|
|
حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المدنية والتابعة للجيش (3-2)
محمود محمد ياسين
(Mahmoud Yassin)
الحوار المتمدن-العدد: 8621 - 2026 / 2 / 17 - 20:48
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
ذكرنا في الجزء الأول من المقال ان تمسك حكومات الدول المتخلفة بالقطاع العام لا يعكس تمردا على علاقات التبعية وفض الارتباط بها، بل يندرج ضمن آليات إدارتها وإعادة إنتاجها داخل حدود المناورة الضيقة التي تفرضها بنية الاقتصاد التابع. فإذن السؤال الذى يطرح نفسه هو : ماذا يريد صندوق النقد الدولي (اداة من ادوات إدارة التبعية) من مطلب الخصخصة طالما كان القطاع العام لا يشكل تهديدا لنظام التبعية؟
الاجابة عن هذا السؤال هو ان الخصخصة تعمل بوصفها آلية سياسية–بنيوية يستخدمها صندوق النقد الدولي تحت لافتة " الإصلاح الاقتصادي وتعزيز الحوكمة" التي تستهدف نزع الطابع الإنتاجي عن الدولة ذاتها، لا إصلاح القطاعات المعنية. فالخصخصة لا تُفهم بوصفها إجراءً تقنيًا لتحسين الكفاءة أو تعزيز الحوكمة، بل كآلية هيكلية لإعادة إنتاج تبعية الاقتصاد الوطني لمنطق التراكم الرأسمالي العالمي، كما نشرح لاحقا. وتجدر الإشارة هنا الى انه حتى في حالة كون الوحدات الصناعية المملوكة للدولة ضعيفة، الا ان هذه الوحدات تمثل نافذة لإعادة توجيه التنمية أو بناء سياسة صناعية مستقلة نسبيا، وهو ما تسعى استباقيا، برامج الخصخصة إلى إيصادها. وبذلك، لا تتعارض الخصخصة مع الطابع الكمبرادوري السائد الذي يتركز في التجارة والتوكيلات والخدمات، بل تستكمله عبر إخضاع القطاع الإنتاجي المحدود أصلا لمنطق السوق العالمي.
ان القطاع العام في الدول المتخلفة يُضعف قدرة رأس المال العالمي على تحويل الفائض المحلي لصالح مراكز التراكم الرأسمالية الخارجية. ومن ثم، فإن تفكيك الملكية العامة لا يهدف إلى إطلاق دينامية تنموية وطنية، بل إلى نقل السيطرة على الأصول الاقتصادية من المجال العام إلى قوى اجتماعية قادرة على الاندماج السلبي في السوق العالمية، بما يعمق الطابع التجاري للاقتصاد (المنسجم مع متطلبات رأس المال العالمي) ويعيد إنتاج التبعية بأشكال مدنية أو عسكرية دون المساس بجوهرها البنيوي. وعليه، في إطار نظام التبعية، لا تُطرح دعوة صندوق النقد الدولي إلى تقليص ملكية الدولة—بما في ذلك الأصول الاقتصادية الخاضعة للمؤسسة العسكرية—بوصفها إجراء تقنيا لتحسين الكفاءة، بل باعتبارها آلية بنيوية لإعادة تشكيل الدولة التابعة بما يضمن تحسين حرية حركة رأس المال المحلي المرتبط بالخارج ورأس المال العابر للحدود. فالقطاع المملوك للدولة، بحكم طبيعته، لا يعمل وفق منطق تعظيم الربحية قصيرة الأجل ولا يخضع بالكامل لإشارات السوق العالمية، بل يرتبط باعتبارات التحكم السياسي للنظام الحاكم عبر تقوية قاعدته الاقتصادية. كما ان مقدرة القطاع العام قد تتسع بالصورة التي تجعله قادرا على ضبط الموارد الاستراتيجية مما يدخله في تناقض مع راس المال العالمي المتحكم في توجيه الاستثمار. ولهذا السبب تحديدًا، يشكل هذا القطاع عائقا أمام رأسمال المال الكومبرادوري. فالقطاع العام يحد من إمكانية الوصول الحر لرأس المال الأجنبي لمؤسسات القطاع العام المحلية (دون قيود تُذكر)، سواء عبر تملك الأصول أو السيطرة على المشاريع أو توجيه الاستثمارات وفق اعتبارات الربح الخاضعة لأسلوب التبادل غير المتكافئ.
