الشاعر حيدر غراس: قصيدة الواقع وألم الهامش حوار:عطا درغام يُمثّل الشاعر العراقي حيدر غراس صوتاً شعرياً ينطلق من قلب المعاناة اليومية والواقع الإنساني؛ حيث يلتقط بتفاصيل نصوصه نبض الشارع وهموم البصرة الممتدة في ذاكرته. تتميز تجربته بالانحياز للبساطة وعمق الفكرة، بعيداً عن التعقيد اللغوي. وفي هذا الحوار، نغوص في تفاصيل حركته الثقافية، ونستكشف ملامح نتاجه الأدبي والقضايا التي تشغل قلمه، وطبيعة الأسلوب الذي يُميّز كتابته. المحور الأول: الإبداع والمنطلقات الشعرية 1. ما الإضافة التي ترى أن مجموعتك "إسفلت أحمر" قدمتها للمكتبة الشعرية العراقية؟
لم آتِ لـ "إسفلت أحمر" لأضيف مجرد ورقٍ جديد، بل لألطّف قسوة الطريق. الإسفلت في أذهاننا رماديٌّ وجافٌّ ومكتظٌّ بالعابرين، لكني أعدت صياغته بلون النبض والدّم والتعب؛ قدمتُ نصاً يحاول أن يجعل الشارع يبوحُ بكل قدمٍ وطئتهُ ودون أن تلتفت إليه.
2. كيف توازن في شعرك بين التعبير عن الذات والتعبير عن الجماعة؟ الذات والجماعة في قصيدتي ليسا طرفي ميزان، بل هما وجهان لمرآة واحدة. حين أكتب عن وجعي الخاص، أكتشف أنني بصوتٍ خفي أدوّن وجع الحافلة التي تقلّنا جميعاً صباحاً. أنا لا أخرج عن الناس لأكتبهم، بل أغوص في نفسي أكثر لألتقيهم هناك.
3. متى يشعر حيدر غراس أن القصيدة اكتملت ووصلت إلى مرحلة النضج الأدبي؟ لا تكتمل القصيدة حين أضع آخر نقطة، بل حين تشعرني بالخوف؛ خوف أن يمسّها أي حُذف أو إضافة فيفسد طازجيتها. النضج الأدبي هو أن تصبح القصيدة كائنًا يستغني عن مؤلفه، ويرفض أن تعيد تشكيله مرة أخرى.
4. هل ترى أن دراستك لعلم نفس الطفل أثرت بشكل مباشر في طريقة رؤيتك للأشياء وصياغتك للصور الشعرية؟ بالتأكيد؛ علم النفس لم يمنحني أدواتٍ تحليلية فحسب، بل أعاد إليّ "عين الطفل" الأولى التي تندهش من كل شيء. الطفل يرى في الحائط وجهاً، وفي الغيمة لعبة، وفي الصمت قصّة؛ هذه البراءة البصرية والقدرة على التفكيك النفسي هي ذاتها التي أصوغ بها صوري الشعرية.
5. كيف تصف اللحظة الأولى التي يتحول فيها الموقف اليومي البسيط إلى نص مكتوب؟ هي لحظة تعثّر غير متوقعة. موقفٌ يمرّ به الجميع ويمضون، لكنه يعلق في مخيلتي كشظية. يحدث ذلك حين أرى الشبه بين تفكير طفل ومصير مدينة، أو بين عثرة قدم وعثرة عمر؛ هنا يتحول العاديّ إلى مقدس شعري.
المحور الثاني: النشاط الثقافي والتواجد الرقمي
1. نشرت مئات النصوص في مجلات ورقية ومواقع إلكترونية، كيف ترى الفرق في تفاعل القراء بين المنبرين؟ الورق يمنح النص هيبة، ويقيم معه القارئ علاقة طقسية هادئة وشديدة الخصوصية. أما الشاشة الرقمية فيصلك أثرها كالصدمة الكهربائية؛ سريعة، مباشرة، ومفتوحة على آفاق لا حدود لها. الورق يحفظ النص، والرقمي يجعله يركض في الشوارع.
