|
|
فنّ الكتابة المشتركة
نورالدين حنيف
شاعر و روائي و ناقد و فنان تشكيلي
(Noureddine Hanif)
الحوار المتمدن-العدد: 8876 - 2026 / 11 / 1 - 13:17
المحور:
الادب والفن
أ – تمهيد :
نعلن أولا عن الخيط التقني و الفنّي الناظم لهذه المجموعة الزجلية فهي تطرح ذاتها للقارئ في نَسيجيْن : - أولاُ : نسيجٌ مشترك يمتزج فيه الخطاب الزجلي بين صوتين مندمجين في مقولتيْ التشعب و الاختلاف عبر البحث السيميائي عن لهجة شعرية مشتركة ، يروم الشاعران من خلالها رسم المشترك الموضوعي و الصوغي القادر على توحيد المتعدد . - و ثانياً : نسيجٌ لكل زجال على حدةٍ يقدم فيه رؤيته الزجلية الخاصة و التي ينفصل فيها عن شريكه في التصور و الطرح و الصوغ .
و تكون القصيدة الأولى بعنوان ( رودانة ) أول سدى هذا النسيج . و فيها يبتدئ الحوارَ الزجالُ سعيد فكاكة عبر فتحة : قال سعيد . يدلي بدلوه في موضوع ( رودانة ) ثم يترك الدور لعبدالله الهواري عبر قفلة : قال عبدالله و يكتفيان في مقام المحاورة ببسملة واحدة اعتبارا لقوتها على التغطية الدلالية . و في غضون الزجلية المتحاورة يحرص المتكلم الأول على بناء النسق الصوتي داخل إيقاع موسيقي صارم يحافظ على وزن المبيّتْ مع الحفاظ على وحدة روي القاف في الشطر الأول (لفْراش ) و روي النون في الشطر الثاني ( لغْطا ) . وإذا حافظ روي القاف على نسق السكون فإن روي النون ارتبط بحالتين من الصورة السمعية ، هما الإشباع بمدّ أو الارتباط بتاء مربوطة كأنها هاء السكت الطارحة نسقها الصوتي القويّ بامتياز . و الجميل في ذلك أن المحاور الثاني ، عبدالله ، يحافظ على نفس الإيقاع بتفاصيله الدقيقة و لا يخرج عن تراتُبيته قيد أنملة ، مما يعطينا انطباعا عن تمكن الشاعرين من ناصية لهجة ( المرڭد ) و التصرف فيها بشساعة وظيفية مبهرة و هي تتعامل مع المعجم المحلي و تقلباته الموسيقية و الدلالية ، داخل ما سُمّيَ نقدياً بفنّ المُعارَضَة . و في محاورة ( السارحة ) التزم الشاعران بنفس النسق الإيقاعي بتوظيف أروية جديدة تنسجم مع طبيعة الموضوع الجديد و هما صوت الحاء الساكنة في (لفْراشْ ) و صوت الراء المرتبطة بتاء التأنيث في ( لغْطا) ، بنفس التردد : قال سعيد، ردّ عبدالله . و في محاورة ( نواح الحروفْ ) التزم الزجالان بأروية اللام المشبعة و الفاء الساكنة ، في تردد ايقاعي يراكم التدفق الموسيقي في الأول ثم يحبسه في الثاني بدلالة مبيّتة . ينتهي الديوان من هذه المحاورات المشتركة و عددها ثلاثة لينتقل إلى الصوغ الفردي لكل شاعر زجّال على حدة ، و يبدأ بقصائد عبدالله الهواري . و هي ستة عشرة قصيدة مرتّبة كالتالي : ( الدنيا و المالْ ، الڭَمْرة الْباكية ، صْلاةْ لفْجرْ يا قدس، زهْرِي ، اطْريقْ الدّاتْ ، لالّة لقْصيدة ، تشْطيحْ الزْمانْ ، وعدي و يامي يلزمها لقطيع ، قصيدة عن سيدي عبدالرحمان المجدوب ، عشقتْ الزّين ، الغْيارْ ، جدبةْ لقلم ، الرّاڭدة ، الفايْقة بكري ) . و يختم