|
|
ماذق نقد نظرية ˮ نقد العقل“ بمنظور ثقافي
محمود محمد ياسين
(Mahmoud Yassin)
الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 00:14
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
تمهيد لماذا الاهتمام بتناول المسائل ذات الطابع الفلسفي؟ والاجابة هي : ان الغرض من هذا المقال والمقال السابق المعنون ˮ البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية المتخلفة“، توضيح ان سيادة التفكير البراغماتي ذو النزعة المثالية الذاتية أدى الى اللجوء للحلول الجزئية والاصلاحية لمعالجة الازمات المزمنة نتيجة التعلق بالمظاهر الخارجية للظاهرات الاجتماعية و الاشياء، عند دراستها، دون مس جذورها.
والمسالة المهمة الأخرى هي ان هذا النوع من التفكير المثالي الذاتي يغذى انتشار سياسات الهوية بأفكارها الأولية المدمرة. في غياب العدالة المصاحبة للاستبداد السياسي، تبرز الهويات كملجأ حتمي وأداة للبحث عن تحقيق المصالح الفئوية الضيقة بديلا للعمل والتضامن الجماعي. فسياسات الهوية التي تعتمد على ˮأفكار أولية “تؤدى لتقسيم الناس إلى مجموعات ثابتة بناءً على صفات بيولوجية أو ثقافية تُولد معهم ولا تتغير؛ فبدلا من افتراض وجود ˮ جوهرا نقيا “ أو ˮ صفات أولية ثابِتة“ تحدد سلوك وولاء كل مجموعة، فان الهوية، بتأثر من البيئة والتجارب، كيان مرن يختلط وتمتزج مع الهويات الأخرى. الافكار الأولية تخفى ان القضاء على التمييز والتهميش يتطلب تقويض البنى الاقتصادية التي تتغذى وتتربح من هذا التمييز؛ فإزالة علاقات الإنتاج البالية التي تقوم عليها البنى الاقتصادية هي المهمة الأساس والمدخل للتحقيق التحرر الاجتماعي والتحول الديمقراطي الحقيقي. ************************ نقدم في هذا المقال توضيحا نظريا للعلاقة بين مقولة ˮنقد العقل“ والتفكير المثالي الذاتي، الذى يستفحل انتشاره حاليا وخاصة في المجتمعات المتخلفة بصورة لم يسبق لها مثيلا، مما يجعل الغلبة لصالح التفسيرات السطحية في مجال دراسة الظاهرات الاجتماعية . من نقد الأفكار إلى نقد شروط إنتاجها
هذا المقال يطرح سؤالا مختلفا عن التساؤل الذى يبحث فيما تقوله الأفكار بشكل يحصر نفسه في نقد بنيتها العقلية او في تحليل مضمونها الداخلي أو الكشف عن تناقضاتها المنطقية بهدف تأسيس معرفة صحيحة؛ فمن المفيد، عند دراسة ظاهرة فكرية أو ثقافية أو دينية أو سياسية، ان نطرح تساؤلا حول ما نوع المجتمع الذي ينتج هذه الأفكار؟ وما المصالح والعلاقات والمؤسسات وأنماط الحياة التي تسمح لها بأن تصبح وعيا شائعا أو خطابا مهيمنا؟
هذا، لا يعني ان اللجوء إلى البنى المادية اختزال الظاهرة الثقافية فيها. ان حقيقة الأفكار كانعكاس للوضع المادي، لا يجعل الثقافة صورة فوتوغرافية للبنية الاجتماعية. إن الأفكار تملك، بعد نشوئها، قدرة فعلية على التأثير في البشر والمؤسسات والصراعات، وقد تصبح جزءا من آليات إعادة إنتاج الواقع الذي نشأت فيه. لكن هذا التأثير لا يلغي ضرورة البحث في الشروط التي أنتجت الفكرة ومنحتها مجالها الاجتماعي. فهناك دراسات ماركسية لفعالية العوامل الثقافية والفكرية والسياسية من دون التخلي عن أولوية الشروط الاقتصادية، وحتى ان هذه العوامل لا تعتبر في ظروف معينة مجرد انعكاس سلبى للواقع، بل تلعب دورا في تشكيل المسار التاريخي؛ وعدم التخلي عن أولوية العامل الاقتصادي تعنى ان ˮ الأفكار لا تقود الى تجاوز نظام العالم القديم، بل تجاوز أفكار نظام العالم القديم فقط.“ فمن أجل تنفيذ الأفكار السياسية والدينية والفلسفية، التي يخوض الناس الصراع من خلالها، فان ˮ الضرورة الاقتصادية“ هي التي تقود في نهاية الامر الى حركة التغيير. ان تأثير الأفكار في مجرى التاريخ يتم باعتبارها جزء لا يتجزأ من إعادة الإنتاج المادي للمجتمع.
