أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جورج منصور - الروائية الكندية ماركريت أتوود: أدب المرأة والحرية ومواجهة السلطة















المزيد.....

الروائية الكندية ماركريت أتوود: أدب المرأة والحرية ومواجهة السلطة


جورج منصور

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


تُعدّ مارغريت أتوود واحدة من أهم الكاتبات في الأدب الكندي والعالمي المعاصر، وقد استطاعت من خلال رواياتها وشعرها ومقالاتها، أن تبني عالماً أدبياً غنياً يلامس قضايا الإنسان والمجتمع والسلطة والحرية والمرأة والهوية. وتمتاز كتاباتها بقدرتها على الجمع بين العمق الفكري والجمال اللغوي، وبين الواقع والخيال، الأمر الذي جعل أعمالها تحظى باهتمام واسع من القراء والنقاد في مختلف أنحاء العالم.
وُلدت مارغريت أتوود في وُلدت مارغريت أتوود في أوتاوا، عاصمة كندا، في 18 نوفمبر 1939، غير أن طفولتها تشكلت بين أجواء المدينة ورحلات متكررة إلى غابات شمال أونتاريو وكيبيك، حيث كان والدها يجري أبحاثه العلمية. وقد تركت تلك البيئة الطبيعية أثراً عميقاً في مخيلتها الأدبية، فغدت الطبيعة والبيئة وعلاقة الإنسان بالعام من حوله من أبرز المحاور الحاضرة في أعمالها.
درست الأدب الإنجليزي، ثم بدأت مسيرتها الأدبية شاعرة وكاتبة، قبل أن تكرّس نفسها للرواية التي أصبحت من أبرز مجالات إبداعها. وتُعدّ اليوم واحدةً من أبرز الأصوات الأدبية في العالم الناطق بالإنجليزية. أمضت سنوات طفولتها متنقلةً بين المدن والمناطق البرية في شمال كندا، بحكم طبيعة عمل والدها الباحث في علم الحشرات، الأمر الذي جعلها على تماسٍّ مباشر مع الغابات والأنهار والحياة البرية منذ سن مبكرة. وقد تركت هذه التجربة أثراً عميقاً في تكوينها الفكري والوجداني، فانعكس ذلك لاحقاً في كتاباتها التي أولت اهتماماً خاصاً بالطبيعة والبيئة، وبالعلاقة المعقدة بين الإنسان والعالم الذي يعيش فيه، وما يطرأ على هذه العلاقة من اختلالات بسبب التقدم الصناعي والنزعة الاستهلاكية الحديثة. وقد تُرجمت أعمالها إلى نحو خمسين لغة، من بينها العربية.
من أهم ما يميز أدب أتوود اهتمامه بقضايا المرأة وموقعها في المجتمع. فهي لا تقدم المرأة في أعمالها بوصفها شخصية هامشية، بل تجعلها في مركز التجربة الإنسانية، وتمنحها مكانة محورية في بناء الأحداث وتشكيل الرؤية السردية. ومن خلال شخصياتها، تكشف أتوود عن القيود الاجتماعية والثقافية والسياسية التي يمكن أن تحد من حرية المرأة، وتجعل من تجربتها مجالاً أساسياً للتأمل في قضايا السلطة والحرية والهوية والجسد.
ولا تقدم أتوود المرأة بوصفها شخصية ضعيفة أو ضحية فحسب، بل تصورها باعتبارها كائناً قادراً على المقاومة وإعادة اكتشاف ذاته، حتى في أكثر الظروف قسوة. ومن خلال الرواية والشعر والنقد، تكشف الكاتبة الآليات الاجتماعية والثقافية التي تسهم في تقييد المرأة وتحديد أدوارها، كما تطرح أسئلة تتجاوز قضية المرأة نفسها لتصل إلى طبيعة السلطة وحدود الحرية الإنسانية.
تظهر هذه الرؤية بوضوح في رواياتها، ولا سيما في روايتها "حكاية الجارية"، التي تعد من أكثر أعمالها تأثيراً وأنتشاراً. ترسم الرواية مجتمعاً مستقبلياً تتحول فيه السلطة السياسية والدينية إلى نظام قمعي تُسلب فيه النساء حقوقهن الأساسية، ويُختزل وجودهن في أدوار محددة تخدم النظام الحاكم. ومن خلال شخصية "أوفيرد"، تكشف أتوود كيف يمكن للسلطة أن تسيطر على جسد المرأة ولغتها وذاكرتها، بل وعلى قدرتها على اتخاذ القرار. ومع ذلك، لا تختفي إرادة الشخصية تماماً؛ فالسرد نفسه يتحول إلى وسيلة للمقاومة وحفظ الذاكرة والهوية.
ولا تقتصر القيود التي تصورها أتوود على الأنظمة السياسية القمعية؛ ففي أعمال أخرى تهتم بصورة المرأة في المجتمع المعاصر، حيث لا تكون القيود دائماً واضحة أو مفروضة بالقوة، وإنما قد تظهر في صورة توقعات اجتماعية تتعلق بالجمال والزواج والأمومة والجنس والعمل. ولذلك تواجه المرأة في أدب أتوود أشكالاً متعددة من السلطة؛ بعضها سياسي ومؤسسي، وبعضها اجتماعي ونفسي. وتكشف الكاتبة أن السيطرة على المرأة لا تبدأ بالضرورة من القوانين، بل قد تبدأ من الأفكار والصور النمطية التي تجعلها تنظر إلى نفسها من خلال المعايير التي يفرضها المجتمع.
كما تولي أتوود أهمية كبيرة للجسد الأنثوي. فالمرأة في كتاباتها تحاول استعادة السيطرة على جسدها في مواجهة مجتمع يسعى إلى تعريفها من خلال مظهرها أو وظيفتها الإنجابية أو علاقتها بالآخرين. ولهذا يصبح الجسد ساحة للصراع بين الحرية والرقابة، وبين رغبة المرأة في امتلاك ذاتها ومحاولات الآخرين امتلاكها أو التحكم فيها.
