أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محسين الشهباني - حين تنفصل الممارسة الحقوقية عن جذورها النضالية: في نقد بيروقراطية الأجهزة والانتقائية الحقوقية















المزيد.....

حين تنفصل الممارسة الحقوقية عن جذورها النضالية: في نقد بيروقراطية الأجهزة والانتقائية الحقوقية


محسين الشهباني

الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 13:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست أزمة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مجرد خلاف عابر بين مكونات تنظيمية، ولا مجرد سوء تدبير لبعض الملفات الداخلية، بل هي أزمة ممارسة تطرح أسئلة أعمق حول طبيعة العمل الحقوقي، وحدود استقلاليته، ومدى وفائه للمبادئ التي تأسس عليها. فحين تتحول الأجهزة إلى مراكز للنفوذ، وتصبح المسؤوليات التنظيمية موضوعاً للصراع والمحاصصة، يتراجع العمل الحقوقي من موقع الفعل النضالي إلى موقع التدبير البيروقراطي.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب إطاراً حقوقياً هو أن تنفصل أجهزته عن القاعدة المناضلة، وأن تتحول الديمقراطية الداخلية إلى واجهة شكلية تخفي وراءها منطق الوصاية والهيمنة الحزبية. فالجمعية ليست ملكاً لهذا الحزب أو ذاك، وليست مجالاً لتصريف الحسابات السياسية أو إعادة إنتاج موازين القوى الحزبية داخله، بل هي إطار نضالي يفترض أن يستمد قوته من استقلالية قراره، ومن انخراط المناضلين والمناضلات في الدفاع عن الحريات والحقوق.
وقد سبق للعديد من المناضلين الشرفاء ومنذ سنوات ، أن أثارو مجموعة من قضايا الهيمنة الحزبية والمحاصصة والتهميش وضعف الديمقراطية الداخلية والصراع على المواقع.
إن استحضار هذه الملاحظات لا يعني اعتبارها وصفاً آلياً للواقع الحالي، بل يكشف أن أسئلة الاستقلالية والديمقراطية الداخلية ليست طارئة، وأن استمرار تداولها يفرض مراجعة نقدية جادة للممارسة التنظيمية.
ومن منظور ماركسي لينيني، لا يمكن فصل أزمة البيروقراطية عن طبيعة العلاقات التي تنتجها داخل التنظيم. فحين تصبح المحافظة على المواقع أولوية، وحين يُقاس وزن المناضل بمدى قربه من مراكز القرار لا بقدرته على المبادرة والنضال، نكون أمام إعادة إنتاج لعلاقات الهيمنة داخل إطار يفترض فيه أن يقاومها. وهنا لا يعود الاختلاف الفكري والسياسي مصدراً للإغناء، بل يتحول إلى ذريعة للإقصاء وتصفية الحسابات.
وتتجلى هذه الأزمة بوضوح أكبر في الانتقائية في التعامل مع الاعتقال السياسي. فالاعتقال السياسي ليس قضية تضامن ظرفي أو امتيازاً تمنحه الأجهزة لمن يتوافق مع حساباتها، بل هو قضية مبدئية تتطلب موقفاً واضحاً من كل أشكال القمع السياسي، بصرف النظر عن الانتماء الفكري أو التنظيمي للضحايا. إن تجزئة التضامن، والتمييز بين المعتقلين، والتعامل مع بعض القضايا بالصمت ومع أخرى بكثافة إعلامية، لا يسيء فقط إلى مبدأ وحدة المعايير، بل يفرغ العمل الحقوقي من مضمونه النضالي.
والأمر نفسه ينطبق على استقبال المفرج عنهم وإصدار البيانات. فليس مقبولاً أن يتحول استقبال المناضلين بعد الإفراج عنهم إلى مناسبة لإعادة إنتاج الاصطفافات، أو أن تصبح البيانات التضامنية أداة لتدبير التوازنات الداخلية.
إن قيمة البيان لا تقاس بحجمه ولا بعدد توقيعاته، بل بمدى تعبيره عن موقف حقوقي مبدئي، وبقدرته على مواجهة القمع دون حسابات انتقائية.