الديوان انسيابه بقصائد الشاعر سعيد فكاكة و عددها ستة عشرة قصيدة هي كالتالي : ( حيطْ لقصيدة ، ميزان لكلمة ، مرسولْ الكلمة ، الحرف اعْطِية ، كاينْ و كاينْ بنّة لحروفْ ، يا خيْتِي ، عام 2020 ، مكتوبي نصرْفو ، آلْعارْ إيلا ما ، اطلع انزل ، لالّة اعْنايتي ، نهاية الراحة ، الخسران لكبيرْ ، عدّلْ الرّكْبة ، جوهر لكلامْ ) و كأن العدد 16 يرغب في تحقيق نوع من التوازن الطباعي المرتبط بملء بياضات الديوان في صورة دلالية تعطي لكل زجال مساحة مناسبة للطرح و للبوح وللقول الشعري . ب – القراءة السيميائية :
1 - تمثُّلات العلامة : و نقصد بذلك ما يقع في ذهنية المتكلم في ديوان ( جوجْ حروفْ ) من تمثلات دينية ، و أخرى شعبية يرسلها الوجدان الجمعي و تلتقطها ذائقة المبدعيْن الزجاليْن في صوغٍ لهجيٍّ يتجاوز التوظيف التراثي إلى معانقة هذا التراث . و أول العلامة تنبعث من التمثّل الديني القاضي ببدء المشروع باسم الله في بداية الديوان . عن أبي هريرة : " كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه باسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر ". *1 . والثاني يتعلق بالتبرك بالرِّجل اليمنى . قال الزجالان : ( باسم اللهْ بالرْجل ليمْنَة نسبق) . أي أن التبرك هنا ديني عبر مقولة الدخول إلى المشروع الفني الزجلي بالرجل اليمنى . عَنْ حَفْصَة : " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ ، وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ " *2 . و الثالثُ تمثّلٌ شعبي نابع من الوجدان الجمعي المغربي المرتبط بالاعتقاد بقدسية المكان . قال الزجالان : ( و التّسليمْ ل تْراب و احْجار رودانَة ) . كل هذه التمثلات هي علاماتٌ دالّةٌ ترسم علاقة المبدع بالزجل داخل اعتبار روحي تمهيداً للاعتبار الفني . ذلك أن نظر الزجالين عبدالله الهواري و سعيد فكاكة إلى فن الزجل لا يقف عند حدود اللعبة الإبداعية الواقفة عند حدود الصوغ اللهجي عبر استعمال المفردة داخل الإدهاش الزجلي الممكن ، و إنما و أيضاً ، هو نظرٌ إلى التماس البركة من بؤرٍ دينية و شعبية كي يخرج هذا الزجل من مشكاتهما موفّقاً ومُباركاً و مشروعاً بمصداقية جمعية تلتقي عناصرها في المصدر الديني أولاً بأوّل . و حيث إن المكان في بعض تجلياته الثقافية يكون محط بركة و كرامة وتميّز، و حيث تكون له طقوسه الخاصّة ، فإن الزجاليْن في هذا المقام يستمدان من المكان بركته لإسقاطها على الموضوع ، أي على الزجل الملفوف في هذا الديوان ، و كأن لسان حالهما لا يتبرك ب ( رودانة ) كحيّز محاصر في جغرافية المكان ، بقدر ما يتبرّك بها كبؤرة متعالية و حاضنة للزجل الذي يكون في آخر المطاف طقساً يختلف عن كل الأنواع الأدبية الأخرى . فداخله لابد أن يسميَ الله و لابدّ أن يدخل مجاله بالرجل اليمنى و لابد أن يعتقد أنه مضمار روحي و لو أنه إبداعٌ يمتطي اللهجة التي تستمد من طقس المكان قوتها و إدهاشها و بركتها .