ومن السمات المهمة في تصوير أتوود للمرأة أنها لا تقدم شخصيات نسائية مثالية دائماً. فالمرأة قد تكون مترددة، أو متناقضة، أو أنانية، أو قوية، أو ضعيفة في الوقت نفسه. وهذا التعقيد يجعل شخصياتها أكثر قرباً من الواقع، ويبعدها عن الصورة التقليدية للمرأة باعتبارها إما ضحية كاملة أو بطلة مثالية. إن أتوود تهتم بالإنسان داخل المرأة، بكل ما يحمله من مخاوف ورغبات وصراعات وتناقضات.
وترتبط قضية المرأة عند أتوود كذلك بمسألة اللغة والسرد؛ فالقدرة على الكلام وتسجيل التجربة تمثل شكلاً من أشكال استعادة السلطة. ففي عالم تحاول فيه الأنظمة القمعية إسكات النساء، يصبح أن تحكي المرأة قصتها فعلاً من أفعال المقاومة. ومن هنا يمكن فهم اهتمام أتوود بوجهة النظر النسائية وبأصوات الشخصيات التي تحاول استعادة حقها في تعريف نفسها، بدلاً من أن يعرّفها الآخرون.
وتبرز هذه القضايا بصورة خاصة في روايتها الشهيرة "حكاية الجارية"، التي أصبحت واحدة من أكثر أعمالها تأثيراً وانتشاراً. ترسم الرواية مجتمعاً مستقبلياً تتحول فيه السلطة السياسية والدينية إلى نظام قمعي يسلب النساء حقوقهن وحرياتهن. ومن خلال تجربة البطلة، تطرح أتوود سؤالاً مخيفاً: ماذا يحدث عندما تفقد المجتمعات قدرتها على حماية الحرية والكرامة الإنسانية؟ وقد جعلت الرواية من الخيال وسيلة للتأمل في مخاطر الاستبداد والتطرف والسيطرة على الجسد والإرادة.
ولا تكتفي أتوود في أعمالها بتصوير الظلم، بل تهتم أيضاً بكيفية مقاومة الإنسان له. فشخصياتها غالباً ما تعيش في ظروف صعبة، لكنها تبحث عن صوتها الخاص وتحاول الحفاظ على ذاكرتها وهويتها وقدرتها على الاختيار. ولهذا يحتل مفهوم الحرية مكانة محورية في عالمها الأدبي، ليس باعتباره شعاراً مجرداً، وإنما باعتباره تجربة إنسانية مرتبطة بالمسؤولية والوعي والقدرة على اتخاذ القرار.
ومن السمات المهمة في أسلوب أتوود كذلك استخدام السخرية والمفارقة والرمز. فهي لا تقدم أفكارها بصورة مباشرة دائماً، وإنما تترك للقارئ مساحة للتأويل واكتشاف المعاني الكامنة خلف الأحداث والشخصيات. كما تمزج بين الواقعية والخيال، وبين الحاضر والمستقبل، لتكشف أحياناً عن مشكلات الواقع من خلال عالم متخيل يبدو بعيداً، لكنه في الحقيقة يعكس مخاوف الإنسان المعاصر.
وتحتل البيئة والطبيعة أيضاً مكانة مهمة في أدبها. فقد تعاملت أتوود مع العلاقة بين الإنسان والطبيعة بوصفها قضية أخلاقية وحضارية، ولفتت إلى نتائج الاستغلال المفرط للموارد الطبيعية والتقدم العلمي عندما ينفصل عن المسؤولية الإنسانية. وفي بعض أعمالها، تتحول المخاوف البيئية إلى جزء أساسي من بناء العالم الروائي، فتبدو الكارثة البيئية امتداداً لأزمة الإنسان نفسه.
أما لغتها الأدبية، فتتميز بالدقة والذكاء والاقتصاد في التعبير، مع قدرة واضحة على بناء الصور والمواقف ذات الدلالات المتعددة. وهي قادرة على الانتقال من التفاصيل اليومية الصغيرة إلى الأسئلة الكبرى المتعلقة بالموت والحب والسلطة والحرية والهوية. لذلك فإن قراءة أتوود لا تمنح القارئ متعة الحكاية فحسب، وإنما تدفعه أيضاً إلى التفكير وإعادة النظر في كثير من المسلّمات.
ومن أبرز أعمالها، إلى جانب "حكاية ال"، رواية "القاتل الأعمى"، التي فازت بجائزة بوكر، وثلاثية "ماد آدم". إضافة إلى أعمال شعرية ونقدية عديدة. وقد أسهم تنوع إنتاجها في ترسيخ مكانتها بوصفها كاتبة لا تنتمي إلى نوع أدبي واحد، بل تستخدم الأدب بأشكاله المختلفة للتعبير عن رؤيتها للإنسان والعالم.
إن أهمية مارغريت أتوود لا تكمن فقط في شهرتها العالمية، وإنما في قدرتها على جعل الأدب وسيلة لطرح الأسئلة الصعبة. فهي تكتب عن المستقبل لتتحدث عن الحاضر، وعن المجتمعات المتخيلة لتكشف تناقضات المجتمعات الواقعية، وعن المرأة لتناقش الحرية الإنسانية بمعناها الأوسع.
وفي النهاية، يمكن القول إن أدب مارغريت أتوود يمثل تجربة فريدة في الأدب الكندي المعاصر؛ فهو أدب يجمع بين الخيال والوعي، وبين الجمال والتحذير، وبين الحكاية والفكر. وربما تكمن قوته الأساسية في أنه لا يقدم إجابات جاهزة، بل يضع القارئ أمام أسئلة مقلقة تظل حاضرة في ذهنه بعد انتهاء القراءة: كيف نحافظ على حريتنا؟ ومتى تتحول السلطة إلى قمع؟ وما الذي يمكن للإنسان أن يفعله عندما يجد نفسه في مواجهة نظام أكبر منه؟ ومن هنا يستمر أدب أتوود في اكتساب أهميته، لأنه يخاطب مخاوف إنسانية تتجاوز حدود كندا وزمنها، وتصل إلى القارئ أينما كان.



