جورج منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8873 - 2026 / 10 / 29 - 02:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أعتقد أن من المهم أن يشاهد كل عراقي حلقة الدكتور حميد عبد الله من برنامج "تلك الأيام"، التي تناولت سيرة الشهيدة عايدة ياسين مطر، والتي بُثّت يوم 18 تشرين الأول 2026، ليس لكي يتعرّف إلى صفحة من صفحات النضال والتضحية في تاريخ الحركة الشيوعية العراقية فحسب، بل لكي يتأمل في واحدة من أكثر التجارب الإنسانية إيلاماً: كيف يمكن للإنسان أن يبلغ هذا الحد من الوحشية في تعذيب إنسان آخر، وكيف يستطيع إنسان أعزل، محاصر بالألم والخوف، أن يتمسك بكرامته ووفائه لمبادئه ورفاقه حتى الموت؟
إن قصة عايدة تضعنا أمام مواجهة قاسية بين إرادة الإنسان وآلة القمع، وتفتح أمامنا باباً للتأمل في الثمن الباهظ الذي دفعه آلاف العراقيين في ظل الأنظمة الاستبدادية، حين أصبح الانتماء السياسي أو الفكري سبباً للاعتقال والتعذيب والتغييب والإعدام.
عايدة ياسين، المعروفة بأم علي، لم تكن مجرد معتقلة تنتظر مصيرها في زنازين النظام الديكتاتوري، بل كانت قيادية في الحزب الشيوعي العراقي، تحمل في ذاكرتها معلومات تتعلق برفاقها وعملهم التنظيمي، وتدرك أن ما تحاول أجهزة الأمن انتزاعه منها قد يعرّض آخرين للاعتقال والتعذيب، وربما للمصير المأساوي نفسه الذي كانت تواجهه.
وبحسب الرواية التي عرضها البرنامج، تعرضت عايدة لتعذيب وحشي واعتداءات جنسية متكررة، في محاولة لكسر إرادتها وانتزاع المعلومات منها. ومع ذلك، ظلت متمسكة بموقفها، ولم تمنح جلاديها ما كانوا يسعون إلى الحصول عليه من معلومات.
هنا ينبغي أن نتوقف طويلاً.
ما الذي يجعل إنساناً محاصراً بالألم والإذلال والتهديد بالموت قادراً على مقاومة منظومة كاملة تمتلك السجون وأجهزة التحقيق وأدوات التعذيب؟
إن بطولة عايدة لا تكمن في استشهادها وحده، بل في قدرتها على الاحتفاظ بإرادتها ووفائها لرفاقها في واحدة من أحلك اللحظات التي يمكن أن يمر بها الإنسان. لقد واجهت امتحاناً يفوق قدرة الكثيرين على الاحتمال، وأصبحت قصتها شاهداً على أن القمع قد يطاول الجسد، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن ينتزع من الإنسان قناعته أو يسلبه كرامته.
وحين يعجز الجلاد عن انتزاع ما يريد بالقوة، تنكشف حدود سلطته الأخلاقية والإنسانية، مهما امتلك من وسائل البطش والترهيب.
ولم تكن عايدة وحدها في هذا الامتحان. فقد واجه عدد كبير من الشيوعيين العراقيين، رجالاً ونساءً، الاعتقال والتعذيب والإعدام، فيما اختار آخرون مواصلة نضالهم في ظروف بالغة الصعوبة والخطورة. وتبقى تضحيات هؤلاء جزءاً من الذاكرة العراقية التي تستحق أن تُروى بإنصاف، بعيداً عن المبالغة من جهة، أو الانتقاص من شأن أصحابها من جهة أخرى.
لكن فهم هذه التجارب لا يكتمل بمجرد استذكار البطولات، مهما كانت عظيمة. فالتاريخ لا يتألف من المواقف الفردية وحدها، بل يتشكل أيضاً من الظروف السياسية والأمنية التي أحاطت بها، ومن الخيارات التي وجد الأفراد والتنظيمات أنفسهم مضطرين إلى اتخاذها في أوقات الأزمات.
