محمود محمد ياسين
(Mahmoud Yassin)
الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 02:47
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
مقدمة
” لا يمكن لنظرية التخلف والتنمية إلا أن تكون نظرية تراكم رأس المال على نطاق عالمي ...... كلما دخل نمط الإنتاج الرأسمالي في علاقات مع أنماط الإنتاج ما قبل الرأسمالية، وأخضعها لنفسه، تتم عمليات نقل القيمة (value) من التشكيلات ما قبل الرأسمالية إلى التشكيلات الرأسمالية، نتيجة لآلية التراكم البدائي“ - سمير أمين
في هذا المقال نقدم عرضا لأفكار سمير أمين الخاصة بالتراكم على الصعيد العالمي وموقفه من اقتصاد التنمية (Development Economics) الذى يستخدم الكثير من أدوات الاقتصاد الكلاسيكي الجديد (neoclassicalism) السائد. والمقتطفات والاحالات في المقال مأخوذة من النسخة الإنجليزية لكتاب أمين :
-Samir Amin, “Accumulation on a World Scale: A Critique of the Theory of Underdevelopment,” Samir A., Monthly Review Press,1974. (Two Volumes, 666 pages).
-(التراكم على صعيد العالم: نقد نظرية التخلف(امين، M.P.R، 1974.
والنسخة الإنجليزية هي، وفق المتخصصين، أكثر دقة من الفرنسية لغة الكتاب الاصلية (الصادر في 1970).
ونشير الى أن كتاب أمين ( التراكم على صعيد العالم .....) أساسي لفهم آرائه الاقتصادية التي قام بتنقيحها في كتابات لاحقة متعددة. والمقال وهو عبارة عن تقديم لعرض أفكار المؤلف، يعتمد على مقدمة كتابه (37 صفحة)، التي ننقل منها مقتطفات مطولة في بعض الأماكن والاشارة الى موقعها في صفحات الكتاب، مع دعم وجهة نظره بالأخذ من أجزاء الكتاب الأخرى، بالإضافة الى الإحالة لمؤلفاته العديدة المتعلقة بالموضوع. أوضح امين في المقدمة فكرته حول التراكم على المستوى العالمي بصورة مطولة، بحيث تعتبر (المقدمة) دليلا (guide) جيدا يجعل قراءة الكتاب يسيرة، وهذا ما نهدف توضيحه في هذا المقال.
يرى أمين أن موضوع التراكم على المستوى العالمي له أهمية قصوى. فنتيجة للاندماج بين دول العالم تجاريا وماليا، وإن كان بدرجات متفاوتة، أصبح التفكير في أي منها بمعزل عن بعضها البعض شيئا مستحيلا. فلا يمكن اعتبار هذه العلاقات المتداخلة خارج الحساب - بالطريقة التي يمكن للمرء أن يفكر بها في الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الصينية، لأنهما لم يكونا على دراية ببعضهما البعض.
ان تفسير أمين للتراكم على نطاق عالمي يبين كيف يمكن للرأسمالية العالمية أن تتوسع وتتراكم من خلال دمج - وتجميد – التكوينات الاجتماعية غير المتجانسة في نظام واحد غير متكافئ حيث تجرى دول المركز تعزيز نظام الإنتاج الرأسمالي من خلال الحفاظ على الدول التابعة كتكوينات متخلفة واستخراج القيمة (value) منها. ان الدول الاستعمارية الرأسمالية تمنع قيام الإنتاج السلعي (الرأسمالية) لكى يصبح منتشرا في كل مكان في الأرض؛ ويوضح أمين ان التخلف هو نتيجة للتراكم غير المتكافئ وليس فقط للتبادل غير المتكافئ.
ونظرية "التراكم غير المتكافئ" عند أمين تُعدّ إضافة أصلية ومركزية له، وهي أعمق وأشمل من مجرد مفهوم “التبادل غير المتكافئ”. فنظرية "التراكم غير المتكافئ" تتجاوز الحدود التفسيرية "للتبادل غير المتكافئ" ودمجه داخل إطار بنيوي –تاريخي أوسع يفسّر إنتاج التخلف نفسه داخل النظام الرأسمالي العالمي.