أما التضييق على المناضلين الأحرار وأصحاب المواقف النقدية، فيكشف تناقضاً لا يمكن تبريره: كيف يمكن لمنظمة تدافع عن حرية التعبير والحق في التنظيم أن تضيق على النقد داخل صفوفها؟ وكيف يمكنها أن تطالب باحترام الحريات خارجها، بينما لا تضمن لأعضائها حق الاختلاف والمساءلة والمبادرة؟ إن النقد ليس خروجاً عن الالتزام، ولا تهديداً لوحدة التنظيم، بل شرط من شروط تصحيح الاختلالات ومقاومة الجمود والبيروقراطية.
وتطرح شروط الانخراط والعضوية بدورها سؤالاً جوهرياً حول طبيعة العلاقة بين الجمعية والمجتمع. هل هي إطار مفتوح أمام كل من يلتزم بمبادئها وقوانينها، أم فضاء مغلق تتحكم فيه التزكيات والاعتبارات غير المعلنة؟ إن الحق في الانخراط ينبغي أن يستند إلى شروط واضحة ومعلنة، وأن تضمن القوانين الداخلية المساواة والشفافية وحق الطعن في القرارات التعسفية. فلا معنى للدفاع عن الحق في التنظيم إذا كانت ممارسته داخل التنظيم نفسه محكومة بالولاءات والتوازنات.
وفي هذا السياق، فإن تجميد فرع خنيفرة لمدة ستة أشهر، وفق ما ورد في البيان موضوع النقاش، لا ينبغي أن يُناقش بمنطق الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك، بل من زاوية احترام المساطر والضمانات التنظيمية، وحق المعنيين في الاستماع والدفاع، وضرورة تناسب القرارات مع الوقائع. فالمحاسبة الديمقراطية ليست عقاباً إدارياً، ولا يجوز أن تتحول القوانين الداخلية إلى أدوات لتصفية الخلافات أو إخضاع الفروع والطاقات المناضلة.
لكن النقد الجذري لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الأجهزة والعلاقات التنظيمية؛ فالسؤال الأهم هو: أين موقع الجمعية من الصراع الاجتماعي اليومي؟ وأين حضورها في معارك العمال والعاملات، والطبقات الشعبية، وضحايا الاستغلال والهشاشة، ومن يتعرضون للطرد والتشريد والتفقير؟ إن العمل الحقوقي يفقد جزءاً أساسياً من قوته حين ينحصر في تدبير الملفات والبيانات والصراعات الداخلية، وينفصل عن الشروط المادية التي تنتج انتهاك الحقوق والحريات.
فالحقوق السياسية والمدنية لا تنفصل عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والقمع ليس مجرد تجاوز معزول عن البنية الاجتماعية، بل يرتبط في كثير من تجلياته بحماية علاقات الاستغلال وإدامة السيطرة الطبقية. ومن ثم فإن الدفاع عن الحقوق يقتضي الانحياز إلى ضحايا القهر والاستغلال، وإلى حق الجماهير الشعبية في التنظيم والاحتجاج والعيش الكريم، دون أن يعني ذلك إخضاع الجمعية لوصاية حزب أو تيار سياسي.
إن المطلوب ليس تبرئة الأجهزة ولا شيطنة الأفراد، بل إخضاع الممارسة التنظيمية برمتها للنقد والمحاسبة، ومواجهة كل أشكال البيروقراطية والهيمنة والانتقائية. كما أن استقلالية الجمعية لا تُقاس بما تعلنه من شعارات، بل بقدرتها على اتخاذ مواقفها وفق مبادئها، بعيداً عن الإملاءات الحزبية والحسابات الضيقة.
فالجمعية التي لا تحمي الاختلاف داخلها، ولا توحد معاييرها في الدفاع عن المعتقلين السياسيين، ولا تضمن شفافية العضوية وتكافؤ الحقوق بين مناضليها، ولا تربط الممارسة الحقوقية بقضايا الجماهير الشعبية، تكون مطالبة بمراجعة نقدية عميقة لمسارها.
فلا نضال حقوقياً دون استقلالية، ولا استقلالية دون ديمقراطية داخلية، ولا ديمقراطية دون نقد ومحاسبة، ولا معنى للدفاع عن الحريات إذا تحولت الأجهزة إلى سلطة فوق المناضلين. إن قوة أي إطار نضالي لا تكمن في صلابة أجهزته، بل في وعي قاعدته، وحيوية مناضليه، وارتباطه الفعلي بمعارك الجماهير الشعبية