2. هل تعتقد أن النشر الإلكتروني ساهم في وصول قصيدتك إلى جمهور عربي أوسع؟ بلا شك؛ العالم الرقمي أزال جمارك الجغرافيا. أصبحت القصيدة التي تُكتب في البصرة تُقرأ في نفس اللحظة في بغداد، وتونس، والرباط، ومهرجانات المغترب. الفضاء الرقمي منح القصيدة أجنحة لم تكن تملكها في زمن البريد الورقي.
3. كيف تقيم الحركة الأدبية الحالية في البصرة من خلال مشاركاتك وأنشطتك؟ البصرة رئَة الثقافة العراقية، تنبت الشعراء كما تنبت النخيل. الحركة الأدبية هنا متجددة دائماً وقائمة على التناص مع الوجع والماء، لكنها تحتاج دائماً إلى احتضان مؤسساتي يليق بحجم هذا التدفّق الإبداعي الخلاق.
4. ما الذي يحتاجه الكاتب العراقي اليوم ليحافظ على استمرار نشاطه الثقافي رغم التحديات؟ يحتاج إلى "جلدٍ إضافي" وإيمانٍ مطلق بأن الثقافة ليست ترفاً، بل هي الوسيلة الأخيرة للحفاظ على إنسانيتنا. يحتاج الشاعر العراقي أن يعامل الكتابة كفعل مقاومة يومي ضد النسيان والخراب.
5. إلى أي مدى تخدم الملتقيات الثقافية المشهد الشعري الحقيقي، وهل تلبي طموحك كأديب؟ الأمسيات والملتقيات جيدة كفعل تواصل وجسد حي يجمع الأدباء، لكن المشهد الشعري الحقيقي لا يُبنى في الأمسيات بل في "العزلة". طموحي كأديب يتجاوز المصفقين في القاعة إلى القارئ الوحيد الذي يقرأ نصي تحت ضوء خافت في آخر الليل
المحور الثالث: القضايا الإنسانية والاجتماعية
1. تظهر في أعمالك مسحة واضحة من ملامسة هموم الناس، ما القضية المركزية التي تدافع عنها في نصوصك؟ قضيتي الأولى هي الإنسانُ الأعزل هذا الفرد البسيط الذي تدفعه الحياة إلى الهامش، الذي يتعب ليحصل على كفاف يومه، ولا يجد من يعبر عن صمته. أدافع عن حقه في أن يُرى وأن يُسجل وجعه بكرامة.
2. كيف يعكس شعرك تفاصيل الحياة في البصرة، وما الذي تحمله هذه المدينة في دفاترك؟ البصرة ليست مجرد خلفية لنصوصي، بل هي الدّم الذي يجري في قلمي. أحمل فيها طيبة البسطاء، حرارة الصيف، ملح الشطآن، ورائحة الفراهيدي والمتنبي؛ إنها المدينة التي تعلّمك كيف تبتسم حتى وأنت تحمل تعب الدنيا.
3. نصك "خبزٌ مؤجلٌ" يحمل دلالات اجتماعية واضحة، ما الذي أردت إيصاله من خلال هذا العنوان؟ "خبزٌ مؤجل" هو اختصار لحياة ملايين العراقيين الذين يؤجلون أمنياتهم الفسيحة وسعادتهم إلى الغد، ليحصلوا اليوم على مجرد البقاء. العنوان صرخة بوجه الانتظار الذي يسرق العمر تحت مسميات الصبر.
4. كيف يتناول حيدر غراس موضوع الحرب والآثار الإنسانية الناتجة عنها في قصائده؟ لا أكتب عن الحرب بصوت الرصاص أو المدافع، بل أكتب عن الثكالى، عن الأحذية المتروكة في أزقة المعارك، عن رسائل المقاتلين التي لم تصل، وعن الملايين الذين نَجَوا بجسدهم ولكن أرواحهم بقيت هناك.
5. هل تؤمن أن الشعر يمتلك القدرة على تغيير الواقع، أم أنه يكتفي برصده فقط؟ الشعر لا يحرك الجيوش ولا يغير القوانين فوراً، لكنه يغير وعي الإنسان الذي يغير الواقع. الشعر يمنع القلوب من أن تتجلّد، وحين تحافظ على إنسانية الإنسان، فأنت تمنحه القدرة على التغيير.