ونظرية أمين حول التراكم غير المتكافئ تجئ في مجرى نقده للاقتصاد التنموي السائد من رفضه الجذري لما للتحليل الجزئي، أي مقاربة التخلف والتنمية عبر عزل الظواهر الاقتصادية عن بنيتها التاريخية–الكلية. فالنظريات التنموية السائدة، سواء في صيغها الليبرالية أو الإصلاحية أو حتى بعض صيغها الماركسية التحريفية، تميل إلى تفسير التخلف عبر عناصر منفصلة مثل اختلال شروط التبادل، ضعف المؤسسات، نقص رأس المال، أو سوء السياسات الاقتصادية. ان أمين يرى أن هذا الضرب التحليلي يُحوّل التخلف إلى حالة عرضية أو حالة (تقنية) قابلة للإصلاح داخل النظام الرأسمالي العالمي، متجاهلاً أن هذه الظواهر حدثت نتيجة لوضع الأطراف ككيانات بنيوية داخل نمط تراكم عالمي غير متكافئ. ومن هنا، جاءت نظرية التراكم غير المتكافئ بوصفها نفيًا منهجيًا لهذه التجزئة حيث أعادت توحيد التجارة، والإنتاج، والأجور، والتكنولوجيا، والدولة، والطبقات داخل إطار واحد هو قانون القيمة المعولم (globalized)، الذي ينتج تنمية في المركز وتخلفاً في الأطراف كوجهين لعملية تراكم واحدة. وعليه، فإن أي تحليل تنموي لا ينطلق من نمط التراكم العالمي، بل يكتفي بمعالجة أجزاء معزولة، ينتهي حتماً إلى إصلاحية اقتصادية ضمن توهم لحاقي بالعالم المتمدن! ويعجز عن تفسير إعادة إنتاج التخلف تاريخياً حتى في حالات النمو أو التصنيع.
ان كاتب المقال نظر الى إمكانية التعامل مع نظرية "التراكم غير المتكافئ" كاطار تحليلي من واقع مسار الاقتصاد السوداني كاقتصاد تابع، ولكن أعتقد ان إيلاء الاعتبار لهذه النظرية يكون مهما لدول المنطقة: الدول العربية والدول الافريقية حيث يُعاد إنتاج التخلف بسبب الاندماج في الاقتصاد العالمي. فالاقتصادات السودانية وغيرها ذات الاوضاع الاقتصادية المتشابهة لم تُدمج في الرأسمالية العالمية كوحدات إنتاجية متكاملة. ان حالة التبعية تظهر، في حالة الدولة التابعة كما تتجسد في السودان والبلدان المشابهة، في حدود المقاربات التنموية السائدة التي تتعامل مع التخلف من خلال تفكيك جزئي لمظاهره، دون النفاذ إلى البنية الكلية التي تنتجه وتعيد إنتاجه. ففي هذه المقاربات، يُعاد تعريف التخلف بوصفه خللاً في الحوكمة، أو ضعفاً مؤسسياً، أو قصوراً في السياسات الاقتصادية، بما يسمح بمعالجة تقنية لمؤشرات معزولة، بينما يُستبعد التحليل التاريخي-البنيوي لموقع هذه الدول داخل منظومة التراكم الرأسمالي العالمي. وبذلك، لا يُفهم التخلف كنتاج لعلاقات تبعية غير متكافئة، بل كاختلال داخلي قابل للإصلاح ضمن الإطار نفسه الذي أنتجه. ويقود هذا المنظور إلى سياسات تنموية تُبقي الدولة التابعة—كما في الحالة السودانية—محصورة في أدوارها الطرفية داخل التقسيم الدولي للعمل، مع إعادة إنتاج الهشاشة الاقتصادية والتبعية المالية والتكنولوجية، بدل تفكيك منطق التخلف ذاته. ومن ثمّ، فإن تجاوز هذا المأزق يتطلب الانتقال من "التفكيك الجزئي" إلى نقد بنيوي شامل يربط بين الدولة، والتراكم، والعلاقات الدولية بوصفها وحدة تحليل واحدة.