ان انتزاع الأصول الاستراتيجية وغيرها من نطاق الدولة لا يؤدي إلى تحييدها أو تحريرها من التشوهات البيروقراطية، بل يعيد إدماجها واخضاعها وفق شروط الهيمنة الاقتصادية الخارجية حيث يُعاد تشكيل دور الدولة من فاعل محتمل في توجيه التنمية إلى كيان وسيط يضمن خضوع الاقتصاد المحلي لمتطلبات السوق العالمية. وبهذا المعنى، تمثل سياسات الخصخصة دافعا لمزيد من نزع السيادة الاقتصادية للدول المتخلفة وذلك بتجريد تلك الدول من أي مقدرة على تهديد التبعية.
وهكذا، فالخصخصة يُختزل أفقها في تحسين شروط الامتثال لمطلوبات الخارج. ومن المهم توضيح المفارقة التي تتعلق بدعوة صندوق النقد الدولي للخصخصة عند مقارنتها بالدعوات الاصيلة لنقاد التبعية وضرورة التخلي عنها. ان هدف صندوق النقد الدولي من اللجوء الى الخصخصة (أصول مدنية وعسكرية) يبدو ظاهريا مطابقته لموقف نقاد التبعية. فمنطق الصندوق الداعم للخصخصة يُقدم بلغة تشابه مفرداتها مفردات نقاد التبعية. فخطاب صندوق النقد يتقاطع مع خطاب نقاد التبعية في تشخيصه لمشكلة "تشوه البنية الاقتصادية" و"اختلال تخصيص الموارد" و"هيمنة قطاعات غير منتجة أو محمية على حساب الكفاءة التنافسية، إذ يدعو كلاهما إلى إعادة هيكلة الاقتصاد، وتقليص الامتيازات المتعلقة بالوصول الى فرص السوق والموارد، وتفكيك شبكات الاحتكار والفساد التي تعوق النمو. غير أن هذا التشابه يظل شكليا أكثر منه جوهريا؛ فبينما ينطلق نقد التبعية من تحليل بنيوي يربط هذه الاختلالات بموقع الاقتصاد التابع داخل التقسيم الدولي للعمل وبعلاقاته غير المتكافئة مع الدول الاستعمارية الرأسمالية ويطرح ضرورة التحرر الاقتصادي بتعزيز استقلالية الإنتاج وتوجيه فوائضه لصالح التنمية المحلية، فإن خطاب الصندوق يعيد تعريف المشكلة في حدود كفاءة السوق وحياد المنافسة، ويقترح حلها عبر تعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي، وتوسيع نطاق الخصخصة، وتحرير رأس المال. وعليه، فإن ما يبدو اتفاقا في اللغة يخفي اختلافا في المنطلق النظري، وفي تعريف سبب الأزمة: فنقد التبعية يسعى إلى تجاوز منطق التبعية، بينما يعيد الثاني إنتاج شروطها ضمن إطار عالمي ليبرالي.
ويمتد الخلاف حتى داخل معسكر نقاد التبعية حيث نجد ان موقف نقاد التبعية، الذين يدعون الى الخروج النهائي من اسرها، يتمايز عن موقف مناهضي التبعية الليبراليين: أولئك الذين تحدونهم رغبة مؤكدة في التحرر من نير الهيمنة الأجنبية. فرغم أن بعض نقاد أطروحة فك الارتباط داخل أدبيات التبعية يجادلون بإمكان تحقيق التنمية عبر الاندماج المنضبط في الاقتصاد العالمي، فإن هذا رهان يفترض—ضمنيا—حياد بنية السوق العالمية وقابلية شروطها للتعديل عبر سياسات تفاوضية وطنية. غير أن هذا الافتراض يتجاهل الطبيعة غير المتكافئة للنظام الرأسمالي العالمي، حيث يُعاد إنتاج الفوارق البنيوية بين المركز والأطراف عبر آليات السوق نفسها. في هذا السياق، لا تمثل الخصخصة مسارا للتنمية بقدر ما تُشكل أداة لإعادة توزيع السيطرة على الأصول الاقتصادية لصالح رأس المال المرتبط بالخارج، حتى عندما تُدار بشعارات إصلاحية؛ وعليه، في الخطاب المستند إلى الأفكار الليبرالية، تُقدم الخصخصة بوصفها تعبيرا عن حرية السوق، وتقليص دور الدولة، وفتح المجال أمام الكفاءة والمنافسة. غير أن هذا الخطاب لا يكتفي بالتقليل من خيار فك الارتباط باعتباره طرحًا غير واقعي، بل يصور تعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي باعتباره الطريق الطبيعي والوحيد للتنمية. وبهذا تتحول الخصخصة من أداة إصلاح إداري أو اقتصادي إلى آلية لإعادة تشكيل الاقتصاد الوطني وفق منطق السوق العالمية، بما يجعله أكثر اعتمادا على الخارج. وفي هذه الحالة لا يعود الإصلاح تغييرا في بنية العلاقة الاقتصادية، بل إعادة تنظيم لها داخل الإطار نفسه تحت غطاء ليبرالي الذى رغم وعوده بالكفاءة ( الإدارة الرشيدة)، الا انه في الواقع يقوم بترسيخ شروط التبعية القائمة. ان النزعة الليبرالية ، في النهاية، تؤدى الى تعميق التبعية بوصفه بديلا تنمويا واقعيا يحول الاندماج مع العالم من وسيلة مفترضة للتنمية إلى غاية قائمة بذاتها، وبالتالي ينزع عن الإصلاح أي مضمون تحرري.
