أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محمود محمد ياسين - تقارب السودان مع روسيا: من الحفرة إلى الوقوع في الدحديرة!















المزيد.....

تقارب السودان مع روسيا: من الحفرة إلى الوقوع في الدحديرة!


محمود محمد ياسين
(Mahmoud Yassin)


الحوار المتمدن-العدد: 8879 - 2026 / 11 / 4 - 09:32
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


تقول الحكمة الشعبية إن من يخرج من حفرة عليه أن يتفقد الأرض المحيطة بها قبل أن يخطو؛ فقد تكون شديدة الانحدار، فيجد نفسه، بدلاً من النجاة، منحدراً إلى قاع أعمق. وهذا بالضبط ما ينبغي أن ينتبه إليه السودانيون وهم يتابعون مساعي السلطة العسكرية الحاكمة للتوجه شرقاً نحو روسيا، بحثاً عن مخرج من الأزمة التي ساهمت السياسات الغربية في تعقيدها. فهل يمثل هذا التقارب خروجاً من الحفرة، أم أنه مجرد انتقال إلى دحديرة روسية قد تقود السودان إلى مأزق أشد وطأة؟
يعتقد بعض المواطنين أن الارتماء في أحضان روسيا يمكن أن يخلص السودان من الهيمنة الغربية، دون أن ينتبهوا إلى أن روسيا ليست قوة محايدة أو حليفاً يسعى إلى تحرير الشعوب من التبعية. فهي، شأنها شأن الولايات المتحدة والصين، قوة رأسمالية كبرى تتنافس على النفوذ والأسواق والموارد ومناطق السيطرة.

الإمبريالية: تنافس على النفوذ وتقاسم للموارد
شهدت روسيا والصين تحولات اقتصادية وسياسية عميقة في أواخر القرن الماضي، انتهت بهما إلى تبني نظام الإنتاج الرأسمالي، بعد تراجع التجربة الاشتراكية وانهيار الاتحاد السوفيتي. وبذلك انضمتا إلى منظومة التنافس الرأسمالي العالمي، وأصبحتا تسعيان، شأنهما شأن القوى الرأسمالية التقليدية، إلى توسيع نفوذهما خارج حدودهما.
ومن منظور التحليل الماركسي، فإن التوسع الخارجي ليس مجرد خيار سياسي تتخذه الدول الرأسمالية متى شاءت، بل يرتبط بطبيعة النظام الرأسمالي نفسه. فتراكم رأس المال، والبحث المستمر عن فرص استثمارية وأسواق جديدة، والسعي إلى تعظيم الأرباح ومواجهة الضغوط التي تتعرض لها معدلات الربح، كلها عوامل تدفع رأس المال إلى تجاوز الحدود الوطنية والبحث عن مجالات جديدة للاستثمار والاستغلال.
ومن هنا، فإن توجه روسيا والصين نحو البلدان الفقيرة والغنية بالموارد لا يمكن فصله عن مصالحهما الرأسمالية والاستراتيجية. فهما لم تعودا مجرد قوتين تناهضان الهيمنة الغربية، كما قد يتصور البعض، بل أصبحتا طرفين فاعلين في التنافس على إعادة توزيع النفوذ والثروة على المستوى العالمي.
لقد بدأت القوى الاستعمارية الأوروبية، منذ القرن التاسع عشر، في تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، ثم أعادت رسم خرائط السيطرة بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية. واليوم، ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية وتراجع قدرة بعض القوى التقليدية على الاحتفاظ بمواقعها السابقة، يتجدد الصراع على إعادة ترتيب النظام الدولي ومناطق النفوذ. ويزيد دخول روسيا والصين بقوة إلى هذا التنافس من حدة الصراع بين القوى الرأسمالية الكبرى الثلاث: الولايات المتحدة والصين وروسيا.