#محسين_الشهباني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فاتح نونبر 1973 شهداء في مواجهة الاستبداد ودروس الهزيمة الثو ...
- الشهيد أمين التهاني: الوفاء للذاكرة واستمرار النضال
- خديجة البخاري: امرأة من زمن الجمر والرصاص
- تبرئة عبد العالي حامي الدين :القضاء الطبقي ومأزق الإفلات من ...
- محسن فكري… شهيد لقمة العيش وضحية وطنٍ يطحن أبناءه!
- في ذكرى استشهاد كمال الحساني :من حركة 20 فبراير إلى معركة ال ...
- في الذكرى التاسعة والعشرين لاستشهاد الرفيق عبد الله مناصير
- من أجل جبهة وطنية لمناهضة الاعتقال السياسي: لا لمساومة المبا ...
- في ذكرى اغتيال توماس سانكارا
- ذكرى الاستشهاد البروليتاري للشهيد جبيهة رحال:المسار الفكري و ...
- مصب نهر أم الربيع بأزمور: من أزمة إيكولوجية إلى ريع مقنع ب-ا ...
- ديون فرنسا تتجاوز حجم اقتصادها.. مأزق مالي يتفاقم ومخاوف من ...
- أزمة الإمبريالية الفرنسية وانتفاضة -جيل Z-
- فِي الذِّكْرَى الأُولَى لِأَحْدَاثِ القَلِيعَةِ مِنْ أَقْبِي ...
- الأحرار في المعارضة شكلاً، في الأغلبية مضموناً: هندسة طبقية ...
- القتل/الاعتقال المعنوي للمناضلين: عندما يصبح زر -تعطيل الحسا ...
- دماء شهداء بمريرت لن تذهب سدى.. ولا سلم اجتماعي فوق جثث الكا ...
- التعيين الشكلي لرئيس(ة) الحكومة بالمغرب: من الوهم الدستوري إ ...
- الانتخابات البرجوازية ومعارك العمال: بين وهم الإصلاح وضرورة ...
- التسلسل الزمني لأهم الأحداث التي عرفتها الحركة الماركسية – ا ...


المزيد.....




- ترامب: أتلقى مكالمات من أشخاص غير راضين عن وزير الدفاع
- مصر.. مصطفى كامل يعلن خروج محمد الحلو من العناية المركزة
- ترتيبات فتح مضيق هرمز.. ماذا ناقش وزيرا خارجية سلطنة عُمان و ...
- خسارة الجمهوريين في الانتخابات النصفية قد تدفع ترامب لتشديد ...
- غطّاس في بلا قيود: فرضنا أنفسنا على الساحة السياسية الإسرائي ...
- السعودية تحذر من خطر محتمل في ينبع مع استمرار هجمات الحوثيين ...
- “التعليم العالى” تعلن تفاصيل مبادرة «دولة الابتكار»
- التعليم العالي: معهد بحوث الإلكترونيات يشارك في المؤتمر الدو ...
- مئوية الإذاعة المصرية ..وثيقة صحفية نادرة عن انطلاق الإذاعة ...
- الأهلي يتراجع عن التعاقد مع إبراهيم سامي مدافع القناة لأسباب ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محسين الشهباني - حين تنفصل الممارسة الحقوقية عن جذورها النضالية: في نقد بيروقراطية الأجهزة والانتقائية الحقوقية