لقد عمل الحزب الشيوعي العراقي خلال مراحل قاسية من تاريخ البلاد، في ظل أنظمة اتخذت من القمع وسيلة لإسكات المعارضة، وضيّقت على النشاط السياسي، وجعلت العمل التنظيمي في كثير من الأحيان محفوفاً بمخاطر الاعتقال والتصفية. وفي مثل هذه الظروف، لم تكن الخيارات المتاحة أمام القيادات والأعضاء سهلة أو واضحة النتائج، بل كانت محكومة بقدر كبير من المخاطر والضغوط، وبمحدودية الإمكانات المتاحة لحماية الأفراد والتنظيمات.
ومن المهم، عند تناول تلك المرحلة، ألا ننظر إلى القرارات التي اتُّخذت آنذاك من خارج سياقها التاريخي، أو أن نحاكم أصحابها وكأنهم كانوا يمتلكون المعرفة الكاملة بما ستؤول إليه الأحداث. فالعمل السياسي السري في ظل الأنظمة الاستبدادية يختلف جذرياً عن العمل في بيئة تسمح بحرية التنظيم والتعبير، وتكفل الحد الأدنى من الحماية القانونية للمعارضين.
لقد واجه الشيوعيون العراقيون تحديات متشابكة: كيف يحافظون على استمرار تنظيمهم في ظل الملاحقة؟ وكيف يواصلون نشاطهم السياسي من دون تعريض مزيد من أعضائهم للخطر؟ وكيف يوازنون بين متطلبات النضال وإمكانات الحماية، في وقت كانت فيه أجهزة الدولة تمتلك وسائل واسعة للرصد والاختراق والاعتقال؟
كانت هذه أسئلة صعبة، ولم تكن الإجابات عنها مضمونة النتائج. فحتى القرارات التي تُتخذ بحسن تقدير وفي ضوء المعلومات المتاحة قد تنتهي إلى نتائج مأساوية عندما تكون موازين القوى مختلة، ويكون الخصم مستعداً لاستخدام أبشع وسائل القمع.
وفي هذا السياق، وجد بعض الشيوعيين أنفسهم في مواجهة الاعتقال والتعذيب والإعدام، فيما اضطر آخرون إلى مغادرة المدن والمواقع التنظيمية التي باتت شديدة الخطورة، أو إلى التوقف عن العمل الحزبي، أو الالتحاق بحركة الأنصار في جبال كردستان لمواصلة النضال في ظروف مختلفة.
وقد مثّلت حركة الأنصار، بالنسبة إلى الذين التحقوا بها، أحد مسارات مواصلة المقاومة في مواجهة النظام، في بيئة جغرافية وسياسية مختلفة عن المدن التي أصبحت تضيق بالمعارضين وتزداد فيها مخاطر الملاحقة والاعتقال. ولم تكن الحياة في الجبال بدورها خالية من الأخطار، بل واجه الأنصار ظروفاً قاسية من الناحية الأمنية والمعيشية والعسكرية، في محاولة للحفاظ على استمرار النضال.
إن الانتقال من العمل السري في المدن إلى العمل المسلح في الجبال لم يكن خياراً بسيطاً أو متاحاً للجميع، بل ارتبط بتعقيدات المرحلة، وبالتحولات التي شهدها الصراع السياسي، وبالقدرة على الاستمرار في ظل واقع شديد القسوة. ومن هنا، فإن فهم تلك الخيارات يقتضي قراءة الظروف التي فرضتها، والتحديات التي واجهت من اتخذوها، والنتائج التي ترتبت عليها.
ولا يعني ذلك أن التجارب السياسية والتنظيمية تصبح بمنأى عن المراجعة بسبب صعوبة الظروف. فالمراجعة التاريخية ضرورة لكل حركة سياسية تريد أن تفهم تجربتها وتستخلص منها الدروس، لكنها تكون أكثر إنصافاً حين تنطلق من معرفة دقيقة بالسياق الذي اتُّخذت فيه القرارات، وبالمعلومات والإمكانات التي كانت متاحة آنذاك.