السودان في دائرة النفوذ الأمريكي
ظل السودان، لعقود طويلة، ضمن دائرة الاهتمام والنفوذ الاستراتيجي الأمريكي، رغم ما شاب العلاقات بين البلدين من توتر وعداء، خاصة خلال فترة حكم نظام الإنقاذ. فقد أدرجت الولايات المتحدة السودان عام 1993 ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرضت عليه عقوبات اقتصادية واسعة.
غير أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 أحدثت تحولاً مهماً في طبيعة العلاقات الأمنية بين البلدين. فقد نشأت قنوات تعاون استخباراتي وأمني بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الأمن والمخابرات السوداني، واستمر هذا التعاون، بدرجات متفاوتة، رغم الخلافات السياسية والعقوبات الاقتصادية.
ولم يؤد انقلاب أكتوبر 2021 إلى إنهاء الأهمية الاستراتيجية للسودان بالنسبة لواشنطن، إذ ظل موقع البلاد الجغرافي، ومواردها، وصلاتها بمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي والساحل الأفريقي، عوامل تجعلها محل اهتمام أمريكي مستمر.
وهنا ينبغي التمييز بين النفوذ المباشر والقدرة على التأثير في مسارات الأحداث؛ فليس بالضرورة أن تكون الدولة خاضعة لسيطرة أمريكية كاملة حتى تظل واشنطن قادرة على التأثير في حساباتها السياسية والأمنية والاقتصادية.

ماذا يعني التقارب السوداني الروسي بالنسبة لواشنطن؟
إن الصراع بين الولايات المتحدة وروسيا ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لتنافس استراتيجي طويل، وإن تغيرت أدواته وطبيعته بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. وقد اتجهت روسيا، في العقود الأخيرة، إلى توسيع حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا، ليس فقط سعياً وراء المكاسب الاقتصادية المباشرة، وإنما أيضاً لتعزيز مكانتها الدولية وبناء أوراق ضغط في مواجهة خصومها ومنافسيها.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تقارب استراتيجي بين السلطة العسكرية السودانية وموسكو، خاصة إذا تضمن ترتيبات عسكرية أو تسهيلات بحرية في منطقة البحر الأحمر، لا يمكن أن يُقرأ باعتباره شأناً ثنائياً معزولاً عن التنافس الدولي. بل من المرجح أن يثير قلق الولايات المتحدة، التي تنظر إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما منطقتين بالغتي الأهمية لأمنها ومصالحها الاستراتيجية.
وعليه، فإن محاولة روسيا توسيع نفوذها في السودان قد تصطدم بالمصالح الأمريكية، بما يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط والتجاذبات الدولية، ويجعل السودان ساحة إضافية للصراع بين القوى الكبرى، بدلاً من أن يكون صاحب قرار مستقل في تحديد علاقاته الخارجية.

الساحل الأفريقي: جبهة أخرى للصراع
ولا يقتصر التنافس الروسي الأمريكي على السودان والبحر الأحمر، بل يمتد إلى منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث تتراجع مواقع النفوذ الفرنسي التقليدي، وتتزايد محاولات قوى دولية أخرى لملء الفراغ.
وقد شهدت المنطقة تحولات لافتة، من بينها تصاعد الاعتراض على نظام الفرنك الأفريقي (CFA Franc)، الذي ارتبط تاريخياً بالنفوذ الفرنسي في عدد من البلدان الأفريقية، وتنامي الدعوات إلى التحرر من القيود النقدية والاقتصادية الموروثة عن الحقبة الاستعمارية.
وقد أتاح تراجع النفوذ الفرنسي المجال أمام قوى أخرى، وفي مقدمتها روسيا، لتعزيز حضورها السياسي والعسكري والاقتصادي في المنطقة. وهكذا أصبح الساحل الأفريقي إحدى ساحات التنافس على النفوذ، في سياق أوسع يتصل بإعادة تشكيل موازين القوى الدولية.