ان الليبرالية اعتمادا- على مرجعيتها حول اقتصاد السوق والكفاءة وتقليص حجم الدولة، تقوم بتعريف الاندماج في العالم من وسيلة إلى غاية (قائمة بذاتها) وبالتالي تعميق الاعتماد الخارجي بدل تجاوزه، وهذا بعكس انصار التخلص من الهيمنة الخارجية الذين ينتقدون الاطار المفاهيمي الذى ينزع للمعالجة المثالية (idealization) لمسالة التبعية متجاهلا كونها مجرد وسيلة لتحقيق الهيمنة، فدعاة ضرورة التفكك من التبعية يرون ان التحرر الوطني من إسار السيطرة الخارجية يمثل القضية المركزية في الاجندة السياسية للدول المتخلفة، ويدعون الى ضرورة الفض الكامل (breaking up) لنموذج (paradigm) التبعية، فكسر التبعية الاقتصادية هو السبيل الوحيد لتصميم نموذج جديد يخضع الاندماج، بشكل إيجابي مع الخارج ، لصالح بناء تنمية وطنية مستقلة.
نواصل في الجزء الأخير من المقال ونختتم بكلمة أخيرة عن خصخصة الأصول الاقتصادية للجيش
#محمود_محمد_ياسين (هاشتاغ)
Mahmoud_Yassin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حقيقة مطالبة صندوق النقد الدولي خصخصة الأصول الاقتصادية المد
...
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (3-3)
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (2-3)
-
التبعية الاقتصادية واعاقة السيادة النقدية (1-3)
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
إضافة سمير امين لنظرية التراكم العالمي وأثرها على اقتصاد الت
...
-
السودان واليمن – محدودية منهج تناول ادارة الازمات
-
حقيقة المبادرة الرباعية الدولية لإنهاء حرب السودان
-
السودان: ضرورة إلغاء قرار البرهان بإلغاء قانون مقاطعة اسرائي
...
-
المسخ -الاشتراكي الديمقراطي- في نيويورك (2-2)
-
المسخ -الاشتراكي الديمقراطي- في نيويورك (1-2)
-
حول العبودية القديمة وعبودية العمل المأجور (3-3)
-
حول العبودية القديمة وعبودية العمل المأجور (2-3)
-
حول العبودية القديمة وعبودية العمل المأجور (1-3)
-
ادعاء نقصان -راس المال- لا أساس له من الصحة
-
تعديل دستوري لتعزيز احتكار الجيش السوداني للسلطة
المزيد.....
-
فرنسا: توقيف خمسة أشخاص على خلفية مقتل ناشط من اليمين المتطر
...
-
Dancing With the Beautiful People
-
EU Election Observers Visit The Deltagram to Discuss 13th Ge
...
-
Highlighting MK?84 Strikes, Humanity Calls For Justice
-
Strengthen the United Nations
-
The Outcome of Germany’s Public Sector Strike
-
Two Paths Beyond Donald
-
DSA’s “Rank-and-File Strategy” Has 60s Roots in Berkeley
-
التصويت برفض مقترح البيئة واليسار بوقف ترحيل المراهقين
-
ماذا تبحث الفصائل الفلسطينية في لقاءاتها بالقاهرة؟
المزيد.....
-
النظرية الماركسية في الدولة
/ مراسلات أممية
-
البرنامج السياسي - 2026
/ الحزب الشيوعي السوري - المكتب السياسي
-
هل الصين دولة امبريالية؟
/ علي هانسن
-
كراسات شيوعية (الصراع الطبقي والدورة الاقتصادية) [Manual no:
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
موضوعات اللجنة المركزية المقدمة الى الموتمر 22 للحزب الشيوعي
...
/ الحزب الشيوعي اليوناني
-
الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو
/ غابرييل هيتلاند
-
فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم
...
/ مايكل جون-هوبكنز
-
نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و
...
/ شادي الشماوي
-
روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية
/ إلين آغرسكوف
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|