2 - المكانُ في الصّوغ الزجلي : يحتلّ المكان في الديوان منزلة قوية الحضور من باب الانتماء أولاً في غير شوفينية ضيقة و لا قبَلية إقصائية . و يكاد الديوان يقرّبنا من ( رودانة ) أي من (تارودانت ) التي نخص بها الذكر هنا تمثيلاً لا حصرا ، داخل طقس روحي يكاد يتاخم حدود الزاوية في أبعادها الاجتماعية و الاقتصادية و الروحية . و الإشارة السيميائية واردة بوضوح في قول الزجال سعيد فكاكة ، قال : باسْمِ الله ب الرْجَلْ لِيمْنَة نَسْبَقْ والتَسْليمْ ل تْرابْ واحْجَار رُودَانَة
كما هي واردة أيضا في رد الزجال عبدالله الهواري تكشف هذا البعد الروحي . قال : النُورْ فْ جْنَابْها منْ مُدَة شْرَقْ بْطَبعها وَلَّفة لَلقْلُوبْ فَتَانة و من ثمّة ، فالمكانُ في المتخيل الزجلي يتحول من فضاء متحيّز إلى دلالة قصوى على المعنى و فائض المعنى ، و فيه تصبح ( رودانة ) بؤرة مفجرة لكثير من الدلالات الماتحة قوتها من الحضور النوعي للمكان . و هو حضورٌ يأخذ بُعد الزاوية في تجليها الروحي المشبع بالنور و الإشراق و القبول . و كذا في تجليها الاجتماعي باعتبارها مكانا للضيافة و الكرم و الإيواء : فكاكة : هَادِي رُودَانَة يَا مَن لَا شَافْهَا تْرَحَبْ ب جْمِيعْ الناس دُونْ فَرقْ ... الهواري : دِيكْ الخَاوَة الزَايدَة مْحَبة وْحنَانة فِيها المسْكِينْ يِعِيشْ يٍسْهَالْ الرَزقْ كما ترد ( رودانة ) في بعدها العالم باعتبارها مدينة حاضنة للفن وللعلم و للاجتهاد وللحكمة : فكاكة : تَارِيخِ مْرصّعْ ب حَكْمَة و رْزَانَة الهواري : البَرَّاني ذَابْ ف بْحَر هْوَاها غْرَقْ منهُمْ مَشَاهِيرْ رؤَسَا وْفنَانة و ( رودانة ) مكانٌ لا يتم استحضاره في بذخ السياحة و ترف الثقافة ، بل يتم استحضاره في نسغ الهوية و الوجود و المشترك الجامع لفسيفساء التكوين : مَنْ فْضَلْ الله تْرَابْهَا جَامْعَانَا هَادِي رُودَانَة يَا مَن لَا شَافْهَا ناهيك عن فضاءاتها الطبيعية و خيراتها و هوائها و زينتها و تاريخها المتجذر، كل ذلك في إطار وصفي لا يسجل في مرآتية ناقصة بقدر ما يمارس التصوير التخييلي القادر على وظيفتين : وظيفة الإمتاع و وظيفة الإقناع .
3 - الزجل في سيمياء الواقع : يربأُ الزجالان ( سعيد و عبدالله ) بالزجل أن يكون كلاما دارِجاً تصوغه الذات طلباً للإمتاع الشعري و إن كان هذا مطلبا جميلا ، و من ثمّة فهما يرسلان القصائد في غائيةٍ رسالية تهدف إلى معانقة القضايا الشائكة داخل فنّ الزجل حتى لا يبقى مقيما في الأبراج العاجية . و هذا لا يعني أن الزجاليْن سقطا في معانقة الواقع فيما يُسمى بالْمِرآتية التسجيلية لأنهما على وعي فنّي بأن الشعر لا يقوم بوظيفة الآلة الفوتوغرافية . إنه أكبر من عينٍ راصدة في حَرْفيةٍ مسطّحة . الزجل انزياحٌ فنّي يقفزُ بالواقع من حالة التشوّه إلى حالات الاستواء . و من حالة البداهة التسجيلية إلى حالات الإدهاش المستفز لذائقة المتلقي المسترخي في أرائك القراءات الاستهلاكية . و أول الصّدْحِ في سيمياء الواقع رسمُ الزجاليْن لجائحة الوباء ( كوفيد ) داخل وعيٍ لهجِيٍّ لا يتأخر عن متابعة الماحول ، و لا يتخلف عن مسايرة التحولات الموضوعية المؤثّرة في الإنسان . قال الشاعران وهما يرسمان في سخرية سوداء ، اكتساحَ الوباء للأرواح و هو ينشر فكرة الموت الزؤام : الهواري : جَايَا سَارْحَة و تَحْصَدْ لارْوَاحْ مَاخَلَاتْ فْدَان مَا خَلّاتْ بْحِيرَة فكاكة : يا بْنَادم رِيحْ المُوت فَاحْ حْريرة واش من حْريرَة و بهذا و مثيلهِ يكون الزجل في تصور الشاعرين وقفة احتجاجية سيميولوجية تستثمر العلامة اللغوية لتفضح تغوّل الماحول في توجّه أدبي رسالي يقطع مع تيار البرناسية الفاتكة بالفن باسم الفن . و الزجل هنا يرفض فيما يرفض ، فكرة الهروب الى الأبراج العاجية ، ليعانق بدائل التماهي مع الواقع في تفاصيله الممكنة . ولنستمع إلى الزجال الهواري و هو يلتقط جزئية المال و حطام الدنيا ليصوغ منها بؤرة لهجية انزياحية تُعرّي في احترافية شعرية لغةَ النفس الموبوءة و هي تنجذب سلبا إلى وهمِ الدنيا ، في صياغةٍ لهجية ساخرة سخريةً سوداء تذكّرنا بمقولة الضحك الأسود عند الروائي الفلسطيني الراحل إميل حبيبي . اللي يِجْدب مَلْهُوف الكَرْش عندُ كْبِيرَة جَاعْت النفُوسْ ؤ جُوعْ النَفْسْ صْعِيب و هي السخرية التي يتبناها الديوان في قدرة إبداعية على فهم روح الواقع الذي تسيجه المأساةُ في مكر النكتة . و لعمري إنها مهمّة شاقة لا يقدر عليها إلا أديب ذو أصالة ذاتية متميزة في اقتناص لحظات الفرح داخل مدلهمات الحزن. انظر أيها القارئ إلى وضعية الجشع في المثال أعلاه و كيف أسند الشاعر الجوع لا إلى الموصوف الإنسان و إنما أسندها إلى النفس ، و الفرق كبير بين وخز هذا و خفة ذاك . من هنا فالديوان يمارس حقه في الاستعلاء الساخر داخل الوعي النافذ إلي النهايات البعيدة و الغائرة في النفس البشرية . و هذا الجنوح في التعبير نجده عند الزجال سعيد فكاكة أيضا في إطار تكامل التصور و الصوغ و لكن سعيداً كان أقلّ سخرية من الشاعر عبدالله الهواري و استعاض عنها بمقولة الحكمة و هذا لا يعني أن الهواري طرح زجلا خاويا من الحكمة . فلكل منهما حظه في هذا و في ذاك . وكلا النمطين من الصوغ يقوم بوظيفة النقد و التقويم ... و لنستمع إلى سعيد و هو يشخص في غير سوداوية ، بل بنفَسٍ زجلي يتقطّر حكمةً قبل ان يتصفّدَ حسرة : يَاكْ الدَّنْيَا مَسَاوْيَانَا حَتَّى فْ لَكْدَارْ شْملْنَا وَاحَد و مْفَرْقانَا شَلّا فْكَارْ شِ يْغَرّب شِ يْشَرَقْ ؤ يَا حَسرَة جَارْ
4 - رؤيا متعددة : لا تقفُ بوصلة الرصد الزجلية في هذا الديوان عند رؤية الموضوع ، بل تتجاوزها إلى رؤيا الموضوع . و هي في عمقها بوصلة تشتغل على رصد المعنى في تجلياته الممكنة و كأنني بالشاعريْن يسكنهما إحساسٌ بالغيرة على الماحول وكأنهما مسؤولان عنه في رسالية المثقف العضوي المنخرط ، لا في عزلة المثقف العاجي المذعن . و من هذه التجليات المؤسسة لتعددية الرؤيا بين أغراض ذاتية وأخرى موضوعية نذكر على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر ، لأن المقام هنا مقام إضاءات لا مقام مقاربات : - الإشادة بالهوية عبر مقولة المكان و تحديدا عبر مقولة المدينة الموسومة في الديوان بسمات الانتماء المنفتح . - ذمّ الدهر و الفساد و تغوّل الشر في حكمة بانية من جهة و في سخرية فنية واخزة من جهة ثانية