#جورج_منصور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل كانت الاشتراكية غريبة عن العراق؟
- العلاقات الأمريكية الكندية: تاريخ طويل من الشراكة وتحديات ال ...
- كريت... حيث مشيتُ مع زوربا في ظل كازانتزاكيس
- دور المخبرين في كشف الفساد: بين الحاجة إلى المعلومة وغياب ال ...
- العراق: من فرهود 1941 إلى فرهود ما بعد 2003
- قراءة في رواية «عند باب الأزج»: بغداد بين تاريخين من منظور ن ...
- الهوية الوطنية العراقية: بين إرث الانقسامات وأمل بناء وطن لل ...
- قراءة في حصار العنكبوت: حين تتحول الرواية إلى شهادة على سقوط ...
- العودة إلى أي عراق؟ دعوات استعادة المسيحيين تصطدم بواقع الدو ...
- حصر السلاح بين الدولة والفصائل... هل يكفي القرار؟
- على موائد المصالح... حيث يُولد التملق ويموت الضمير
- عندما يصبح الإعلام ضحية المحاصصة قراءة نقدية في آليات الاختي ...
- عندما يفسد الرأس… يمرض الجسد: لماذا يختلف الفساد في العراق ع ...
- الوعي الجمعي وصناعة الدولة: لماذا تبدأ معركة الإصلاح في العر ...
- الفساد في العراق... المشكلة ليست في اللصوص وحدهم، بل في جمهو ...
- كيف تحولت مكاتب رؤساء الوزراء في العراق إلى ملاذ للمناصب الف ...
- ماذا يعني أن تكون الدولة غير محترمة؟ العراق أنموذجاً
- هل سيرى العراق انفراجاً بعد توقيع اتفاقية سلام بين إيران وال ...
- سيفو بعد مئة وإحدى عشرة سنة: ذاكرة الدم التي لم تمت
- القشلة: صرح بغداد التاريخي بين ذاكرة المكان ومخاطر التسليع


المزيد.....




- حمزة الحاج علي يمنح الفنون القتالية السورية أول ميدالية عالم ...
- ليمور -الإندري-.. أعجوبة الخلق الذي يغنّي كنجوم الأوبرا في غ ...
- الحديث بصوت مرتفع في حافلات سنغافورة قد يُكلِّفك
- عنصرية الحجب الفلسطيني عن التمثيل البرلماني
- فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما ...
- معركة شطب أمام المحكمة العليا.. التمثيل العربي في انتخابات ا ...
- الأمن المصري يكشف تفاصيل مقتل عم الفنان حمدي الميرغني بالرصا ...
- الصندوق الأسود للحرب العظمى.. من عهد السلطان عبد الحميد الثا ...
- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جورج منصور - الروائية الكندية ماركريت أتوود: أدب المرأة والحرية ومواجهة السلطة