ومن هذا المنطلق المادي، يصبح نقد العقل نقدا تاريخيا وخاليا من التجريد. فبالبديل لسؤال: لماذا يفكر الناس بهذه الطريقة؟، يكون : ما الذي يوجد في واقعهم الاجتماعي يجعل هذه الطريقة في التفكير معقولة أو مقنعة أو ضرورية أو قابلة للاستيعاب؟ وتكمن اهمية الاستعاضة بهذا التساؤل البديل في دراسة مجتمعاتنا المتخلفة اجتماعيا واقتصاديا؛ فكثير من الظاهرات التي تبدو، عند النظر إليها من زاوية الأفكار وحدها، وكأنها نتاج قصور عقلي أو جمود ثقافي أو خلل في الوعي، قد تتضح بصورة مختلفة عندما نضعها داخل شروط الحياة المعيشة: طبيعة الإنتاج وأنماط الملكية وتوزيع الثروة وشكل الدولة وتاريخ الصراعات الاجتماعية. هذا، لا يعني القول بان الناس يفكرون بصورة خاطئة نتيجة لطبيعة ظروفهم المادية المتخلفة، فهذا اختزال ميكانيكي. وإنما يعني أن نحاول فهم العلاقة الجدلية، وان شئت المتبادلة، في كيف تنتج ظروف الحياة أشكالا معينة من الوعي، وكيف تتحول هذه الأشكال من الوعي بدورها إلى قوة تؤثر في الحياة نفسها.
ان نقد الأفكار بنهج مادى تاريخي: نقد شروط إنتاج الأفكار الواقعة خارجها، ثم دراسة الكيفية التي تعود بها هذه الأفكار إلى الواقع لتؤثر فيه، يكون اكثر اتساعا من الاكتفاء بنقدها من داخلها. وبهذا المعنى، لا يكون الانتقال من نقد العقل إلى تحليل البنى المادية تراجعا عن النقد الفكري، بل تعميقا له. ان فهم أي فكرة لا يعني فقط أن نعرف ما إذا كانت صحيحة أو خاطئة، عقلانية أو غير عقلانية؛ وإنما يعني أيضًا أن نفهم لماذا ظهرت الآن، ولماذا ظهرت هنا، ولماذا وجدت من يتبناها، وما الوظيفة التي تؤديها في حياة أصحابها وفي بنية المجتمع الذي أنتجها. ولعل هذا هو أحد الدروس المنهجية المهمة التي يمكن أن نستفيد منها، وهو ان الظاهرة الفكرية لا ينبغي أن تُدرس باعتبارها معلقة في فضاء العقل، كما ان الانطلاق من ردها الى للاقتصاد لا يعنى اهمال وضعها في المجال التاريخي الذي تتفاعل فيه المادة والوعي، والبنية والفعل، والواقع والفكرة.
نحن هنا نقول ان العقل فاعل، ولكنه ليس فاعلا خارج التاريخ والمجتمع والمادة. ونضيف قائلين ان موقف نقاد مقولة ˮ نقد العقل“ الذين يهملون تاريخية العقل، ليس مجرد خطأ، بل نشير الى ان طبيعة تفكيرهم، المرتكز على المثالية الذاتية، اضاعت عليهم طرح السؤال الصحيح الذى يبحث في الشروط الاجتماعية والمادية لإنتاج المعرفة.
مأزق النقد الثقافي لنظرية ˮ نقد العقل“ في العلوم الاجتماعية، يتمثل مأزق النقد الثقافي في منح الأولوية للأفكار والرموز والخطاب اللغوي (linguistic discourse) في تشكيل الواقع مقابل النقد المادي الذي يرى أن العوامل الاقتصادية والطبقية والبنى الفيزيائية والتكنولوجية هي المحرك الأساس للمجتمع.