الخروج من التبعية لا يكون باستبدال تابع بآخر
إن جوهر القضية لا يتعلق بما إذا كان السودان ينبغي أن يتجه غرباً أو شرقاً، وإنما بما إذا كان يمتلك مشروعاً وطنياً مستقلاً يحدد على أساسه طبيعة علاقاته الخارجية، ويحمي موارده ومصالح شعبه.
فليس من المنطقي أن نرفض الهيمنة الأمريكية ثم نقبل بالهيمنة الروسية، أو أن نناهض الاستغلال الغربي ونغض الطرف عن الاستغلال القادم من الشرق. فالقوى الرأسمالية الكبرى، مهما اختلفت شعاراتها وتحالفاتها، تحكم علاقاتها الدولية في نهاية المطاف حسابات المصالح والنفوذ وتراكم رأس المال.
إن نتائج التقارب السوداني الروسي لن تحددها النوايا المعلنة وحدها، بل ستحددها طبيعة الاتفاقات والمصالح التي تحكمه، وكذلك مآلات الصراع الدولي الدائر بين الولايات المتحدة والصين وروسيا حول إعادة توزيع مناطق النفوذ.
أما السودان، الذي أنهكته الحروب والأزمات والتدخلات الخارجية، فلا ينبغي أن يكون مجرد ورقة في لعبة الأمم أو ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.
فمن خرج من حفرة الهيمنة الغربية، عليه ألا يندفع إلى الدحديرة الروسية. والأهم من ذلك كله أن يبحث عن طريق يخرجه من الحفرة والدحديرة معاً: طريق الاستقلال الوطني والسيادة الحقيقية على موارده وقراره.
مشكلة السودان ليست في أنه اختار الغرب بدلاً من الشرق، وإنما في أنه ظل، لعقود، موضوعاً في صراعات الآخرين، بدلاً من أن يكون صاحب مشروع مستقل يحدد موقعه ومصالحه في العالم.



#محمود_محمد_ياسين (هاشتاغ)       Mahmoud_Yassin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وادي الدموع ونقد الدين
- المادية : من الملذات الجسدية الى تجربة الشق المزدوج
- محمود محمد طه واسئلة التجديد الديني
- السودان: من الحوار حول السلطة إلى مشروع الدولة - نحو طريق وط ...
- من يدير الحوار السوداني ومن يؤسس الدولة؟
- ماذق نقد نظرية ˮ نقد العقل“ بمنظور ثقافي
- البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية ال ...
- البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية ال ...
- في منهج دراسة علاقات الأرض في السودان (2-2)
- في منهج دراسة علاقات الأرض في السودان (1-2)
- في ثنائية الدولة المدنية/الدولة العسكرية - الجيش وإعادة صياغ ...
- في ثنائية الدولة المدنية/الدولة العسكرية - الجيش وإعادة صياغ ...
- ما بين لودفيغ فيورباخ ومحمد عابد الجابري
- دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (3-3 ...
- دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (2-3 ...
- دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (1-3 ...
- حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد ...
- حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد ...
- حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد ...
- التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (3-3)


المزيد.....




- إليسا تعلن تمردها على -الترندات والأرقام- في ألبومها المُرتق ...
- هيئة رئاسة اللجنة العليا للرقابة والتفتيش المالي بالاشتراكي ...
- -اليسار- و-المصري السيد- وراء إعلان ترامب وقف المساعدات الأم ...
- بيان اللجنة المركزية لحزب النهج الديمقراطي العمالي
- منظمة اشتراكي الضالع تدين الهجمات الحوثية على عدن وتعز والصب ...
- Boiling Point: The Road to War and Ukraine’s Uncertain Futur ...
- Fetishists for Bombing: Resuming the Attacks on Iran
- Across the Red Sea, the Wars Feed Each Other
- ملف: الذكرى السبعين الثورة المجرية
- سكرتارية منظمة الحزب الاشتراكي في لحج تنعى رحيل المناضل الوط ...


المزيد.....

- نقد الخطّ الإيديولوجي و السياسي لعبد الله أوجلان و حزب العمّ ... / شادي الشماوي
- الجانب المظلم ل«الإله الآلي»: خمس حقائق مقلقة عن هوس شركات ا ... / نشرة القانون والأخلاقيات في التكنولوجيا
- من هيمنة الخوارزميات إلى سيادة الجماهير / رزكار عقراوي
- التجديد التنظيمي لليسار في العصر الرقمي، مقترحات لتطوير مسود ... / رزكار عقراوي
- الماركسيّة و مسألة السكّان الأصليّين [ الهنود الحمر - في الم ... / شادي الشماوي
- الأمل الثوريّ – ظهور إمكانيّات جديدة لثورة تحريريّة في خضمّ ... / شادي الشماوي
- القنبلة الصامتة، الذكاء الاصطناعي وتفكيك العقل البشري / رزكار عقراوي
- بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال ... / الأممية الرابعة
- التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم ... / شادي الشماوي
- الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - محمود محمد ياسين - تقارب السودان مع روسيا: من الحفرة إلى الوقوع في الدحديرة!