المحور الرابع: الأسلوب والأدوات الفنية 1. تميل في نصوصك إلى لغة واضحة وقريبة من القارئ، كيف تختار ألفاظك بعيداً عن الغموض؟ البلاغة الحقيقية بالنسبة لي هي أن تقول العميق بالبسيط. أبتعد عن الغموض والتكلف لأنني أريد لنصي أن ينفذ مباشرة إلى القارئ دون أن يحتاج إلى معجم؛ أريد للغتي أن تكون كالماء: صافية، لكنها قد تغرقك في عمقها.
2. ما الدور الذي تلعبه العاطفة مقارنة بالفكرة الذهنية في بناء قصيدتك؟ العاطفة هي شرارة النص ومحركه الأولي، لكن الفكرة الذهنية هي المعمار الذي يقيم النص ويحميه من الانهيار. القصيدة الناجحة هي التي تُكتب بقلب دافئ وعقل بارد يزن الصور والألفاظ.
3. كيف توظف الحوار الداخلي والمشاهد البصرية لتجعل القارئ شريكاً في التجربة؟ أتعامل مع النص كـ مشهد سينمائي أضع الكاميرا الشعرية في زاوية دقيقة، وأترك الحوار الداخلي كأنه صوت سينمائي مصاحب (Voice-over). هذا يترك للقارئ مساحة لملء الفراغات وليرى نفسه بطلاً داخل هذا النص.
4. هل تعتمد على الإيقاع الداخلي للكلمات، أم تفضل الالتزام ببناء تفعيلي معين؟ الإيقاع الداخلي هو الموسيقى الحقيقية للقصيدة؛ موسيقى النفس والتنفس، وترتيب الكلمات، وتدفق المعنى. الشكل التفعيلي جميل، لكن الإيقاع الروحي الداخلي للنص هو ما يجعله يعيش حتى وإن كُتب بنثر خالص.
5. نصوصك مثل "لست فتاها" تظهر فيها نبرة سردية، كيف تدمج السرد القاسي بالروح الشعرية؟
السرد يمنح القصيدة هيكلاً وحكاية، والشعر يمنحها الروح. أدمج بينهما مثل حكّار الزجاج؛ آخذ القسوة من الواقع ومفارقاته (السرد)، وأصقل أطرافها بالحس الشاعري كي لا تجرح القارئ، بل تلهمه.
المحور الخامس: التلقي والنقد الأدبي 1. كيف يتعامل حيدر غراس مع قراءات النقاد لأعماله، وهل تجدها منصفة لتجربتك؟ أستمع للنقد الحقيقي والموضوعي بشغف؛ لأنه يضيء لي زوايا في نصوصي لم أكن أراها وأنا أكتب. طبعاً هناك نقد ينطلق من انطباعات ورؤى سريعة، وهناك نقد يغوص في التجربة؛ وأنا أنحاز دائماً للناقد الذي يقرأ النص بقلبه قبل أدواته.
2. ما هي أكثر ردود أفعال القراء التي أثرت فيك وجعلتك تعيد النظر في طريقة كتابتك؟ أكثر ما يهزني ليس الإطراء الأدبي العالي، بل رسالة من قارئ بسيط يقول لي فيها: "هذا النص وصف ما كنت أشعر به ولم أستطع قوله". هنا أشعر بالمسؤولية، وأدرك أن كلماتي لم تعد ملكي وحدي.
3. هل ترى أن النقد اليوم يواكب غزارة الإنتاج الشعري، أم أن هناك فجوة بين الشاعر والناقد؟
الفجوة موجودة لأسف؛ الإنتاج الشعري غزير جداً ومتسارع بفضل المنصات الحديثة، بينما النقد المنهجي يتسم بالبطء والجمود أحياناً. يحتاج المشهد لنقدٍ حيوي ورقمي يواكب هذه الغزارة دون أن يفقد معاييره.