ولعل الدرس الأهم هنا هو أن التضحيات الكبيرة لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن الظروف التي جعلتها ممكنة، أو عن المحاولات التي بُذلت لتجنبها، أو عن الصعوبات التي حدّت من فرص الحماية والنجاة. فثمة فرق بين المسؤولية عن القمع الذي مارسته أجهزة النظام، وبين الأسئلة التاريخية المتعلقة بقدرة التنظيمات المعارضة على مواجهة ذلك القمع وتقليل خسائره.
إن المسؤولية المباشرة عن التعذيب والاعتداءات والانتهاكات تقع على من مارسها وأصدر الأوامر بها، ولا ينبغي أن تضيع هذه الحقيقة وسط أي نقاش آخر. وفي الوقت نفسه، فإن دراسة التجربة السياسية والتنظيمية، بكل ما حملته من نجاحات وصعوبات، يمكن أن تساعد على فهم أعمق لما حدث، من دون أن تتحول إلى محاكمة متأخرة لأشخاص واجهوا ظروفاً استثنائية لم يكن من السهل التحكم في مساراتها.
ومن حق الشهداء ورفاقهم علينا أن نكرّم تضحياتهم، وأن نعترف بما واجهوه من أخطار، وأن نضع تجاربهم في إطارها التاريخي والإنساني. كما أن من حق الأجيال الجديدة أن تتعرف إلى هذه التجارب كما جرت، بتعقيداتها وتناقضاتها، وبما تكشف عنه من شجاعة وصمود، ومن دروس تتعلق بطبيعة العمل السياسي في ظل الاستبداد.
إن احترام تاريخ الحزب الشيوعي العراقي لا يتطلب اختزال مسيرته في الأخطاء المحتملة، كما لا يتطلب تقديمها بوصفها تجربة خالية من الصعوبات أو الأسئلة. فتاريخ الحركات السياسية، ولا سيما تلك التي عملت طويلاً تحت القمع، تاريخ مركّب تتداخل فيه التضحيات مع التحديات، والإنجازات مع الإخفاقات، والخيارات التي أثبتت جدواها مع خيارات قد تبدو نتائجها مختلفة عند النظر إليها من مسافة زمنية أبعد.
ومن هنا، فإن المراجعة التاريخية الهادئة، القائمة على الوثائق والشهادات والبحث الموضوعي، يمكن أن تكون وسيلة لحفظ التجربة لا للنيل منها، ولإنصاف من عاشوا أحداثها لا لإصدار الأحكام عليهم. فكلما اقتربنا من فهم الظروف الحقيقية التي أحاطت بالقرارات والمواقف، أصبحنا أكثر قدرة على تقدير ما واجهه أصحابها من صعوبات، وعلى استخلاص الدروس التي يمكن أن تفيد الأجيال اللاحقة.
ولعل الأكثر إيلاماً أن نتأمل الحاضر العراقي، حيث لا تزال مظاهر استخدام القوة خارج إطار القانون، والتطاول على كرامة الإنسان، تذكّرنا بأن تجاوز الماضي لا يتحقق بمجرد مرور الزمن. فالذاكرة الوطنية لا تكتسب قيمتها من استعادة المآسي وحدها، بل من قدرتها على تحويلها إلى موقف واضح ضد الاستبداد والتعذيب وانتهاك الحقوق، أياً كانت الجهة التي ترتكب هذه الانتهاكات.
إن استذكار ضحايا الديكتاتورية ينبغي ألا يظل محصوراً في المناسبات والخطب، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة سياسية وأخلاقية تحترم الإنسان، وتؤمن بأن الاختلاف في الرأي لا يبرر الإقصاء أو العنف، وأن حماية الكرامة الإنسانية يجب أن تكون مبدأ ثابتاً لا يتغير بتغير الأنظمة والأحزاب وموازين القوى.