ان الاقتصادات التابعة لم تُدمج في الرأسمالية العالمية كوحدات إنتاجية متكاملة، بل كوحدات وظيفية داخل تراكم غير متكافئ: مُصدّرة للمواد الخام ومُستوردة للتكنولوجيا، ومُقيّدة ب (قانون قيمة) عالمي يفرض فجوة دائمة بين الإنتاجية والأجور. وفي هذا السياق، تبدو سياسات "الإصلاح الاقتصادي"، و“تحسين الحوكمة”، و“جذب الاستثمار الأجنبي” أمثلة نموذجية عن التفكيك الجزئى، إذ تعالج مظاهر الأزمة (العجز، التضخم، ضعف النمو) دون المساس بالبنية التي تنتجها. أما الدولة، فليست دولة تنمية وطنية، بل دولة تابعة وظيفياً، تضطلع بدور الوسيط بين متطلبات التراكم العالمي ومصالح الطبقات الكمبرادورية المحلية، وهو ما يفسّر فشل مشاريع التصنيع، وتشوه البنية الإنتاجية، واستمرار الارتهان المالي والتجاري. من هذا المنظور، لا يُفهم التخلف في السودان والعالم العربي بوصفه تعثراً انتقالياً نحو "اللحاق"، بل كـ نتاج تاريخي لتكامل تابع داخل نظام رأسمالي عالمي غير متكافئ، الأمر الذي يجعل تجاوز التخلف مرهوناً بكسر منطق هذا التراكم ذاته، لا بتعديل سياساته الجزئية.
تتجلى مساهمات أمين الرئيسية، في دراسة الإمبريالية، في اضافته لنظرية (التراكم على نطاق عالمي) و (التنمية غير المتكافئة)، وذلك بتقديم فهم لعملية التراكم في حدوثها على نطاق عالمي مقسما الى تشكيلات اجتماعية وطنية ذات خصائص مميزة: المركز (الدول الرأسمالية الأساسية) والأطراف (الدول الفقيرة). ان التراكم في المركز حيث التنمية ذاتية المركز (autocentric) تحكمها الظروف المحلية المتعلقة بظروف الإنتاج وقوى السوق (العرض والطلب) وعلاقة الربح بالأجور ومستوى انتاجية العمل والمدخرات والبيئة الاستثمارية؛ كما ان التراكم في المركز (البلدان الرأسمالية) مدفوع بالرأسماليين الذين يعيدون استثمار الأرباح لتوسيع الإنتاج وزيادة الإنتاجية. من ناحية أخرى، فإن التراكم في الأطراف منفتح (extraverted)، بمعنى أن النشاط الاقتصادي في البلدان الفقيرة يتم بطريقة مفيدة لبلدان المركز التي تسعى للحصول على السلع والمواد الخام. وهكذا، فان التراكم في الاقتصادات المنفتحة يكون مخصصا للتصدير، حيث تُكِّرس هذه الاقتصادات نسبة كبيرة من نشاطها الاقتصادي لإنتاج السلع التي تتناسب مع الطلب الأجنبي.
على الرغم من أن التحليل الماركسي في مجال الاقتصاد السياسي يتضمن بالضرورة تطوير نظرية خاصة بالتراكم على الصعيد العالمي (في مرحلة الرأسمالية الاحتكارية وظهور الامبريالية)، إلا أنه لم يتم إحراز تقدم يذكر منذ تحليل لينين للإمبريالية. ان العناصر النظرية الأساسية للاقتصاد الجامعي الحالي (الحدية-marginalism) تمنع حتى مجرد طرح السؤال. والنتيجة، كما يقول أمين، هي أن التحليل الحالي ل ("التخلف" يتسم بضآلة العمق بشكل لا يصدق)؛ لقد حلل لينين في المقام الأول تحول النظام في الدول الرأسمالية (المركز)، مع تركيز تحليله على المسألة الأساسية لتشكيل الاحتكارات وتصدير رؤوس الأموال، ولم يتم فحص التكوينات في الدول الفقيرة (الأطراف)، كما قدمت الثورة الصينية مساهمة كبيرة بوضع نظرية (الديمقراطية الجديدة) التي اكدت نظريا وعمليا جدوى وصحة انجاز التنمية في الدول الفقيرة بتبني السياسات ذات التوجه الاشتراكي. لكن، رغما عن هذه المساهمات، لا توجد دارسات نظرية عميقة (خاصة على مستوى التحليل الاقتصادي البحت) تشمل التحولات الجارية في علاقة الأطراف بالمركز.
ان أفكار سمير أمين بالنسبة للناقد المنصف تتضمن عناصر تعتبر مساهمة أصلية (original)، مقارنة بالأفكار الاقتصادية الخاصة باقتصاد التنمية الذى يُدرس في الجامعات القائم على أساس النظرية الاقتصادية السائدة: الحدية (marginalism)؛ فان ظهور نظريات جديدة للتخلف والتنمية في عالم اليوم يمليه ضغط الحقائق، أي فشل سياسات التنمية التي لم تتحد التكامل الدولي، ولم تقم بالانفصال الصريح عن الأسس النظرية للاقتصاد الجامعي.