- الحث على الخير و الفضائل و السلوك الحسن . و في هذا المنبر رام الزجالان تجنب التقليد و التكرار و الشبه في الدعوة الى المكارم . و من حسنات طرحهما أنهما مجّدا صلاة الفجر التي قلّما انتبه لقيمتها الشعراء . - الحرص على تكريس قيم الاسرة و دورها في الحفاظ على النسيج الاجتماعي السليم . و مثال من ذلك زجلية ( لالّة عْنايتي ) - موضوعة العشق حاضرة لكن في لبوس الوجد النقي و الراقي و الموسوم في تراثنا العربي بالغزل العذري . و منه يشكل الزجالان منبرا للبوح و اطِّراح لواعج الغرام في لهجة زجلية تتغلّف في الصياغة الملحونية الرقيقة و الشفافة . أنظر مثلا قصيدتي الشاعرين ( الفايْقة بكري و مرسول الكلمة ) - استحضار البعد الإقليمي في الزجل المغربي عبر التغني بقضايا فلسطين والقدس. - الزجل في عرف الشاعرية بوصلة تلتقط الماحول و تستيره و تسجل نتوءاته وتطرحها لميزان النقد و النقد الساخر في اطار معالجة القضايا عبر وسائط الكلمة الإدهاشية ... زجلية ( السارحة نموذجا ) - ناهيكَ عن تيمات أخرى تتعدد بتعدد سياقات الطرح و سياقات انكواء الشاعرية في غير عزلة بإكراهات الماحول و شروطه القاهرة . و في هذا الانفتاح الزجلي بواسطة اللهجة الملحية ينبثق مشروع الشاعرية عبدالله الهواري و سعيد فكاكة حاملا أداةَ الحرف المحلّق و الكلمة الحرة الخارجين من بؤر الذوات الواعية بشرط الحكمة الشعرية و هي تصف الموضوع في غير سطحية ، و تتعامل معه من باب الشِّعرِيّة في توهّجها المطلوب و التي تستحضر المتلقي في عنفوان التواصل الجمالي البعيد عن دغدغة الوجدان الشعبي ، و القريب جدا من محاورة هذا الوجدان في ذكائه المتحول و الحركي . 5 - فنّ الكتابَة الزجلية : نختم الإضاءة بهذا المحور الذي أعتبره تنظيرا في غير تنظير لمسألة الكتابة الزجلية لدى الشاعرين معاً . و هما أي الزجاليْن ، يعتبران الزجل معاناة لا ترفاً فنيا يستجدي المتلقي في عتبات الإمتاع و المؤانسة . و خير دليل على ذلك انتشار المعجم اللهجي السائر في هذا الاتجاه ( نواح لحروف – زنّد لفاخر – حب القلم والورقة – نجبر كسر لقصيدة – ما يهمني الا كان سومو غالي ، أي الحرف – طرف مني خارج من الجوف ... دْمُوعْ الضَّادْ حارّة تَقْطُرْ - نَازْلَة سْخُونَة على الخْدُودْ ) كما يعتبران الكتابة خروجا فروسيا ينبثق من إيمان الزجاليْن بأن الابداع مغامرة على مطية وعرة و صهوة جموح . و في هذا الإطار نجدهما يربطان فن الزجل بمفهوم السربة في نتوهّجها المغربي الشعبي : ( سَرَجْ عَودْ القْصِيدَة يَتْبورَدْ حْروفْ - كِيفْ السّرْبَة كَبَّة جَايَة قْبالِي - رَاكْب على عَوْدِي ونْشَالْي - مْهَاجْرْ نْبَرِيْ عَلْ الحْرُوفْ ... و يعتبر الزجل في تصورهم مادة فنية زئبقية تتملص عن القبض ، و لا تستشير صاحبها في الحضور و تتمنع كما تشاء و تفرض أزمنتها الخاصة ( أوْقَاتْها مَاهيَ وَقْت عَادِيَة مَاهِيَ عِيدْ - لَاهِيَ ضَحْوَية ولَا سَرْوِية وَلَا سْحُورْ ) و قد ينساب أذا ما كان الزجال ماكرا يعرف كيف يستدعي الخيال ( يسْرَحْ خْيالِي يَخْتارْ النْظَمْ - الحَرفْ يْغَازَلْنِي لِيَا يَنْسَابْ ) - الختم : نكتفي بهذا القدر من