أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - الحركة في فنّ الأيكيدو















المزيد.....

الحركة في فنّ الأيكيدو


نورالدين حنيف
شاعر و روائي و ناقد و فنان تشكيلي

(Noureddine Hanif)


الحوار المتمدن-العدد: 8878 - 2026 / 11 / 3 - 14:11
المحور: قضايا ثقافية
    


إن كل العاشقين لفن الأيكيدو والممارسين له حق الممارسة يصلون في نهايات مطافاتهم إلى نتيجة منطقية تربط مخرجات الممارسة بمقدماتها. أي بمدخلاتها البدئية في أبجديات التعلم، حيث يتمّ تسطير الأهداف العامة لتعاطي هذه الرياضة، والأهداف الخاصة المتعلقة بالمديات أو الأمداء القريبة و المتوسطة، أثناء فترات التعلم الطويلة. وهذه النتيجة المرجوة و المتحققة في كثير من الحالات هي التحكم المنهجي في حركات الجسد، خاصة عند المريدين المخلصين لنسغ هذا الفن وهذه الرياضة .
من هنا، يتأتّى للممارس تحقيق فعلٍ رياضيٍّ متميزٍ قريبٍ من كمال الإتقان، حيث يعانق فيه لحظات انبثاق متعددة تكرّس مقولات الصفاء و التجرد والحكمة. و هذه الأخيرة تعتبر تتويجاً ذكيا لممارسة طويلة و شاقة يتجرد فيها المريد كلياً لفلسفة الأيكيدو داخل حصص التكوين، وقد يحملها معه خارج هذه الحصص لتلتقي بنظرته للوجود، تشذبها وتنقيها وتقوّمها. و بالتالي تصبح هذه الحكمة الراصدة لحركات الجسد سلوكا يوميا علائقيا، يدعو هذا (الأيكيدوكا) أي ممارس فن الأيكيدو إلى استدماج الآخر في عشقه للسلام و تبنيه لفكر التسامح .
إن هذا التحكم المنهجي في حركات الجسد، و الناتج عن تاريخ طويل من الممارسة، هو تحكم غيري، لا يتشرنق في إفادة الذات و صوغها لوحدها في انغلاق سلبي، بل يستدعي الآخر في هذه الإفادة و في ذلكم الصوغ. و لا أدلّ على ذلك من وجود مقولتين يفخر بهما كل ممارس لهذا الفن ويتعلق الأمر بــ:
- مقولة الضربة التمويهية (atemi)حيث يُمنع كل المنع على ممارس هذا الفن أن يسلك سلوك العنف تجاه الشريك أو (الخصم في أدبياتِ رياضاتٍ أخرى) أو أن يوجه إليه ضربة حقيقية في أحد أطراف جسده، و إنما يُسمح له فقط بتسديد نيّة الضربة لا الضربة ذاتها. و هذه النيّة يترجمها إلى حركة إيهامية وتمويهية و خادعة سريعة وخفيفة و مرنة و تقديرية و متحكمة في الذاتين معا، تُفقد الشريك المُحاور توازنه وتجعله فريسة سهلة في متناول الممارس (الأيكيدوكا)، و لا نقصد بعبور مفردة الفريسة شيئا من العنف أو ثقافة العنف في هذه الرياضة الحكيمة، و أنما قصدنا الاستعارة استملاحاً في التعبير ومجازاً ليس إلا .
- مقولة الشريك: تغيب في ثقافة الأيكيدو مقولة الخصم لما تستبطنه من عدوانية غير مرغوبة، وتستبدلها بمقولة (الشريك) بحيث ينتفي وجود العدائية أثناء الممارسة الخاصة داخل الركح، و أثناء الممارسة العامة داخل الواقع. و من ثمّة فلا وجود للخصم في نسغ هذه الرياضة بمفهومه العدائي القابل للتدمير و الإلغاء والإقصاء و إحداث الضرر به. هكذا يمتد هذا التحكم الجميل في حركات الجسد داخل نسغ الحياة اليومية، و يتحول من مجرد ممارسة لحظية داخل الركح إلى اعتناق فلسفي داخل الحياة نفسها. و كما يقدم الأيكيدوكا و شريكه على صفيح الركح انسجاما حواريا حركيا جديرا بالتأمل، فهو يقدم نموذجا حيا للإنسان الملتزم بثقافة السلم والتعايش.
إننا عندما نتحدث عن البعد الفلسفي في هذه الممارسات، لا نقصد به المفهوم العالِم القابع في تنظيرات المفكرين و الفلاسفة، فهذا يتنافى مع أدبيات فن الأيكيدو العاملة على استيعاب كل أصناف الراغبين في مزاولته سواء منهم الصغير أم الكبير، المرأة أم الرجل، المتعلم أم الأميّ... و بالتالي، فحديثنا عن التوجه الفلسفي عند هؤلاء لا يدخلهم في خانات العارفين بالفلسفة، الآتية من أبراج التنظير المتعالي و الأسئلة الوجودية، وإنما هو حديث بسيط عن ممارسة بسيطة من بسطاء استطاعوا بفعل انخراطهم اللامشروط أن يجسدوا في سلوكاتهم الرياضية شيئا يشبه الفلسفة، لأنهم بكل بساطة مختلفون عن غيرهم ماداموا يسلكون في رياضتهم وفي حيواتهم الخاصة سلوكا مختلفا عن المألوف بفضل احتكاكهم الطويل مع مجموعة من أشكال التلقي و التفاعل، منها الشفوي المرتبط بشرح الحركة على المستوى الذهني، و منها التطبيقي المرتبط بإجراءات التنزيل لهذه الحركة على أرض الواقع، و منها التفاعلات المختلفة و المتعددة مع الأقران و أصدقاء الركح و منها الاحتكاكات الموسمية في اللقاءات و الدورات التكوينية الوطنية والدولية .
إن حركة الجسد في تحققها عبر مجموعة من التقنيات ليست حركة نمطية كما يبدو لأول وهلة لذي نظر عابر قاصر. ويمكن أن نستنتج منها عددا لا نهائيا من الحركات الشبيهة تُدخلنا في رتابة رياضية آلية. و إنما هي حركة موحدة على مستوى التأصيل أي على مستوى المعلم الأول ( أوشيبا ) و التي يختفي وراءها تاريخ دينامي من التحولات والتعديلات الخادمة لوحدتها لا المغايرة لها.
لكن هذه الحركة تصبح خاصة عندما تنبع من الشخص الممارس لفن الأيكيدو، حيث يستجيب لطبيعة تكوينه الفيزيولجي و النفسي و السلوكي المرتبط بردود فعله المختلفة تماما عن ردود فعل الممارسين الآخرين. من هنا خصوصية الحركة التي بدأت موحّدة ثم تشعبت ثم انسجمت في صيغ ذكية لحركة واحدة تندمغ بأصالة صاحبها الممارس لها. وهذا التشعب المنسجم مشروط بمحددات ثلاثة:
- الأول هو محدد التمثل، و نقصد به مجموع التمثلات الذهنية لدى الممارس لهذه الحركة، وتختلف من شخص إلى آخر و تتحكم فيها الثقافة والعادة و معايير أخرى .
- الثاني هو محدد الاستقبال، بحيث يختلف استقبال الممارسين لنفس الحركة باختلاف تركيباتهم الفيزيولوجية و ما تمليه هذه التركيبات من قدرات ومهارات متمايزة تتحكم في مدى استجابات الجسد لهذه الحركة، و هي استجابات تتحكم فيها بالدرجة الأولى تربية هذا الجسد وتاريخ انبنائه.
- الثالث هو محدد التنفيذ لهذه الحركة، إذ يستحيل تحقيق تنفيذ مثالي يشترك في أدائه كل الممارسين على وجه الدقة و المثال. و هذا الشرط الثالث هو نتيجة منطقية لمقدمتين هما التمثل والاستقبال. وبالتالي فالحركة الموحدة في أصلها تصبح حركات على مستوى تفريعاتها، لكنها لا تختلف عن الصورة-النموذج إلا لماما .
وحدها الحركة إذن، في تحققها، هي ما يعطي فن الأيكيدو معناه. و نقصد بالمعنى خصوصية هذا الفن في بناء الجسد بناء متكاملا يبدأ بالتعثر المقبول في أول حصة من حصص التعلم، و ينتهي بالتحكم المنهجي الحكيم في نهايات النضج التكويني لممارس هذا الفن .