فهل ذهبت تضحيات عايدة ورفاقها سدى؟
لا، ما دام هناك من يتذكرهم، ويوثق سيرهم، ويعيد قراءة تجاربهم، ويستخلص منها دروساً في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية والكرامة الإنسانية. فالتضحيات لا تُقاس فقط بالنتائج السياسية المباشرة التي تحققت في زمن أصحابها، بل أيضاً بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي، وبما تمنحه للأجيال الجديدة من أمثلة على الشجاعة والوفاء والتمسك بالمبادئ.
لكن الذاكرة الوفية لا تكتفي بالرثاء، ولا تحول أصحاب التضحيات إلى شخصيات بعيدة عن واقعها الإنساني. إنما تحاول أن تفهم كيف عاشوا، وما الذي واجهوه، وما الظروف التي أحاطت بهم، وكيف استطاعوا الاستمرار رغم الخوف والألم. ومن خلال هذا الفهم، تصبح قصصهم جزءاً من الوعي التاريخي، لا مجرد حكايات تستعاد في المناسبات.
إن عايدة ياسين مطر لم تكن مطالبة بأن تكون بطلة خارقة. كانت إنسانة لها جسد يتألم، وروح تواجه الرعب، وحياة كان من حقها أن تعيشها. ومع ذلك، صمدت أمام جلاديها، وحافظت على وفائها لرفاقها حتى النهاية، وفق ما ترويه الشهادات التي تناولت تجربتها.
وهذا ما يجعل قصتها تتجاوز حدود حزب بعينه، لتصبح جزءاً من الذاكرة الإنسانية العراقية، ورمزاً للكرامة في مواجهة القهر، وللقدرة على التمسك بالموقف في أحلك اللحظات. فالقيمة الإنسانية لهذه التجربة لا تنحصر في انتماء صاحبتها السياسي، بل تمتد إلى كل إنسان يرفض أن يتحول الخوف إلى مبرر للتخلي عن كرامته أو عن الآخرين.
ومن حق عايدة ورفاقها علينا أن نروي قصتهم بصدق وإنصاف، وأن نضع تضحياتهم في سياقها التاريخي، بعيداً عن التوظيف السياسي الضيق أو الأحكام التي تتجاهل تعقيدات المرحلة. فالتاريخ الذي يتسع للروايات المتعددة، ويتيح البحث والنقاش، هو الأقدر على حفظ الذاكرة الوطنية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
أما السؤال الذي أتركه مفتوحاً أمام كل من يشاهد الحلقة أو يقرأ هذه الكلمات فهو: كيف استطاعت امرأة واحدة أن تصمد أمام آلة تعذيب كاملة؟ وما الذي يمكن أن نتعلمه من تجربتها عن قوة الإنسان ووفائه، وعن قدرة الإرادة على مقاومة القهر؟
وكيف يمكننا، ونحن نستعيد هذه الصفحات المؤلمة من تاريخ العراق، أن نفهم الخيارات التي واجهتها القوى السياسية المعارضة في ظل ظروف قاهرة، وأن نميّز بين ما فرضته وحشية النظام من مآسٍ، وما يمكن أن تكشف عنه التجربة من دروس للمستقبل؟
إن الوفاء للشهداء لا يعني الاكتفاء بتمجيد بطولاتهم، كما لا يعني تحويل تاريخهم إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية. إنه يعني، قبل كل شيء، الاعتراف بتضحياتهم، واحترام الظروف التي واجهوها، والسعي إلى فهم تجربتهم بكل أبعادها، حتى تبقى ذاكرتهم حية في وجدان العراقيين.
لقد واجهت عايدة ياسين جلاديها بشجاعة نادرة، وتركت لنا قصة تتجاوز حدود السياسة إلى جوهر الكرامة الإنسانية. وربما يكون أصدق وفاء لها ولرفاقها أن نواصل تذكرهم، وأن نتمسك بحق الإنسان في الحرية والأمان، وأن نعمل من أجل عراق لا يُعذَّب فيه أحد بسبب رأيه، ولا يُجبر فيه أحد على دفع حياته ثمناً لقناعته.
فالشهداء لا ينتمون إلى الماضي وحده؛ إنهم جزء من ضمير الحاضر، ومن مسؤوليتنا تجاه المستقبل.
#جورج_منصور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