أهمية نقد نقد ˮ نقد العقل “ من منظور مادى تمليها ضرورة تجاوز المأخذ الذى يقع فيه نقد المقولة عندما يتم من وجهة نظر ثقافية، أي نقد المقولة بنفس النهج (الثقافي) المتبع في اجرائها. فمن الملاحظ ان معظم نقد نظرية ˮ نقد العقل“ يفترض وجود خصائص ثقافة قبْليّة (a prior) ثابتة وعابرة للتاريخ، ويحولها إلى جوهر دائم يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية، متجاهلا أن الثقافات نفسها كيانات تاريخية متغيرة تتفاعل مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية وتعيد تشكيل نفسها باستمرار. أما من المنظور المادي، فإن النقد يتجاوز مساءلة مفهوم الثقافة ذاته إلى مساءلة الشروط الاجتماعية والاقتصادية التي تنتج هذه الأشكال الثقافية وتعيد إنتاجها. فاستمرار الانساق الثقافية المتخلفة، وفق هذا التصور، لا يُفهم بوصفه سببا أوليا لتعثر الحداثة في المجتمعات المتأخرة مثلا، بل بوصفه نتيجة تاريخية لبنى اقتصادية واجتماعية محددة، كضعف التصنيع، وهيمنة الأنشطة الريعية، واستمرار علاقات التبعية والتهميش. ومن ثم فإن تفسير التخلف بالاحتكام إلى ˮالعقل القبلي“ ينطوي على قلب للعلاقة السببية؛ إذ لا تكون الثقافة التقليدية هي المانع الأساسي للتحديث، بل إن غياب الشروط المادية اللازمة للتحول الاجتماعي هو الذي يفسر استمرار الأطر القبلية بوصفها أشكالا للتنظيم والتضامن الاجتماعي والسياسي.
ان تفسير نقاد مقولة ˮ نقد العقل“، كعائق للحداثة، تفسيرا جوهرانيا (essentialist) من خلال رد المشكلة إلى طبيعة ثقافية ثابتة، يتناقض مع مقاربات المادية التاريخية وميلها في التفسير من خلال تطبيق قوانين تطور المجتمع المادية : دراسة البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتطور التاريخي للمجتمع. واذا اخذنا نقد مفهوم ˮ تشريح العقل الرعوى“ للكاتب د. النور حمد، نجد ان معظم نقاده قدموا أراء، لا تتجاوز اعطاء الأولوية للعقل (الأساس القائمة عليه مقولة الكاتب) تتمثل في مجرد ضرورة تعريف اكثر تحديدا للعقل الرعوى، وتارة إحلال ˮ العقل المعياري“ أو ˮ العقل الموضوعي“ او ˮ العقل الفعّال“ مكان ˮ العقل الرعوى“ ...
وفى التاريخ العالمي للفلسفة والثقافة، فان نقد ˮنقد العقل“ من منظور ثقافي ما فتأ ان ينتهى للعودة لأولوية العقل ولا جديد، والسبب هو توجه النقاد لعزل المعرفة عن الواقع المادي الملموس المستقل وإعطاء الأولوية للعمليات الذهنية والتحليلية للعقل في تشكيل العالم.