وأصلانية بعض عناصر أفكار أمين ترجع لاعتماده على المنهج الماركسي -اللينينى في التحليل. وهذه العناصر تتمحور حول موضوع (التراكم على نطاق عالمي)؛ وإن التراكم غير المتكافئ الذى يسبق التبادل غير المتكافئ هو العامل الأساس وراء التخلف.
واستطرادا، فان أفكار امين التي اودعها في مؤلفات متعددة لا يمكن تجاهلها كما يفعل أصحاب الاتجاهات اليمينية المسيطرين على كثير الأحزاب الشيوعية في منطقتنا ولدرجة اقل خارجها (توجد في الغرب كتابات منصفة لأفكار أمين). وهذا التجاهل ليس شيئا طارئا، بل انه ينسجم مع خط دعاة النزعة اليمينية التي تتبنى انتقائية تبعدهم عن الالتزام بالمنهج العلمي في التحليل (المادية الجدلية) الذى طبقة أمين بصرامة في دراساته. ان بعض استنتاجات امين يمكن اخضاعها لبعض الملاحظات النقدية، ولا أكثر، ولكن الطريقة المادية الجدلية التي استخدمها في التحليل ليس فقط سليمة، بل يمكن التعلم منها، وهذا ما لا تريده الأحزاب ذات الاتجاهات اليمينية التي صار على راس قياداتها من يعطون الانطباع في كتاباتهم واقوالهم المكررة (التافهة والمبتذلة) عدم معرفة الفرق بين المادية والمثالية!!
ان ما فعله امين هو اثراء موضوع التراكم العالمي وذلك، ارتكازا على الفلسفة المادية الجدلية، قدم تحليلا موضوعيا لعمل التراكم على صعيد علم الاقتصاد السياسي البحت.
أوضح أمين أن اقتصاد التنمية السائد تجاهل الاستيلاء (appropriation) لعنصر (القيمة) بواسطة راس المال المالي. وبالتالي أصبحت (القيمة) عالمية الملمح؛ فان التراكم ظل يسحب (القيمة) من الأطراف لصالح الرأسمالية العالمية لالقضاء على أزماتها الاقتصادية: فإن فكرة أمين الأساسية هي أن (التوازن الخارجي ) – external equilibrium- للنظام الدولي يكون ممكنا فقط لأن هياكل الأطراف تتشكل بحيث تلبي احتياجات التراكم في المركز بشكل يعزز تطويره ويحافظ على تخلف الأطراف. – أمين (Unequal Development) 976،ص 104.
--------------------
البنى أو البنيوية، الواردة في هذا المقال، ليس بمعناها الليبرالي "ولا حتى بالمعنى الألتوسيرى" على أساس انها انساق ثابتة تقوم على التوازن والنظام، بل المقصود هو "البنيوية" المُعرَّفة بالاعتماد على الجدل كأنظمة مادية وتاريخية ومتغيرة“
التفكيك الجزئي" يسميه امين " التفكيك النقطي" ويعنى ان نقد المقاربات التنموية السائدة التي تتعامل مع التخلف بوصفه مجموعة نقاط او اختلالات منفصلة قابلة للمعالجة التقنية، عبر ما يمكن تسميته تفكيكًا نقطيًا للبنية الاقتصادية-الاجتماعية. ففي هذا المنظور، يُختزل التخلف إلى مؤشرات جزئية مثل ضعف الحوكمة، نقص الاستثمار، أو القصور المؤسسي، دون مساءلة البنية الكلية للعلاقات التبعية وآليات التراكم غير المتكافئ التي تُنتج هذه الاختلالات تاريخيًا. وبذلك يتحول التفكيك إلى معالجة نقاط معزولة داخل النظام القائم، لا إلى نقد بنيوي يكشف منطق إعادة إنتاج التخلف نفسه، كما يتجلى بوضوح في حالة الدولة التابعة. وبالتالي "التفكيك "الجزئي" لغويا ودلاليا لا يتعارض مع "التفكيك النقطي" طالما كان لا يهدف لمجرد إصلاح الاقتصادات التابعة حتى تلحق بالرأسمالية العالمية، بل لكسر منطق التبعية نفسها. واستخدامنا لعبارة "الجزئي" يتم بقصد تسهيل قراءة أفكار امين حول التراكم.
#محمود_محمد_ياسين (هاشتاغ)
Mahmoud_Yassin#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