#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)       Noureddine_Hanif#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سؤال الشعر و الكينونة
- فنّ الكتابة المشتركة
- سرّ النّون
- الاستعارة في زجل أحمد لمسيح
- من السؤال إلى التسليم
- المحارب الجميل
- ثلاثية الماء و الكتابة و الألوان
- سِفْرُ الكينونة و النبات
- مقدمة في ديوان ( فيهْ اللِّي فِينا )
- خيوطُ الورقي في رواية الحدقي
- الأنا الشعرية الناعمة والمفترسة
- شاعرٌ يخترمُ مفهوم الزمن
- التشاكل الصوتي نسق النون نموذجا
- قِراءة في قصيدة
- سؤال التلقي والتأويل
- كِتابةُ الْمناقِب
- همسُ النّسائم
- فوضى الحواس
- (اولاد الكريان)
- أنساقُ الإشراق


المزيد.....




- هبوط طائرتين في وارسو بعد بلاغين عن قنبلتين على متنهما
- تلسكوب -سويفت- يهوي.. أين ومتى سيسقط حطامه؟
- الجيش الروسي يحيد 1100 جندي أوكراني و1265 مسيرة في يوم
- قطر: جهود جسر الهوة بين أمريكا وإيران مستمرة
- لابيد وبينت: نعمل للحصول على رئاسة الكنيست وندعم آيزنكوت لتش ...
- اكتشاف آثار دم داخل عظام ديناصور عاش قبل 115 مليون سنة
- البحرية الهندية تستعيد سفينة صيد إيرانية من قراصنة صوماليين ...
- تحالف الراغبين يختبر قواته لدعم أوكرانيا
- كم تزيد مشروبات الطاقة مخاطر السكتة القلبية؟
- بلغاريا: طائرة قادمة من إسرائيل هبطت بمطار صوفيا بعد تهديد ب ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نورالدين حنيف - الحركة في فنّ الأيكيدو