فمثلا، نجد ان الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو قام بانتقاد نظرية إيمانويل كانط الخاصة ب ˮالعقل الخالص“ التي ترى ان أن العقل البشري يمتلك بنية ثابتة وقوانين قبْليّة مشتركة بين جميع البشر في كل زمان ومكان، فوظيفة الفلسفة عند كانط هي رسم حدود هذا العقل لحمايته من الأوهام، وتحديد ما يمكنه معرفته وما لا يمكنه معرفته؛ العقل عنده مستقل ومحايد. لكن، وبالرغم من أن فوكو هاجم العقل المحايد، إلا أنه ينتهي إلى المثالية الفلسفية بان الوعي أو الأفكار هي أصل العالم . وقع فوكو في فخ المثالية الذاتية حيث تلخصت افكاره في انه لا توجد حقيقة مادية خارج الخطاب بشكل مستقل، فبنية الخطاب وتركيبته ومنطقه الداخلي هي ما يحدد صحة المعرفة؛ والقوة (power) لا توجد في السلطة (the state) والطبقة التي تقف وراءها، بل فيما أسماه التشكيلات الخطابية (discursive formations) التي تحتوى على المفاهيم التي تنتج المعرفة. فالعالم الموضوعي ليس عالماً من الحقائق التي يمكن أن تُجس وتُدرس موضوعياً إذ أن واقعه يتكون من الخطاب المضمن في مختلف النصوص. ومثالا آخر يقدمه الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري الذى برغم اعترافه بان قراءة التراث يجب أن تكون قراءة تاريخية (المعرفة تتكون داخل شروط اجتماعية وتاريخية)، الا انه ابتعد عن هذه الفكرة، خلال شروعه في تفسير تطور الفكر العربي، عندما وجد ان بعض انماط التفكير تستمر قرونا طويلة رغم التغير المتوالي في الواقع المادي الذى يحتضنها، وأخذ يقول ان النظم المعرفية نفسها هي التي تعيد إنتاج أشكال التفكير. وهكذا، نقل الجابري محور التفسير من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية إلى الأبنية المعرفية ذاتها حيث اعتبر ان نقد العقل هو الأساس الأولى لكل مشروع نهضوي وليس نقد الواقع العربي بغرض تغييره نحو علاقات إنتاج جديدة تفتح الطريق لتحقيق النهضة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
هكذا، فان النظريات العقلانية (rationalism)، التي تُرجع مصدر المعرفة الأساسي إلى العقل، تتعدد. فالعقل يتنوع إلى عدة أنواع ومفاهيم مختلفة بحسب الميول الفلسفية للفيلسوف وغاياته.
والجدير بالملاحظة ان القول مثلا ان إن الحركات التي صعدت إلى السلطة هي مجرد ˮ هبات رعوية“ أو امتداد مباشر للقبلية والإثنية القديمة، فيه مشكلة تاريخية ونظرية. إن رد الحركات السياسية الحديثة إلى ˮ العقل الرعوي“ بوصفه القوة الكامنة وراء صعودها إلى السلطة غير صحيح. ان الحركات السياسية الحديثة تتشكل في سياقات تاريخية ومؤسسية محددة، وتتفاعل فيها الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأزمات الشرعية، والحروب، والتحولات الطبقية، مع أدوات حديثة للتنظيم والدعاية والحشد والحزب والدولة؛ ولذلك فإن ما قد يبدو ˮ رعويا “ فيها ليس عودة بسيطة إلى الماضي، وإنما إعادة تركيب لبعض أنماط الانتماء الأولي داخل شروط وأدوات الحداثة السياسية، فمثلا مقولة تفوق ˮ الجنس الآري“ التي استخدمتها الدعاية السياسية النازية ما هي الا هوية واسعة مجردة لا يمكن تشبيهها بالرابطة الأولية (نعود لمزيد من تفسير هذه المسألة لاحقا في سياق المقال). ونود ، بشكل قوى، التأكيد على ان اشارتنا للمقاربات الثقافية التي تتناول مقولة ˮ نقد العقل“ لا تشمل تلك القراءات التي تزعم، بكل جرأة زائفة، ان التحليل والتشخيص في بعض مقولات ˮ نقد العقل“ يتناغم مع التحليل الماركسي، الذي يرى أن الجمود الاقتصادي والاجتماعي (البنية التحتية) يرجع للعقل المشبع بأفكار الماضي! هذه قراءات تافهة ومنطقها الداخلي يتسم بالضحالة ولا يوجد دليل على صحتها، تردد كالببغاوات أسوأ ما انتجته الاتجاهات المبتذلة لما يسمى بالماركسية الثقافية. خلافا لمقولات نقد العقل بمنطلقات فلسفية من جنس منطلقاته المثالية الذاتية، تتمثل نظرة الماركسية للعقل في مواجهة الفلسفة المثالية في قلب العلاقة بين الوعي والمادة؛ حيث ترفض المادية التاريخية اعتبار العقل جوهرا متعاليا أو قوة مستقلة تصنع التاريخ، بل تراه نتاجاً اجتماعيا وتاريخيا مشروطا بالبنية المادية وعلاقات الإنتاج الاقتصادية. ففي حين يرى المثاليون أن العقل أو "الفكرة المطلقة" هي محرك الواقع وصانعة التاريخ، تؤكد المادية التاريخية أن الوجود الاجتماعي المادي هو الذي يحدد الوعي وليس العكس وتتجاوز العقل التأملي وتدفع بدوره نحو الممارسة العملية الذكية (Praxis) الهادفة إلى تغيير الواقع وتفكيك البنى الطبقية: الواقع المادي والاقتصادي هو الذي يصنع الوعي والعقل وليس العكس، وبالتالي فإن التحرر الفكري لا يبدأ بنقد العقل لنفسه، بل بـتغيير الواقع المادي والثورة على علاقات الإنتاج الظالمة.