4. كيف تتعامل مع اختلاف التفسيرات لنص واحد من قبل قراء متعددين؟ بفرحٍ كبير! النص الذي يحتمل تأويلاً واحداً هو نصٌّ ميت. حين يرى القارئ في نصي شيئاً لم أفكر فيه أنا شخصياً، فهذا دليل على أن القصيدة حية وتملك حياتها الخاصة وتتنفس برئة القارئ.
5. ما هو المقياس الحقيقي لنجاح القصيدة وبقائها في ذاكرة الناس من وجهة نظرك؟
المقياس هو الصدق القصيدة الصادقة هي التي تتحدى الزمن؛ لا المهرجانات تخلد النص، ولا البلاغة المتكلفة تحفظه. ما يبقى في الذاكرة هو ذلك البيت أو السطر الذي يتردد في ذهن الإنسان وهو يمشي وحدَه في الشارع.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة:مع الشاعر حمزة فيصل المرد
...
-
الحركة الإبداعية العراقية المعاصرة: مع الأديب إبراهيم علي ال
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الأديبة الجزائرية فت
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة :مع الكاتب الجزائري سناج
...
-
الحركة الإبداعية المغربية المعاصرة:مع الفنانة التشكيلية ثريا
...
-
التجربة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الكاتبة مريم بو شيخ
...
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة: مع الكاتبة مريم بو شيخي
-
الحركة الإبداعية الجزائرية المعاصرة:مع الشاعر فضيل حاج بن عد
...
-
الحركة الإبداعية التونسية المعاصرة: مع الشاعرة روضة بو سليمي
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة:مع الشاعر اليمني معمر السف
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع الأديب اليمني منصور ال
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع المسرحي عمر مكرم عنتر
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع محمد عبد الحفيظ الهادي
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع الشاعر عبده هريش
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة : مع الشاعرة البوسنية ذات
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة:حوارٌ شامل مع الأديبة اليم
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: مع الشاعر عبده عمران
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة : حوار مع الدكتور أمين ثاب
...
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: حوار مع رافد البراق
-
الحركة الإبداعية اليمنية المعاصرة: حوار مع آمنة الموشكي
المزيد.....
-
مصر.. لجنة برلمانية توافق مبدئياً على إعفاء 4 آلاف سيارة للش
...
-
بوتين: ما يجمع روسيا وإفريقيا هو التزام بنظام عالمي عادل ومت
...
-
مقتل جنديين سوريين بريف إدلب برصاص مجهولين
-
خط كركوك–بانياس.. من قرار إغلاقه إلى مباحثات إحيائه لنقل ملي
...
-
إيران وأوكرانيا بحسابات ترامب الانتخابية
-
إسرائيل: انتخابات دون رابح ودون خاسر؟
-
عراقجي يؤكد أن إيران على اتصال وثيق مع الوسطاء لضمان تنفيذ م
...
-
الزيدي في سوريا.. سياق الزيارة ونتائجها المحتملة
-
القوائم العربية تحصد 19 مقعدا بانتخابات الكنيست
-
في رأس المتن .. مشاريع نسائية تجمع العمل والفن والرعاية الصح
...
المزيد.....
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول كتابه: ال
...
/ رزكار عقراوي
-
تساؤلات فلسفية حول عام 2024
/ زهير الخويلدي
-
قراءة في كتاب (ملاحظات حول المقاومة) لچومسكي
/ محمد الأزرقي
-
حوار مع (بينيلوبي روزمونت)ريبيكا زوراش.
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
رزكار عقراوي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: أبرز الأ
...
/ رزكار عقراوي
-
ملف لهفة مداد تورق بين جنباته شعرًا مع الشاعر مكي النزال - ث
...
/ فاطمة الفلاحي
-
كيف نفهم الصّراع في العالم العربيّ؟.. الباحث مجدي عبد الهادي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
حوار مع ميشال سير
/ الحسن علاج
-
حسقيل قوجمان في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول: يهود الع
...
/ حسقيل قوجمان
-
المقدس متولي : مقامة أدبية
/ ماجد هاشم كيلاني
المزيد.....
|