الإضاءة و نحن لا نجزم في النتائج و لا نحسم ، إن هي إلا محطات قاربنا فيها الديوان من أجل قارئ مستعجل يروم الاطلاع تمهيدا للاستمتاع الفكري المتريث . و الديوان في كله و جله مشروع فني بحدين : حد المشترك الفني الذي نجح فيه الشاعران أيما نجاح و هما يبصمان على الوجدان الجمعي ببصمة تكاد تتجانس و تتناغم دون أن تذيب شاعرا في الآخر ... ثم بصمة الذات الشاعرة المفردة و المتفردة بطرحها و التي تبدو للقارئ المتسرع أنها اندمجت حدّ الامّحاء في الشريك و هذا تصور متسرع و خاطئ لأن الذات المتكلمة هنا و هناك حافظت في لا وعيها على خصوصية الصوغ الزجلي لكل من الشاعرين . و لو أنهما اتفقا في وعي البناء لا في وعي الشعور و الإحساس و الصوغ اللهجي . و يبقى ديوان ( جوج حروف ) تجربة زجلية تضيف الى الساحة الثقافية ضوءا جديدا في الابداع اللهجي بما يمثله من أصالة رودانية تتفتّق فيها عبقرية القول عن فنٍّ مسؤول و ناضج و واعد . و بما تمثله على مستوى العمل الفني المشترك الذي يطرح أكثر من صعوبة لأن الشاعر فيه لا يخلو من قيدٍ حريري يلتزم فيه بشروط الجماعة الثنائية و لا يكاد يتملص منها حتى يعود لسلطانها . و المبهر في هذا الديوان أن الزجاليْن عرفا كيف يطوعان سلطان المشترك داخل بؤرة زجلية لهجية ذكية استطاعت أن تقول دون أن تتكلف في القول ، و دون أن تقتل الطبع على مقاصل التطبع و التصنيع الزجلي .
#نورالدين_حنيف (هاشتاغ)
Noureddine_Hanif#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سرّ النّون
-
الاستعارة في زجل أحمد لمسيح
-
من السؤال إلى التسليم
-
المحارب الجميل
-
ثلاثية الماء و الكتابة و الألوان
-
سِفْرُ الكينونة و النبات
-
مقدمة في ديوان ( فيهْ اللِّي فِينا )
-
خيوطُ الورقي في رواية الحدقي
-
الأنا الشعرية الناعمة والمفترسة
-
شاعرٌ يخترمُ مفهوم الزمن
-
التشاكل الصوتي نسق النون نموذجا
-
قِراءة في قصيدة
-
سؤال التلقي والتأويل
-
كِتابةُ الْمناقِب
-
همسُ النّسائم
-
فوضى الحواس
-
(اولاد الكريان)
-
أنساقُ الإشراق
-
ترْبِيبُ الكلام في سِفْرِ الْغرام
-
الشجرةُ في سيمياء النّون
المزيد.....
-
من رواية روسية إلى السينما.. صناع -موسكو كايرو- يحتفلون بعرض
...
-
الذكاء الاصطناعي في عالم الأدب.. من يضع قواعد ومعايير التكري
...
-
الجزيرة تطلق -نظر-.. حوارات أسبوعية تفكك التحديات الفكرية لل
...
-
مصوّر «Knives Out» يطلق تطبيق كاميرا للآيفون يعالج الصور بأس
...
-
مصر.. تطورات الحالة الصحية للفنان محمد الحلو بعد -توقف مؤقت
...
-
الهوية واللغة مقابل ولاية ثالثة لأردوغان.. مساومة الأكراد ال
...
-
نجوم الباليه الروسي يقدمون عرضا يجمع تحفتين فنيتين لتشايكوفس
...
-
بن راشد يغازل الإمارات في قصيدة جديدة معاهدا -بو خالد- على ا
...
-
-الرجل لا يشتكي-.. عندما تتحول ثقافة التحمل إلى خطر على صحة
...
-
المسرح العراقي في ملتقى القاهرة..ندوات وبحوث تعزز حضور الفنا
...
المزيد.....
-
الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رواية البركان - حميد الحريزي
/ حميد الحريزي
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
المزيد.....
|