وهكذا، فان تجذير التفكير في العقل مثالية فلسفية تحد من ضرورة الانطلاق من الواقع والغوص في تحليل ظاهراته السياسية والاجتماعية بمنهج علمي يستكشف المتناقضات السائدة فيه؛ فان الأفكار الداعية للتغيير اذا لم تستهدف اسقاط البنى الاقتصادية القديمة وعلاقات الانتاج المحلية الناتجة عنها ووضعها في خريطة راس المال العالمي، فان مآلها الانتهاء الى نفس تصورات الأفكار السائدة نفسها وإن قدمت في أشكال تعبيرية جديدة. ان عدم الخلاص من الأفكار السائدة القديمة والدوران في حلقتها يرجع الى أثر البيئة المتسمة بالتخلف الثقافي والسياسي في إنتاج المعرفة مما يدفع الباحث نحو التفسيرات التجزيئية والاختزالية التبسيطية: التفسير التجزيئي، يؤدى الى تفكيك الظاهرة إلى عناصر منفصلة ودراسة كل عنصر بمعزل تام أو نسبي عن البنية الكلية بينما يرجع التفسير الاختزالي الظاهرة المعقدة إلى عامل واحد، أو دراستها بمستوى تفسيري واحد يُمنح صفة القدرة التفسيرية الحاسمة.
ان القارئ الغربي في المراكز الثقافية الكبرى (باريس، واشنطن، مونتريال، الخ) لا يقبل افتراض تكرر النزعات الأولية عبر الأزمنة، وبالتالي تحديدها لمسار التاريخ، وعلى الأقل كمفتاح وحيد لتفسير التاريخ. كما صارت لهذا القارئ حساسية قوية لهذا التفسير بعد احداث الحرب العالمية الثانية.
نقد العقل بين الغرب الليبرالي والمجتمعات المتخلفة
ان نقد العقل في المجتمعات المتخلفة يلجأ لتفسيرات جوهرانية، تختزل الإنسان في غرائزه البدائية التي تعطى الاسبقية لماهية الأشياء والظاهرات الاجتماعية على الوجود؛ وهذا، خلافا ليس للفكر الماركسي فحسب، بل حتى الثقافة الليبرالية الحديثة في الغرب التي تُبدى حذرا واضحا تجاه هذه التفسيرات الجوهرانية. فالليبرالية في الغرب رغم اختلافها مع الماركسية بمنحها للأفكار تاريخا مستقلا عن الواقع الاجتماعي والمادي، الا انها لا تميل لتفسير التاريخ بمنطق العرق أو الطبيعة البشرية الثابتة.
ويمكن اختصارا، ارجاع هذا التباين بين الثقافتين عند تناول تفسير التاريخ في الغرب وفى الدول المتخلفة إلى اختلاف الشروط الاجتماعية والمادية التي تعمل داخلها.
ان نقد العقل (غير الماركسي) في الغرب بمنظور ثقافي يستحوذ على هيمنة الساحة الفكرية، ويعيد انتاج المنهج الفلسفي المثالي (السائد الغرب) بأشكال جديدة (حتى في صور حداثية)، فبالرغم من غياب التحليل العلمي للبنى الاقتصادية، الا انه قد تراجعت في أجزاء واسعة من الفكر الاجتماعي الغربي الحديث التفسيرات الجوهرانية التي ترد الظواهر السياسية والاجتماعية إلى خصائص ثابتة في ˮطبيعة الإنسان“. وظهرت، بدلا منها، اتجاهات فكرية حديثة تؤكد تاريخية الظواهر الاجتماعية، وترفض اختزالها في جوهر ثابت سابق على التاريخ. إلا أن تجاوز الجوهرانية لا يؤدي بالضرورة إلى المادية. فبعض هذه الاتجاهات، رغم رفضها لفكرة الجوهر الثابت للإنسان أو الثقافة، تمنح الخطاب (discourse) أو الثقافة أو المعرفة دورا حاسما في تفسير تشكل الواقع الاجتماعي. وهنا يبقى الخلاف مع المادية التاريخية قائما: فإذا كانت الأفكار والخطابات والمعاني تُعامل باعتبارها قوى مستقلة أو هي ما يحدد في نهاية المطاف مسار التاريخ، فإن العلاقة بين الوعي والوجود الاجتماعي تنقلب من جديد. وهكذا، تختلف الماركسية عن هذا الاتجاه في نقطة أساسية: فهي لا تنكر أهمية الأفكار أو الثقافة أو الخطاب، لكنها ترفض منحها تاريخا مستقلا عن الواقع الاجتماعي والمادي. فالأفكار نفسها تنشأ داخل علاقات اجتماعية وتاريخية محددة، وتتأثر بالبنية الاقتصادية وعلاقات الإنتاج والتناقضات الطبقية التي تنشأ داخلها. ومن ثم فإن فهم الأفكار لا يكتمل بتحليل مضمونها الداخلي أو بنيتها الخطابية، بل يتطلب ردها إلى الشروط الاجتماعية والمادية التي أنتجتها. تكمن قيمة المنهج المادي التاريخي، في هذا السياق، في أنه لا يكتفي بوصف الظواهر الاجتماعية كما تظهر على سطح الواقع، ولا يتعامل مع الأفكار والانتماءات والهويات باعتبارها كيانات مستقلة عن شروطها التاريخية، إنه يحاول الانتقال من الظاهر إلى البنية. - راجع مقال ˮ البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية المتخلفة“
ذا انتقلنا إلى بيان حدود البراغماتية بنظرتها المثالية الذاتية، في تحليل المجتمعات التي تعاني من التخلف الاقتصادي وضعف المؤسسات والاضطراب السياسي، فإن المشكلة تصبح أكثر تعقيدا. فالمنهج الذي يركز على النتائج المباشرة والمظاهر الأكثر وضوحا قد يفصل الظاهرة عن الشروط التاريخية والاجتماعية التي أنتجتها، فيتحول من أداة لفهم الواقع إلى أداة للتكيف معه. فالبراغماتية نشأت في الغرب في سياق تاريخي واجتماعي متقدم نسبيا، وارتبطت في تجاربها الكلاسيكية بالإصلاح الاجتماعي والتربوي وبناء المؤسسات والتعامل العملي مع المشكلات. لكن انتقال بعض أشكال التفكير البراغماتي إلى مجتمعات مختلفة جذريا في بنيتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية قد يؤدي إلى نتائج مختلفة. ففي بيئات يسودها الاضطراب السياسي وضعف الدولة والمؤسسات، يمكن أن تتحول ˮالواقعية“ العملية إلى واقعية سطحية تكتفي بتفسير الظاهرة من خلال أكثر عناصرها ظهورا، بدل البحث في الشروط التاريخية التي أنتجتها. ومن أبرز مظاهر ذلك اختزال الصراعات السياسية والاجتماعية في مفاهيم من قبيل “القبيلة“ أو ˮالطائفة“ أو ˮالعنصر“. - راجع مقال ˮ البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية المتخلفة“
عندما يتم استيراد البراغماتية إلى الدول المتخلفة، فإن تطبيقها يصبح أكثر تقييدا بسبب الهياكل الثقافية والاجتماعية المتخلفة. ان الموروثات التقليدية والإقطاعية، والايمان في المسلمات الغيبية والمؤسسات الضعيفة. كل هذه العوامل تحد من فعالية الحلول البراغماتية، مما يجعلها غالبا سطحية أو إصلاحية وينعكس هذا في فقر الدراسات والتحليل الاجتماعي/الاقتصادي.
وكمثال لموقف الغرب المفارق للتحليل على أساس العناصر الأولية، نجد ان القارئ الغربي توصل الى كشف حقيقة هدف النازية وراء تفسير التاريخ بمنطق العرق - نقاء العرق الآري- مقابل انتماء البشر الى نوع بيولوجي واحد (homo sapiens)، وهو إخفاء الازمة الاقتصادية الطاحنة آنذاك وتحميل العناصر الدخيلة ( اليهود) للمشاكل الاقتصادية، وربط الرخاء بنقاء العرق؛ وإثارة النازيين مشاعر الكبرياء للألمان بإخبارهم انهم عرق سام ولا يستحقون المهانة الى تمثلت في الشروط القاسية لـمعاهدة فرساي بعد هزيمة المانيا في الحرب العالمية الأولى؛ وتخويف المجتمع من الشيوعية الصاعدة بكثافة في البلاد وصعودها للسلطة السياسية في روسيا آنذاك باستغلال الرعب لدى الطبقات المالكة ( البرجوازية الكبيرة والمتوسطة) والترويج لفرية أن الشيوعية مؤامرة يهودية لتدمير ألمانيا؛ واستغلال إرث العداء التاريخي للسامية والتمييز العرقي والديني الممتد لقرون في أوروبا. وهكذا، وجدت النازية مناخا اقتصاديا وثقافيا جاهزا لاستقبال أفكارها التي دعمت نشرها وغرسها في ادمغة المواطنين بآلة دعائية ضخمة وأجهزة أمن شديدة الترهيب والبطش.
وحتى عندما يميل القارئ الغربي لقبول أي دور للنزعات الأولية في حدوث الظاهرات الاجتماعية كطبقة (layer) واحدة من عدة عوامل لا يرفض تحويلها إلى قدر تاريخي محتوم فحسب، بل هو كثير التساؤل ما المصالح ، ما المؤسسات؟ لماذا هذا الخطاب السياسي بالتحديد؟ ما الذاكرة التاريخية؟ الخ. وهذا على صعيد الثقافة الليبرالية، اما القارئ الماركسي، في الساحة السياسية الغربية، يكون رده قاطعا لتلك البدائية الفكرية : فهو يرفض الفكرة من أصلها على أساس ان العامل الاقتصادي له الاولوية مع الاعتراف بانه ليس العامل الوحيد في تحديد تطور التاريخ الذى تؤثر بدورها في مجراه، كذلك، السياسة والقانون والأفكار والصراعات التي تنشأ فوق الأساس المادي.
وبالعودة الى مثال النازية، نود توضيح نقطة مهمة حول عدم صحة ان الحركات السياسية الحديثة تستطيع ان تصعد بروابط أولية قديمة ( قبلية/ رعوية) وتحويلها لهوية واسعة جامعة. فالنازية، لا يمكن تفسير صعودها بمجرد أن الألمان استعادوا نمطا اوليا قبليا من التفكير، وهذا يعني أن النازية لم تكن عودة بسيطة إلى نزعة قديمة، بل تجريد للمنطق القبلي/الرعوي وإعادة إنتاجه على تجريد واسع. من الخطأ الاعتقاد في ان الحركات السياسية ( مثل القائمة على الفكر النازي في المانيا والحركات السياسية الأخرى التي صعدت للسلطة السياسية) تشكل امتدادا للنزعات الأولية الناشئة أساسا في حضن سياسات الهوية في شكلها الضيق المتمحور حول الاثنية والقبلية الخ؛ هذا غير صحيح؛ فالقول إن الحركات التي صعدت إلى السلطة هي مجرد هبات رعوية أو امتداد مباشر للقبلية والإثنية القديمة، فيه مشكلة تاريخية ونظرية. فالحركات السياسية تحركها ديناميات اجتماعية وسياسية أوسع مما تحمله المجتمعات الرعوية/القبلية نفسها، فهي تنشأ داخل شروط تاريخية محددة: ألازمات والانهيارات الاقتصادية والحروب والصراعات الاجتماعية والتحولات الثقافية، ثم تستخدم أدوات حديثة تماما في التنظيم والحشد والدعاية الإعلامية والتنظيم الحزبي. ولذلك فإن تشابه بعض آليات التعبئة الحديثة مع أنماط الانتماء الأولي لا يعني أنها عودة إلى الماضي، بل يعني أن الحداثة السياسية نفسها قادرة على إعادة تركيب تلك الانماط وادخالها كمفاهيم مجردة داخل بنى جديدة. ************************ ان نقد ˮنقد العقل“ بمنظور ثقافي يعيد انتاج المنهج الفلسفي المثالي بأشكال جديدة (حتى في صور حداثية)، ويقع في نفس إشكال لا تاريخية مفهوم ˮنقد العقل“. ان العقل حقيقة واقعية (real)، ولكن بشرط فهمه ك ˮ واقع مادي واجتماعي“ وليس ككيان مستقل أو روحي ميتافيزيقي. ونقد ˮ نقد العقل“ من منظور مادى خطوة مهمة نحو التغيير وليس هدم العقل لترك الإنسان في جهل مطبق، بل تنقيته وتطهيره من أوهامه وجموده، انه النقد الذى يمثل الوسيلة الوحيدة لمنع العقل من التحول إلى ˮدوغما“ والخطوة الأولى للتحرر فكريا وبناء وعي يتناسب مع الواقع.....انه النقد الذى يحول العقل من مجرد أداة تُصدر الأحكام إلى موضوع خاضع للمساءلة والفحص.
#محمود_محمد_ياسين (هاشتاغ)
Mahmoud_Yassin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية ال
...
-
البراغماتية وحدود تطبيقها في البنى الاجتماعية والاقتصادية ال
...
-
في منهج دراسة علاقات الأرض في السودان (2-2)
-
في منهج دراسة علاقات الأرض في السودان (1-2)
-
في ثنائية الدولة المدنية/الدولة العسكرية - الجيش وإعادة صياغ
...
-
في ثنائية الدولة المدنية/الدولة العسكرية - الجيش وإعادة صياغ
...
-
ما بين لودفيغ فيورباخ ومحمد عابد الجابري
-
دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (3-3
...
-
دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (2-3
...
-
دراسة التمكين السياسي في السودان: إشكالات نظرية ومنهجية (1-3
...
-
حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد
...
-
حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد
...
-
حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد
...
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (3-3)
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (2-3)
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (1-3)
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
المزيد.....
-
ساعة ذهبية.. حفيد جمال عبد الناصر سرق إرثا تاريخيا نادرا للز
...
-
ساعة ذهبية.. حفيد جمال عبد الناصر سرق إرث تاريخي نادر للزعيم
...
-
Iran Reverses the Asymmetry
-
بيان قطاع المحامين والمحاميات لحزب النهج الديمقراطي العمالي
...
-
المرأة الفلسطينية من الحضور إلى صناعة القرار
-
احتجاجا على الهجرة.. مئات المتظاهرين الملثمين يغلقون طريق مي
...
-
ملثمون بملابس سوداء.. مئات المتظاهرين يغلقون ميناء دوفر البر
...
-
Minimum Wage Theft in Germany
-
The Consequence of Lost Voting Rights Will be Massive Acts o
...
-
دليل التخلص من الفقراء.. -الدحيح- يكشف أسرار التخطيط العمران
...
المزيد.....
-
بيان من أجل ثورة اشتراكية ايكولوجية؛ القطع مع النمو الرأسمال
...
/ الأممية الرابعة
-
التوجّه الإستراتيجي [ للثورة في الولايات المتّحدة ] في عالم
...
/ شادي الشماوي
-
الإنسانيّة على حافة الهاوية : السير القسري نحو الخاوية أم صي
...
/ شادي الشماوي
-
عندما تصبح الكرة سلعة… ويغدو العالم ملعباً للرأسمال
/ المناضل-ة
-
كراسات شيوعية: الجبهة الشعبية عام 1936 في فرنسا ( أزمة، انتف
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
نحو يسار موحد: خارطة طريق وآفاق عملية
/ رزكار عقراوي
-
كراسات شيوعية[84 Manual no]:فصل من كتاب(وجهة نظر البروليتاري
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية [81Manual no]:فصل من كتاب(التشيؤ ووعي الطبقة ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
اليسار والنقابات العمالية والمنظمات الجماهيرية
/ رزكار عقراوي
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
المزيد.....
|